الوحدة العربية قد تكون ضرورة.. ولكن هل هي ممكنة؟

الكاتب : المناضل الحر   المشاهدات : 524   الردود : 0    ‏2007-05-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-17
  1. المناضل الحر

    المناضل الحر عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-12-07
    المشاركات:
    285
    الإعجاب :
    0
    الوحدة العربية قد تكون ضرورة.. ولكن هل هي ممكنة؟


    د.حسن نافعة

    كنت قد تناولت في مقال الأسبوع الماضي، ذكري مرور تسعة وأربعين عاماً علي إعلان قيام الوحدة بين مصر وسوريا في ٢٢ فبراير عام ١٩٥٨، واقترحت أن نستعد منذ الآن لتنظيم احتفالية كبري في العام القادم تليق بذكري مرور خمسين عاماً علي هذا الحدث المهم في تاريخ البلدين والأمة العربية كلها. ورغم تدافع أحداث محلية وإقليمية ودولية كثيرة تستحق التوقف عندها بالتعليق، إلا أنني أجد نفسي مدفوعاً برغبة قوية في العودة مرة أخري إلي نفس الموضوع، وذلك لسببين،

    الأول: أنني ما إن فرغت من مقال الأسبوع الماضي حتي أدركت أن ضيق المساحة حال دون تناولي لأفكار شعرت بأنها لم تحظ بالقدر الذي تستحقه من الاهتمام. الثاني: أنني تلقيت اتصالاً تليفونياً من صديق عزيز هو الدكتور بهجت قرني، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، لفت نظري إلي خطأ مطبعي ورد بمقال الأسبوع الماضي حول تاريخ إعلان الوحدة، مما استدعي التنويه والتصحيح،

    وأبدي في الوقت نفسه اهتماماً كبيراً بما طرحته حول ضرورة إخضاع تجربة الوحدوية المصرية السورية لمزيد من الفحص والدراسة العلمية المدققة، وزادني النقاش الذي دار بيننا اقتناعا بأهمية استكمال بعض ماضاقت مساحة الأسبوع الماضي عن استيعابه. وفي هذا السياق أود أن أطرح علي القارئ المهتم بهذا الموضوع ما يلي:

    ١- حين يصل الإيمان بفكرة الوحدة، حدًا يدعو نخبة حاكمة في دولة مستقلة، هي سوريا في هذه الحالة، إلي التخلي طواعية عن كل سلطاتها ومزاياها، بما في ذلك سلطات ومزايا رئيس الدولة الذي اكتفي بلقب «المواطن الأول»، والذوبان كليا داخل كيان موحد جديد تقوده أو تديره نخبة من دولة أخري، فذلك أمر يستدعي الانتباه ويتطلب التوقف عنده كثيرا لتأمل دلالاته الحقيقية.

    قد يقول قائل بأن جماعة من الضباط السوريين جاءت إلي مصر دون تفويض أو تشاور مسبق مع رئيس الدولة أو قادة الأجهزة والمؤسسات المعنية، وهي التي تفاوضت مع عبد الناصر وقبلت بشروطه ووضعت بقية قطاعات النخبة السورية أمام أمر واقع بات من الصعب التنصل منه. ومع تسليمي بأن تلك أمور تستحق النقاش، وبالتالي يمكن الاتفاق والاختلاف حولها، فإن ما لا يمكن الاختلاف عليه أن الأجواء التي سادت في ذلك الوقت عكست عمق الإيمان الشعبي بالوحدة وضروراتها، بصرف النظر عن اتفاقنا أو ختلافنا مع الوسائل والتكتيكات المتبعة.

    ٢- يصعب الادعاء بأن الوحدة المصرية السورية فرضت قسرا علي الشعبين، رغم الطابع الشمولي للنظام السياسي الذي أنجزها والذي قاده جمال عبد الناصر في ذلك الوقت، فالواقع أن إيمان الجماهير بالوحدة وإخلاصها لها كان حقيقيا وكان حماسها لها طاغيا. وقد تم التعبير عن هذا الحماس بأشكال ووسائل مختلفة يمكن قياسها واختبارها علميا، بصرف النظر عن شحنة العاطفة التي اتسم بها هذا التعبير أو بعده عن نهج التفكير العلمي المنضبط أو حتي الواقعي.

    ٣- أن المحاولات التي جرت بعد انهيار الوحدة لافتعال التناقض بين مستويات الانتماء الثلاثة الوطنية والقومية والدينية، إما بالعمل علي تذويب الفكرة القومية داخل وعاء الأمة الإسلامية الأوسع، أو بالعمل علي تفتيتها إلي كيانات قطرية أضيق، لم تستهدف في الواقع سوي شيء واحد وهو الحيلولة دون قيام وحدة عربية من أي نوع.

    وأظن أنه بات واضحا الآن أن الذين تصوروا أن ضرب الفكرة القومية يمهد الطريق لوحدة الأمة الإسلامية، أو حتي لقيام دول وطنية بالمعني الأوربي المعاصر، كانوا جميعا واهمين، فالواقع أن ضرب الفكرة القومية بالفكرة الإسلامية تارة أو بالفكرة الوطنية تارة أخري لم يستهدف في نهاية المطاف سوي تفتيت المنطقة إلي كيانات طائفية وعرقية تسيطر عليها إسرائيل.

    ٤- أن الطابع الشمولي للنظم العربية لم يضر بالمسألة القومية وحدها ولكنه أضر بقضية الوحدة علي جميع المستويات، فالواقع أن غياب المؤسسات الديمقراطية حال ليس فقط دون بلورة النهج الملائم لتحقيق وحدة تتوق لها شعوب عربية تتباين مستويات تقدمها الاجتماعي والاقتصادي،

    ولكنه حال أيضا دون تمكين المواطنين داخل كل دولة عربية علي حدة من المشاركة الفعالة في صنع وتنفيذ سياسات تحافظ علي الحد الأدني من وحدة الجماعة الوطنية داخل الحدود السياسية القائمة، وهو ما أدي إلي اندلاع صراعات حادة داخل دول وطنية عديدة وصلت أحيانا إلي مستوي الحروب الأهلية.

    ٥- أن الوحدة الوطنية ليست منفصلة عن أو متناقضة مع الوحدة العربية، وبالتالي فالمحافظة علي وحدة وتماسك الشعوب العربية داخل حدودها السياسية القائمة حاليا يجب أن تكون نقطة الانطلاق الأولي التي تسبق البحث عن أي صيغة للوحدة العربية.

    لكن الشعوب العربية يجب أن تكون في الوقت نفسه علي وعي تام بأنها لن تستطيع أن تحافظ علي استقلالها وأمنها الوطني في مواجهة أطماع الخارج، أو تنطلق علي طريق التحديث والتنمية والتقدم في مواجهة قيود الداخل، إلا من خلال رؤية موحدة للأمن الجماعي والتكامل الاقتصادي والاجتماعي العربي، وإلا وجدت نفسها في نهاية المطاف مقيدة السيادة والإرادة وفاقدة للاستقلال الحقيقي علي نحو قد يعرض وحدتها الوطنية نفسها للانهيار.

    وفي سياق كهذا يبدو لي أن المشكلة التي أصبحت تواجه قطاعات متزايدة من النخب العربية ليست مرتبطة بمدي قناعتها بأهمية وضرورة الوحدة العربية، كطريق للخلاص من مشكلاتها، بقدر ما هي مرتبطة بشكوك حول قابليتها للتحقيق. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية والتي يتعين البحث عن حلول مبتكرة لها.

    وفي ظني أن أول خطوة علي هذا الطريق يجب أن تبدأ بالاقتناع بأنه لا توجد وصفة جاهزة في هذا المجال، ومع ذلك فالصيغة الملائمة لتحقيق أي درجة من درجات الوحدة أو التكامل، هي أي صيغة تتوافر فيها شروط ثلاثة:

    ١- أن تكون حصيلة حوار تشارك فيه الشعوب العربية كافة من خلال مؤسساتها المنتخبة ديمقراطيا، فالحوار الديمقراطي الحر هو وحده الكفيل بالتوصل للصيغة التي تتناسب مع واقع العالم العربي وأوضاعه وقدراته.

    ٢- أن تكون صيغة تحقق ربحا لكل الأطراف المشاركة فيها، فما لم يقتنع كل طرف، الكبير قبل الصغير والقوي قبل الضعيف والغني قبل الفقير، بأنه سيربح من الصيغة المقترحة، فلن يقبل المشاركة فيها لأن أحدا لا يشارك في مشروع يعرف مسبقا أنه سيخسر من ورائه.

    ولأنه يستحيل العثور علي صيغة يكسب فيها الجميع بنسب متماثلة، فمن الطبيعي أن تربح أطراف أكثر أو أسرع من غيرها أو تربح في قطاعات وتخسر في أخري أو تربح علي المدي الطويل بأكثر مما تربح علي المدي القصير، غير أن من المهم جدا أن تكون لدي الجميع قناعة بأنه رابح في النهاية. وأن الصيغة المقترحة ليست مصممة لصالح طرف ضد طرف آخر، أو لصالح فريق علي حساب فريق آخر، أو لصالح محور في مواجهة محور آخر.

    ٣- أن ترسي نظاما مؤسسيا قادرا علي المواءمة بين ضرورات الفاعلية، من ناحية، وهو ما قد يتطلب تمييزا في الأوزان التصويتية للدول كل بحسب قدراتها الفعلية، وحساسيات السيادة، من ناحية أخري، وهو ما يتطلب الأخذ بمبدأ المساواة حماية للحقوق السيادية. وهناك العديد من التقنيات التي يمكن استخدامها لتحقيق هذا النوع من المواءمات، ففي الأمور الوثيقة الصلة بالسيادة يمكن الاكتفاء بتنسيق المواقف واتخاذ القرارات بالإجماع،

    وفي القطاعات التي يراد لها أن تتكامل وأن تندمج يمكن التدرج بعملية اتخاذ القرارات من الإجماع أو التراضي إلي الأغلبية النوعية إلي الأغلبية البسيطة. وهكذا يمكن توظيف أي من هذه الوسائل والتقنيات في القطاع أو النشاط المؤهل له، وبالضمانات المطلوبة للمحافظة علي الحقوق وبناء الثقة وإزالة المخاوف والشكوك.

    وتتيح التجربة الأوروبية في التكامل والاندماج معينا نستطيع أن ننهل منه الكثير. صحيح أن الواقع الأوروبي يختلف تماما عن الواقع العربي، وبالتالي فمن المسلم به استحالة نقل تجربة التكامل الأوربي ميكانيكيا لغرسها في التربة العربية، غير أن ما يتعين إدراكه هو أن الصيغة التكاملية التي أفرزتها التجربة الأوروبية تمت بالتدريج ومن خلال حوار ديمقراطي،

    وليس فجأة أو فرضا أو إكراها، وقامت علي قاعدة تحقيق الربح لجميع الأطراف وليس لأحد علي حساب الآخر، ونجحت في إقامة نظام مؤسسي فعال تقوده الدول الكبري ويسمح للدول الصغيرة والمتوسطة في الوقت نفسه بحماية مصالحها السيادية، وليس مطلوبا نقل التجربة الأوروبية بحذافيرها، ولكن المطلوب إيجاد صيغة عربية تتوافر فيها شروط النجاح الثلاثة. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.
    soldier2006@maktoob.com
     

مشاركة هذه الصفحة