عندما يتحول رقمك الشخصي إلى حائط مبكى دوليٍ

الكاتب : اياد الشعيبي   المشاهدات : 522   الردود : 0    ‏2007-05-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-24
  1. اياد الشعيبي

    اياد الشعيبي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-08-11
    المشاركات:
    615
    الإعجاب :
    0
    كنت أجتّر تاريخاً ناصرياً قديماً، طوته عقود من العبث السياسي لحكومات الظل الاشتراكية، وأنا أتأمل خطاباً سابقاً للرئيس اليمني علي عبد الله صالح، أعلن فيه على الملأ رغبته في عدم ترشيح نفسه لولايةٍ رئاسيةٍ جديدةٍ في الحكم، وكان إعلانه الشهير في عام 2006 هو البيان رقم ثلاثة الذي يحمل نفس الصبغة الدعائية بالتخلي عن الكرسي والتولي عن الزحف الانتخابي .
    غير أن إعلانه الأخير كان حاسماً ذا صبغةٍ حازمةٍ كما زعم وردد في أكثر من مناسبةٍ، بأنه لن يترشح لولايةٍ أخرى تحت أي ظرفٍ من الظروف، وأنه بصدد فتح أبواب الرئاسة لغيره من مواطني الجمهورية اليمنية، وأن 28 سنةً على كرسي الرئاسة كانت كافيةً لأن تزهّد أي عاقلٍ في الحكم وتحمل المسؤولية الكاملة أمام الله جل وعلا ثم أمام الشعب ! لم أجد بداً من تقليب أبعاد هذا المشهد الهزلي برمته في عقلي وقد عافت نفسي متابعة بقية المسرحية السياسية إلى نهايتها ! لقد تطابقت تصريحاته مع تصريحات الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عقب نكسة 1967 بأنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن النكبة العسكرية، وأنه بصدد تقديم الاستقالة والانسحاب من كرسي الرئاسة .
    يومها هاجت الجماهير في مصر الكنانة وماجت حتى أذعن فخامة الرئيس لتلك الأصوات كما قيل، ورضخ لتلك الرغبات الجماهيرية العاشقة لأخطبوط النظام الاشتراكي البائد، وما إن أعلن ناصر نسخه لقراره السابق حتى رقص بعض أعضاء مجلس الشعب المصري فرحاً بعودته لقيادة الأمة مرةً أخرى إلى بر الأمان، على ذمة الأستاذ مصطفى أمين في كتابه .
    ولم تكتمل فرحة المراقبين أو الناقمين لقرار استقالة الرئيس اليمني، حتى فاجأهم فخامته مرةً أخرى بأنه عدل عن قراره الآنف الذكر، وأنه عائد ليقود سفينة الحكم مع الشعب إلى اليابسة ! يومها خرجت الجماهير العاشقة إلى الشارع مرةً أخرى مصفقةً ومطبلةً وراقصةً، ولكن غلف مشهد المرح السياسي هذه المرة بشهدٍ من الدموع، حيث فقد العشرات حياتهم نتيجةً لهذه الفرحة الغامرة في مهرجانٍ انتخابيٍ لصالح فخامته، حيث تقاطرت الجموع الغارقة في الوله الاشتراكي على إحدى اللجان الانتخابية، لتتدافع في حيزٍ ضيقٍ موقعةً خسائر في الأرواح .
    وأعتقد أن أكثر من أصيب بخيبة الأمل من قرار فخامته، هو الأستاذ المعارض ( محمد المقالح ) الذي كتب مقالةً لاذعةً بصحيفة ( النداء ) الأهلية يقول فيها : إن الرئيس يمتلك السلطة المطلقة، وبالتالي المفسدة المطلقة منذ 27 عاما، ثم لا تريدون منا أن نقول له يا أخي عيب.. تزحزح قليلا، أفسح المجال لغيرك هذه السلطة ليست ملكك، ولم تمنحها كحق إلهي لا يجوز منازعتك فيها، كما أنك لم تكتسبها برضا الناس وأصواتهم وصناديق الاقتراع بدليل انتخابات عام 1999إلخ ...
    لا يعنيني الشأن الداخلي لليمن كثيراً، غير أن فخامته منذ أن أتى إلى كرسي الرئاسة اليمنية وحدوده الشمالية مفتوحةً على مصراعيها، لايغلقها خازن، ولايضبطها حارس، يأتينا منها السلاح المهرب بذخائره مع بضعة أطنانٍ من المتفجرات، وأجود أنواع القات، والعشرات من العمالة السائبة، والمئات من الفقراء والمساكين والعاطلين والمطلوبين جنائياً ممن ابتلاهم الله جل وعلا بالفقر والمرض والجوع والنكبات .
    وكان لابد لنا أن نتعايش مع هذا الواقع المرير ولو على حساب صلاتنا وأمننا ونسيجنا الاجتماعي والديني، وهي ليست عنصرية غارقة في التعصب والشعوبية معاذ الله، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ولا فرق بيني عربي ولا أعجميٍ إلا بالتقوى، لكن الذي يحدث لا يمكن القبول به بأي حالٍ من الأحوال، لا سيما بعد تفشي ظاهرة الجرائم في بعض القرى المتاخمة للحدود اليمنية، من سطوٍ وقتلٍ واعتداءٍ واختطافٍ، والذي يتابع التقارير الصحفية يجد أن تلك الوقائع في تصاعدٍ مخيفٍ .
    تحولت بيوت الله في مختلف مدننا إلى مساجد يذكر فيها اسم الله جل وعلا، ويذكر فيها قصص المآسي والفقر والجوع والحرمان واستجداء الديات، مفعمةً بالبكاء الذي لا يلامس شغاف القلب، ولا يهز شعرةً في الوجدان، بقدر ما هو موال محترفٍ أجاد التمثيل وشهق الزفرات وذرف العبرات وطمس الشعور الإنساني بالألم تجاه الأخ المسلم الباكي .
    وكانت قواسم الشيفرة المشتركة بين أولئك المساكين أو المدّعين، هذه الديباجة الافتتاحية : اعلموا أن مقادير الله تقدر على كل إنسانٍ، فقد قدر الله عليّ أو على والدي أو أسرتي إلخ .... وبعد الفراغ من تلك الديباجة المشفوعة بالبكاء والأيمان والدعاء بالويل والثبور وعظائم الأمور، تمد يدك بالمساعدة إلى زيدٍ ليتوسلك عبيد، تداري عجز عبيد ليتشبث بك طفل عمرو وهكذا، حتى إن صدقتك قد تتحول إلى مغامرةٍ ليست مأمونة العواقب .
    وجاء الحوثيون ببركة دعم بعض الأعضاء المتنفذين في الحكومة الاشتراكية، والمرتبطين مع الجماعة ارتباطاً عقدياً وروحياً لاتنفك روابطه، ولا تتلاشى أواصره، وبرزت الأطماع الرافضية القديمة في المنطقة، واشتعلت نيران اليمن مرةً أخرى، ليتحول اليمن من سعيدٍ إلى حزينٍ ينزف من جرحٍ غائرٍ لم يندمل، وبدأ موسم الهجرة إلى الشمال وبقوةٍ، ورأينا ولم نبلغ : بأنني ما وقفت في هذا الموقف، إلا بعد أن أصابت قذيفة حوثية مسكني فقتلت الأهل والعشرية والأرحام، ومزقتنا كل ممزق ( قلت : أو قذيفة حكومية طائشة ) .
    وقد تنساب عاطفتك حيناً، فتعد السائل أمام سيل دموعه المنهمرة بمساعدةٍ إن تيسر لديك فائض من طعامٍ أو كساءٍ أو نقدٍ، وإذا حدث ووقعت في هذا المأزق، مأزق الوعد الأكيد ووعد الحر دين عليك، فإن هذا السائل سيمسك بتلابيبك ولن يدعك ترحل حتى تذيل وعدك برقم هاتفك المحمول، لتبدأ حكاية أخرى من رنينٍ لا ينقطع، وهذه المرة من أشخاص لا تعرفهم، لقد تحول رقمك الشخصي إلى حائط مبكى دوليٍ، فكم من اتصالٍ وردني من اليمن من أشخاصٍ لا أعرفهم ولم ألتقي بهم من قبل، يسألون : يا أستاذ حسن صلنا بما تجود به نفسك وصلك الله ! لقد تقطعت بنا السبل في وادٍ كذا، قرب قرية كذا، ويذكر لك إحداثيات منطقةٍ تخشى أنها تقع على سفوح تورا بورا !
    لقد اكتشفت ولكن بعد فوات الأوان أن الأخ الذي طلب رقمي قد تأثر بالنظم الاشتراكية الشمولية، وأنه يؤمن بوجوب شيوعية الأرقام الخاصة بين يدي جميع الفقراء والمحتاجين والنصابين والمهربين !
    كنت قد قرأت تقريراً للبنك الدولي قبل أعوامٍ، يفيد بأن دولة اليمن الشقيق ترزح تحت صنوفٍ من الفساد المالي والإداري الذي لا ينفع معه إصلاح أو تهذيب، إلا بتوسيع رقعة المشاركة الشعبية في النظام السياسي الجاثم على صدور عباد الله، وفي تصريحٍ آخر سمعته من ال BBC قال أحد مسؤولي دول الاتحاد الأوربي : إن المساعدات التي تلقتها اليمن من دول الاتحاد الأوربي، لو وزعت بشكلٍ عادلٍ على الشعب اليمني، أو على المشاريع التنموية في اليمن، لكان واقع اليمن أفضل بمراحل من هذه الأزمات التي تمر بها الدولة والشعب .
    وأمام مطرقة الفساد وسندان الحرب الأخيرة، والحروب التي خاضها الشطران الشمالي والجنوبي، تتسع الهوة بين الشمال والجنوب، وتتلاشى بوادر حل إيقاف سيل الهجرات المتلاحقة إلى الشمال، تلك الهجرات التي تحمل في طياتها جميع أنواع الأوبئة والأمراض، والفقر والجوع والبؤس والحرمان، والصدق والألم والجرائم أمام ضغط الفقر والحاجة، ليكتب بعض القوميين في صحف اليمن البعثية والاشتراكية، بأن سبب النكبة التي حلت باليمن السعيد، هو نظام الجار الشمالي المتآمر لتقويض أركان السعادة والوئام، الذي يزخر به اليمن السعيد، أسعده الله بالطاعة ورغد العيش .
    يقال : إن الثورات يدبرها الدهاة، وينفذها الشجعان، ثم يكسبها الجبناء .


    حسن مفتي
    كاتب سعودي
     

مشاركة هذه الصفحة