الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

الكاتب : الياقوتة   المشاهدات : 597   الردود : 1    ‏2007-05-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-20
  1. الياقوتة

    الياقوتة عضو

    التسجيل :
    ‏2007-05-17
    المشاركات:
    25
    الإعجاب :
    0

    [​IMG]

    * د. يوسف القرضاوي
    ـ الاتحاد والترابط فريضة دينية:
    يجب أن يكون هدف الداعين إلى الإسلام والعاملين له: الاتحاد والألفة، اجتماع القلوب، والتئام الصفوف، والبعد عن الاختلاف والفرقة، وكل ما يمزق الجماعة أو يفرق الكلمة، من العداوة الظاهرة، أو البغضاء الباطنة، ويؤدي إلى فساد ذات البين، مما يوهن دين الأمة ودنياها جميعاً.
    فلا يوجد دين دعا إلى الأخوة التي تتجسد في الاتحاد والتضامن، والتساند التآلف، والتعاون والتكاتف، وحذر من التفرق والاختلاف والتعادي، مثل الإسلام في قرآنه وسنته.
    من توجيهات القرآن:
    قد أكد القرآن أن المسلمين ـ وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم وأوطانهم ولغاتهم وطبقاتهم ـ أمة واحدة، وهم الأمة الوسط الذين جعلهم الله (شهداء على الناس) البقرة: 143، وهم كما وصفهم القرآن (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران: 110.
    وأعلن القرآن أن الأخوة الواشجة هي الرباط المقدس بين جماعة المسلمين وهي العنوان المعبر عن حقيقة الإيمان: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) الحجرات: 10.
    وجاءت الآيات بعد هذه الآية تقيم سياجاً من الآداب والفضائل الأخلاقية يحمي الأخوة مما يشوهها ويؤذيها، من السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومَن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات: 11 ـ 12.
    وحذر القرآن من التفرق أيما تحذير. ومن ذلك قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) الأنعام: 65.
    فجعل تفريق الأمة شيعاً، يذوق بعضها بأس بعض، من أنواع العقوبات القدرية التي ينزلها الله بالناس إذا انحرفوا عن طريقه، ولم يعتبروا بآياته، وقرنها القرآن بالرجم ينزل من فوقهم، كالذي نزل بقوم لوط، أو بالخسف يقع من تحت أرجلهم، كالذي وقع لقارون.
    وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) الأنعام: 159.
    جاء عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى الذين تفرقوا واختلفوا في دينهم.
    وجاء من غيره أنهم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.
    قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد، لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعاً) أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى، قد برأ رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم )، مما هم فيه. وهذه الآية كقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) الشورى: 13.
    وذم القرآن الذين تفرقوا واختلفوا في الدين من أهل الكتاب في آيات كثيرة سيمر علينا بعضها في موضعه من هذا البحث.
    ـ توجيهات السنة النبوية:
    أما السنة النبوية فقد قررت وأكدت وفصلت ما جاء به القرآن الكريم من الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف، والتحذير من التفرق والاختلاف.
    فقد دعت السنة إلى الجماعة والوحدة، ونفرت من الشذوذ والفرقة، دعت إلى الأخوة والمحبة، وزجرت عن العداوة والبغضاء.
    والأحاديث في هذا كثيرة وفيرة ..
    روى الترمذي عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية (اسم موضع) فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم مقام رسول الله (ص) فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .. عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد، مَن أراد بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة.
    وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم): «يد الله مع الجماعة».
    وروي عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) قال: «إن الله لا يجمع أمتي ـ أو قال: أمة محمد (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) ـ على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومَن شذ شذ إلى النار».
    وفي الصحيحين: «أن مَن فارق الجماعة شبراً فمات، فميتة جاهلية».
    وأكدت السنة الدعوة إلى الأخوة والوحدة بين المسلمين في مواقف كثيرة وبأساليب شتى «المسلم أخو المسلم، ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته».
    «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
    «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
    «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على مَن سواهم».
    ولقد حذرت السنة النبوية أبلغ التحذير وأشده من التباغض والتهاجر، والتشاحن، وفساد ذات البين.
    فمن حديث أنس بن مالك عنه ( صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام».
    ومن حديث أبي أيوب الأنصاري: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
    ومن حديث أبي هريرة: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً».
    ومن حديث أبي هريرة أيضاً: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات .. «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه».
    ومن حديث كذلك: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء (أي عداوة) فيقال: أنظروا (أي أخروا) هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا».
    ومن حديث أبي الدرداء: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة». قال الترمذي: ويروي عن النبي (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».
    ومن حديث أبي هريرة: «إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة».
    ومن حديث مولى الزبير عن الزبير: «دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا اقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا».
    ومن حديث ابن عباس: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان» أي متقاطعان.
    ومن حديث أبي خراش الأسلمي: «مَن هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه».
    ومن حديث جابر بن عبدالله: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم».
    ـ لماذا الحرص على الوحدة والترابط؟
    لماذا حرص الإسلام كل هذا الحرص على الاتحاد والترابط، ولماذا حذر كل هذا التحذير من التفرق، والتشاحن؟
    الواقع أن وراء الاتحاد منافع وآثارها في حياة الأمة لا تخفى على ذي لب.
    أ ـ فالاتحاد يقوي الضعفاء، ويزيد الأقوياء قوة، على قوتهم، فاللبنة وحدها ضعيفة مهما تكن متانتها، وآلاف اللبنات المتفقة والمتناثرة ضعيفة بتناثرها وإن بلغت الملايين، ولكنها في الجدار قوة لا يسهل تحطيمها لأنها باتحادها مع اللبنات الأخرى، في تماسك ونظام، أصبحت قوة أي قوة، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف بقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك (صلى الله عليه وعلى آلأه وصحبه وسلم ) بين أصابعه.
    ونبهت عليه الآية الكريمة، حيث يقول تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) الصف: 4.
    ب ـ والاتحاد كذلك عصمة من الهلكة، فالفرد وحده يمكن أن يضيع، ويمكن أن يسقط، ويفترسه شياطين الإنس والجن، ولكنه في الجماعة محمي بها كالشاة في وسط القطيع، لا يجترئ الذئب أن يهجم عليها، فهي محمية بالقطيع كله، إنما يلتهمها الذئب حين تشرد عن جماعتها وتنفرد بنفسها، فيجد فيها ضالته، ويعمل فيها أنيابه، ويأكلها فريسة سهلة.
    وفي هذا جاء الحديث: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومَن شذ شذ في النار».
    «إن الشيطان ذئب الإنسان، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».
    «عليكم بالجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد».
    ومما له دلالته القوية في الحفاظ على وحدة الجماعة ما ذكرته في كتابي «بينات الحل الإسلامي» مما سجله القرآن الكريم في قصة موسى (ع) حينما ذهب لمناجاة ربه، استجابة لوعد الله تعالى، الذي واعده ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخلف في قومه أخاه وشريكه في الرسالة هارون (ع).
    وفي غيبة موسى فتن قومه بعبادة العجل الذي صنعه لهم السامري، فلما رجع موسى إلى قومه، فوجئ بهذا الانحراف الكبير الذي يتصل بجوهر العقيدة التي بعث بها هو، وبعث بها كل الرسل من قبله ومن بعده.
    وهنا غضب موسى، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقال: (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعن أفعصيت أمري) طه: 92 ـ 93، فكان جواب هارون كما ذكر القرآن: (قال يا بنؤمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) طه: 94.
    وفي هذا الجواب نرى أن نبي الله هارون اعتذر لأخيه بهذه الجملة: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي).
    ومعنى هذا أنه سكت على ارتكاب الشرك الأكبر، وعبادة العجل، الذي فتنهم به السامري، حفاظاً على وحدة الجماعة، وخشية من تفرقها، وهي ـ لا شك ـ خشية موقوته بمدة غياب موسى، حتى إذا عاد تفاهم الأخوان الرسولان في كيفية مواجهة الأزمة.
    ـ تفرق الأمة ليس قدراً لازماً ولا دائماً:
    ويقول بعض الناس: إن تفرق الأمة أمر لازم فرضه القدر وخبر به الشرع فلا مناص منه، ولا مهرب منه.
    يدل لذلك:
    1 ـ ما جاء من أحاديث تكاثرت واستفاضت تنبئ بأن الله تعالى جعل بأس هذه الأمة بينها.
    2 ـ حديث افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
    ـ معنى جعل بأس هذه الأمة بينها:
    أما أحاديث جعل هذه الأمة بأسها بينها، وتسليط بعضها على بعض، فهي أحاديث صحيحة مستفيضة رويت عن عدد من الصحابة.
    وقد ذكر هذه الأحاديث الحافظ ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) الأنعام: 65.
    وأكتفي من هذه الأحاديث بثلاثة:
    ما رواه أحمد ومسلم عن سعد: أن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني إثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».
    وروى الإمام أحمد وغيره عن خباب بن الأرت: راقبت رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) في ليلة صلاها كلها، حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) من صلاته، فقلت: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها! فقال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «أجل إنها صلاة رغب ورهب! سألت ربي عزوجل فيها ثلاث خصال، فأعطاني إثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي عزوجل ن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي عزوجل أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا، فأعطانيها، وسألت ربي عزوجل أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها».
    فروى مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «إن الله زوى لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها .. » الحديث.
    والأحاديث المذكورة ـ وما في معناها مما لم نذكره ـ واضحة الدلالة على المراد، وهو أن الله تعالى ضمن لنبيه (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) في أمته أمرين كرامة له عليه الصلاة والسلام، وأجاب دعوته فيهما:
    الأول: أن لا يهلكها بما أهلك به الأمم السابقة بمثل الغرق الذي أهلك الله به قوم نوح، أو فرعون وجنوده، أو بالسنين أي المجاعات الماحقة التي تهلك بها الأمة كافة، أو بغير ذلك من الرجم من فوقهم أو الخسف من تحت أرجلهم.
    الثاني: أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم، يسلط عليهم بحيث يستبيح بيضتهم ويستأصل شأفتهم، ويقضي على وجودهم.
    ولكن أمراً آخر طلبه النبي (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) من ربه، فلم يجب إليه ولم يضمنه له، وهو: أن لا ليلبس هذه الأمة شيعاً، ولا يجعل بأسها بينها، فلم يجب الله سبحانه لرسوله الكريم هذا السؤال، وتركه للسنن الكونية والاجتماعية، ولشبكة الأسباب والمسببات.
    فالأمة هنا هي مالكة أمر نفسها، لم يجبرها الله على شيء، ولم يخصها ـ في هذا المجال ـ بشيء، فإذا هي استجابت لأمر ربها، وتوجيه نبيها، ودعوة كتابها، ووحدت كلمتها، وجمعت صفها، عزت وسادت وانتصرت على عدو الله وعدوها، وحققت ما يرجوه الإسلام منها، وإن هي استجابت لدعوات الشياطين، وأهواء الأنفس تفرقت بها السبل، وسلط عليها أعداؤها، من خلال تفرقها، وتمزق صفوفها، كما أشار إلى ذلك الحديث: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً».
    والحديث لا يعني بحال أن يكون تفرق الأمة وتسلط بعضها على بعض أمراً لازماً، ودائماً وعاماً، يشمل كل الأزمنة، وكل الأمكنة، وكل الأحوال إلى يوم القيامة.
    وإلا لم يكن هناك معنى لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) آل عمران: 103.
    ولا لقوله عزوجل: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) آل عمران: 105.
    ولا لقوله سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الأنفال: 46.
    ولا لقوله جل شأنه: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) الصف: 4.
    ولا لقوله عز من قائل: (ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) الروم: 31 ـ 32.
    ولا لقوله: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) المؤمنين: 52.
    ولا لقوله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «لا تختلفوا، فإن مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».
    ولا لقوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
    وقوله: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
    وقوله: «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا».
    إلى غير ذلك من نصوص القرآن والحديث التي أمرت بالاتحاد والائتلاف، ونهت عن التفرق والاختلاف والتي أوجبت على المسلمين أن يكون لهم إمام واحد، وأن لا يبايعوا لخليفتين في وقت واحد، وأن يقاوموا مَن يريد أن يفرق كلمتهم وأمرهم جميع .. إلخ.
    ولو كان التفرق قدراً مفروضاً على الأمة بصورة عامة ودائمة لكانت هذه الأوامر والنواهي عبثاً، لأنها تأمر بما لا يمكن وقوعه، وتنهى عما يستحيل اجتنابه.
    والأحاديث التي أخبرت بأن الله لم يسلط على الأمة عدواً من غيرها يقوض بنيانها، ويأتي عليه من القواعد، وإنما تركها لأنفسها، وجعل بأسها بينها ـ لم تخبر بأن هذا أمر واقع في كل بقعة من أرض الإسلام، وفي كل عصر من العصور.
    إنما هو داء وبيل تصاب به الأمة كلما تهيأت أسبابه، ولم تتحصن منه بما ينبغي، كما يصاب الفرد بالمرض إذا أهمل الوقاية، أو قصر في العلاج.
    وقد يقع في مكان دون مكان، وفي زمان دون زمان، وبين قوم معينين دون غيرهم، ويكفي مثل هذا ليصدق الخبر النبوي.
    وقد جاء في بعض الأحاديث، أن جعل بأس الأمة بينها يكون عقوبة من الله لها على انحرافها عن شرعه وكتابه، ولا سيما أئمتها ورؤساؤها. كما جاء في حديث ابن عمر مرفوعاً: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلاّ جعل الله بأسهم بينهم».
    على أن ما أنذرت به الأحاديث المذكورة من جعل بأس الأمة بينها يمكن أن يفسر بما وقع بالفعل في بعض الأزمنة السابقة، كما وقع في عهد الصحابة أنفسهم من الفتن، وما وقع في عهود من بعدهم، في العصر الأموي ثم في العصر العباسي، مما مهد لدخول الصليبيين من الغرب، والتتار من الشرق، إلى دار الإسلام، والسيطرة على أجزاء منها مدة من الزمان.
    وقد بشرت أحاديث أخرى بأن الإسلام ستعلو كلمته، وأنه سيدخل أوروبة مرة أخرى، بعد أن طرد منها مرتين، وأنه سيفتح (رومية) كما فتح من قبل (القسطنطينية) وأنه لا يبقى بيت مدر أو وبر إلا أدخله الله هذا الدين، الذي سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، ومعلوم أن هذا كله لا يمكن ان يتم والأمة ممزقة يضرب بعضها رقاب بعض، إنما يتم ذلك حين تتوحد الكلمة على الإسلام، وتمضي الأمة تحت راية الإيمان.​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-05-20
  3. الياقوتة

    الياقوتة عضو

    التسجيل :
    ‏2007-05-17
    المشاركات:
    25
    الإعجاب :
    0

    [​IMG]

    * د. يوسف القرضاوي
    ـ الاتحاد والترابط فريضة دينية:
    يجب أن يكون هدف الداعين إلى الإسلام والعاملين له: الاتحاد والألفة، اجتماع القلوب، والتئام الصفوف، والبعد عن الاختلاف والفرقة، وكل ما يمزق الجماعة أو يفرق الكلمة، من العداوة الظاهرة، أو البغضاء الباطنة، ويؤدي إلى فساد ذات البين، مما يوهن دين الأمة ودنياها جميعاً.
    فلا يوجد دين دعا إلى الأخوة التي تتجسد في الاتحاد والتضامن، والتساند التآلف، والتعاون والتكاتف، وحذر من التفرق والاختلاف والتعادي، مثل الإسلام في قرآنه وسنته.
    من توجيهات القرآن:
    قد أكد القرآن أن المسلمين ـ وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم وأوطانهم ولغاتهم وطبقاتهم ـ أمة واحدة، وهم الأمة الوسط الذين جعلهم الله (شهداء على الناس) البقرة: 143، وهم كما وصفهم القرآن (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران: 110.
    وأعلن القرآن أن الأخوة الواشجة هي الرباط المقدس بين جماعة المسلمين وهي العنوان المعبر عن حقيقة الإيمان: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) الحجرات: 10.
    وجاءت الآيات بعد هذه الآية تقيم سياجاً من الآداب والفضائل الأخلاقية يحمي الأخوة مما يشوهها ويؤذيها، من السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومَن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات: 11 ـ 12.
    وحذر القرآن من التفرق أيما تحذير. ومن ذلك قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) الأنعام: 65.
    فجعل تفريق الأمة شيعاً، يذوق بعضها بأس بعض، من أنواع العقوبات القدرية التي ينزلها الله بالناس إذا انحرفوا عن طريقه، ولم يعتبروا بآياته، وقرنها القرآن بالرجم ينزل من فوقهم، كالذي نزل بقوم لوط، أو بالخسف يقع من تحت أرجلهم، كالذي وقع لقارون.
    وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) الأنعام: 159.
    جاء عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى الذين تفرقوا واختلفوا في دينهم.
    وجاء من غيره أنهم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.
    قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد، لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعاً) أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى، قد برأ رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم )، مما هم فيه. وهذه الآية كقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) الشورى: 13.
    وذم القرآن الذين تفرقوا واختلفوا في الدين من أهل الكتاب في آيات كثيرة سيمر علينا بعضها في موضعه من هذا البحث.
    ـ توجيهات السنة النبوية:
    أما السنة النبوية فقد قررت وأكدت وفصلت ما جاء به القرآن الكريم من الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف، والتحذير من التفرق والاختلاف.
    فقد دعت السنة إلى الجماعة والوحدة، ونفرت من الشذوذ والفرقة، دعت إلى الأخوة والمحبة، وزجرت عن العداوة والبغضاء.
    والأحاديث في هذا كثيرة وفيرة ..
    روى الترمذي عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية (اسم موضع) فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم مقام رسول الله (ص) فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .. عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد، مَن أراد بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة.
    وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم): «يد الله مع الجماعة».
    وروي عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) قال: «إن الله لا يجمع أمتي ـ أو قال: أمة محمد (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) ـ على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومَن شذ شذ إلى النار».
    وفي الصحيحين: «أن مَن فارق الجماعة شبراً فمات، فميتة جاهلية».
    وأكدت السنة الدعوة إلى الأخوة والوحدة بين المسلمين في مواقف كثيرة وبأساليب شتى «المسلم أخو المسلم، ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته».
    «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
    «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
    «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على مَن سواهم».
    ولقد حذرت السنة النبوية أبلغ التحذير وأشده من التباغض والتهاجر، والتشاحن، وفساد ذات البين.
    فمن حديث أنس بن مالك عنه ( صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام».
    ومن حديث أبي أيوب الأنصاري: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
    ومن حديث أبي هريرة: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً».
    ومن حديث أبي هريرة أيضاً: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات .. «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه».
    ومن حديث كذلك: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء (أي عداوة) فيقال: أنظروا (أي أخروا) هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا».
    ومن حديث أبي الدرداء: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة». قال الترمذي: ويروي عن النبي (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».
    ومن حديث أبي هريرة: «إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة».
    ومن حديث مولى الزبير عن الزبير: «دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا اقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا».
    ومن حديث ابن عباس: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان» أي متقاطعان.
    ومن حديث أبي خراش الأسلمي: «مَن هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه».
    ومن حديث جابر بن عبدالله: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم».
    ـ لماذا الحرص على الوحدة والترابط؟
    لماذا حرص الإسلام كل هذا الحرص على الاتحاد والترابط، ولماذا حذر كل هذا التحذير من التفرق، والتشاحن؟
    الواقع أن وراء الاتحاد منافع وآثارها في حياة الأمة لا تخفى على ذي لب.
    أ ـ فالاتحاد يقوي الضعفاء، ويزيد الأقوياء قوة، على قوتهم، فاللبنة وحدها ضعيفة مهما تكن متانتها، وآلاف اللبنات المتفقة والمتناثرة ضعيفة بتناثرها وإن بلغت الملايين، ولكنها في الجدار قوة لا يسهل تحطيمها لأنها باتحادها مع اللبنات الأخرى، في تماسك ونظام، أصبحت قوة أي قوة، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف بقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك (صلى الله عليه وعلى آلأه وصحبه وسلم ) بين أصابعه.
    ونبهت عليه الآية الكريمة، حيث يقول تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) الصف: 4.
    ب ـ والاتحاد كذلك عصمة من الهلكة، فالفرد وحده يمكن أن يضيع، ويمكن أن يسقط، ويفترسه شياطين الإنس والجن، ولكنه في الجماعة محمي بها كالشاة في وسط القطيع، لا يجترئ الذئب أن يهجم عليها، فهي محمية بالقطيع كله، إنما يلتهمها الذئب حين تشرد عن جماعتها وتنفرد بنفسها، فيجد فيها ضالته، ويعمل فيها أنيابه، ويأكلها فريسة سهلة.
    وفي هذا جاء الحديث: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومَن شذ شذ في النار».
    «إن الشيطان ذئب الإنسان، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».
    «عليكم بالجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد».
    ومما له دلالته القوية في الحفاظ على وحدة الجماعة ما ذكرته في كتابي «بينات الحل الإسلامي» مما سجله القرآن الكريم في قصة موسى (ع) حينما ذهب لمناجاة ربه، استجابة لوعد الله تعالى، الذي واعده ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخلف في قومه أخاه وشريكه في الرسالة هارون (ع).
    وفي غيبة موسى فتن قومه بعبادة العجل الذي صنعه لهم السامري، فلما رجع موسى إلى قومه، فوجئ بهذا الانحراف الكبير الذي يتصل بجوهر العقيدة التي بعث بها هو، وبعث بها كل الرسل من قبله ومن بعده.
    وهنا غضب موسى، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقال: (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعن أفعصيت أمري) طه: 92 ـ 93، فكان جواب هارون كما ذكر القرآن: (قال يا بنؤمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) طه: 94.
    وفي هذا الجواب نرى أن نبي الله هارون اعتذر لأخيه بهذه الجملة: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي).
    ومعنى هذا أنه سكت على ارتكاب الشرك الأكبر، وعبادة العجل، الذي فتنهم به السامري، حفاظاً على وحدة الجماعة، وخشية من تفرقها، وهي ـ لا شك ـ خشية موقوته بمدة غياب موسى، حتى إذا عاد تفاهم الأخوان الرسولان في كيفية مواجهة الأزمة.
    ـ تفرق الأمة ليس قدراً لازماً ولا دائماً:
    ويقول بعض الناس: إن تفرق الأمة أمر لازم فرضه القدر وخبر به الشرع فلا مناص منه، ولا مهرب منه.
    يدل لذلك:
    1 ـ ما جاء من أحاديث تكاثرت واستفاضت تنبئ بأن الله تعالى جعل بأس هذه الأمة بينها.
    2 ـ حديث افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
    ـ معنى جعل بأس هذه الأمة بينها:
    أما أحاديث جعل هذه الأمة بأسها بينها، وتسليط بعضها على بعض، فهي أحاديث صحيحة مستفيضة رويت عن عدد من الصحابة.
    وقد ذكر هذه الأحاديث الحافظ ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) الأنعام: 65.
    وأكتفي من هذه الأحاديث بثلاثة:
    ما رواه أحمد ومسلم عن سعد: أن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني إثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».
    وروى الإمام أحمد وغيره عن خباب بن الأرت: راقبت رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) في ليلة صلاها كلها، حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) من صلاته، فقلت: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها! فقال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «أجل إنها صلاة رغب ورهب! سألت ربي عزوجل فيها ثلاث خصال، فأعطاني إثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي عزوجل ن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي عزوجل أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا، فأعطانيها، وسألت ربي عزوجل أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها».
    فروى مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «إن الله زوى لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها .. » الحديث.
    والأحاديث المذكورة ـ وما في معناها مما لم نذكره ـ واضحة الدلالة على المراد، وهو أن الله تعالى ضمن لنبيه (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) في أمته أمرين كرامة له عليه الصلاة والسلام، وأجاب دعوته فيهما:
    الأول: أن لا يهلكها بما أهلك به الأمم السابقة بمثل الغرق الذي أهلك الله به قوم نوح، أو فرعون وجنوده، أو بالسنين أي المجاعات الماحقة التي تهلك بها الأمة كافة، أو بغير ذلك من الرجم من فوقهم أو الخسف من تحت أرجلهم.
    الثاني: أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم، يسلط عليهم بحيث يستبيح بيضتهم ويستأصل شأفتهم، ويقضي على وجودهم.
    ولكن أمراً آخر طلبه النبي (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ) من ربه، فلم يجب إليه ولم يضمنه له، وهو: أن لا ليلبس هذه الأمة شيعاً، ولا يجعل بأسها بينها، فلم يجب الله سبحانه لرسوله الكريم هذا السؤال، وتركه للسنن الكونية والاجتماعية، ولشبكة الأسباب والمسببات.
    فالأمة هنا هي مالكة أمر نفسها، لم يجبرها الله على شيء، ولم يخصها ـ في هذا المجال ـ بشيء، فإذا هي استجابت لأمر ربها، وتوجيه نبيها، ودعوة كتابها، ووحدت كلمتها، وجمعت صفها، عزت وسادت وانتصرت على عدو الله وعدوها، وحققت ما يرجوه الإسلام منها، وإن هي استجابت لدعوات الشياطين، وأهواء الأنفس تفرقت بها السبل، وسلط عليها أعداؤها، من خلال تفرقها، وتمزق صفوفها، كما أشار إلى ذلك الحديث: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً».
    والحديث لا يعني بحال أن يكون تفرق الأمة وتسلط بعضها على بعض أمراً لازماً، ودائماً وعاماً، يشمل كل الأزمنة، وكل الأمكنة، وكل الأحوال إلى يوم القيامة.
    وإلا لم يكن هناك معنى لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) آل عمران: 103.
    ولا لقوله عزوجل: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) آل عمران: 105.
    ولا لقوله سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الأنفال: 46.
    ولا لقوله جل شأنه: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) الصف: 4.
    ولا لقوله عز من قائل: (ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) الروم: 31 ـ 32.
    ولا لقوله: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) المؤمنين: 52.
    ولا لقوله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ): «لا تختلفوا، فإن مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».
    ولا لقوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
    وقوله: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
    وقوله: «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا».
    إلى غير ذلك من نصوص القرآن والحديث التي أمرت بالاتحاد والائتلاف، ونهت عن التفرق والاختلاف والتي أوجبت على المسلمين أن يكون لهم إمام واحد، وأن لا يبايعوا لخليفتين في وقت واحد، وأن يقاوموا مَن يريد أن يفرق كلمتهم وأمرهم جميع .. إلخ.
    ولو كان التفرق قدراً مفروضاً على الأمة بصورة عامة ودائمة لكانت هذه الأوامر والنواهي عبثاً، لأنها تأمر بما لا يمكن وقوعه، وتنهى عما يستحيل اجتنابه.
    والأحاديث التي أخبرت بأن الله لم يسلط على الأمة عدواً من غيرها يقوض بنيانها، ويأتي عليه من القواعد، وإنما تركها لأنفسها، وجعل بأسها بينها ـ لم تخبر بأن هذا أمر واقع في كل بقعة من أرض الإسلام، وفي كل عصر من العصور.
    إنما هو داء وبيل تصاب به الأمة كلما تهيأت أسبابه، ولم تتحصن منه بما ينبغي، كما يصاب الفرد بالمرض إذا أهمل الوقاية، أو قصر في العلاج.
    وقد يقع في مكان دون مكان، وفي زمان دون زمان، وبين قوم معينين دون غيرهم، ويكفي مثل هذا ليصدق الخبر النبوي.
    وقد جاء في بعض الأحاديث، أن جعل بأس الأمة بينها يكون عقوبة من الله لها على انحرافها عن شرعه وكتابه، ولا سيما أئمتها ورؤساؤها. كما جاء في حديث ابن عمر مرفوعاً: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلاّ جعل الله بأسهم بينهم».
    على أن ما أنذرت به الأحاديث المذكورة من جعل بأس الأمة بينها يمكن أن يفسر بما وقع بالفعل في بعض الأزمنة السابقة، كما وقع في عهد الصحابة أنفسهم من الفتن، وما وقع في عهود من بعدهم، في العصر الأموي ثم في العصر العباسي، مما مهد لدخول الصليبيين من الغرب، والتتار من الشرق، إلى دار الإسلام، والسيطرة على أجزاء منها مدة من الزمان.
    وقد بشرت أحاديث أخرى بأن الإسلام ستعلو كلمته، وأنه سيدخل أوروبة مرة أخرى، بعد أن طرد منها مرتين، وأنه سيفتح (رومية) كما فتح من قبل (القسطنطينية) وأنه لا يبقى بيت مدر أو وبر إلا أدخله الله هذا الدين، الذي سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، ومعلوم أن هذا كله لا يمكن ان يتم والأمة ممزقة يضرب بعضها رقاب بعض، إنما يتم ذلك حين تتوحد الكلمة على الإسلام، وتمضي الأمة تحت راية الإيمان.​
     

مشاركة هذه الصفحة