الإمـامــة عـند الـزيدية

الكاتب : عبــادي   المشاهدات : 2,229   الردود : 1    ‏2007-05-24
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-24
  1. عبــادي

    عبــادي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-08-04
    المشاركات:
    379
    الإعجاب :
    0
    الإمـامـة عند الزيدية

    بقلم الأستاذ / عبد الله بن محمد حميد الدين
    - من كتابه ( الزيدية ، قراءة في المشروع وبحث في المكونات )


    من أبرز ما تميّزت به الزيدية المكانة العالية التي جعلوها للأئمة من أهل البيت". فكانت لهم المرجعية السياسية، كما إن إجماعهم صار أحد الأدلة على الأمور الفرعية، إضافة إلى أن أبرز أعلامهم سياسياً وعلمياً كانوا من أهل البيت. ولذا فتجدر الإشارة إلى مرادهم من أهل البيت، وسبب منحهم هذه المكانة العالية باختصار شديد. أهل البيت ــ وفق فهم الزيدية والمنطلق من مجموعة من الأدلة المتظافرة ــ هم الإمام علي بن أبي طالب، والإمام الحسن بن علي، والإمام الحسين بن علي"؛ ومن نحا نحوهم وسار بسيرتهم واقتدى بأفعالهم من ذريتهم. أما من خرج عنهم فلم ينحُ منحاهم في العلم والعمل، ولم يعرف حرمتهم وقدرهم، ولم يراع منْزلتهم، فليس داخلاً في ما ورد من فضائلهم. وأعلامهم بعد الحسنين(ع) كثيرون؛ وأهمهم إلى آخر القرن الثالث هم: الإمام الرضا الحسن بن الحسن(ت93هـ)، والإمام السجاد علي بن الحسين(ت94هـ)،والإمام باقر علم الأنبياء محمد بن علي بن الحسين(ت114هـ)،والإمام زيد بن علي(ت122هـ)، والإمام عبد الله ابن الحسن بن الحسن كامل أهل البيت في زمانه(ت145هـ)، والإمام علي ابن الحسن بن الحسن بن الحسن عابد أهل البيت (ت145هـ)، والإمام المهدي محمد بن عبد الله النفس الزكية (ت145هـ)، والإمام إبراهيم بن عبد الله (ت145هـ)، والإمام الصادق جعفر بن محمد بن علي(ت148هـ)، والإمام عيسى بن زيد(ت166هـ)، والإمام الحسين بن علي بن الحسن الفخي(ت169هـ)، والإمام إدريس بن عبد الله(ت177هـ)، والإمام يحيى بن عبد الله(ت180هـ)، والإمام موسى بن عبد الله بن الحسن(ت180هـ)، والإمام الكاظم موسى بن جعفر(ت183هـ)، والإمام محمد بن إبراهيم(ت199هـ)، والإمام الرضا علي بن موسى(ت203هـ)، والإمام علي بن جعفر العريضي(ت210هـ)، والإمام أحمد بن عيسى(ت247هـ)، والإمام عبد الله بن موسى الجون(ت247هـ)، والإمام نجم آل رسول الله القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي(ت247هـ)، والإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد(ت260هـ)، والإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين(ت298هـ)، والإمام الناصر الأطروش الحسن بن علي(ت304هـ). واقتصرت على ذكر أولئك؛ لأن المرحلة التي عاشوها تعتبر المرحلة الأساسية في صياغة الفكر الأصولي والسياسي للزيدية، وفيها تجلت رؤية أهل البيت لتلك القضايا. ويتفاوت أولئك الأئمة من حيث انتشار فكرهم واشتهار مؤلفاتهم. فأشهر أولئك من هذا الاعتبار هم: الإمام الهادي يحيى بن الحسين، والإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، والإمام الناصر الأطروش، والإمام زيد بن علي، والإمام الحسن بن يحيى بن الحسين، والإمام أحمد بن عيسى بن زيد. والترتيب بينهم بحسب شهرة وكثرة ما تدوالته الزيدية عنهم. وأما من سواهم، فتوجد عنهم روايات كثيرة، ولكنها لا تبلغ حد ما روي عن أولئك. سبب المكانة العالية لأهل البيت أمران: أولهما: ما كان لأهل البيت" من دور بارز في المحافظة على روح الإسلام متمثلة في الأصلين البارزين: الإيمان بالله وضرورة قيام إمامة عادلة. الثاني: مجموعة من الأدلة القرآنية والنبوية. من أبرزها قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب:33]، والصلاة الإبراهيمية، وحديث الثقلين الذي فيه: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)). وفي آخر أحد ألفاظه: ((فانظروا كيف تخلفوني فيهما)). والحديث لا يتعارض مع الحديث الآخر الذي ضعفه الألباني وورد بلفظ: ((كتاب الله وسنتي))، بل يكملان عضهما البعض. أما الآية، فقد أشارت إلى أنه تعالى سيطهر أهل البيت عن الرجس، وأفادت ذلك بصيغ تأكيدٍ قوية جداً. فـ"إنما" تفيد التأكيد،وتقديم "عنكم" يفيد التأكيد، و"يطهركم" هو تأكيد لمعنى "يذهب الرجس"، و"تطهيرا" أيضاً تفيد التوكيد. إن مجرد ذكر أهل البيت في هذه الآية الكريمة، بالصيغة هذه، تدعو إلى التأمل العميق.
    سبق أن أشرت إلى مكانة الإمامة لدى الزيدية. هذه المكانة صارت سبباً للنقد من كثير من الناس، وذلك لأن الذي شاع في الثقافة الإسلامية العامة عدم الاعتداد بأمرها، واعتبارها من الفروع والقضايا الثانوية. وقد سبق ما يبين سبب علو مكانتها لدى الزيدية. أيضاً مما أخذ على الزيدية في أمر الإمامة قولهم بأن الإمامة محصورة في أهل البيت"، وأنه ما دام هناك الكفؤ لها من أهل البيت فلا يصح اختيار أحد من سواهم. ولعل هذا الأمر كان السبب في أكثر النقد الموجَّه إليهم، هذا النقد الذي توجه إليهم من بعض الزيدية فضلاً عن غيرهم. بل لعله سبب لكثير من التضييق الذي عانوه عبر السنين. وقد نجد في عبارة ((الزيدية في معتقل الإمامة)) كثيراً من المعاني التي تنعكس عن واقع الزيدية والإمامة اليوم. ولكن السبب لا يعود إلى الإمامة، إنما يعود إلى مفهوم الناس عن الإمامة، وإلى الطريقة التي يتم بها عرض المذهب في الآونة الأخيرة. وقد سبق أن بيَّنْت أن حصر الإمامة في أهل البيت إنما هو من آليات الوصول إلى الحكم، ولا يُمَثِّل جوهر أو روح النظرية في الإمامة، وبالتالي فهو من فروع نظرية الإمامة العامة، وليس هو الإمامة. ولكن الأمر يعرض وكأن الإمامة عند الزيدية ليست إلا التأكيد على الحق الفريد لأهل البيت فيها. ولعل هذا يعود إلى كونها من القضايا التي كثر الاختلاف حولها، فكثرت الكتابات فيها، مما قد يوحي للكثير، زيدية وغيرهم، أن موضوع الحصر هو الأساس. والأمر أوضح في الفترة الأخيرة، حيث إن خصوم الزيدية في هجومهم عليها شددوا على قضية الهاشمية، وعلى قضية العنصرية، وعلى قضية الحصر وهكذا. هذا التشديد دفع كثيراً من الزيدية الى تكريس جهودهم ودعوتهم الى قضايا التشيُّع، وولاية أهل البيت، حتى كأنها صارت هي المميز الرئيس لفكر الزيدية، وحتى صار التوحيد والعدل وكأنهما تابعان لمفهوم التشيع وليس العكس. وقد سبقت الإشارة إلى أن الزيدية ترى أن لا بد للقائم بأمر الإمامة من إذن شرعي يسمح له بممارسة الأمر والنهي على غيره من الناس. وترى الزيدية أن الله تعالى قد جعل هذا الإذن للأكفأ، والأفضل من أهل البيت، ولذلك فإنّ الزيدي عندما يرشح قيادةً فإنما يرشح الأكفأ من أهل البيت. فإذا قَبِلَتْ الأمة القيادة التي رشَّحها الزيدي فذلك حق للأمة. أما إذا رفضت الأمة القيادة التي رشَّحها الزيدي فليس أمامه، وليس أمام قيادته إلا أن ينزلا عند رغبة الأمة، ويضعا يدهما في يدها، ويعملا معها لخدمة الصالح العام. وإن الزيدية عندما تمنع منعاً قاطعاً من قيام أي حركة معارضة لمجرد كون القيادة خارجة عن آل البيت، وإن إصرارها على أن المعارضة لا تكون إلا للظلم، يدلان على أن موضوع الحصر لا يتجاوز كونه آلية، وأنه فرعي على النظرية العامة. وهذا لا يمنع من أن تخطِّيء من لا يختار من رشحته إماماً، ولا يمنع التبرم منه، ولا يمنع أن تدَّعي أن الناس إذ تقوم بذاك فإنها تحرم نفسها من بركات كبيرة، فيحق لها أن تُصِرَّ على ما تراه صواباً، كما يحق لغيرها على أن يُصِرَّ على رفض رؤيتها. وتدل السيرة العملية، والنصوص الصريحة لأئمة أهل البيت على هذا الأمر. فهذا الإمام علي صلوات الله عليه لما رأى أن الأمر قد صار في أيدي غيره، لم يعمل ما يضر مصلحة الأمة ليسترده، وإنما قال: ((لأسالمنَّ ما سَلِمَتْ أمور المسلمين، ولم يكن الجور إلا عليَّ خاصة))، هذا مع أن النص فيه أوضح وأصرح وأشهر من النص على عموم أهل البيت. أيضاً قوله: ((لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر)) يدل على أنه لن يقوم للأمر إلا إذا رضيت الأمة، ونصرته كقيادة، وإلا فإنه سيبقى مكانه. وكذلك موقف الإمام الحسن بن علي(ع) من معاوية لما رأى أنه فقد الناصر. ثم الإمام زيد بن علي(ع) لما سألوه عن سبب قيامه على بني أمية، والبراءة منهم، وعدم البراءة من أبي بكر وعمر، فقد بيَّن الإمام بهذا أن خلافهم لم يوجب ما يترتب عليه البراءة. ثم أضاف مسوغ الخروج على بني أمية دون الخليفتين:((إن هؤلاء ظالمون لنا ولكم))، فبـيَّن أنه في حالة ما يكون الظلم على الإمام فقط، بمعنى أن الإمامة معقودة لغيره، في تلك الحالة فإن الإمام لا يتعين عليه القيام، أما في حالة أن يتعدَّى الظلم، ويصبح على الأمة بأسرها، فإن القيام واجب. ثم إن مواقف الأئمة العملية دلت على هذا، فلم نرَ إماماً ممن يحتج بإمامته قام في وجه حاكم عادل، لمجرد أن ذلك الحاكم ليس من أهل البيت، بل دلت نصوصهم كلها على أن دعوتهم إنما كانت للإصلاح وإعادة العدل في الأمة. هذا الإمام الحسين صلوات الله عليه يقول لنا: ((ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا ينهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا شقاوة)) والإمام زيد(ع) نجد أن دعوته كانت إلى : الكتاب، والسنة، ودفع الظالمين، ونصرة المظلومين، وقسم الفيء بين أهله بالسوية. وأما دعوة الإمام الحسين بن علي الفخي صلوات الله عليه فكانت:((أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه، والعدل في الرعية والقسم بالسوية، نُحِلُّ ما أحلَّ القرآن والسنة العادلة، ونُحَرَّم ما حرم القرآن والسنة العادلة، ونكون على ذلك أعواناً بجهدنا وطاقتنا، وتجاهدوا عدونا وتفلحوا معنا فإنْ وفينا لكم وفيتم لنا وإنْ خالفنا فلا طاعة لنا عليكم، وعليكم عهد الله أن تجاهدونا فيمن جاهدنا إن نحن خالفنا، ثم قال: اللهم، اشهد)) والإمام إدريس(ع)نجده في دعوته يشدد على الدعوة إلى الكتاب والسنة والعدل والقسم بالسوية ودفع المظالم والأخذ بيد المظلوم، ويشير إلى الأرامل والأيتام الذين افتقروا وتركوا. ثم نجد الإمام محمد بن إبراهيم لما رأى عجوزاً فقيرة تَتبَّع أحمال الرُّطَبِ لتأكل ما سقط منها فقال لها: ((أنت والله وأشباهك يخرجوني غداً حتى يسفك دمي...)) وهكذا نجد في أقوال غيرهم من الأئمة أن الدعوة ليست إلى إمامتهم، وإنما إلى العدل والشرع. وما نجده في بعض الدعوات من طلب رفع الظلم عن أهل البيت، فبسبب ما كان يقع عليهم من الظلم المخصص، وقد سبقت الإشارة إلى بعض ما كان يقع عليهم. وقد لخص تلك الحال الإمام المؤيد بالله أحمد ابن الحسين (411هـ) في قوله: ((ووجدت أهل بيت النبي" مقموعين مقهورين مظلومين، لا يُؤهّلون لولاية ولا شورى، ولا يتركون ليكونوا مع الناس فوضى، بل منعوهم حقهم، وصرفوا عنهم فيئَهم، فَهُم يحسبون الكف عن دمائهم إحساناً إليهم، والانقباض عن حبْسهم وأسرهم إنعاماً عليهم)). خلاصة القول إن الزيدية إذ تؤمن بحصر الإمامة في أهل البيت، فإنما تؤمن بذلك لأدلة ترجَّحت لديها، ولكنها لا تفرض هذا الإيمان على أحد، ولا تعادي من خالفها فيه، ولا تُفَسِّقه، ولا تُضَلِّله، وترى أنه يتعين عليها أن تقبل القيادة الصالحة التي ترتضيها الغالبية من الأمة. بل إن الزيدية لم يعرف عنها أنها تفسق من يخالف في إمامة الإمام علي بن أبي طالب(ع) فضلاً عن تفسيقها من لا يرى إمامة أهل البيت.


    تبعاً لهذا ألحقت أمرين: أولهما: الصفات التي ترى الزيدية أنها يجب أن تكون فيمن ترشحه للأمر من أهل البيت"، وذلك ليعلم أن الأمر ليس مجرد اختيار من أسرة ما، وإنما اختيار لمن تميَّز في الأمة؛ وثانيهما: بعض من الدعوات السياسية التي كان أئمة أهل البيت يدعون من خلالها إلى إقامة الحق. وقد اخترت ثلاثة مقاطع لثلاثة أئمة من ثلاثة مناطق مختلفة.

    صفات الإمام الذي تجب طاعته


    قال الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم (ت 298هـ) في وصفه للإمام المفترضة طاعته من أهل البيت: ((الإمام الذي تجب طاعته هو أن يكون من ولد الحسن أو الحسين(ع) ويكون ورعاً، تقياً، صحيحاً، نقياً، وفي أمر الله عز وجل جاهداً، وفي حطام الدنيا زاهداً، فَهِماً بما يحتاج إليه، عالماً بملتبس ما يَرِدُ عليه، شجاعاً، كمياً، بذولاً، سخياً، رؤوفاً بالرعية، رحيماً، متعطفاً متحنناً، حليماً، مواسياً لهم بنفسه، مشاركاً لهم في أمره، غير مستأثر عليهم، ولا حاكم بغير حكم الله فيهم، رصين العقل، بعيد الجهل، آخذاً لأموال الله من مواضعها، راداً لها في سبلها، مفرقاً لها في وجوهها التي جعلها الله لها، مقيماً لأحكام الله وحدوده، آخذاً لها ممن وجبت عليه ووقعت بحكم الله فيه، من قريب أو بعيد شريف أو دني، لا تأخذه في الله لومة لائم، قائماً بحقه، شاهراً لسيفه، داعياً إلى ربه، مجتهداً في دعوته، رافعاً لرايته، مفرقاً للدعاة في البلاد، غير مقصِّر في تأليف العباد، مخيفاً للظالمين، مؤمِّناً للمؤمنين، لا يأمن الفاسقين ولا يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه، قد باينهم وباينوه، وناصبهم وناصبوه، فهم له خائفون، وعلى هلاكه جاهدون، يبغيهم الغوائل، ويدعو إلى جهادهم القبائل، متشرداً عنهم، خائفاً منهم، لا تردعه ولا تهوله الأخواف، ولا يمنعه عن الاجتهاد عليهم كثرة الإرجاف، شمري مشمر، مجتهد غير مقصِّر. فمن كان كذلك من ذرية السبطين الحسن والحسين(ع) فهو الإمام المفترضة طاعته الواجبة على الأمة نصرته)). تلك الشروط قد يرى البعض أنها صعبة، بل ذكر عبدالصمد الدامغاني (ق 6هـ) أن مما نقم على الزيدية هو شروط الإمام الصعبة لديهم... فنعم ما نقموا به.

    دعوات الأئمة


    طلباً للاختصار فقد اقتصرت على المقاطع التي تتعلق بما نحن فيه بشكل مباشر، وهي التي تبين دوافع الدعوة. وآمل أن يأتي يوم تجمع فيه جميع دعوات الأئمة هذه وتدرس دراسة وافية باعتبارها تمثل البيان الأول والأساس للمشروع السياسي الذي كان يطمح إليه أئمة أهل البيت". إن هذا المشروع نجد خلاصته في دعوة الإمام زيد الصغيرة في حجمها، الكبيرة في معانيها، ومطالبها: ((إنا ندعوكم أيها الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه÷، والى جهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين، وقسم الفيء بين أهله، ورد المظالم، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب، أتبايعونا على هذا؟)) . هذه المعاني الكبيرة نجدها في خطبة إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب" لما طلب البيعة لنفسه: ((أما بعد: فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه÷ وإلى العدل في الرعية، والقسم بالسوية، ورفع المظالم، والأخذ بيد المظلوم، وإحياء السنة، وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب والسنة على القريب والبعيد، واذكروا الله في ملوك تجبّروا، وفي الأمانات خفروا، وعهود الله وميثاقه نقضوا، وولد نبيه(ص) قتلوا، وأذكركم الله في أرامل افتقرت، ويتامى ضُيِّعَتْ، وحدود عُطّلت، وفي دماء بغير حق سُفِكَتْ، فقد نبذ الكتاب والإسلام، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، واعلموا عباد الله أن مما أوجب الله سبحانه على أهل طاعته المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد واللسان، فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة والنصيحة والتذكرة والحض على طاعة الله تعالى، والتوبة عن الذنوب، والإنابة والإقلاع والنزوع عما يكره الله، والتواصي بالحق والصدق والصبر والرحمة والرفق، والتناهي عن معاصي الله كلها، والتعليم والتقويم لمن استجاب لله ولرسوله حتى تنفذ بصائرهم، وتكمل نحلتهم، وتجتمع كلمتهم، وتنتظم ألفتهم، فإذا اجتمع منهم من يكون للفساد دافعاً، وللظالمين مقاوماً، وعلى البغي والعدوان قاهراً، أظهروا دعوتهم، وندبوا العباد إلى طاعة ربهم، ودافعوا أهل الجور عن ارتكاب ما حرم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي وبين العمل بها، فإن في معصية الله تلفاً لمن ارتكبها، وهلاكاً لمن عمل بها، ولا يثنيكم من علو الحق وإظهاره قلة أنصاره، فإن فيما بدئ به من وحدة النبي(ص) والأنبياء الداعين إلى الله قبله، وتكثيره إياهم بعد القلة،وإعزازهم بعد الذلة، دليلاً بيناً وبرهاناً واضحاً، قال الله عزَّ وجلّ:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}[آل عمران:123]، وقال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج:40]، فنصر الله نبيه(ص) ، وكثّر جنده، وأظهر حزبه، وأنجز وعده، جزاء من الله سبحانه، وثواباً لفعله وصبره وإيثاره طاعة ربه، ورأفته بعباده ورحمته، وحسن قيامه بالعدل والقسط في بريّته، ومجاهدة أعدائه وزهده فيما زهّده فيه، ورغبته فيما ندبه إليه، ومواساته أصحابه، وسعة أخلاقه، كما أدبه الله وأمره، وأمر العباد باتباعه وسلوك سبيله والاقتداء بهديه واقتفاء أثره، فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم كما قال عزَّ وجلّ: {إِنْ تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة:2]، وقال تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}[النحل:90]، وكما مدحهم وأثنى عليهم إذ يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران:110]، وقال عزَّ وجلّ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[التوبة:71]، وفرض الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضافه إلى الإيمان والإقرار بمعرفته، وأمر بالجهاد عليه والدعاء إليه، قال عزَّ وجلّ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ}[التوبة:29]، وفرض قتال المعاندين عن الحق والباغين عليه ممن آمن به وصدّق بكتابه حتى يعود إليه ويفيء، كما فرض قتال من كفر به وصدَّ عنه، حتى يؤمن بالله ويعترف بدينه وشرائعه، فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}[الحجرات:9]، فهذا عهد الله إليكم وميثاقه عليكم بالتعاون على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، فرضاً من الله واجباً وحكماً لازماً، فأين عن الله تذهبون؟ وأنّى تؤفكون؟ وقد جابت الجبابرة في الآفاق شرقاً وغرباً، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلماً وجوراً، فليس للناس ملجأ، ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء، فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للجور والظلم، وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيئين وآل النبيئين، فكونوا رحمكم الله عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين، ونصر مع النبيئين... واعلموا معاشر البربر أنكم آويتم. وأنا المظلوم الملهوف، الطريد الشريد، الخائف الموتور، الذي كثر واتروه، وقلّ ناصروه، وقُتِل إخوته وأبوه وجده وأهلوه، فأجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله، قال الله تعالى: {وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِي الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}[الأحقاف:32]، أعاذنا الله وإياكم من الضلال، وهدانا وإياكم إلى سبيل الرشاد. وأنا إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب". رسول الله÷ وعلي بن أبي طالب(ع) جدَّاي، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة عمَّاي، وخديجة الصديقة وفاطمة ابنة أسد الشفيقة برسول الله÷ جدّتاي، وفاطمة ابنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليهما سيدة نساء العالمين وفاطمة ابنة الحسين سيدة بنات ذراري النبيئين أمّاي، والحسن والحسين ابنا رسول الله)ص) أبواي، ومحمد وإبراهيم ابنا عبد الله المهدي والزاكي أخواي، فهذه دعوتي العادلة غير الجائرة، فمن أجابني فله ما لي وعليه ما عليَّ، ومن أبى فحظه أخطأ، وسيرى ذلك عالم الغيب والشهادة أني لم أسفك له دماً، ولا استحللت له محرماً ولا مالاً، واستشهدك يا أكبر الشاهدين شهادة، واستشهد جبريل وميكائيل أني أول من أجاب وأناب، فلبيك اللهم لبيك، مزجي السحاب، وهازم الأحزاب، مصير الجبال سراباً بعد أن كانت صمّا صلاباً، أسألك النصر لولد نبيك إنك على ذلك قادر((.

    كما نجد تلك المعاني تتكرر لدى الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب" في كتـاب دعوة وجه بها إلى أحمد بن يحيى بن زيد؛ فبعد أن تكلم في وجوب الجهاد وفضله، وشروط القائمين به ووجوب إجابة دعوتهم قال:((فإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيئه÷، وإلى ما أمرني الله أن أدعوك إليه، وأخذ به علي العهد والميثاق، من الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالـم والمنكر، وإلى أن نُحِلَّ نحن وأنت ما أحل لنا الكتاب، ونحرم نحن وأنت ما حرمه علينا، وإلى الاقتداء بالكتاب والسنة، فما جاءا به اتبعناه، وما نهيا عنه رفضناه، وإلى أن نأمر نحن وأنت بالمعروف في كل أمرنا ونفعله، وننهى عن المنكر جاهدين ونتركه، وإلى مجاهدة الظالمين من بعد الدعاء إلى الحق لهم، والإيضاح بالكتاب والسنة بالحجج عليهم، فإن أجابوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المؤمنين، وإن خالفوا الحق وتعلقوا بالفسق حاكمناهم إلى الله سبحانه، وحكمنا فيهم بحكمه، فإنه يقول سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ}[البقرة:193]، والعدوان هنا فهو: الجهاد والعدو على من ظهر منه الاجتراء على الله والاعتداء. ألا والدعـوة مني لك، يرحمـك الله، إلى ما تقدم ذكره من الكتاب والسنة، وأشرط لك ولمن معك على نفسي أربعاً: 1. الحكم بكتاب الله وسنة رسوله جاهداً ما استطعت. 2. والأثرة لكم على نفسي فيما جعله الله بيني وبينكم. 3. وأن أؤثركم ولا أفضل عليكم بالتقدمة عند العطاء الذي جعله حظاً في أمواله لكم ولنا قبل نفسي وخاصتي. 4. والرابعة: أن أكون قدامكم عند لقاء عدوكم وعدوي. وأشترط لنفسي عليكم اثنتين أنتم شركائي فيهما: 1. النصيحة لله في السر والعلانية. 2. والطاعة في كل أحوالكم لأمري، ما أطعت الله، فإن خالفت طاعة الله فلا حجة لي عليكم. {هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}))[يوسف:108]. ثم نجدها لدى الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب"، وهو من أئمة الجيل والديلم، وقد توفي في 411هـ: ((عباد الله، إني قد رأيت أسباب الحق قد مَرجَت، وقلوب الأولياء به قد حُرجت، وأهل الدين مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، ورأيت الأموال تؤخذ من غير حلِّها، وتوضع في غير أهلها، ووجدتُ الحدود قد عُطِّلت، والحقوق قد أبطلت، وسنن رسول الله÷ قد بُدِّلت وغيّرت، ورسوم الفراعنة قد جُدّدت وآسْتُعْمِلتْ، والآمرين بالمعروف قد قلَّوا، والناهين عن المنكر قد وهنوا فذلَّوا، ووجدت أهل بيت النبي" مقموعين مقهورين مظلومين، لا يُؤهّلون لولاية ولا شورى، ولا يُتْرَكُوْنَ ليكونوا مع الناس فوضى، بل منعوهم حقهم، وصرفوا عنهم فيئَهم، فَهُم يحسبون الكفَّ عن دمائهم إحساناً إليهم، والانقباض عن حبْسهم وأسرهم إنعاماً عليهم، يطلبون عليهم العثرات ويَرْقُبُوْنَ فيهم الزلاّت، ووجدتُهم في كل واد من الظلم يهيمون، وفي كل مرعى من الضلال يسيمون، (ووجدت أملاك المسلمين) تُغْصَبُ غصباً، وأموالهم تُنْهَبُ نهباً،{لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}[التوبة:10]، {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}[النساء:10]، ووجدت الفواحش قد أقيمت أسواقها وأديم نفاقها، لا خوف الله يَزَع، ولا حياء الناس يمنع، بل يتفاخرون بالمعاصي، ويتنابزون ويتباهون بالإثم، قد نسوا الحساب، وأعرضوا عن ذكر المآب والعقاب، فلم أجد لنفسي عذراً إن قعدت ملتزماً أحكامهم، متوسطاً أيامهم، أؤنسهم ويؤنسونني، وأسالمهم ويسالمونني، فخرجت أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتَّبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين. أيها الناس؛أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيئه والرضا من آل محمد ومجاهدة الظالمين ومنابذة الفاسقين، وإني كأحدكم لي ما لكم وعليَّ ما عليكم إلا ما خصني الله به من ولاية الأمر {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي الله وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}[الأحقاف:31]،{اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِير}[الشورى:47]،{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة:2]. أيها الناس سارعوا إلى بيعتي، وبادروا إلى نصرتي، وازحفوا زحفاً إلى دار هجرتي،{انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[التوبة:41]، ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وبهجتها، فإنها ظل زائل وسحاب حائل، ينقضي نعيمها ويَظْعُنُ مقيمها، والآخرة خير وأبقى أفلا تعقلون،{وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون}[العنكبوت:64]،{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[القصص:83]. أيها الناس مهما اشتبه عليكم فلا يشتبه عليكم أمري، أنا الذي عرفتموني صغيراً وكبيراً، ورحمتموني طفلاً وناشئاً وكهلاً. قد صحبت النُّسّاك حتى نُسبت إليهم، وخالطت العباد حتى عُرفت فيهم، وكاثرت العلماء وحاضرت الفقهاء، فلم أَخْلُ عن مورد ورده عالم بارع، ومشرع شرع فيه متقن فارع، وجادلت الخصوم نضحاً عن الدين، ونضالاً عن الحق المبين، حتى عُرِفَتْ مواقعي، وكُتبت وحُفظت طرائقي وأثبتت، هذا وما أبرئ نفسي في أثناء هذه الأحوال ومجامع هذه الخصال من تقصير وتعذير، ولا أزكيها بل أتبرأ إلى الله من حولها وقوتها، وإن جميع ذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم. وأما نسبتي إلى جدي رسول الله÷ فدونه فلق الصباح، ولا عذر لكم أيها الناس في التأخر عني والاستبداد دوني، وقد ناديت فأسمعت؛ لتجيبوا دعوتي، وتتحروا لنصرتي، وتعينوني على ما نهضت له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}[المائدة:78]،{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:110]. ألا فعينوني على أمري، وتحروا بجهدكم نصرتي، أُوْرِدْكم خير الموارد، وأُبَلِّغُكُم أفضل المحامد. عباد الله، أعينوني على إصلاح البلاد، وإرشاد العباد، وحسم دواعي الفساد، وعمارة مناهل السداد. ألا ومن تخلف عني وأهمل بيعتي ــ إلا لسبب قاطع أو لعذر مانع بَيِّنِ الحجة ــ فإني أجاثيه للخصام يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم الآزفة، فأقول: ألم تسمع قول جدي رسول الله:((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يُجبها كبّه الله على منخريه في النار))، ألا فاسمعوا وأطيعوا {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[التوبة:41]،{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} [التوبة:24] فلتتفق كلمتكم وليجتمع شملكم{وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال:46]. ألا وقد سلكتُ سبيل من مضى من آبائي الأخيار، وسلفي النجباء الأبرار في منابذة الظالمين، ومجاهدة الفاسقين مبتغياً به مرضاة رب العالمين، فاسلكوا أيها الإخوان سبيل أتباعهم الصالحين، وأشياعهم البررة الخاشعين في المعاونة والمظاهرة والمكاثفة والموازرة، وتبادروا رجالاً وسارعوا إليَّ أرسالاً، وإياكم والجنوح إلى الراحة طالبين لها وجوه العلل، مغترين بما فسح الله لكم من المهل، وعن قليل يُحِقّ الحقّ ويبطل الباطل، ويعاين كل امرئ ما اكتسب، ويُجازى كل بما اجترم {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}[النور:25]،{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[غافر:44])).

    تلك النصوص تبين حقيقة أهداف أئمة أهل البيت من الإمامة.

    الخروج والدعوة


    قضية أخرى تتعلق بالإمامة، وهي اعتقاد البعض أن الخروج هو طريق الزيدية الوحيد للإمامة. وسبب هذا الأمر أن الإمامة في أول أمرها كانت تشترط الخروج حيث إنها كانت في زمن ولاة الجور. وإلا فالأصل أن الإمامة تكون لمن تجرَّد لأمرها، ودعا الناس إلى بيعته. فإن كان ثَمَّة ضَرورة لثورة على ظالم، وكانت الظروف مواتية فبها، وإلا كفت الدعوة إلى النفس وبيعة الناس. وفي حالما يكون هناك أكثرمن داع لنفسه في وقت واحد، فإن الواجب الشرعي عليهم وفق ما نص عليه الأئمة والعلماء هو الاجتماع أمام أهل الحل والعقد من الناس، بحيث يقوم أولئك باختيار من يرونه الأكفأ من بين المرشحين. وللأسف فإن هذا الأمر لم يطبق دائماً ولأسباب مختلفة، أبرزها في تصوري ضعف السيطرة المركزية على الأقاليم التي كانت تخضع للإمام المتوفى، وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية للبلاد التي كان لأئمة أهل البيت فيها دول، وهي المغرب الأقصى، واليمن، وبلاد الجيل والديلم وطبرستان. هذا الأمر كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى نزاع بين أتباع المرشحين للإمامة.

    إمامة المفضول مع وجود الأفضل


    هذه مسألة فرعية للغاية، ومع ذلك فقد تُكلم فيها وكأنها شعار للزيدية. والقضية فيها بحوث طويلة، وسواء قال بها الإمام زيد، أو بعض الزيدية، أم لم يقولوا بها، فهي في النهاية مسألة فقهية يعود أمرها إلى ترجيح المجتهد، فهل تجوز إمامة المفضول لاعتبارات خاصة ترجح المصلحة في بيعته واختياره؟ هذا هو خلاصة الموضوع. وأغلب الزيدية ترى أن الأفضل هو الأولى لقيادة الأمة في كل الأحوال، ولكنهم يجيزون ولاية المفضول إذا كان كفؤاً في نفسه. سبب كثرة اللغط حول المسألة يعود إلى ظن البعض أن القول بها يؤدي إلى القول بصحة إمامة أبي بكر، حيث إنه الإمام المفضول الذي تمت بيعته، والإمام علي(ع) هو الأفضل الذي لم يبايع. هذا الظن خطأ، لأن إمامة علي بن أبي طالب لم تكن بالأفضلية فحسب، وإنما بها مع النص عليه. وقبول خلافة أبي بكر لم يكن باعتبار هذه القاعدة، وإنما باعتبار أنه حكم فعدل، وأن الإمام علياً لم يكن له موقف عدائي منه.
    سلبيات تجربة الإمامة


    ينتقد البعض الزيدية بسبب غياب آلية واضحة تبين كيفية انتقال الحكم من إمام إلى آخر، مما أدى ـ على حد زعمهم ـ إلى اقتتال كثير بين قيادات الزيدية. العودة إلى كتب الزيدية يظهر بجلاء أن لهم آلية محددة لاختيار الإمام، وآلية تبين كيفية انتقال الإمامة. خلاصتها: بعد غياب الإمام القائم، فإنه يحق لكل من رأى في نفسه أهلية لتولي أمر الإمامة أن يدعو الناس إلى نفسه. فإذا كان أهلاً لتولي الإمامة، ولم يوجد غيره، ولم يكن ثمة مانعاً، فإن بيعته واجبة باعتبار أن المصلحة تقضي ملء الفراغ في السلطة. فإذا وجد غيره ممن رشح نفسه، أو رشحه غيره، فعندها يجب عليهما الاجتماع أمام مجموعة من العلماء وأهل الحل والعقد لتتم المفاضلة بينهما وتعيين الأولى منهما لقيادة الأمة. هذه الآلية مورست في حالات كثيرة. وفي حالات أخرى نجد أن الذي حصل لم يتوافق معها. الأسباب تتعدد وتتداخل. أهمها أن الآلية تحتاج إلى أن تتحول من نظرية بين الخاصة إلى ثقافة عامة تمتلك حماية المجتمع كله. أيضاً فإن الظروف السياسية، والاجتماعية، والجغرافية، التي تحيط بالآلية تؤثر كثيراً على تطبيقها، والأسوأ من ذلك فإنها تؤثر سلباً على التحول الضروري للنظرية إلى ثقافة عامة. يجب أن نلحظ أثر الطموح الفردي السلبي على ممارسة تلك الآلية. ولكن هذا الطموح لم يكن ليؤثر لولا ضعف سيطرة الجيش على أطراف الدولة من جهة. هذا الضعف كان للجغرافيا وصعوبة المواصلات دور كبير فيه. ومن جهة أخرى على عدم كون الآلية ثقافة عامة.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-05-26
  3. علي الحضرمي

    علي الحضرمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-10-21
    المشاركات:
    3,539
    الإعجاب :
    0
    شكراً جزيلاً لكم أخي العزيز عبادي على نقل هذه النبذة الرائعة من كتاب الأستاذ عبدالله بن محمد حميد الدين

    ألف تحية لصاحب الكتاب
    وألفين تحية لكم
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة