[ العقيدة الصحيحة وما يضادها ] للإمام ابن باز رحمه الله

الكاتب : داود الدبعي   المشاهدات : 534   الردود : 5    ‏2007-05-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-18
  1. داود الدبعي

    داود الدبعي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-05-16
    المشاركات:
    33
    الإعجاب :
    0
    --------------------------------------------------------------------------------

    [ العقيدة الصحيحة وما يضادها ]

    للإمام ابن باز رحمه الله

    ج 1 من ص 13 إلى 27

    [[ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.أما بعد:
    فلما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام، وأساس الملة، رأيت أن تكون هي موضوع المحاضرة، ومعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال، كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
    والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وجميع ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأدلة هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة كثيرة جدا، فمن ذلك قول الله سبحانه لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا
    وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ

    وقوله سبحانه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ الآية، وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا وقوله سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
    أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرة جدا، منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال له: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره الحديث، وأخرجه الشيخان مع اختلاف يسير من حديث أبي هريرة ، وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر المعاد وغير ذلك من أمور الغيب.
    نشرت في مجلة البحوث الإسلامية ( العدد السابع ) الصادر في شهر رجب وشعبان ورمضان وشوال عام 1403 هـ.

    فمن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه لكونه خالق العباد والمحسن إليهم والقائم بأرزاقهم والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم بها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ وقال عز وجل: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ


    وحقيقة هذه العبادة: هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبد العباد به من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة مع كمال الحب له سبحانه والذل لعظمته، وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم، كقوله سبحانه: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وقوله سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وقوله عز وجل: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
    . ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر، وأهم هذه الأركان وأعظمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي: إخلاص العبادة لله وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده، كما قال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وقد سبق بيان أن الله سبحانه خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل وأمرهم به، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فتأمل ذلك جيدا وتدبره كثيرا ليتضح لك ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل الأصيل حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.

    ومن الإيمان بالله سبحانه: الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شئونهم والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعا لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، وقال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
    ومن الإيمان بالله أيضا: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله عز وجل يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال عز وجل: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها الإمام: أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه: (المقالات) عن أصحاب الحديث وأهل السنة، ونقله غيره من أهل العلم والإيمان.

    قال الأوزاعي رحمه الله: سئل الزهري ومكحول عن آيات الصفات، فقالا: أمروها كما جاءت ، وقال الوليد بن مسلم رحمه الله : سئل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري رحمهم الله عن الأخبار الواردة في الصفات، فقالوا جميعا: أمروها كما جاءت بلا كيف ، وقال الأوزاعي رحمه الله: كنا- والتابعون متوافرون- نقول إن الله سبحانه على عرشه، ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات ، ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة الله عليهما عن الاستواء قال: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق).
    ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك، قال: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، ثم قال للسائل: ما أراك إلا رجل سوء، وأمر به فأخرج، وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه: (نعرف ربنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه)

    وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدا لا يمكن نقله في هذه المحاضرة، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب مثل كتاب (السنة) لعبد الله بن الإمام أحمد ، و(التوحيد) للإمام الجليل محمد ابن خزيمة ، وكتاب (السنة) لأبي القاسم اللالكائي الطبري ، وكتاب (السنة) لأبي بكر بن أبي عاصم ، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه رحمه الله عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بـ (التدمرية) قد بسط فيها المقام وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق، ويدفع الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم، بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات فإنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.
    أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم, أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته, إثباتا بلا تمثيل, ونزهوه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل ففازوا بالسلامة من التناقض, وعملوا بالأدلة كلها, وهذه سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله, وبذل وسعه في ذلك وأخلص لله في طلبه, أن يوفقه للحق ويظهر حجته, كما قال تعالى: سورة الأنبياء الآية 18 بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وقال تعالى: سورة الفرقان الآية 33 وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 19)
    وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله عز وجل: سورة الأعراف الآية 54 إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الآية, كلاما حسنا في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته, قال رحمه الله ما نصه: ( للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها, وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا, وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل, والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه, وليس كمثله شيء وهو السميع البصير, بل الأمر كما قال الأئمة, منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه الله بخلقه كفر, ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر , وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه, فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله, ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى ) انتهى كلام ابن كثير رحمه الله.
    وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن: الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا, فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته, ووصفهم بأنهم: سورة الأنبياء الآية 26 عِبَادٌ مُكْرَمُونَ سورة الأنبياء الآية 27 لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ سورة الأنبياء الآية 28 يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وهم أصناف كثيرة منهم الموكلون بحمل العرش, ومنهم خزنة الجنة والنار, ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد, ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم, كجبريل وميكائيل ومالك خازن النار, وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور,
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 20)
    وقد جاء ذكرهم في أحاديث صحيحة, وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صحيح مسلم الزهد والرقائق (2996),مسند أحمد بن حنبل (6/153). خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم خرجه مسلم في صحيحه , وهكذا الإيمان بالكتب يجب الإيمان إجمالا بأن الله سبحانه أنزل كتبا على أنبيائه ورسله, لبيان حقه والدعوة إليه, كما قال تعالى: سورة الحديد الآية 25 لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ الآية, وقال تعالى: سورة البقرة الآية 213 كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ الآية.
    ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن, والقرآن هو أفضلها وخاتمها, وهو المهيمن والمصدق لها, وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله سبحانه بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى جميع الثقلين, وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم, وجعله شفاء لما في الصدور, وتبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين, كما قال تعالى: سورة الأنعام الآية 155 وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وقال سبحانه : سورة النحل الآية 89 وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وقال تعالى: سورة الأعراف الآية 158 قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 21)
    والآيات في هذا المعنى كثيرة, وهكذا الرسل يجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا فنؤمن أن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلا منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق, فمن أجابهم فاز بالسعادة, ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة, وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , كما قال سبحانه: سورة النحل الآية 36 وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال تعالى: سورة النساء الآية 165 رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وقال تعالى: سورة الأحزاب الآية 40 مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين, كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم.
    وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه, وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس, فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله, أو من وراء ظهره, ويدخل في ذلك أيضا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم , والإيمان بالجنة والنار, ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه إياهم, وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
    وأما الإيمان بالقدر فيتضمن: الإيمان بأمور أربعة:
    أولها: أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون, وعلم أحوال عباده, وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم لا يخفى عليه من ذلك شيء
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 22)
    سبحانه وتعالى, كما قال سبحانه: سورة الأنفال الآية 75 إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقال عز وجل: سورة الطلاق الآية 12 لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا
    والأمر الثاني: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه كما قال سبحانه: سورة ق الآية 4 قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ وقال تعالى: سورة يس الآية 12 وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ وقال تعالى: سورة الحج الآية 70 أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
    الأمر الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما قال سبحانه: سورة الحج الآية 18 إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وقال عز وجل: سورة يس الآية 82 إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقال سبحاله: سورة التكوير الآية 29 وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
    الأمر الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات لا خالق غيره ولا رب سواه, كما قال سبحانه: سورة الزمر الآية 62 اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ وقال تعالى: سورة فاطر الآية 3 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
    فالإيمان
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 23)
    بالقدر يشمل الإيمان بهذه الأمور الأربعة عند أهل السنة والجماعة خلافا لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع, ويدخل في الإيمان بالله اعتقاد أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر كالزنا, والسرقة وأكل الربا وشرب المسكرات, وعقوق الوالدين, وغير ذلك من الكبائر ما لم يستحل ذلك; لقول الله سبحانه: سورة النساء الآية 48 إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ
    ولما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ومن الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله, فيحب المؤمن المؤمنين ويواليهم, ويبغض الكفار ويعاديهم, وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأهل السنة والجماعة يحبونهم ويوالونهم ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء. لقول النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الشهادات (2509),صحيح مسلم فضائل الصحابة (2533),سنن الترمذي المناقب (3859),سنن ابن ماجه الأحكام (2362),مسند أحمد بن حنبل (1/434). خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم متفق على صحته , ويعتقدون أن أفضلهم أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين, وبعدهم بقية العشرة, ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين, ويمسكون عما شجر بين الصحابة, ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون, من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر, ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين به, ويتولونهم ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين, ويترضون عنهن جميعا, ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبونهم ويغلون في أهل البيت, ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل, كما يتبرءون من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 24)
    وجميع ما ذكرناه في هذه الكلمة الموجزة داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم , وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري فرض الخمس (2948),صحيح مسلم الإمارة (1037),مسند أحمد بن حنبل (4/99). لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتي يأتي أمر الله سبحانه وقال عليه الصلاة والسلام: سنن الترمذي الإيمان (2640),سنن أبو داود السنة (4596),سنن ابن ماجه الفتن (3991),مسند أحمد بن حنبل (2/332). افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. فقال الصحابة : من هي يا رسول الله؟ قال "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي وهي العقيدة التي يجب التمسك بها والاستقامة عليها والحذر مما خالفها .
    وأما المنحرفون عن هذه العقيدة والسائرون على ضدها فهم أصناف كثيرة, فمنهم عباد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها, فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل, بل خالفوهم وعاندوهم كما فعلت قريش وأصناف العرب مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات وشفاء المرضى والنصر على الأعداء, ويذبحون لهم وينذرون لهم, فلما أنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده استغربوا ذلك وأنكروه وقالوا: سورة ص الآية 5 أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله وينذرهم من الشرك ويشرح لهم حقيقة ما يدعو إليه حتى هدى الله منهم من هدى, ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجا, فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة, وجهاد طويل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان, ثم تغيرت الأحوال وغلب الجهل على أكثر الخلق حتى عاد الأكثرون إلى دين الجاهلية, بالغلو في الأنبياء والأولياء ودعائهم والاستغاثة بهم وغير ذلك من أنواع الشرك, ولم يعرفوا معنى لا إله إلا الله كما عرف معناها كفار العرب, فالله المستعان.
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 25)
    ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلى عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل وبعد العهد بعصر النبوة.
    وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين, وهي قولهم: سورة يونس الآية 18 هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ سورة الزمر الآية 3 مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وقد أبطل الله هذه الشبهة وبين أن من عبد غيره كائنا من كان فقد أشرك به, وكفر, كما قال تعالى: سورة يونس الآية 18 وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ فرد الله عليهم سبحانه بقوله: سورة يونس الآية 18 قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ فبين سبحانه في هذه الآية أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم, هي الشرك الأكبر, وإن سماها فاعلوها بغير ذلك وقال تعالى: سورة الزمر الآية 3 وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى فرد الله عليهم سبحانه بقوله: سورة الزمر الآية 3 إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء والخوف والرجاء ونحو ذلك كفر به سبحانه, وأكذبهم في قولهم: إن آلهتهم تقربهم إليه زلفى.
    ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة, والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام: ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس ولينين وغيرهما, من دعاة الإلحاد والكفر, سواء سموا ذلك اشتراكية أو شيوعية أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء فإن من أصول
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 26)
    هؤلاء الملاحدة أنه لا إله والحياة مادة, ومن أصولهم إنكار المعاد وإنكار الجنة والنار, والكفر بالأديان كلها, ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ذلك يقينا, ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية, ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة, ومن العقائد المضادة للحق ما يعتقده بعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير, ويتصرفون في شئون العالم, ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث, وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم, وهذا من أقبح الشرك في الربوبية, وهو شر من شرك جاهلية العرب; لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية وإنما أشركوا في العبادة, وكان شركهم في حال الرخاء, أما في حال الشدة فيخلصون لله العبادة, كما قال الله سبحانه: سورة العنكبوت الآية 65 فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
    أما الربوبية فكانوا معترفين بها لله وحده كما قال سبحانه: سورة الزخرف الآية 87 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال تعالى: سورة يونس الآية 31 قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
    أما المشركون المتأخرون فزادوا على الأولين من جهتين, إحداهما: شرك بعضهم في الربوبية, والثانية: شركهم في الرخاء والشدة, كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم, ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين والبدوي وغيرهما في مصر , وعند قبر العيدروس في عدن , والهادي في اليمن وابن عربي في الشام , والشيخ: عبد القادر الجيلاني في العراق , وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة وصرفوا لها الكثير من حق الله عز وجل, وقل من
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 27)
    ينكر عليهم ذلك ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم , ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام, فإنا لله وإنا إليه راجعون, ونسأله سبحانه أن يردهم إلى رشدهم, وأن يكثر بينهم دعاة الهدى, وأن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم لمحاربة هذا الشرك والقضاء عليه ووسائله, إنه سميع قريب.
    ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات عقائد أهل البدع : من الجهمية , والمعتزلة , ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله عز وجل, وتعطيله سبحانه من صفات الكمال, ووصفه عز وجل بصفة المعدومات والجمادات والمستحيلات, تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا, ويدخل في ذلك من نفى بعض الصفات وأثبت بعضها, كالأشاعرة , فإنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فروا منه من الصفات التي نفوها, وتأولوا أدلتها, فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية, وتناقضوا في ذلك تناقضا بينا, أما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه, أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه الكمال, ونزهوه عن مشابهة خلقه, تنزيها بريئا من شائبة التعطيل, فعملوا بالأدلة كلها ولم يحرفوا ولم يعطلوا, وسلموا من التناقض الذي وقع فيه غيرهم- كما سبق بيان ذلك- وهذا هو سبيل النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة, وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها, ولن يصلح آخرهم إلا ما صلح به أولهم وهو اتباع الكتاب والسنة, وترك ما خالفهما.
    والله ولي التوفيق, وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل, ولا حول ولا قوة إلا به, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. ]]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-05-18
  3. داود الدبعي

    داود الدبعي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-05-16
    المشاركات:
    33
    الإعجاب :
    0
    --------------------------------------------------------------------------------

    [ العقيدة الصحيحة وما يضادها ]

    للإمام ابن باز رحمه الله

    ج 1 من ص 13 إلى 27

    [[ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.أما بعد:
    فلما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام، وأساس الملة، رأيت أن تكون هي موضوع المحاضرة، ومعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال، كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
    والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وجميع ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأدلة هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة كثيرة جدا، فمن ذلك قول الله سبحانه لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا
    وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ

    وقوله سبحانه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ الآية، وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا وقوله سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
    أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرة جدا، منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال له: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره الحديث، وأخرجه الشيخان مع اختلاف يسير من حديث أبي هريرة ، وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر المعاد وغير ذلك من أمور الغيب.
    نشرت في مجلة البحوث الإسلامية ( العدد السابع ) الصادر في شهر رجب وشعبان ورمضان وشوال عام 1403 هـ.

    فمن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه لكونه خالق العباد والمحسن إليهم والقائم بأرزاقهم والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم بها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ وقال عز وجل: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ


    وحقيقة هذه العبادة: هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبد العباد به من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة مع كمال الحب له سبحانه والذل لعظمته، وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم، كقوله سبحانه: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وقوله سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وقوله عز وجل: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
    . ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر، وأهم هذه الأركان وأعظمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي: إخلاص العبادة لله وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده، كما قال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وقد سبق بيان أن الله سبحانه خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل وأمرهم به، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فتأمل ذلك جيدا وتدبره كثيرا ليتضح لك ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل الأصيل حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.

    ومن الإيمان بالله سبحانه: الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شئونهم والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعا لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، وقال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
    ومن الإيمان بالله أيضا: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله عز وجل يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال عز وجل: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها الإمام: أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه: (المقالات) عن أصحاب الحديث وأهل السنة، ونقله غيره من أهل العلم والإيمان.

    قال الأوزاعي رحمه الله: سئل الزهري ومكحول عن آيات الصفات، فقالا: أمروها كما جاءت ، وقال الوليد بن مسلم رحمه الله : سئل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري رحمهم الله عن الأخبار الواردة في الصفات، فقالوا جميعا: أمروها كما جاءت بلا كيف ، وقال الأوزاعي رحمه الله: كنا- والتابعون متوافرون- نقول إن الله سبحانه على عرشه، ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات ، ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة الله عليهما عن الاستواء قال: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق).
    ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك، قال: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، ثم قال للسائل: ما أراك إلا رجل سوء، وأمر به فأخرج، وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه: (نعرف ربنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه)

    وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدا لا يمكن نقله في هذه المحاضرة، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب مثل كتاب (السنة) لعبد الله بن الإمام أحمد ، و(التوحيد) للإمام الجليل محمد ابن خزيمة ، وكتاب (السنة) لأبي القاسم اللالكائي الطبري ، وكتاب (السنة) لأبي بكر بن أبي عاصم ، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه رحمه الله عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بـ (التدمرية) قد بسط فيها المقام وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق، ويدفع الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم، بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات فإنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.
    أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم, أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته, إثباتا بلا تمثيل, ونزهوه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل ففازوا بالسلامة من التناقض, وعملوا بالأدلة كلها, وهذه سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله, وبذل وسعه في ذلك وأخلص لله في طلبه, أن يوفقه للحق ويظهر حجته, كما قال تعالى: سورة الأنبياء الآية 18 بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وقال تعالى: سورة الفرقان الآية 33 وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 19)
    وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله عز وجل: سورة الأعراف الآية 54 إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الآية, كلاما حسنا في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته, قال رحمه الله ما نصه: ( للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها, وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا, وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل, والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه, وليس كمثله شيء وهو السميع البصير, بل الأمر كما قال الأئمة, منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه الله بخلقه كفر, ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر , وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه, فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله, ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى ) انتهى كلام ابن كثير رحمه الله.
    وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن: الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا, فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته, ووصفهم بأنهم: سورة الأنبياء الآية 26 عِبَادٌ مُكْرَمُونَ سورة الأنبياء الآية 27 لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ سورة الأنبياء الآية 28 يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وهم أصناف كثيرة منهم الموكلون بحمل العرش, ومنهم خزنة الجنة والنار, ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد, ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم, كجبريل وميكائيل ومالك خازن النار, وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور,
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 20)
    وقد جاء ذكرهم في أحاديث صحيحة, وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صحيح مسلم الزهد والرقائق (2996),مسند أحمد بن حنبل (6/153). خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم خرجه مسلم في صحيحه , وهكذا الإيمان بالكتب يجب الإيمان إجمالا بأن الله سبحانه أنزل كتبا على أنبيائه ورسله, لبيان حقه والدعوة إليه, كما قال تعالى: سورة الحديد الآية 25 لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ الآية, وقال تعالى: سورة البقرة الآية 213 كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ الآية.
    ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن, والقرآن هو أفضلها وخاتمها, وهو المهيمن والمصدق لها, وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله سبحانه بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى جميع الثقلين, وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم, وجعله شفاء لما في الصدور, وتبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين, كما قال تعالى: سورة الأنعام الآية 155 وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وقال سبحانه : سورة النحل الآية 89 وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وقال تعالى: سورة الأعراف الآية 158 قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 21)
    والآيات في هذا المعنى كثيرة, وهكذا الرسل يجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا فنؤمن أن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلا منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق, فمن أجابهم فاز بالسعادة, ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة, وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , كما قال سبحانه: سورة النحل الآية 36 وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال تعالى: سورة النساء الآية 165 رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وقال تعالى: سورة الأحزاب الآية 40 مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين, كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم.
    وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه, وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس, فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله, أو من وراء ظهره, ويدخل في ذلك أيضا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم , والإيمان بالجنة والنار, ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه إياهم, وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
    وأما الإيمان بالقدر فيتضمن: الإيمان بأمور أربعة:
    أولها: أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون, وعلم أحوال عباده, وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم لا يخفى عليه من ذلك شيء
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 22)
    سبحانه وتعالى, كما قال سبحانه: سورة الأنفال الآية 75 إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقال عز وجل: سورة الطلاق الآية 12 لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا
    والأمر الثاني: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه كما قال سبحانه: سورة ق الآية 4 قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ وقال تعالى: سورة يس الآية 12 وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ وقال تعالى: سورة الحج الآية 70 أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
    الأمر الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما قال سبحانه: سورة الحج الآية 18 إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وقال عز وجل: سورة يس الآية 82 إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقال سبحاله: سورة التكوير الآية 29 وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
    الأمر الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات لا خالق غيره ولا رب سواه, كما قال سبحانه: سورة الزمر الآية 62 اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ وقال تعالى: سورة فاطر الآية 3 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
    فالإيمان
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 23)
    بالقدر يشمل الإيمان بهذه الأمور الأربعة عند أهل السنة والجماعة خلافا لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع, ويدخل في الإيمان بالله اعتقاد أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر كالزنا, والسرقة وأكل الربا وشرب المسكرات, وعقوق الوالدين, وغير ذلك من الكبائر ما لم يستحل ذلك; لقول الله سبحانه: سورة النساء الآية 48 إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ
    ولما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ومن الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله, فيحب المؤمن المؤمنين ويواليهم, ويبغض الكفار ويعاديهم, وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأهل السنة والجماعة يحبونهم ويوالونهم ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء. لقول النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الشهادات (2509),صحيح مسلم فضائل الصحابة (2533),سنن الترمذي المناقب (3859),سنن ابن ماجه الأحكام (2362),مسند أحمد بن حنبل (1/434). خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم متفق على صحته , ويعتقدون أن أفضلهم أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين, وبعدهم بقية العشرة, ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين, ويمسكون عما شجر بين الصحابة, ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون, من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر, ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين به, ويتولونهم ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين, ويترضون عنهن جميعا, ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبونهم ويغلون في أهل البيت, ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل, كما يتبرءون من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 24)
    وجميع ما ذكرناه في هذه الكلمة الموجزة داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم , وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري فرض الخمس (2948),صحيح مسلم الإمارة (1037),مسند أحمد بن حنبل (4/99). لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتي يأتي أمر الله سبحانه وقال عليه الصلاة والسلام: سنن الترمذي الإيمان (2640),سنن أبو داود السنة (4596),سنن ابن ماجه الفتن (3991),مسند أحمد بن حنبل (2/332). افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. فقال الصحابة : من هي يا رسول الله؟ قال "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي وهي العقيدة التي يجب التمسك بها والاستقامة عليها والحذر مما خالفها .
    وأما المنحرفون عن هذه العقيدة والسائرون على ضدها فهم أصناف كثيرة, فمنهم عباد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها, فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل, بل خالفوهم وعاندوهم كما فعلت قريش وأصناف العرب مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات وشفاء المرضى والنصر على الأعداء, ويذبحون لهم وينذرون لهم, فلما أنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده استغربوا ذلك وأنكروه وقالوا: سورة ص الآية 5 أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله وينذرهم من الشرك ويشرح لهم حقيقة ما يدعو إليه حتى هدى الله منهم من هدى, ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجا, فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة, وجهاد طويل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان, ثم تغيرت الأحوال وغلب الجهل على أكثر الخلق حتى عاد الأكثرون إلى دين الجاهلية, بالغلو في الأنبياء والأولياء ودعائهم والاستغاثة بهم وغير ذلك من أنواع الشرك, ولم يعرفوا معنى لا إله إلا الله كما عرف معناها كفار العرب, فالله المستعان.
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 25)
    ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلى عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل وبعد العهد بعصر النبوة.
    وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين, وهي قولهم: سورة يونس الآية 18 هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ سورة الزمر الآية 3 مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وقد أبطل الله هذه الشبهة وبين أن من عبد غيره كائنا من كان فقد أشرك به, وكفر, كما قال تعالى: سورة يونس الآية 18 وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ فرد الله عليهم سبحانه بقوله: سورة يونس الآية 18 قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ فبين سبحانه في هذه الآية أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم, هي الشرك الأكبر, وإن سماها فاعلوها بغير ذلك وقال تعالى: سورة الزمر الآية 3 وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى فرد الله عليهم سبحانه بقوله: سورة الزمر الآية 3 إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء والخوف والرجاء ونحو ذلك كفر به سبحانه, وأكذبهم في قولهم: إن آلهتهم تقربهم إليه زلفى.
    ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة, والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام: ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس ولينين وغيرهما, من دعاة الإلحاد والكفر, سواء سموا ذلك اشتراكية أو شيوعية أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء فإن من أصول
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 26)
    هؤلاء الملاحدة أنه لا إله والحياة مادة, ومن أصولهم إنكار المعاد وإنكار الجنة والنار, والكفر بالأديان كلها, ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ذلك يقينا, ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية, ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة, ومن العقائد المضادة للحق ما يعتقده بعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير, ويتصرفون في شئون العالم, ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث, وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم, وهذا من أقبح الشرك في الربوبية, وهو شر من شرك جاهلية العرب; لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية وإنما أشركوا في العبادة, وكان شركهم في حال الرخاء, أما في حال الشدة فيخلصون لله العبادة, كما قال الله سبحانه: سورة العنكبوت الآية 65 فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
    أما الربوبية فكانوا معترفين بها لله وحده كما قال سبحانه: سورة الزخرف الآية 87 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال تعالى: سورة يونس الآية 31 قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
    أما المشركون المتأخرون فزادوا على الأولين من جهتين, إحداهما: شرك بعضهم في الربوبية, والثانية: شركهم في الرخاء والشدة, كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم, ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين والبدوي وغيرهما في مصر , وعند قبر العيدروس في عدن , والهادي في اليمن وابن عربي في الشام , والشيخ: عبد القادر الجيلاني في العراق , وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة وصرفوا لها الكثير من حق الله عز وجل, وقل من
    (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 27)
    ينكر عليهم ذلك ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم , ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام, فإنا لله وإنا إليه راجعون, ونسأله سبحانه أن يردهم إلى رشدهم, وأن يكثر بينهم دعاة الهدى, وأن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم لمحاربة هذا الشرك والقضاء عليه ووسائله, إنه سميع قريب.
    ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات عقائد أهل البدع : من الجهمية , والمعتزلة , ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله عز وجل, وتعطيله سبحانه من صفات الكمال, ووصفه عز وجل بصفة المعدومات والجمادات والمستحيلات, تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا, ويدخل في ذلك من نفى بعض الصفات وأثبت بعضها, كالأشاعرة , فإنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فروا منه من الصفات التي نفوها, وتأولوا أدلتها, فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية, وتناقضوا في ذلك تناقضا بينا, أما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه, أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه الكمال, ونزهوه عن مشابهة خلقه, تنزيها بريئا من شائبة التعطيل, فعملوا بالأدلة كلها ولم يحرفوا ولم يعطلوا, وسلموا من التناقض الذي وقع فيه غيرهم- كما سبق بيان ذلك- وهذا هو سبيل النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة, وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها, ولن يصلح آخرهم إلا ما صلح به أولهم وهو اتباع الكتاب والسنة, وترك ما خالفهما.
    والله ولي التوفيق, وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل, ولا حول ولا قوة إلا به, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. ]]
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-05-18
  5. أبو منار ضياء

    أبو منار ضياء عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-10-20
    المشاركات:
    745
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبعد

    جزاه الله خيرا ورحمه رحمة واسعة

    ودمتم سالمين
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-05-18
  7. أبو منار ضياء

    أبو منار ضياء عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-10-20
    المشاركات:
    745
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبعد

    جزاه الله خيرا ورحمه رحمة واسعة

    ودمتم سالمين
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-05-18
  9. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4

    إذا قلت بأن كلمة (اليد) الواردة في القرآن هي تعبير مجازي أعتبر كافراً ؟


    لا أعتقد ذلك...



     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-05-24
  11. أبو منار ضياء

    أبو منار ضياء عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-10-20
    المشاركات:
    745
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبعد
    يا نقار الخشب !!!

    إثبات الأسماء والصفات لله تعالى دائر بين إثبات الكمال ونفي النقص وهي القاعدة التي ينبني عليها باب الأسماء والصفات ويجري الكفر في ساحتها

    فمن قصد إثبات النقص لله كنقص يكفر ، حتى لو أثبت اليد له تعالى !! على جهة التنقص لا إرادة الكمال

    والخلاف في تفاصيل المسأئل وتنوع الأفهام في مدلول الكمال والنقص فهو دائر في باب الاجتهاد !!

    ما رأيك بدرس في العقيدة في القسم
    ودمتم سالمين
     

مشاركة هذه الصفحة