تأخير نصر الدين لُطف بالمؤمنين ومُكر بالكافرين والمنافقين..

الكاتب : الكاسر   المشاهدات : 483   الردود : 1    ‏2002-10-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-07
  1. الكاسر

    الكاسر عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-05
    المشاركات:
    175
    الإعجاب :
    0


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد ..
    أما بعد ..
    فإن لله سبحانه وتعالى عادة لوْ تغيّر وتبدل كل شيء لم تتغير ولم تتبدل، نافذة في ممالكه بلا ممانع، قاهرة لخلقه بلا مدافع، مصدرها الحكمة والرحمة وشمول القدرة مع القيام بالقسط .
    فمنها ما يظهر العلم به لكثير من الخلق، ومنها مالا يعلمه إلا القليل منهم، ومنها مالا يعلمه سواه سبحانه .
    فمن أمثلة ما يخفى على كثير من الناس من عادة الرب وسنته لاسيما أهل النفاق تأخير نصر الدين وأهله وهو على الحقيقة بالرغم من شدة وَطْأته وثقل حمله نصر خفي مَوْصول بالنصر الجلي، فلابد من هذا للمؤمنين إذا قاموا بنصرة الدين، وهو لطف بهم كما حصل في غزوة أُحد .
    وتأمل كلام الإله وتعرّف على سننه التي لا تتبدل، ترى أنها تشتد الحال ويعظم الكرب حتى يقول الرسول والمؤمنون معه : {متى نصر الله} . فيكون الجواب من الولي النصير : {ألا إن نصر الله قريب} ومثله : {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا} فيقول تعالى : {أتاهم نصرنا} .
    وهُنا يَرِدُ سؤال يكون في جوابه كشف المستور المخبأ عن علم أكثر الخلق، والسؤال هو : هل الرب عز وجل كان خاذلاً لرسله وعباده المؤمنين في شدتهم ثم إنه بدالَهُ بعد أن ينصرهم حينما قال تعالى : {ألا إن نصر الله قريب} وحينما قال : {أتاهم نصرنا}.
    الجواب : تعالى عن ذلك علواً كبيراً وإنما من أسرار الأقدار أن يكون الابتلاء خفياً والمحنة مستورة {ليميز الله الخبيث من الطيب} وإلا فالرب سبحانه لا يستجد له جديد كان خافٍ عليه قبل ولا يؤثر في قدرته مؤثّر من دونه كيف ومقاديره جارية على سنته، سابقة لخلقه .
    وتمام جواب السؤال هو أن الرب سبحانه وتعالى لم يتخل عن رسله وعباده المؤمنين، ولم يخذلهم وقت شدتهم ووقت الغلبة التغريرية الاستدراجية لعدوهم والتي هي غير مستقرة ولا مستمرة وإنما ليظهر معلومة وآياته وعجائب قدرته، وحيث إن الكمائن تظهر عند المحن فمن أعظم ذلك ظهور كمائن المنافقين وظنهم السوء برب العالمين ألا ينصر من نصر دينه .
    وحِكَمٌ غيرها عظيمة القدْر ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه (زاد المعاد) في كلامه على غزوة أحد أحببت نقلها هنا لما فيها من العبرة والعِظة ولِمشابهة الحال وإن لم يكن من كل وجه، {ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة} .
    قال رحمه الله تحت عنوان : ( فصل في ذكر بعض الحِكَم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحد ) :
    (فمنها) تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل(1) والتنازع وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك كما قال تعالى : {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ماتحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم} .
    فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذراً ويقظة وتحرزاً من أسباب الخذلان، [ ولم تكن معصيتهم إلا مخالفة الرماة مَوْضعهم الذي أمرهم الرسول r بلزومه فبسبب تلك المخالفة جرت الأمور الكبيرة من إدالة العدو وغير ذلك من الأمور المحزنة، فكيف بمخالفاتنا التي لا تحصي ؟ ] .
    (ومنها) أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جَرَتْ بأن يُدَالوا مرة ويُدال عليهم أخرى لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائماً دخل معهم المسلمون وغيرهم ولم يتميّز الصادق من غيره، ولوْ انْتُصِرَ عليهم دائماً لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميَّز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤا به ممن يتبعهم على الظهور والغَلبة خاصة .
    (ومنها) أن هذا من أعلام الرسل كما قال هرقل لأبي سفيان : هل قاتلتموه؟ قال : نعم ، قال : كيف الحرب بينكم وبينه ؟ قال : سجال، ندال عليه ويُدال علينا، قال : كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة .
    (ومنها) أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطارَ لهم الصّيت دخل معهم في الإسلام ظاهراً من ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبّب لعباده محنة ميّزت بين المؤمن والمنافق فأطلع المنافقون رؤسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه وظهرت مخبآتهم وعاد تلويحهم صريحاً، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساماً ظاهراً، وعرف المؤمنون أن لهم عدواً في نفس دُورهم وهم معهم لا يفارقونهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، قال الله تعالى : {ماكان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبـي من رسله من يشاء} . أي ماكان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميّزهم بالمحنة يوم أحد {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء فإنهم متميزون في علمه وغيبْه وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزاً مشهوداً فيقع معلومه الذي هو غيب شهادة، وقوله : {ولكن الله يجتبـي من رسله من يشاء} استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب كما قال : {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يُطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة [ ومن هذا الغيب أن يسْتيقن المؤمن أن الله ينصر دينه لا محالة ] .
    (ومنها) استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السّراء والضراء وفيما يحبون وما يكرهون وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقاً، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.
    (ومنها) أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلّوا وانكسروا وخضعوا فاسْتوْجبوا منه العز والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع وَلاية الذل والإنكسار، قال تعالى : {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} وقال : {ويوم حنين إذْ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً} .
    فهو سبحانه إذا أراد أن يُعز عبده ويجبره وينصره كَسَرَهُ أولاً، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره .
    (ومنها) أنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالِغيها إلا بالبلاء والمحنة فقيّض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها .
    (ومنها) أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغياناً وركوناً إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدّها في سيرها إلى الله والدار الآخرة فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولوْ تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه .
    (ومنها) أن الشهادة عنده أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خوَاصّه والمقربون من عباده وليس بعد درجة الصّدّيقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيْل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو . [هذا فيه شَبَه من السور الذي باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قِبَله العذاب، فتأمل حال المؤمن والمنافق هنا ] .
    (ومنها) أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قَـيّض لهم الأسباب التي يسْتوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم وطغيانهم مُبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلّط عليه فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محْقهم وهلاكهم [ تأمل هذا وترقّب فعل رب العالمين بأعدائه، وقد ظهرت ولله الحمد علامات ذلك واضحة من قَوَارِعِه المتوالية عليهم ونحن نسأله المزيد، وتدبّر قوله سبحانه عن فرعون وقومه : {فلما آسفونا انتقمنا منهم} فالطغاة يتمادوْن بطغيانهم والرب يمهلهم ويظنون أنه مهملهم حتى إذا استكمل غضبه عليهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا معنى الآية .
    وقد بيّنت في (جواب الأمريكيين) وغيرهم عظم فساد هؤلاء الكفرة في الأرض وأنه أعظم من إفسادهم بالمحاربة وتقتيل المسلمين فنحن نتربّص بهم سنن شديد المِحال] .

    ثم إن ابن القيم رحمه الله ذكر كلاماً ثم قال في قُبح طاعة الكفار : وحذّرهم سبحانه من طاعة عدوهم وأخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أُحد، ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين وهو خير الناصرين، فمن وَالاه فهو المنصور، ثم أخبر أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدام على حربهم، فإنه يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على أعدائهم، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدْر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفاً ورعباً، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء [ تأمل رعب أعداء الله] ، وذكر كلاماً ثم قال عن المنافقين أنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية وقد فُسّر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وأنه يُسْلمه للقتل، وقد فُسّر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمة له فيه، فَفُسّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يُتم أمر رسوله ويُظهره على الدين كله.

    [ انظر قوله في معنى ظن السوء : (وأن أمره سيضمحل) واعلم أن هذا ظن أكثر الخلق اليوم وهو ظن المنافقين لأن طغيان الباطل وطوفانه الذي تفجّر في وقتنا قد طغى على العقول وزيّفها، ولما جاء الابتلاء بتكالب الكفار على المسلمين وحصول نوع هزيمة هي على الحقيقة ابتلاء للمنافقين ولطفاً بالمؤمنين ظهرت الكمائن الخبيثة ممن لم يقْدر الله قدره ولا يعرف حكمته فتكلم من تكلم وعمل من عمل وظنوا أن الدين لن تقوم له قائمة، وكانت قد امتلات أذهانهم الخاوية المظلمة أن الدين لا يصلح لهذا الزمان اللهم إلا دين مُلَقّح بمادة كفرية ونحْلة طاغوتية، فيبقى اسم ورسم في غاية الذلة والهوان قطع الله دابر كل من ظن هذا الظن وأراد هذه الإرادة من نوّاب إبليس ووكلائه من الكفرة والمنافقين الذين {نسوا الله فنسيهم} والذين (هانوا على الله فعصوْه ولوْ عَزّوا عليه لعصمهم).(1)

    أيظن المنافق أن الله تخلى عن ملكه وَوَكل دينه وعباده إلى غيره وأنه يخذل من نصر دينه ؟ لا، وعزته، فتعْساً للظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء، والله غالب على أمره] ثم قال ابن القيم، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح حيث يقول : {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} وإنما كان هذا ظن السوء وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق لأنه ظَنُّ غير مايليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء بخلاف ما يليق بحكمته وحمْده وتفرده بالربوبية والإلهية ومايليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه ولكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن أنه لا ينصر رسوله ولا يُتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويُعْليهم ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يُديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لايقوم بعده أبداً فقد ظن بالله ظن السوء ونَسَبَهُ إلى خلاف مايليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمْده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك وتأبى أن يُذل حزبه وجنده وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به فمن ظن ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله .

    [ تأمله فإنه كلام نفيس للغاية منطبق على مانحن فيه من وجوه عديدة حيث ظن أكثر الخلق برب العالمين سبحانه ظن السوء وظن الجاهلية حيث اعتقدوا أن الله يُضَيّع للأفغان والعرب الذين معهم سعْيهم بإقامة دينه وشرعه ومُنابذتهم أعدائه وجهادهم إياهم وأنه يخذلهم وينصر الكفار عليهم ] .

    ثم قال رحمه الله : ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير وهو ابتلاء مافي صدورهم وهو اختبار مافيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيماناً وتسليماً، والمنافق ومَن في قلبه مرض لابد أن يظهر مافي قلبه على جوارحه ولسانه .

    [ لقد ظهر من كثيرين مكنونات سوء يصعب حصر ما ظهر منها وما خفي أكثر، ومن ذلك ماكتب بعض المعتوهين عن المجاهدين في بعض الجرائد من قوله في إجابته المعترضين عليه لما يظهر من بغضه للمجاهدين، يقول : (أحسن الله عزاءك في أُسامتك وطالبانك) ويقول أهلكه الله ساخراً : ( فلا طالبان ولا حالِمان ) .

    وأهل الإيمان ولله الحمد على يقين لا يتزعزع أن الله سوف يُخلف ظنون المنافقين ومرضى القلوب الظانين بالله الظن الذي لا يليق به سبحانه كما أخلف ظنون إخوانهم مِن قبل بنصره للحق ولمن قام به وكبْته لأعدائه وخذلانهم وموتهم بغيظهم .

    وقد ظهرت ولله الحمد بشائر النصر وتحقق قول الله عزل وجل في الكفار والمنافقين : { ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولوْ كثرت وأن الله مع المؤمنين } فما زالت ولله الحمد القوارع الإلهية والآيات الربانية تتابع على أعداء الله مثل الرعب وهو جند من جند الإله العظيم وغير ذلك من الخسران والخذلان والأمراض والجراد والطوفان والأعاصير والحرائق والزلازل واختلافهم فيما بينهم وغير ذلك مما يؤيّد الله به عباده المؤمنين ويخذل أعداءه الكافرين وما زلنا في انتظار المزيد من الولي الحميد، قال تعالى : {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} .

    ثم قال ابن القيم قدّس الله روحه : ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتيمز فيه أحد الفريقين من الآخر تميّزاً ظاهراً، وكان من حكمة هذا التقدير تكلُّم المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون وسمعوا رَدّ الله عليهم وجوابه لهم وعرفوا مؤدّى النفاق وما يؤول إليه ، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة، فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمه على المؤمنين سابغة وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما، انتهى باختصار .

    وإن من عرف بعض حِكَم تأخير النصر للمؤمنين على أعدائهم لم يظن بربه ظن سوء ولم يقنط من رحمته ويعلم أن تأخيره سبحانه لنصره نصر لهم وإن رغمت أنوف أعداء الله من الكفرة والمنافقين.

    وإن في هذا الكلام البليغ لابن القيم كفاية كافية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما المنافق المطبوع على قلبه فلوْ تناطحت الجبال وكلمه الموتى فإنه لا يزداد إلا عتواً ونفوراً، فلْيمت بغيظه.

    وتأمل قول ابن القيم : ( فلله كم من حكمة في هذه القصة بالغة، ونعمة سابغة ) مع أنه حصل في غزوة أحد ما حصل على النبي r وأصحابه فتأمل كيف جاءت المِنن عن طريق المِحن، واعلم أن رب الزمانين واحد وأنه رقيب على عباده شهيد عليهم .

    فالحذر كل الحذر من عزل المالك الحق عن ملكه والتعوّض بالسياسات الطاغوتية المنتنة، فإن هذا بحر قد غرق فيه أكثر الخلق على اختلاف طبقاتهم في هذا الزمان المُوَطئ للدجال والأمور العظيمة {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} و { سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون }.
    والحمد لله وصلى الله على نبينا محمد ،،، .

    كتبــــه
    عبد الكريم بن صالح الحميد



    تحياتي؛؛




     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-10-07
  3. الجبل العالي

    الجبل العالي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-12-19
    المشاركات:
    1,859
    الإعجاب :
    0
    ]سلمت يمينك والبنان وجزاك الله خيرا على هذا الموضوع أخي الكاسر كسر الله بك شوكة عدوه آمين

    وهذه مشاركة قديمة وضعتها للفائدة



    لماذا يتأخر النصر

    (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ))

    قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه في ظلال القرآن


    إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض ، والمعركة مستمرة بين الخير والشر ، والهدى والضلال ، والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان .
    والشر جامــح .. والباطل مسـلح .. وهو يبطش غير متحرج .. ويضرب غير متورع .. ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه ، وعن الحق إن تفتحت قلوبهم له ، فلا بد للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش ، وتقيها من الفتنة وتحرسها من الأشواك والسموم .
    ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق عزلاً تكافح قوى الطغيان والشر والباطل ، اعتمادًا على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطر ، وعمق الخير في القلوب ، فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر ، وللصبر حد وللاحتمال أمد ، وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه ، والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم ، ومن ثَّم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة ، إلا ريثما يستعدون للمقاومة ، ويتهيئون للدفاع ، ويتمكنون من وسائل الجهاد ، وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان .

    وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته

    ((إن الله يدافع عن الذين آمنوا)) ..
    وأنه يكره أعداءهم لكفرهم وخيانتهم فهم مخذولون حتمًا (( إن الله لا يحب كل خوان كفور )) ..
    وأنه حكم لهم بأحقية دفاعهم وسلامة موقفهم من الناحية الأدبية فهم مظلومون غير معتدين ولا متبطرين

    (( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا )) ..

    وأن لهم أن يطمئنوا إلى حماية الله ونصره إياهم

    (( وإن الله على نصرهم لقدير )) .
    وأن لهم ما يبرر خوضهم للمعركة فهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة ، لا يعود خيرها عليهم وحدهم ، إنما يعود على الجبهة المؤمنة كلها ، وفيها ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة ، وذلك فوق أنهم مظلومون أخرجوا من ديارهم بغير حق (( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله )) .. وهي أصدق كلمة أن تقال .. وأحق كلمة بأن تقال .. ومن أجل هذه الكلمة وحدها كان إخراجهم ، فهو البغي المطلق الذي لا يستند إلى شبهة من ناحية المعتدين ، وهو التجرد من كل هدف شخصي من ناحية المعتدى عليهم ، إنما هي العقيدة وحدها من أجلها يخرجون ، لا الصراع على عرض من أعراض هذه الأرض ، التي تشتجر فيها الأطماع ، وتتعارض فيها المصالح وتختلف فيها الاتجاهات وتتضارب فيها المنافع .
    ووراء هذا كله تلك القاعدة العامة .. حاجة العقيدة إلى الدفع عنها

    ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ))
    والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان ، والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع ، والصلوات أماكن العبادة لليهود ، والمساجد أماكن العبادة للمسلمين .
    وهي كلها معرضة للهدم ـ على قداستها وتخصيصها لعبادة الله ـ لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها ، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض .. أي دفع حماة الحقيقة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ، ويعتدون على أهلها .. فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول .. ولا يكفي الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل عليه ، بل لا بد من القوة تحميه وتدفع عنه .. وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان !
    ولا بد من وقفة أمام هذه النصوص القليلة الكلمات العميقة الدلالة ، وما وراءها من أسرار في عالم النفس وعالم الحياة .
    إن الله يبدأ الإذن بالقتال الذين قاتلهم المشركون ، واعتدى عليهم المبطلون ، بأن الله يدافع عن الذين آمنوا ، وأنه يكره المعتدين عليهم من الكفار الخائنين .

    (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا .. إن الله لا يحب كل خوان كفور ))
    فقد ضمن للمؤمنين إذن أنه هو تعالى يدافع عنهم ، ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتمًا من عدوه ، ظاهر حتما على عدوه .
    xxففيم أذن يأذن لهم بالقتال ؟ .. وفيم إذن يكتب عليهم الجهاد ؟ .. وفيم أذن يقاتلون فيصيبهم القتل والجرح والجهد والمشقة ، والتضحية والآلام .. والعاقبة معروفة .. والله قادر على تحقيق العاقبة لهم بلا جهد ولا مشقة ، ولا تضحية ولا ألم ، ولا قتل ولا قتال ؟
    والجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا .. وأن لله الحجة البالغة .. والذي ندركه نحن البشر عن تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من ((التنابلة)) الكسالى ، الذين يجلسون في استرخاء ، ثم يتنزل عليهم نصره سهلاً هينا بلا عناء ، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء ، كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء !
    نعم إنهم يجب أن يقيموا الصلاة ، وأن يرتلوا القرآن ، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء ، ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها ، إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة ، والذخيرة التي يدخرونها للموقعة ، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله .
    لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة ، فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر ، وهي تدفع وتدافع ، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها ، ولتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة ، وتتولى أقصى ما تملكه ، وتبذل آخر ما تنطوي عليه ، وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال .
    والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها ، واحتشاد كل قواها ، وتوفر كل استعدادها ، وتجمع كل طاقاتها ، كي يتم نموها ، ويكتمل نضجها ، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها .
    والنصر السريع الذي لا يكلف عناء ، والذي يتنزل هينًا لينًا على القاعدين المستريحين ، يعطل تلك الطاقات عن الظهور ، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها .
    وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه
    أولاً : لأنه رخيص الثمن لم تبذل في تضحيات عزيزة .
    وثانيًا : لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تحتشد للدفاع عنه .
    وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة ، والكر والفر ، والقوة والضعف ، والتقدم والتقهقر ، ومن المشاعر المصاحبة لها .. من الأمل والألم .. ومن الفرح والغم .. ومن الاطمئنان والقلق .. ومن لا شعور بالضعف والشعور بالقوة . ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة ، وتدبير الأمور في جميع الحالات .. وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس .
    من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه الله .. جعل الله تعالى دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم ، ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء .

    والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله .
    قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها ، ولم يتم بعد تمامها ، ولم تحشد بعد طاقاتها ، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادت .. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكًا لعدم قدرتها على حمايته طويلاً !
    وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة ، وآخر ما تملكه من رصيد ، فلا تستبقى عزيزًا ولا غاليًا ، لا تبذله هينًا رخيصُا في سبيل الله .
    وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها ، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر ، إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله .
    وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله ، وهي تعاني وتتألم وتبذل ، ولا تجد لها سندًا إلا الله ، ولا متوجهًا إلا إليه وحده في الضراء ، وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله ، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها الله .
    وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه ، أو تقاتل حمية لذاتها أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها ، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله ، بريئًا من المشاعر الأخرى التي تلابسه ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى .. فأيها في سبيل الله .. فقال صلى الله عليه وسلم ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ))
    كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير ، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصًا ، ويذهب وحده هالكًا ، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار !
    وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا ، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه ، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله ، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة ، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس ، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية !
    وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة ، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار ، فيظل الصراع قائمًا حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ، ولاستقباله !
    من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه الله ، قد يبطئ النصر ، فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام ، مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية
    [COLOR=firebrick[/COLOR]
     

مشاركة هذه الصفحة