شيخ الليل.. أسواق صنعاء ومجتمعها

الكاتب : المازق   المشاهدات : 696   الردود : 1    ‏2007-05-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-25
  1. المازق

    المازق قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-12-25
    المشاركات:
    3,696
    الإعجاب :
    0
    شيخ الليل.. أسواق صنعاء ومجتمعها
    فرانك مرمييه

    هذه الدراسة القيِّمة للحياة في العاصمة اليمنية صنعاء تصف تاريخها الحديث، الذي هو في الوقت نفسه امتداد لماض عريق.. وفيها نقرأ عن مكونات المدينة الاجتماعية وأسواقها واقتصادها التي يميزها: شيخ الليل وشيخ الاسلام وشيخ الربع وشيخ القطعات وشيوخ الأرباع وصقَّالو العقيق والعاقل والطوائف الحرفية وأمين السوق والجابي والجنبية والحرازيين والحكي باليد والحمامات العمومية.. إلخ، وتفاصيل كثيرة أخرى، في وصف رائع يجعل القارئ يشعر وكأنه يسير في طرقات المدينة ويلمس كل مناحي الحياة فيها لمس اليد.
    المؤلف يأخذ بيد القارئ، ويقوده عبر شوارع المدينة العتيقة وطرقها الضيقة . . معه يدخل المدينة عبر بواباتها، ويشاهد أسواقها الكثيرة، يتنفس الحياة فيها، الساكنة والصاخبة، وكذلك عطر رياحينها وبهاراتها وبخورها، يعيش في حاراتها تاريخًا حافلاً، وعريقًا، ويتعرف سكانها وأهلها . .
    المعطيات المجموعة في هذا الكتاب هي ثمرة بحثٍ ميدانيٍّ أجراه المؤلِّف بين تشرين الثاني (1983 م) وحزيران (1986 م)، ثمّ أضيفت إليها ملاحظاتٌ منتظمةٌ جمعها خلال زياراتٍ عدّة لاحقة استمرت حتى منتصف التسعينيات.
    ولأن صنعاء هي إحدى أقدم المدن العربية وأعرقها، فإن دراسة الحياة فيها تساعد في فهم تطور المجتمع المديني العربي ومؤسساته المختلفة، من دون أن يعني ذلك نسيان خصوصية كل حاضرة وتميزها من غيرها.


    فصل من الكتاب:

    1] شيخ الليل
    1/ 1] التأسيسات
    تحتلّ صنعاء منذ الحقبة السابقة للإسلام مكانةً متميّزةً في التاريخ الدينيّ والسياسيّ للبلاد. وإذا كان تاريخ تأسيسها لا يزال غير مؤكّد حتّى الآن، فإنّ وجودها ثابتٌ منذ القرن الأوّل للميلاد، وذلك عبر نقشٍ يشهد على إقامة قبيلتين في المدينة هما سبأ وفيشان[1]. في تلك الحقبة، كانت الأهميّة الاستراتيجيّة لصنعاء، كونها بوّابة المناطق الشرقيّة والشماليّة، قد جعلت منها موقعًا عسكريًا متقدّمًا للدّولة السبئية، وعاصمةً ثانيةً بعد مأرب[2]. اكتسبت المدينة بين القرنين الأول والثالث مكانةً سياسيّةً من الدرجة الأولى مع بناء قصر غمدان الذي تنافس الإخباريّون العرب في وصف عظمته وروعته، ما أسهم في صياغة الهالة الخرافيّة المنسوبة لملوك الجاهليّة[3]. إلا أنّها، وخلال القرن الميلادي الخامس، أي في عهد مملكة حِمير، في ظلّ الملك اليهودي يوسف أسأر يثأر الملقّب بذي نواس، تمكّنت من تجاوز جميع المدن الأخرى في محيطها لتصبح المقرّ الوحيد للسلطة. وحافظت على تلك المكانة في أثناء حكم الغزاة الحبشيّين الذين استولوا على اليمن في القرن السادس وعاقبوا ذا نواس لاضطهاده نصارى نجران وحضرموت. ثم أسّس فيها أبرهة، ثاني ملوك الحبشة، الذي اشتُهر بمحاولته السيطرة على مكة، كتدرائيّة القليس التي امتدّ إشعاعها إلى سائر أرجاء جنوبي جزيرة العرب[4].
    احتفظت صنعاء خلال الحقبة الإسلاميّة بمركزيّةٍ سياسيّةٍ واستراتيجيّةٍ استقطبت كالمغناطيس مختلف القوى السياسيّة التي تتالت أو تقاتلت في الهضاب العليا لليمن ولاسيما الزيديّة، واليعفريّين، والصليحيّين والأيوبيّين، وسلاطين هَمدان، والرَّسولِيّين والطاهريّين والمماليك والعثمانيّين، حتّى ولو لم يكن نفوذ المدينة السياسيّ يتجاوز أسوارها إلا نادرًا[5]. وقد أدّى مسجدها الكبير الذي بني في عهد الرسول دورًا بارزًا، سواء مركزًا لنشر العلوم الدينيّة أم مكانًا لإضفاء الشرعيّة على مختلف السلطات السياسيّة. القلعة شيّدت على أنقاض قصر غمدان واستخدمت لمدةٍ طويلةٍ مقرًا للسلطة السياسيّة، وآخرَ معقلٍ للمقاومة حين كانت صنعاء تتعرّض لهجمات القوى المنافسة. كما كانت المدينة مثار أطماع القبائل، ولاسيّما همدان التي كانت تريد السيطرة عليها للاستيلاء على ثرواتها، لكن أيضًا لأهميّتها الثقافيّة والدينية[6]. في عهد الرسول وفي ظلّ الدولة الأمويّة والدولة العباسيّة، كان الحاكمٌ يقيم في صنعاء، إلاّ أنّه ومنذ سنة [232 هـ/847 م]، قام اليعفريّون، وهم سلالةٌ يمنيّة استقرّت في شِبام، بطرد ممثّل الخلافة من صنعاء.
    على المستوى الإقليمي، كانت صنعاء تمثّل مركزًا مهمًا للإنتاج الحرفيّ ولتسويق المنتجات الريفيّة. غير أنّ إشعاعها التجاريّ اكتسب بعدًا دوليًا بسبب مشاركة المدينة في تجارة القوافل التي كانت تصل موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي بشمالي جزيرة العرب[7].
    إنّ الشهادات عن سوق صنعاء في حقباتٍ مختلفةٍ والمتناثرة على المستوى الزمنيّ، والناقصة جدًا بالقياس إلى حقبات معيّنة، تشكّل مجموعةً من الصور السريعة الثمينة للتاريخ الاجتماعيّ والاقتصاديّ للمدينة. وهكذا، يكشف وصف السوق الذي يقدّمه لنا الجغرافيّ ابن رسته في القرن التاسع للميلاد أنّ موقعها ظلّ هو ذاته إلى الآن:
    ولمدينتهم شارعٌ يشقّها نصفين، وينفذ إلى وادٍ تجري فيه السيول أيام المطر في عرض دجلة، أو أقلّ منها ويسمّى السّرار. وعلى ضفّتيه قصورٌ مبنيّةٌ من الجصّ والآجرّ والحجارة، وعامّة هذه القصور للدبّاغين. وإليه أيضًا ينفذ فوهة أزقتها. وسوقها في ناحيةٍ ممّا يلي قبلتها وبعض هذا الشارع. ولكلّ واحدٍ من أزقّتها بابان يفضي أحدهما إلى هذا الشارع والآخر إلى سور البلد[8]». وهكذا، يعبر محورا التواصل السوقَ ويصلانه بالأبواب القديمة للمدينة، وكذلك بالأسواق المحيطة التي تنتشر على امتدادها. يتّجه أحدهما من الشمال إلى الجنوب ويربط باب شعوب بباب اليمن، وهما البابان الشمالي والجنوبي للمدينة، في حين يجمع المحور الممتدّ من الشرق إلى الغرب ساحة اللقيّة التي يهيمن عليها قصر السّلاح، القلعة القديمة، في باب السبح، أي الباب الغربيّ القائم فوق نهر السّرار الذي ذكره ابن رسته[9].
    تبيّن أيضًا شهادة ابن رسته وجود نشاطٍ حرفيٍّ كبيرٍ موجّهٍ نحو التصدير:
    ومن عندهم يجلب الأدم والنعال المشعّرة والأنطاع والبرود المرتفعة والمصمت والأردية، يبلغ الثوب من البرد عندهم خمسمئة دينار، وألوان الفصوص والأواني، بقرانيّة وسعوانية، والجزع وأنواع الخرز، يبلغ الفص من البقراني مائة دينار وأكثر، ولهم سوقٌ على حدةٍ لا يباع فيها إلا المزامير قد شدّوها حزمًا، ونضّدوها في حوانيتهم، ولهم خاناتٌ كثيرةٌ ومحالّ فيها خلقٌ كثيرٌ يصنعون أواني الجزع وأنواع الخرز[10].
    وهكذا، كان السوق في الجانب الشرقيّ من مدينة صنعاء والمسمى «القطيع»، الذي كان يسكنه «الأبناء»، وهم المنحدرون من الفرس الساسانيّين الذين قدِموا لمساعدة الملك اليمنيّ سيف بن ذي يزن لزعزعة الطغمة الحبشيّة في القرن السادس للميلاد. ويبدو أنّ قسمًا كبيرًا من الحرفيّين والتجّار قد أصبحوا داخل هذه الجماعة[11]. استقرت قبيلة بني شهاب، وهي من منطقة صعدة، في الجانب الغربيّ من صنعاء حيث استثمر أعضاؤها الأراضي التي خصّصت لهم[12]. ومنذ وصول العبّاسيين إلى السلطة تحوّل التعايش بين هاتين الجماعتين إلى علاقة صراع، كما أدّى تعيين حكام من أصل يمنيٍّ إلى «سلسلةٍ من النزاعات العرقيّة بين الأبناء وبني شهاب»[13]. ويشهد الهمداني في القرن العاشر الميلادي على طابع عدم التجانس لسكّان المدينة، وعلى واقع أنّ تعريب المدينة لم يكن قد أنجز بعد: «صنعاء في أهلها بقايا من العربيّة المحضة ونبذ من كلام حِمير، ومدينة صنعاء مختلفة اللغات واللهجات ولكلّ بقعةٍ منها لغة، ومن يصاقب شعوب يخالف الجميع»[14]. وفي القرن الحادي عشر الميلادي، أكّد الرازي أنّ المدينة تعدّ سبعمئة حانوت، وذكر أسماء نحو عشرين سوقًا[15]. وأضاف أنّ سكانها يتوزّعون على أربعة أصناف: القحطانيّين (عرب الجنوب)، ومضر (عرب الشمال)، والعامّة، والأبناء[16].
    كان هذا الطابع المركّب للسكّان الحضر يجد على هذا النحو تعبيره الأكثر وضوحًا داخل السوق، الذي واصل عبر القرون استقبال مجموعاتٍ جديدةٍ من السكّان، تتميّز إمّا بديانتها كاليهود، أو بأصولها المغايرة كالبانيان، وهم تجّار هنودٌ قدِموا من غاجورات[17]. وإذا كانت المصادر التالية للقرن الحادي عشر للميلاد لا تذكر الأبناء الذين استُوعبوا تدريجيًا كونهم مغايرين، فثمّة جماعتان أخريان تُذْكران من حينٍ لآخر وهما اليهود والبانيان، وذلك يعود إلى المكانة المهمّة التي احتلّوها في اقتصاد المدينة. وقد كان لإجلاء اليهود عن المدينة عام [1679 م] للميلاد بأمرٍ من الإمام المتوكّل انعكاساتٌ خطيرةٌ على الحياة الاقتصاديّة للمدينة: «لقد تحسّر المسلمون لإجلاء اليهود عن صنعاء، إذ لم يبق أحدٌ للقيام بالأعمال التي كانوا يحتاجون إليها، وكان كلّ اليهود من الحرفيّين، فبعضهم يحوك الملابس وبعضهم يعمل في صياغة الفضّة وإصلاح المطاحن والحدادة والنجارة والسكافة والبناء وصناعة الآجر. كانوا يتعاطون كلّ الحرف، فقرّر المسلمون السماح لليهود بالعودة، ولكن لم يُسمح لهم بالإقامة سوى خارج المدينة[18](...)».
    قام (كارستن نيبور/ Carsten Niebuhr)، الذي زار صنعاء عام [1762 م]، برسم لوحةٍ متباينةٍ لوضع اليهود في صنعاء. ففي حين كان بإمكان أثريائهم التمتّع بمراكز مهمة في الإدارة الملكيّة، كانوا يتعرّضون لمصادراتٍ قاسيّةٍ بسبب ثرواتهم ووضعهم الدونيّ:
    يوجد من بين هؤلاء اليهود من يمارس تجارةً مهمّة، وأحد هؤلاء التجار المتميّزين المسمّى أوراقي حصل على حظوة إمامين. فخلال ثلاثة عشر عامًا من حكم المنصور وخمسة عشر عامًا من حكم الإمام الحاليّ ظلّ يتولّى الجمارك والأبنية والبساتين، وهي من أفضل الوظائف في قصر صنعاء. إلا أنه نُكب قبل وصولنا بسنتين، فلم يُعتقل ويُوضع في السجن فحسب، إنما اضطرَّ أيضًا إلى دفع غرامةٍ تقدّر بخمسين ألف ريال. ثم قام الإمام بإطلاق سراحه قبل وصولنا بخمسة عشر يومًا[19].
    وقد أعقب التنكيل بهذا التاجر إنزال عقوبةٍ جماعيّةٍ بيهود صنعاء.
    لقد تسببت نكبة هذا الأوراقي في نوعٍ من الاضطهاد لإخوانه من اليهود. وفي ذلك العهد، قامت الحكومة بهدم اثني عشر كنيسًا من بين أربعة عشر كان يمتلكها اليهود، وكانت في قريتهم بيوتٌ تضاهي في جمالها بيوت وجهاء صنعاء، فهُدِم ما يتجاوز ارتفاعه الأربعة عشر ذراعًا، ومُنع اليهود من رفع بيوتهم أكثر من هذا المستوى، وكُسرت الجرار التي يحتفظ فيها سكان هذه القرية بخمورهم، وأصابتهم في النهاية أضرار من كل الأنواع»[20].
    في العهد ذاته على ما يبدو وقع جانبٌ كبيرٌ من العلاقات التجاريّة للمدينة مع العالم الخارجي في أيدي البانيان على نحو ملحوظ. في العام [1609 م]، لم يتردّد الرحّالة الإنكليزي (جون جوردن/John Jourdain) في تأكيد أنّ «تجارة المدينة تجري أساسًا مع بانيان غاجورات الذين يأتون كلّ عامٍ بجميع أنواع البضائع كقشور الأشجار [ألياف لصناعة الورق] والأوشحة والأقمشة والقطن الخام ومنتجات أخرى من بلادهم. وهم يتصرّفون هنا على أنّهم وكلاء لبانيان عدن والمخا وجدّة، ويقدّمون لهم التقارير. ويوجد لكلّ مدينةٍ من المدن المذكورة سابقًا قائدٌ من البانيان يتصرّف كقنصلٍ أو يحتلّ وظيفةً مشابهة، ويهتمّ بجميع المعاملات في كلٍّ من هذه الأماكن. ولقد تحدّثتُ مع الباعة البانيان عن تجارتهم وعن بضائع بلادنا، وأخبروني أن هذه المدينة (صنعاء) تشتري كلّ عام نحو ألفي بوهار من الحديد وكمياتٍ كبيرةً من القصدير والرصاص. كما يباع فيها النسيج بأسعارٍ رخيصةٍ، نحو مئة قطعةٍ من القماش البنفسجي أو أحمر الستاميل وأحمر البندقية، إضافة إلى الصلب. وهذه المدينة توافر قليل من السلع للبيع ولا سيما «الفوة أو البوة» التي ينقلها البانيان بكميّةٍ كبيرة إلى الهند من أجل الصباغ باللون الأحمر والتي توافر لهم أرباحًا طائلةً[21]». وعلى مثال اليهود، كانت أوضاعهم تسوء أو تتحسّن بحسب عقليّة التسامح أو التعصّب لكلّ ملك. يذكر المؤرّخ اليمنيّ الجرموزيّ أنّ البانيان، في عهد المتوكّل إسماعيل عام [1655-1656 م]، كانوا كثيرين لدرجة أنّه كان يُعثَر عليهم حتّى في سوق شهارة، وهي المدينة المعروفة بأنهّا القلعة المنيعة للأئمة الزيديّين في أثناء الحكم العثمانيّ. وفي أثناء حديثه عن عداء التجّار المسلمين لهم، يكشف أنّه، مع ضغوط سكّان صنعاء، فقد سمح لهم الإمام بالبقاء حيث كانوا يتاجرون[22]. في عام [1856 م]، يقال إنّه لم يبق من البانيان في تلك المدينة سوى ثلاثة، في حين كان نيبور قد أحصى [125] تاجرًا من البَانِيان قبل ذلك التاريخ بنحو قرنٍ واحد[23]. ومن ثم، فقد استُبدل بهذه الجماعة تدريجيًا في القرن التاسع عشر كونها وسيطًا تجاريًا الحضارمة الذين احتكروا كلّ أنواع التجارة بين الهضاب العليا والمناطق الجنوبية[24].
    ومن بين ما تبيّنه هذه الشهادات أنّ المدينة شهدت في القرن السابع عشر وحتى أواسط القرن الثامن عشر نوعًا من الازدهار التجاريّ نتج عن تزايد المدخولات النقديّة الآتيّة من تصدير البن. وإلى هذا العهد يعود تاريخ بناء أقدم خانات السوق، وكذلك «البيوت الجميلة» التي تُعَدُّ أساساتها من أقدم أساسات المدينة، وكذلك إصلاح العديد من المساجد[25]. إلاّ أنّ المظهر الحالي للسوق يعود إلى العهد العثمانيّ الثاني الذي جرى خلاله بناء أكثر الخانات والمتاجر:
    كان يعيش في صنعاء أكثر من ثلاثة آلاف موظفٍ وضابطٍ عثمانيّ، وكان المال المطلوب لنفقاتهم ولرواتبهم يأتي من الضرائب التي تجري جبايتها من المناطق الزراعيّة في اليمن، وكذلك من الولايات العثمانيّة الأخرى. وبما أنّ الجانب الكبير من هذا المال كان ينفق في صنعاء، فقد ارتفعت القدرة الشرائيّة والطلب في المدينة ارتفاعًا كبيرًا، ما منح دفعةً إضافيّةً وقويّةً للتجارة الداخليّة والخارجيّة، وللسوق العقاريّة والبناء (...). غير أنّ رواتب الموظفين والجنود والضبّاط لا تشكّل بمفردها الإضافة الماليّة الخارجيّة التي كانت المدينة تستفيد منها؛ وفعلاً، كان على الدولة العثمانيّة إرسال أموالٍ إلى صنعاء لتأمين سكن قوّات الاحتلال وحياة أفرادها وتمويل نقل التجهيزات والمعدّات ومشاريع البناء . . وفي هذه الفترة بالذّات اكتسب سوق صنعاء أبعاده الحالية، فتمّ بناء صفوف الدكاكين الجميلة والمصنوعة على نحوٍ متين في السوق المركزية، كما جرى تشييد السماسر متعددة الطوابق أو وسّعت وأعيد ترتيبها لجعلها مخازن لتجارة الجملة. لم يكن السوق حتّى ذلك الحين سوى مكان متواضعٍ لتبادل السلع بين أهل المدينة والأرياف المحيطة (...). أصبح السوق يساهم في شبكاتٍ اقتصاديّةٍ واسعةٍ في الإمبراطوريّة العثمانيّة بفضل القدرة الشرائيّة وطلب الأتراك الذين كانوا يعيشون في صنعاء، وكذلك بفعل وارداته من الاقتصاد العالميّ في تلك الحقبة. فقد تسارعت عمليّة التداول النقديّ، ودفعت بالتّالي إلى تنامي المبادلات التجاريّة[26] (...).
    تكشف شهادة (ولتر هرِس/ Walter Harris) الذي زار اليمن عام [1892 م]، أي بعد عشرين عامًا من دخول القوّات العثمانيّة إلى صنعاء، الأهميّة الاجتماعيّة إن لم يكن حيويّة الأسواق الحرفيّة الخاصّة وأسواق الصاغة وصاقلي النصال التي استمرّت إلى أيامنا هذه: «(...) إنّ أكثر المتاجر أهميّةً هي تلك الخاصّة بالصاغة وصانعي الأسلحة. فعلى جدران الأولى، تعلّق العقود والأساور والخلاخل الفضيّة التي يتميز كثير منها بتصميمٍ جميلٍ جدًا (...) إلا أنّ المهارة الكبيرة لصاغة صنعاء، الذين يستحقّون الشهرة التي اكتسبها عملهم، تبدو في صناعة أغمدة الخناجر التي يُحلّى كثير منها بكميّةٍ كبيرةٍ من الفضّة وأحيانًا من الذهب (...) إلاّ أنّ الأهالي يولون النصل اهتمامًا أكبر من الاهتمام الذي يولونه لأغمدة الجنابي وهو الاسم الذي يطلقونه على الخناجر. والمرغوب منها على نحو عام هو الأقدم، ويقول الناس إنّ الفنّ القديم في صهر المعادن قد ضاع. ومهما يكن من أمر، فليس هناك شكٌّ في أنّ النّصال الحديثة ليست رديئة الصنع إلى هذه الدرجة. وتُعرض أثمانٌ مرتفعةٌ لأفضل النماذج منها. تباع قطعتا الجنبيّة كلاًّ على حدة في معظم الأحيان. واليمنيّ الذي يجد نصلاً يناسبه يقتني له غمدًا وفق ذوقه وثروته[27](...)».
    لقد مثّل التفتّت السياسيّ للبلاد التي كانت مقسّمةً بين أسرٍ حاكمةٍ متنافسةٍ مصدرَ عدم استقرارٍ لمدينةٍ كانت على الدوام محلّ نزاعٍ واكتسبت، نتيجة ذلك، وضع مدينةٍ عاصمة على نحو متقطّع فقط، وهو ما كان عليها أن تتقاسمه بحسب العهود مع عدن وتعز، ولاسيما زبيد[28]. وإذا أمكن القول إنّ الاحتلالين العثمانيّين قد أدّيا في نهاية الأمر إلى توحيدٍ جزئيٍّ للبلاد وإلى تدعيم السلطة الزيديّة التي نجحت في تنظيم مقاومة الاحتلال تحت رايتها، فإنّهما أكّدا فعلاً ونهائيًّا تفوّق مدينة صنعاء. لقد اختيرت عاصمةً للولاية اليمنيّة طوال حقبتي الاحتلال العثمانيّ اللتين تتالتا بفارق أربعة قرون، فاستفادت المدينة من العديد من الإنجازات المعماريّة والتمدينيّة كثيرة التي أمر بها الباشوات الأتراك. وإثر انسحاب القوّات العثمانيّة عام [1918]، تحوّلت صنعاء إلى عاصمةٍ للإمام يحيى قبل أن تكون عاصمةً للجمهوريّة العربيّة اليمنيّة عام [1962]، ثمّ عاصمةً لليمن الموحّد عام [1990][29].
    1/ 1/ 1] قطبٌ أسطوريّ
    أضافت صنعاء إلى هذه المركزيّة السياسيّة والتجاريّة مركزيّةً يمكن وصفها بالروحيّة ضمن جغرافيّةٍ أسطوريّة، ترتَّب فيها الأقطاب بحسب قدسيّتها كما يلي: مكّة المكرمة والمدينة المنورة والقدس. وعلى شاكلة عديد من الحواضر الإسلاميّة، كان تأسيسها يُنسب إلى أحد الأنبياء قبل الإسلام، ولكنّه يرتبط أيضًا مباشرة بتأسيس قصر غمدان[30]. وهذا الأخير هو بحسب الأسطورة أوّل صرحٍ قام ببنائه سام بعد أن اختار موضعًا لتأسيس أوّل مدينةٍ بعد الطوفان. وكان العالِم اليمنيّ الهمدانيّ من أوائل من ذكروا هذه الرواية في القرن العاشر:
    والذي أسّس غمدان وابتدأ بناءه واحتفر بئره التي هي اليوم سقاية المسجد الجامع بصنعاء سام بن نوح عليه السلام، اجتوى بعده السكنى في أرض الشمال، وأقبل طالعًا في الجنوب يرتاد أطيب البلاد، حتى صار إلى الإقليم الأوّل فوجد اليمن أطيب مسكنًا، وارتاد اليمن فوجد حقل صنعاء أطيب ماءً بعد المدّة الطويلة فوضع مقرانه، وهو الخيط الذي يقدّر به البناء ويبني عليه بناءه إذا مدّه بموضع الأساس، في ناحية فجّ غمدان، في غربي حقل صنعاء، فبنى الظبر وهو اليوم معروفٌ بصنعاء. فلمّا ارتفع بعث الله طائرًا فاختطف المقرانة، وطار بها، وتبعه سام لينظر أين وقع فأقام بها إلى جنوب النعيم في سفح نقم فوقع بها، فلمّا رهقه طار بها فطرحها على حرجة غمدان، فلما قرّت حرثة غمدان علِم سام أنه قد أُمر بالبناء هناك فأسّ غمدان واحتفر بئره وتسمّى كرامة وهي سقاء إلى اليوم ولكنّها أجاج [31].
    فيما يتعلق بصنعاء، يقدّم المؤرّخ اليمني ابن الديبع صيغةً أخرى أقل ثراءً من حيث التفاصيل، لكنّها تورد عن ذرّية سام معطياتٍ لم يسبقه إليها أحدٌ. فبأمرٍ من والده نوح، توجّه سام مع أبنائه إلى اليمن بحثًا عن مكانٍ يختاره للإقامة. فأهمل الحجاز ونجْدًا وإقليم العروض حيث لم يناسبه المناخ، وتوقّف في صنعاء لتأسيس المدينة وحفر بئرٍ تحمل اسمه. في هذه الأثناء، أقام أخوه يافث في أراضي الشمال، وأقام حام، جدّ الأفارقة، في أقاليم الأرض الجنوبية. أنجب سام في صنعاء خمسة أبناءٍ هم أرفخشد، وأشوذ، ولاوذ، وإرم، وعويلم، الذين تحولت لغتهم وملامحهم الجسديّة بتأثير المناخ. وهكذا اكتسبوا النمط الإثنيّ للعرب وأصبحوا أجدادًا لهم[32]. ويذكر الجغرافي ابن المجاور رواياتٍ مختلفةً إلى حدٍّ ما عن هذه الأسطورة معتمدًا على ما كتبه القدامى[33]. وفق إحدى تلك الروايات، فإنّ شيث، أحد أبناء آدم، هو الذي قام ببناء صنعاء وغرس في ضواحيها بساتين على طرفي طريق يقدّر طولها بمسيرة سبعة أيّامٍ بين صنعاء والعراق. ويعزو آخر بناء المدينة إلى سام الذي كان يبحث عن مكانٍ يمكن أن يخفّف ألمه، ويجعله يتمتّع بمناخٍ معتدلٍ وماءٍ عذبٍ وأرضٍ خصبة، فاكتشف أنّ صنعاء هي المكان الأكثر ملاءمةً. صعد على جبل نقم وأمر رجاله أن يبتني كلٌّ منهم بيتاً لنفسه. سرعان ما بلغت المدينة سبعة فراسخ عرضًا وطولاً، وامتدّت أراضيها إلى البصرة[34]. كانت تربط المدينتين طريقٌ ظلّت «مسلوكةً عامرةً إلى أن علتها الرمال وقطعتها». والبئر الأولى للتأسيس حفرها هود، وهو نبيٌّ قبل الإسلام يقال إنّ قبره في مزارٍ قرب تريم في حضرموت[35]. أمّا قصر غمدان، فيُذكر أنّ سام هو الذي أقامه ثمّ رفعه كلّ تبعٍ يمنيٍّ بمقرٍّ سكنيٍّ ملكيٍّ واحد حتّى بلغ [72] أو [93] سقفًا[36]. وآخر من زاد في ارتفاعه هو أسعد الكامل، أحد أشهر التُبَّع، الذي كثيرًا ما استُمدّت إنجازاته الأسطوريّة من ملحمة الإسكندر الأكبر والذي جرت مطابقته مع التبّع القرآنيّ في الأساطير اليمنيّة القديمة[37]. ورد في رواية الهمداني أن طائرًا بيّن قدرة الله الكلّية بتوجيهه للفعل المؤسّس. هذا الموضوع لا يختصّ بصنعاء، بل يوجد في روايات تأسيس مدنٍ إسلاميّةٍ أخرى، ولاسيما القاهرة والإسكندرية[38]. في حالة صنعاء، تختفي إرادة إضفاء قيمةٍ على حضارة عرب الجنوب، أي القحطانيين، وراء أصلها الأسطوريّ الذي يجمع بين العصر الذهبيّ في الجاهلية، غمدان وأسعد الكامل، وذرّيةٍ مقدّسة: سام وشيث وهود. في الواقع، تكشف الأصول الأسطوريّة لصنعاء رسوخًا يمنيًا للتاريخ المقدّس الإسلامي مرتبطًا بتطوير «ملحمةٍ قحطانيّة» يُفترض بأنّها تقيم دلالةً على الأسبقيّة النبويّة لعرب الجنوب؛ فكثيرًا ما يقدّم أسعد الكامل، بين أمثلةٍ أخرى، على أنه موحِّدٌ اعتنق النصرانيّة، وكان أوّل من قدّم كسوةً للكعبة[39]. وهي أيضًا تخترق موضوعة الحماية الإلهيّة لصنعاء التي أبرزتها أساطير عدّة، فيذكر الهمداني أنّ سكّان صنعاء سمعوا خلال معركةٍ مع أعدائهم صوتاً فوق طبيعيٍّ يؤكّد لهم رحمة الله بآزال، الاسم الأسطوريّ لصنعاء قبل الإسلام[40]. إنّه تغريد طائر، يردّد: «القرية المحفوظة محفوظة»، كان وهب بن منبّه يسمعه كلّ يوم خارج المدينة. وقد ذكر الرازي شهادته في معرض ذكره للطريقة التي تسبّب فيها ظبيٌ في مقتل المحاصرين لصنعاء، وهم رجالٌ من قبيلة همدان، كانوا يتحاربون على امتلاكها[41]. كما لقي المصير ذاتَه جيش أحد الولاة الأمويّين كان يعسكر على أبواب المدينة، وحسِب مجيء دوابّ هاربةٍ من المدينة هجمةً ليليّة. وحتى الثعابين لا يمكنها دخول المدينة: «وصنعاء محويّةٌ بطلسمين من الأفاعي والأحناش، فلا تكاد تضرّ الأفاعي والأحناش بها أحدًا ولم يسمع فيها بملدوغٍ مات من ذلك، وما ظفر بها أحد، وأحد هذين الطلسمين من حديد والآخر من صُفر وكانا على باب مدينة صنعاء»[42]. يمكن مقارنة ذلك مع حيّة موسى التي تولّت حماية العبرانيين في الصحراء من لدغ الأفاعي[43].
    مثل عالمٍ صغير يعكس من طريق الانكسار الزمن الأسطوريّ للاكتمال الديني، يصبح سور المدينة مسرحًا لتاريخ مقدّس يُرسي جذور المكان في زمنٍ أوّليّ يتعاقب فيه مرسَلو الله. ويذكر ابن رسته على النحو التالي تقليدًا يضفي المصداقيّة على رغبة سكان المدينة في منحها قدسيّةً: «وفيه طاقٌ كبير قد عقد من حجارةٍ بقرب الجزارين، ذكر أهلها أنّه ذبح في هذا الموضع في الزمن الأول ستة عشر نبيًا»[44].
    إنّها إذن صورة مدينةٍ مثاليّة، نُذرت لعبادة الله كما يبدو في رواية التأسيس تلك. فعند الهمداني: «فإنها تُعدّ من أكثر المدن التي فيها هذا العدد الكبير من المعابد» في حين لا يتردّد الرازي في تأكيد أنّه يوجد في المدينة «الأصليّة» مئة وعشرون ألف منزلٍ وعشرة آلاف مسجد[45].
    في الأسطورة، يحيط المقدّس بالمدينة إلى درجة منحها هويّةً ميتافيزيقيّةً تلغي كلّ تناقض، وتعزلها عن محيطها وتضعها في وحدةٍ أوليّة هي صدى الحنين إلى مطلقٍ يستحيل بلوغه.
    1/ 1/ 2] صنعاء موقع هجرة؟
    هكذا قامت صنعاء التي في قلب المناطق الزيديّة بتأبيد قَدَر مدينةٍ - عاصمة منذ القرن الأول، ظلّت في كثيرٍ من الأحيان في حالةٍ افتراضيّة، لكنّها ساهمت على نحوٍ مهيمنٍ في تطوّرها الشكليّ والسكّانيّ. قد تسمح الحكايات عن الحماية الإلهيّة للمدينة بالظن أنّها حظيت بمرتبة «هجرة»، ما يرفعها إلى مستوى حَرَمٍ زيديٍّ مُنح حمايةً قبَليّة[46]. وفي الحقيقة، يبّين تاريخ صنعاء أنهّا استُخدمت مرّاتٍ عدّةً مسرحَ معارك، وأنّها كانت دائمًا هدف عمليات نهبٍ وقتلٍ كثيرًا ما تقوم بها قبائل مجاورة. وكان لمواقع أخرى معروفةٌ بأنّها أمكنة هجرة، المصير ذاته. وكان ذلك يحدث في كثيرٍ من الأحيان بسبب خلافاتٍ بين مختلف التيارات الزيديّة، ولم تكن حُرمة هذه المواقع يُعترف بها، نظريًا، سوى القبائل المرتبطة بها، بالتزامٍ واضحٍ في كثيرٍ من الأحيان، والتي تستخدمها مجالاً محايدًا.
    تسمح العودة التاريخيّة القصيرة إلى أصول هذه المؤسّسة بتمييز صيغها الدينيّة من القبليّة، وبالإجابة عن السؤال المتعلّق بوضع مدينة صنعاء. في العقيدة الزيديّة، أعيد تأويل «الهجرة»، أي هجرة النبي محمد الذي غادر مكّة إلى المدينة بحثًا عن ملاذ، كونها واجبًا مفروضًا على أنصاره، من سنّةٍ وغيرهم، كي يرحلوا عن أرض الظالمين ويلتحقوا بإمام الجماعة حين قامت الدولة الزيديّة[47]. يظن أنّ تعبير «هجرة» لم يبدأ في الإشارة إلى مواقع محميّة تُستخدم أماكنَ محصّنة وأماكن تعليم ونشر للمذهب الزيديّ إلاّ مع مطلع القرن الحادي عشر [48]. وهو لم يتحوّل إلى مفهومٍ قبليّ سوى فيما بعد، وذلك لأنّ حماية القبائل ليست لازمةً لإقامة «هجرة»، ولأنّ الإقامة الحصريّة لسلالة النبيّ في مكانٍ ما لم تكن تكفي لإكسابه تلك الصفة[49]. ف«الهجرة» الزيديّة كانت قبل كلّ شيءٍ مكانًا تحكمه الشريعة محميًا من السيطرة القبليّة، حتّى وإن وجدت بعض الاتفاقيّات المكتوبة أو الشفويّة مع قبيلةٍ أو مجموعةٍ من القبائل المحيطة، عُقدت لضمان حمايتها وحصانتها[50]. إنّ مدينة صنعاء، التي لم تشكّل محميّةً زيديّةً حصريّةً إلاّ في وقتٍ متأخّرٍ جدًا[51]، وتميّزت منذ تأسيسها بطابعٍ سكانيٍّ متنوّع، لم تكتسب أبدًا وضع «هجرة». وفي جميع الحالات، لا يشهد أيّ مصدرٍ على أنّ هذا المكان قد اعترف به هذا أو ذاك من التيارات الزيديّة على أنّه كذلك. لكن يصحّ أيضًا بالقدر نفسه أن يصف مدينيّون أو رجال قبائل صنعاء أحيانًا بأنّها «مُهَجَّرة»، تحظى بمرتبة «هجرة»، أي أنّها، بمفرداتٍ قبَليّة، محميّةٌ من أيّ اعتداء. علاوةً على ذلك، تضمّ المدينة بين سكّانها أناسًا من سلالة النبيّ (سادة) وقضاةً دينيّين، يصفون أنفسهم بأنّهم أشخاص «هجرة»، ويمتلك العديد من ممثّليهم، ممّن يعيشون في الوسط القبَليّ، هذا الوضع حقيقةً. إنّ مماثلة صنعاء بموقع «هجرة» يعود في الواقع إلى عملية توسّعٍ رمزيةٍ قبل كلّ شيءٍ لاستخدام مفهومٍ قام العرف القبليّ باستيعابه وكان يتضمّن، قبل التغلغل الزيديّ، مفهوم المحميّة؛ أسواقًا، أماكن اجتماع القبائل، يطلق عليها «مسراخ»، ويمكن أن تكون أماكن قديمةً للعبادة قبل الإسلام[53]. إنّ وجود سكّانٍ غير قبليّين وسوقٍ مستمرٍّ وكثير من أماكن العبادة، وكذلك الوظيفة السياسيّة للمدينة حيث كان قانون الحاكم نظريًا هو الشريعة، كلّ هذه العوامل ساهمت في منح صنعاء مرابة متفرّدة في العالم القبليّ. ويمكن وضعه بالتوازي مع الموقع الخاص بالهجرة، ولكن لا يمكن بأيّ حالٍ خلطه مع هذا الأخير في قبوله الأوليّ، أي: الزيديّ البحت.
    إذا كان تاريخ المدينة ومنطقتها، ووجود كثير من زوايا الظلّ، يدفعان على نحوٍ أكبر إلى تجنّب أيّ تعميمٍ غير دنيويّ، فإنّه يبدو، على ذلك، أنّ إحدى مميّزات صنعاء هي أنّ أرضها لا تنتمي إلى أيّ قبيلة. وبالمقارنة، فإنّ بعض المدن في الهضاب الزيديّة العليا مثل صعدة (خولان بن قضاعة) وخمر (بنو صريم) وحَوْث (عُصَيْمات) وعمران تقع في أرض قبيلةٍ واحدة، وجانبٌ من سكّانها أو جميعهم من غير القبائل، كونهم يتشكّلون من «أهل السوق» ورجال الدين[54]. وهكذا وصل محيط صنعاء داخل الأسوار، الذي هو حاليًا مكان التقاءٍ سبع أراضٍ قبليّة[55]، تدريجيًا إلى حالة وجود خارج الحدود القبليّة هي نتاجٌ طبيعيٌّ لإشعاعها السياسيّ والدينيّ والاقتصاديّ. وهذا لا يعني أنّ المدينة كانت تشكّل عالمًا مستقلاً تمامًا، معزولاً كليًا خلف أسوارها. وهكذا، ومن بين القبائل المحيطة، نجد اثنتين كانت كلّ واحدةٍ منهما تدّعي أنّ بعض الأحياء خارج أسوار المدينة هي جزءٌ من أراضيها. فحيّ «بئر العزب» السكنيّ الواقع غربًا والذي بني خلال العهد العثماني الأوّل كان جزءاً من بلاد السلطان، وهو امتدادٌ للمجال التابع لبني مطر، والقرية القديمة ل«شعوب» التي كانت تجاور البوّابة الشماليّة للمدينة كانت خاضعةً للأعراف الخاصّة ببني الحارث[56]. وهكذا، كان هناك شيوخٌ لبئر العزب ولشعوب، وما زال هناك حتى اليوم شيخٌ لحيّ بئر العزب، على أنّه ليس له سوى وظيفةٍ شرفيّة، وأنّ تعيينه مرتبطٌ بالبلدية. كان شيخ بئر العزب في نهاية القرن التاسع عشر، أي في أثناء الاحتلال العثماني، هو حسين بن يحيى زهرة[57]، وأحد أحفاده اليوم هو شيخ أحد الأحياء في قطّاع الصافية، في حين أنّ حفيدين آخرين هما عاقلا حيّ، أحدهما على أراضي سلطته القضائية، والآخر في جواره مباشرةً[58]. ربّما لا يكون لهذه الاستمرارية التاريخيّة المثيرة للاستغراب سوى قيمةٍ استثنائيّة، إلا أنّها توحي مع ذلك بأنّ حدود المدينة، التي كان أغلب سكّانها يعيشون في ذلك الحين معتمدين على الزراعة، كانت تمتدّ إلى ما وراء أسوارها، وأنّه كان لساكنيها علاقةٌ وطيدةٌ مع محيطها القبلي. وهكذا، يُجمع كثير من الرحّالة الأوربيّين على الإشارة إلى أنّ معظم التجّار الأثرياء والحرفيين كانوا في القرن التاسع عشر يقيمون خارج المدينة، أي في القرى المجاورة مثل الروضة والجراف، التي كانت تمدّ السوق بالخضراوات[59].
    إذن، فالقبيلة والمدينة لم تكونا كيانين متمايزين تمامًا؛ كان العالم القبليّ يغذّي المجتمع المدينيّ بسيلٍ متواصلٍ من المهاجرين، ويشكّل نموذجًا مرجعيًا مهمًا على مستوى القيم. وعلى انقسامه إلى العديد من القبائل، كان يعود ليصبح كيانًا رمزيًا متكاملاً في عيون المدينيّين الذين كانوا يخشونه كلاً، سواء ليسجّلوا فيه أصلاً حقيقيًا أو مصطنعًا، حتى لو كان بالإمكان تحديد هذا الأصل تمامًا، أو ليتمايزوا عنه عبر تمييزه بمواصفاته الأكثر سلبيّةً كالعنف والفوضى والجهل الدينيّ. علاوةً على ذلك، كان المدينيّون يعون أنّهم يشكّلون جماعةً مستقلّةً عن العالم الريفيّ، تتميّز بسلوكياتٍ اجتماعيّةٍ جدّ مغايرة، وتمثّلاتٍ متعلقةٍ بالهويّة يمكنها تجاوز التقسيمات التراتبيّة وروابط القرابة القائمة في العالم القبليّ. ألا يقول المثل: «أهل صنعاء إخوة مخرج القبيليّ[60]»؟.
    كانت العلاقات بين صنعاء والمحيط القبليّ، الواقعة على هذا النحو تحت تأثير الازدواجيّة، خاضعةً أيَضًا لموازين القوى السياسيّة والعسكريّة لأنّ المدينة كانت تحوصل كل محاولات إقامة سلطةٍ مركزيّة. وبهذا المعنى، لا يمكن فصل مسألة التنظيم البلديّ لصنعاء وإدارة السوق عن هذا التوتّر الدائم بين محاولات صياغة مركزيّةٍ سياسيّةٍ فوق قبليّة وضغط القبائل الراغبة في بسط نفوذها على المدينة.
    1/ 2] التنظيم البلدي
    1/ 2/ 1] قانون صنعاء
    حدّدت العلاقات بين المجتمع الحضري والدولة والعالم القبليّ وما زالت تحدّد تحديدًا جزئيٍّ التنظيم البلدي لصنعاء. وكثير من مؤسّساته الحاليّة تعود إلى قرونٍ مضت وترتبط بالإدارة الزيديّة القديمة للمدينة أو بعهود الاستقلال الذاتيّ المدينيّ التي تخلّلت القرن التاسع عشر. لقد جرى التعبير عن هذا التنظيم الأعرافيّ المترسّخ على نحوٍ مضاعفٍ في الدولة وفي المجتمع الحضريّ في ثنائية المصادر التي ذكرته. إنّ أوّل نصٍّ في القرن الثامن عشر والتاسع عشر يقدّم لنا معطياتٍ تفصيليّةً عن التنظيم الإداريّ للمدينة وللسوق هو (قانون صنعاء). تبيّن هذه الوثيقة التي تشبه «كتاب حسبة» ولكن أيَضًا كتاب تسعيرة، طرق ضبط الدولة للقطّاعين التجاريّ والحرفيّ، وامتيازات بعض السلطات الحضريّة التي أقرّتها الدولة الإماميّة[61]. لقد حُرّر القانون بدايةً في عهد الإمام المتوكّل على الله القاسم بن الحسين الذي حكم من عام [1128هـ/ 1716 م] إلى عام [1139هـ/ 1726 – 1727 م]، ثم أعيد نسخه عام [1748 م] في عهد الإمام المهديّ عبد الله بن المتوكّل أحمد بن المنصور علي. ثمّ أضيفت إليه بعض الملاحق عام [1819 م] في عهد الإمام المهديّ عبد الله [1231- 1251 هـ / 1816 – 1835/ 1836 م]. ويقال إنّه ثمّة قانونٌ سابقٌ يعود للقرن السابع عشر ولم يعثر على أيّ مخطوطٍ له إلى الآن، حُرّر بعد نهاية الاحتلال العثمانيّ الأول بحثٍّ من الإمام المتوكّل إسماعيل بن القاسم[62] [1054- 1087هـ/ 1644 م/ 1645-1676/ 1677 م].
    وكونه انعكاسًا لمجتمعٍ مدينيٍّ تديره سلطةٌ زيديّة، يشكّل القانون شهادةً ثمينةً عن النظام الحضريّ الذي كانت تلك السلطة تريد إقامته. فهو يكشف لنا لوحةً مفصّلةً للهيئات الحرفيّة والسلطات الأساس للسوق وللمدينة، فيمكّننا من الإحاطة، قليلاً أو كثيرًا، بمكانة ودور كلّ طرفٍ في تنظيم المدينة. هذه الوثيقة صورةٌ لنموذجٍ حضريٍّ لم يتمكّن من الوجود إلاّ خلال عهود الاستقرار السياسيّ، تهدف إلى قوننة العلاقات الاقتصادية بقدر ما تهدف إلى تحديد صلاحيّات كلّ هيئةٍ حرفيّةٍ أو جماعةٍ إثنيّة (البانيان) أو طائفةٍ دينيّة (اليهود) في الدفاع عن الملكيّة المشتركة وعن أمن المدينة. بهذا المعنى، تكشف الوثيقة ضمنيًا المركزيّة الاجتماعيّة للتنظيم المهني، والمركزيّة السياسيّة للسّوق، ذلك أن القوننة الزيديّة لإدارة المدينة ترتبط مباشرةً بتنظيم الهيئات الحرفية. على ذلك، يبقى القانون تعبيرًا عن عملية القوننة التي لا يمكن أن تُظهر لنا دوائر الإدارة الذاتيّة في الحياة الاجتماعيّة المدنيّة، وإلاّ ألغى نفسه. وحدها الروابط الشاقوليّة، كالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، اعْتُدَّ بها، في حين تشكّل الروابط الأفقيّة، كالعلاقة بين المدينيّين، وبينهم وبين القبائل، نسيجًا خفيًا سينكشف جزئيًا خلال حقب عدم الاستقرار السياسي.
    وهكذا، لم يُذكر في القانون عُقّال الأحياء. ويجب انتظار المعطيات القليلة التي وفّرتها الحوليّات اللاحقة لإثبات وجودهم في القرن التاسع عشر. لم يُذكر سوى عقّال الأسواق، لوقوعهم تحت سلطة شيخ مشايخ الأسواق الذي يلقّب أيَضًا شيخ المدينة، وتقع عليه مسؤوليّة تطبيق قواعد السوق وإليه أوكلت إليه أيضًا مهمّة الحفاظ عليها[63].
    كانت الوظيفة الرئيس لشيخ المشايخ هي مراقبة الموازين والمكاييل، فكان عليه تفقّد كلّ سوقٍ لحمل الجميع على احترام القانون الخاصّ بالكيّالين. وفي حال المخالفة، كان أولئك الأخيرون وشيخ سوقهم مسؤولين على نحوٍ مشتركٍ أمام شيخ المشايخ، الذي كان يستطيع استدعاءهم للمثول أمام العامل (الحاكم). كذلك، كان شيخ المشايخ يقوم بمراقبة بيع لحوم البقر في سوق الجزّارين مرّةً في الأسبوع. وتُوضع التسعيرة تحت إشرافه بحضور شيخ الجزّارين وعاقل التجار، وفي حال حدوث مخالفة تُدفع الغرامات إلى صناديق الإمام. كما يقدّم له مشايخ الخياطين قيمة الأجور التي يتقاضونها مقابل عملهم. وكان على شيخ المشايخ أيضًا مراقبة نوعيّة إنتاجهم مرّةً كل ثمانية أيام. وفي الأسواق الأخرى، يُحدد التسعيرة إمّا شيخ المشايخ وحده (للحائكين والخيّاطين وصانعي الأحزمة الجلديّة والنجّارين)، وإما بمشاركة مجلس عدول وأمناء يكلَّف أيضًا، كما في سوق العنب والفواكه وسوق القات وسوق الإسكافيّين، بتحديد الأجور[64]. وكان التأكّد من الموازين والمكاييل يُسند أحيانًا إلى زعيم السوق وإلى العدول (ولاسيما في سوق الملح). كما كانوا يكلّفون بتوزيع البضائع الواردة إلى المدينة على أصحاب المحلات توزيعًا عادلاً حسبما يُظن، (سوق القات وسوق العنب . .) ويكلّفون كذلك بمراقبة الأرباح (سوق الحلقة). وهكذا، كان شيخ السوق يتحمّل مسؤولية انتهاكات القانون التي يرتكبها أعضاء طائفته الحرفيّة.
    يبدو أنّ روابط القرابة كانت هيكل الهيئة الحرفيّة في ذلك العهد. وهكذا، ذُكر في القانون أنّه حتّى تبقى العشيرة أو مجموعة المنتمين إلى العائلة نفسها أكثر حياديّةً، فإنها تُلزَم على نحوٍ جماعيٍّ بدفع الرسوم المخصّصة للحراسة، في حين كان كلّ تاجرٍ مطالبًا أيضًا بدفع الرسم فرديًا. هذا التحديد لا يتعلق سوى بسوق البز، ولا يُعثَر عليه في أيّ مكانٍ غيره. لكنّه يعكس حقيقةً اجتماعيّة، وهي الطابع العائليّ والوراثيّ للحرفة الذي يشكّل إلى اليوم أحد المبادئ الرئيس لتنظيم الهيئات الحرَفيّة.
    إذًا، كان كلّ سوقٍ مجال فعاليّةٍ محدّدةٍ جيّدًا لهيئة حرَفيّةٍ موضوعةٍ تحت سلطة «شيخٍ» أو «عاقل». والتسمية الأولى، أي تسمية الشيخ، هي الأكثر استخدامًا في القانون، في حين أنّ الثانية هي عمليًا الوحيدة المتداولة اليوم. إنّ هذه الوثيقة، مثلها في ذلك مثل كتب الحسبة، تتضمّن في إطار تشريعاتها مجموعةً من النشاطات التي لا تقع بالضرورة في محيط السوق ولاسيما الخدمات: أصحاب السماسر والمقاهي والحمّامات العموميّة، والحلاقين والخبازين والشارعات (النساء اللواتي يتولّين إلباس العرائس)، وكذلك عمّال البناء. نستنتج من ذكر تلك الفئات أنّه كان لأصحاب السماسر شيخ، أمّا العاملون في قطّاع البناء، فكانوا يرجعون إلى الأسطة الذي يقودهم. علاوةً على ذلك، فهم لم يكونوا ملزمين وفق النصّ بالرسوم المتعلّقة بحراسة أسوار المدينة. كانت تلك الرسوم تختلف تبعًا للهيئات الحرَفيّة، وربّما يمكن تفسير الفوارق الكبيرة بين أسواق الباعة (ولاسيما سوق البز) وأسواق الحرَفيين بالمساهمة النشيطة لهؤلاء الأخيرين في مراقبة المدينة، وأيضًا بسبب كون عائداتهم أدنى من عائدات الباعة. في هذا الشأن، كانت جماعة البانيان تدفع أعلى الرسوم، تليها في ذلك جماعة اليهود. تبلغ الرسوم المذكورة في القانون [46,75] قرشًا[65] فيما يخص الحرَفيّين والباعة اليهود، في حين يدفع البانيان [60] قرشًا. ولم تكن هاتان الجماعتان مطالبتين بحراسة أسوار وأبواب المدينة. وفي المقابل، كانتا تخضعان لرسمٍ أعلى من المتوسّط الذي يدفعه سنويًا الحرفيّون والباعة المسلمون. ويخبرنا (نيبور/ Niebuhr) أنّ البانيان كانوا إضافةً إلى ذلك مرغمين على دفع رسوم إقامة:
    كان يقيم في صنعاء نحو [125] من البانيان، وهم يدفعون [300] ريال شهريًا للسماح لهم بالإقامة في المدينة، في حين أن القرية الكبيرة قاع اليهود لا تدفع سوى [125] ريالاً شهريًا فقط، ويرغَم ورثة الميّت من البانيان على دفع مبلغٍ يتراوح بين أربعين وخمسين ريالاً، وإذا لم يكن للميّت ورثة في اليمن تعود تركته إلى الإمام[66].
    أمّا اليهود فكانوا يحتلّون مكانةً مهمة في المهن الحرَفيّة (البناء والحدادة والنجارة والصياغة والسكافة)، ليس فقط في الحيّ المخصص لهم، أي قاع اليهود، وإنّما أيضًا في السوق. ولأنّهم كانوا يخضعون للقواعد المذكورة في القانون في إطار هيئاتهم الحرفيّة الخاصّة، ولهم العدد نفسه من العقّال، فقد كان اليهود يعرّفون قبل كل شيء بانتمائهم الدينيّ حين يتعلّق الأمر بتمثيلهم المهنيّ، وهكذا، كان لهم عاقلٌ له سلطةٌ على جميع الحرَفيّين والتجّار منهم. وكان العديد منهم يعملون إلى جانب المسلمين، ولا سيما في قطّاع النجارة حيث أصبحوا معلمين. بالمقابل، كان سوق الفضة يتكوّن بأكمله من صاغةٍ يهود مثلما كانت عليه الحال في كثير من المدن العربية في ذلك العهد[67]. وكان على رأس ذلك السوق عاقلٌ يجري اختياره من بين أفضل حرفيّيه. ولا يزال يصعب معرفة إن كانت سلطته محدودةً جغرافيًا في مجال السوق أم أنّها كانت تمتدّ إلى الحيّ اليهوديّ.
    تفيدنا قراءة القانون أنّه كان لنظام الحراسة الليليّة إجراءاتٌ مفصّلة. وهكذا، كان هناك «شيخ الشرطة» الذي يسمّى اليوم (شيخ الليل)، ويتحمّل مسؤوليّة تلك الحراسة داخل حدود السّوق. وبالتالي، كان من واجبه تعويض المحلاّت التي تتعرض للسطو. علاوةً على ذلك كان كلّ سوقٍ مطالبًا بتوفير عددٍ معيّنٍ من الحرّاس أو رسمٍ مخصّصٍ لنفقات الحراسة[68]. وتسمح لنا معطيات البحث الميداني بتوضيح هذه المعلومات إلى حدٍّ ما. فشيخ الليل، الذي كان يتمتّع بسلطةٍ مطلقةٍ من المغرب إلى الفجر، كان تحت إمرته طائفةٌ من الحرّاس الذين يقومون بدوريّاتٍ في أزقّة السّوق أو يسهرون داخل مراكز الحراسة الموزّعة على أسقف المحلاّت. وكان عاقل الحرس يقبع في أكبر أبراج المراقبة تلك المسمّاة بالطيرمانة والتي تشرف على أكثر الأسواق ازدهارًا، أي سوق البز، قبالةَ خان محمد بن الحسن الذي كان التجّار يستخدمونه ليودعوا فيه المال والبضائع[69]. إضافةً إلى ذلك ووفق القانون، فإن حمّالة سوق الحبوب وسوق الحطب كانوا مكلّفين بحراسة مداخل المدينة، أي الأبواب والخنادق. إذن، كانت السوق تؤمّن شرطتها الخاصة، المؤلّفة من الحرَفيين والتجّار.
    على رأس هذا النظام البلديّ نجد العامل وهو الممثّل المباشر للإمام، وينحدر مثله من سلالة النبيّ، ويفترض أنّه يسهر على تطبيق الشريعة الإسلامية. أمّا المكاييل المعتمدة في سوق الأقمشة وسوق الفضّة وسوق الحبوب والتوابل فكانت مختومةً باسم الإمام الحاكم. وبعد ذكر محرّر القانون لمسؤولية شيخ الشرطة، حرص على أن يذكر أنّ ذلك يتماشى و«القواعد الإماميّة والأحكام الشرعيّة». وفوق ذلك، كان يجب على شيخ المشايخ رفع حالات مخالفة الموازين إلى العامل الذي يقوم بتحديد مبلغ الغرامة ومدّة السجن ويستطيع عزل شيوخ الأسواق وشيخ المشايخ إذا ما أخلّوا بواجبهم في الرقابة والضبط. كما كان يُشترط على الشيوخ وكتبة الأسواق أن يعرضوا سعر كل ّبضاعة على العامل ليوافق عليها، هذا فضلاً على أنّ القانون يؤكّد التدخّل المباشر للدّولة في تعيين شيخ النجّارين. واسمه اسم النجّار نفسه الذي لا يزال يقوم اليوم بوظيفة أمين السوق، وهي الوظيفة التي تتوارث في عائلة البرطي. إنّ هذا الحرفيّ، المتخصّص في صنع المكاييل الخشبيّة المستخدمة في السوق، والذي يغطّي لقبه (أمين) مفهومات «الوفاء والاستقامة والنزاهة»، لا يراقب ولا يتفحّص مكاييل السوق سوى في شهر رمضان المعظّم. ربّما ينبغي أن نرى في هذا الإجراء الأخير انعكاس أخلاقيّاتٍ اقتصاديّةٍ موسومةٍ بالطابع الدينيّ كانت الدولة الإماميّة تدّعي أنّها المؤتمنة عليه والضامنة له[70]. وفي الرّبع الأخير من القرن السابع عشر، تقدّم لنا مذكرات عامل صنعاء والإمام المقبل المؤيّد بالله محمّد بن إسماعيل بن القاسم بن محمّد معلوماتٍ فائقة الأهمّية عن طبيعة وظيفته. تغطّي ملاحظات هذه الشخصيّة ستّ سنواتٍ من ممارسته للوظيفة، أي من عام [1083هـ/ 1672-1673 م إلى عام 1088هـ/ 1677 – 1678 م]، وهي تشبه سجلّ حساباتٍ يرصد الدخل والخَرْج، وأسماء المستفيدين والدائنين والمانحين ونوعيّة عطاياهم وقيمتها. وهنا تفرض مقارنةٌ موجزةٌ نفسَها مع معطيات قانون صنعاء، علمًا أنّه يفصل بين الوثيقتين خمسةٌ وسبعون عامًا. والملاحظ أنّ عامل صنعاء لم يذكر في مذكّراته شيخ المشايخ، إنّما أشار إلى المحتسب. وكذلك يبدو أنّ عبارة شيخ الحرس قد حلّت محلّ عبارة شيخ الشرطة التي وردت في القانون. ويمكن أن يكون الأمر تغييرٍ في الأسماء لا أكثر [71]. فهل يعني الانتقال من المحتسب إلى شيخ المشايخ تغيّرًا في الوضع؟ يبقى هذا الأمر بحاجةٍ إلى إثبات.
    يبقى أنّ العلاقات بين المجتمع الحضريّ والسلطة الإماميّة لا يمكن أن تقتصر على المعطيات التي يقدمها القانون. إنّ الحوليّات التاريخيّة التي تغطّي مرحلةً لاحقةً وتعيد رسم الصراعات بين الطامحين إلى الإمامة حتّى الاحتلال العثمانيّ الثاني تذكر تمرّداتٍ مدينيّةً أدّت إلى إقامة مؤسّساتٍ حضريّةٍ مستقلّة. وقد سدّت هذه الأخيرة فراغ السلطة المركزيّة، وأخفت، في بعض الحقب القصيرة، عجز الأئمّة عن حماية المدينة من الغارات القبليّة.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-05-25
  3. DhamarAli

    DhamarAli مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-03-02
    المشاركات:
    6,687
    الإعجاب :
    0
    تصدق اني استمتعت بهذه الدراسة اخي المازق فقلت حرام ان تدفن داخل موضوع ونقلتها وجعلتها موضوع منفرد لاهميتها وروعتها وليستفيد الجميع من هذه الرحلة الجميلة في صنعاء عبر التاريخ...

    شكرا لك...:)
     

مشاركة هذه الصفحة