أمريكا ستضرب العراق بكامل قواها العقلية!

الكاتب : مشتاق   المشاهدات : 741   الردود : 0    ‏2002-10-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-07
  1. مشتاق

    مشتاق عضو

    التسجيل :
    ‏2002-05-27
    المشاركات:
    169
    الإعجاب :
    0
    محمد حسنين هيكل في حديث ما قبل العاصفة:
    أمريكا ستضرب العراق بكامل قواها العقلية!
    أعد الحوار للنشر: أكرم خميس

    في حديثه إلي قناة دريم، ...
    و النقطة الأساسية في هذا الحديث كانت عن العراق وما ينتظره، ثم عن علاقة ذلك بالوضع الدولي الذي تحاول الادارة الأمريكية أن تفرضه علي العالم

    أمريكا .. عاقلة جدا

    اليوم، إذا تحدث أحد العاملين في مجال الصحافة عما يفعله في أداء مهمته .. سوف يقول إن البداية هي تحديد ما يراه أمامه .. وهنا أقول إننا في اللحظة الراهنة أمام مشهد دولي أشبه بالمآسي الاغريقية .. إله غاضب يطيح بكل ما حوله .. عواصف ورعود .. وبشر خائفون .. إلا أنني أتوقف لاعترض علي مثل هذا الوصف، وأقول انه غير صحيح بالمرة .. وعلينا الآن أن نقدم الوصف الحقيقي لهذا المشهد.
    وهذا يحتاج منا بداية إلي أن نستبعد ما هو خارج عن هذا الموضوع .. وهذه مهمة شاقة خصوصا إذا كان ما نستبعده شائعا في ذاكرة بشر تعودوا علي ادخال هذه الأشياء في تصوراتهم .. وأول ما يجب استبعاده هو ما يقال عن ان ما يجري أمامنا نتيجة لجنون أمريكي .. هذا كلام غير صحيح، فالدول لا تجن .. ودولة مثل أمريكا بالذات لا يمكن اطلاق هذا الوصف عليها .. انها صاحبة أسرع ظهور امبراطوري في التاريخ.
    كما أنها القوة الاضخم في تاريخ البشرية .. ثم إنها قوة تخطط ولا ترتجل أعمالها واذا كان الرئيس فيها يبدو ذا دور محوري .. فإن الواقع يقول انها دولة مؤسسات .. إنها أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية .. فضلا عن أنها أكبر دولة حولت الفكر الي صناعة .. بل إنها تفوقت علي غيرها من الامبراطوريات في ادراكها المبكر للحقيقة التي تقول إن الفكر هو بداية أي فعل .. وان استغلال أو احتواء أو استيعاب المفكرين مسألة أساسية جدا للبناء والتقدم الامبراطوري .. ويكفي أن أشير الي أن الأمريكان هم أول من أقام في فترة ما بين الحربين مؤسسات التفكير التي يمكن لأي شخص أن يتخيلها . باختصار لقد أدرك الأمريكان ان التفكير لا ينبغي ان يترك للمصادفات، أو لاجتهادات فرد هنا وهناك، وانما لابد أن يتم داخل قلاع ومؤسسات متخصصة في هذا المجال بالتحديد، وفي ذلك لابد ان نشير الي ان الولايات المتحدة نجحت بعقلية المشروع التجاري ان تكون أول امبراطورية تقيم قلاعا مهمتها الفكر.
    ما أريد قوله هو أن هناك جهدا حقيقيا للتفكير والتخطيط داخل الولايات المتحدة بما لا يسمح لأحد سواء كان رئيسا أو غير ذلك أن يجن، وبالتالي لابد أن أدرك انني أمام حسابات مدروسة قد تصيب وقد تخيب .. لكنني لا استطيع أن اتهمها لا بالجنون ولا بالسطحية.


    وهم الخطر العراقي

    الأمر الثاني في الأشياء واجبة الاستبعاد هو ما تقوله أمريكا عن وجود خطر عراقي شديد .. فهذا كلام غير معقول بالمرة .. العراق لا يمكن ان يكون خطرا علي أحد .. والأسباب متعددة .. فالعراق يعاني مشكلة قديمة ارتبطت بنشأته السياسية .. حيث كان المقصود من وجود هذا الكيان بالشكل الذي نراه علي الخريطة، ان يكون مخزنا للمواد الخام، علي ان لا تكون له حدود مفتوحة علي العالم .. بلد بلا ميناء في حين انه يملك سلعة استراتيجية لا يمكن تصديرها الا بالبحر! ومن ثم كان عليه دائما أن يكون مضطرا لقبول شروط الدول التي تسمح بمرور أنابيب بتروله الي البحر .. ولذلك استطيع القول ان الحصار الذي فرض علي العراق بعد حرب الخليج كان أقسي حصار في التاريخ لأن تلك الدول قررت وقف أنابيب البترول، ومازاد من خطورة هذا الحصار انه جاء بعد ان انهك العراق في حرب استمرت ثماني سنوات مع إيران، وبعد أن قاده تصوره الخاطئ والظروف الدولية غير المواتية للدخول في مواجهة غير متكافئة مع التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية .. لقد تصور العراق ان الكويت قد تكون مكافأة له علي الدور الذي أداه في مواجهة إيران .. والمدهش ان الذين يلومون علي العراق دخوله تلك الحرب هم أنفسهم الذين حرضوا ودعموا وسلحوا العراق كي يدخل في هذه الحرب .. أما عن دخول العراق الي الكويت، فأنا أعتقد ان القيادة العراقية تصورت أنها قد حصلت علي ضوء أخضر للإقدام علي هذا العمل، الا انها لم تلتفت الي تغير الظروف فكان ان تعرضت العراق لضربة قاسية .. وتم احكام الحصار عليه، لدرجة لا تسمح له ان يشكل خطرا ومع ذلك نجد من يتحدث عن امتلاك العراق لأسلحة!!
    هذا كلام غير معقول .. فأنا أعرف يقينا ان العراق لا يملك أسلحة .. وأمامي تقارير لجنة الرقابة التي تؤكد ذلك .. وأمامي شهادات المفتشين الذين لم يتركوا ركنا في العراق الا وفتشوا فيه .. وهذا هو كلام سكوت ريتر الذي ذهب الي العراق وأدي مهمته بطريقة ثقيلة لدرجة انه أصر علي تفتيش القصور الرئاسية .. والأهم من ذلك ان العراقيين أنفسهم قاموا بعد انتهاء حرب الخليج بتدمير ما لديهم من أسلحة .. كما قاموا بنسف بعض المصانع علي أمل أن يؤدي ذلك الي التسريع برفع الحصار .. ولذلك السبب لم يجد المفتشون أي سلاح لدي العراق .. وللعلم العراق لم يكن لديه سلاح نووي .. بل انه كان يحتاج الي فترة تتراوح ما بين ثماني إلي عشر سنوات لتصنيع مثل هذا السلاح .. أما السلاح الكيماوي والبيولوجي فقد تم التخلص منه كما سبق أن قلت .. إذن لا يوجد سلاح، وما يتم حاليا هو البحث عن هدفين: الأول هو مجموعة الأوراق التي تسجل حد النجاح الذي وصل إليه برنامج التسلح العراقي . وهذه مهمة سهلة يمكن لسكوت ريتر أو باتلر أو غيرهما ان يتخيل المكان الذي توجد به هذه الأوراق .. أما الهدف الثاني .. فهو الوصول الي العلماء والفنيين والعمال العراقيين الذين عملوا في البرنامج ويشكلون نواة تضم ما بين 20 الي 22 ألف شخص لديهم فكرة عما يمكن عمله .. لكن السؤال: ماذا ستفعل أمريكا بهؤلاء؟!
    أعرف ان هناك برنامجا يقضي بمنح كل هذا العدد الجنسية الأمريكية .. بشرط ان يخرجوا من العراق حتي لا يبقي أي احتمال للعودة الي برنامج تسلح .. والواقع ان كلا الهدفين يمكن ان يتحقق دون ترويج لمقولات غير صحيحة حول وجود خطر عراقي.


    أكذوبة صراع الحضارات


    الشيء الثالث المطلوب استبعاده هو اصرارنا علي وصف ما يجري بأنه صراع حضارات .. فالأصل ان العالم لم يعرف سوي حضارة واحدة تشكلت بمساهمات متفاوتة من الثقافات المختلفة .. كل ثقافة ساهمت بجهدها، وأفادت العالم بما لديها من معارف وعلوم وخبرات .. الصين كان لها دور .. نحن كان لنا دور، ولا توجد حضارة غربية وأخري إسلامية .. والواقع انني أندهش لأولئك الذين يتحدثون عن الحضارة الغربية فيقولون انها تقوم علي الديانة المسيحية والقانون الروماني والفلسفة الاغريقية .. مع ان تلك العناصر الثلاثة تنتمي الي الشرق، فالسيد المسيح لم يكن إيطاليا ولا فرنسيا . وإنما رجلا من هذا الشرق .. كما ان القانون الروماني مأخوذ عن قوانين بابل .. الثقافات تلتقي في أحواض شبه حضارية لتشكل حضارة إنسانية واحدة تسيطر عليها وتوجهها في لحظة معينة القوة الغالبة في العالم .. حدث ذلك عندما كانت الدولة العباسية هي الغالبة، ولذلك اطلق عليها الحضارة الاسلامية .. وكذلك الأمر عندما انتقل مركز الثقل الي بريطانيا ثم الي أمريكا .. إذن لا يمكن ان يكون هناك صراع ما بين الحضارات، وإنما تعاون أو تكامل .. والحقيقة اننا نردد مقولة صراع الحضارات دون وعي .. مع ان الصراع القائم حاليا بل والصراع بشكل عام هو صراع قوي تريد أن تحقق مصالحها وتفرض قيمها في لحظة معينة .. يرتبط بذلك ما يقال عن اننا أمام صليبية جديدة .. وهذا أيضا غير صحيح لان ما يسمي بالصليبية الأولي كان ستارا لصراع القوي الذي حدث ما بين الدولة الإسلامية القوية من ناحية، والدول الغربية من الناحية الأخري .. ومعروف ان الدول الغربية كانت تتحرك لأهداف اقتصادية بحتة لكنها وجدت ان الدولة الإسلامية تقف حاجزا أمام تحقيق هذه الأهداف فكان أن رفعت شعارات دينية لا وجود لها في حقيقة الأمر.
    أيضا هناك من يقول ان بوش في سياسته الحالية تجاه العراق، يحاول تخليص ثأر الأب الذي لم يتمكن من اكمال مهمته بإبعاد صدام حسين عن موقعه .. والحق ان هذا الكلام غير معقول .. لأن بوش الأب لم يقرر وقف الحرب لأنه لا يريد المساس بصدام حسين، ولكن لأن رئيس أركانه 'كولين باول' أخبره بأن الحرب قد حققت أهدافها بتحرير الكويت .. كما ان الدول العربية التي شاركت في الحرب كانت معرضة لضغوط داخلية حادة وطلبت منه ان يوقف الحرب خاصة ان استمرار ضرب العراق بهذه الطريقة كان ثقيلا حتي علي المتواطئين .. لقد كانت الإدارة الأمريكية في تلك اللحظة تنظر إلي مستقبل العراق بناء علي تصور بني علي خطأ، فقد كانت تتوقع أن تكون نهاية الحرب بداية لتحركات داخل العراق سواء من جانب الأكراد أو الشيعة أو الجيش لإبعاد صدام عن السلطة، وبالتالي فإن هذا التصور كان يقوم علي أن النهاية قادمة قادمة، وليس ضروريا أن تتم بيد أمريكا. فضلا عن ذلك كان قرار وقف الحرب متسقا مع خوف إدارة بوش من أن تتوغل داخل العراق فتجد نفسها مضطرة لتحمل عبء استمرار حياة المدنيين. وهو الدرس الذي طبقته إسرائيل، عندما أعطت السلطة الوطنية حق إدارة المرافق والأحوال المعيشية للفلسطينيين ، وذلك دون أن تنسحب قواتها من الأراضي المحتلة، الأمر الذي يجعل الاحتلال الإسرائيلي هو الأرخص علي مر التاريخ.
    أعود إلي الموضوع العراقي لأقول إن ما حدث بعد انتهاء حرب الخليج الثانية كان عكس ما تصورته إدارة بوش الأب، فقد تجاوز العراقيون عن أي خلاف مع النظام الحاكم، ووجدوا أن الضرورة تفرض علي أي وطني عراقي أن يهتم أولا بسلامة واستقرار وطنه. إذن يبدو الحديث عن أن بوش الابن يأخذ ثأر أبيه غير معقول علي الاطلاق، فالابن يتصرف وفق منطق آخر.


    حدود اللوبي اليهودي


    هناك من يتحدث أيضا عن أن ما يجري الآن نتيجة لتأثير اللوبي الإسرائيلي، وهذا ايضا غير صحيح، وأرجو من الجميع أن يعلموا أن أمريكا تستعمل إسرائيل، وليس العكس، أمريكا تقبل أن تستعملها إسرائيل بمقدار ما يتوافق مع المصلحة الأمريكية. نعم هناك لوبي إسرائيلي، وهذا اللوبي مؤثر فعلا لكنه لا يؤثر إلا إذا كان أمامه مجال للتأثير وهو يوجد ولكنه يوجد عندما تتفق مصالحه مع المصالح الأمريكية. أما تصوير أمريكا وكأنها عملاق كبير يسيطر عليه هذا اللوبي الصغير، فهذا كله كلام غير صحيح. إنه يذكرني بفقه التبعية الذي يحاول دائما أن يضع المشكلة في الهوامش والحواشي ويبعدها عن أصلها، ومن ذلك مثلا أن نقول إن هذا الملك رجل ممتاز لكن الحاشية هي المشكلة، أو أن نقول إن هذا الرئيس رجل عظيم جدا لكن من حوله يسيئون إليه. مع أن العكس هو الصحيح فالرئيس أو الملك لابد أن يقاس بحاشيته وبما يجري من حوله. نحن نحاول أن نلقي المشكلة بعيدا عن أسبابها الحقيقية، حتي نبرر لأنفسنا عدم مواجهتها والتعامل معها. نقول إن هناك لوبي يهوديا ونبني علي ذلك تصوراتنا وتصرفاتنا، بل ونذهب أحيانا إلي حد الحديث عن أن أمريكا متأثرة بهذا اللوبي إلي درجة أنها لا تعرف مصالحها.. والله العظيم أمريكا تعرف مصالحها جيدا، وهي لا تحتاج لأحد كي تعرف مصالحها. في نفس الوقت تقوم بتركيز جهودنا ومواردنا لمواجهة هذا اللوبي فننشيء إدارة للعلاقات العامة ونعلن أننا محتاجون إلي إعلام، والحق أننا لسنا في حاجة إلي علاقات عامة. إن الإعلام لا يتأتي بقرار، وإنما بما تقوم به الأطراف ويؤدي إلي لفت الأنظار، أريد أن أقول إننا نستطيع أن نشرح في الحق كما نشاء، ونستطيع أن نؤجر صفحات إعلانية لكن ذلك كله لن يحقق شيئا، كذلك نستطيع أن نطلب من جهات محترفة أن تسوٌق صورتنا خارجيا، لكننا سنواجه بشروط قد تؤدي الاستجابة إليها إلي تحقيق نتائج غير مضمونة. ولدينا مثال معروف في هذا المجال، فقد حاولت السعودية أن تسوٌق صورة جيدة لها بعد 11 سبتمبر، فكان أن طلب منها أن تتقدم لأمريكا بصورة مختلفة، وهو ما قادنا إلي حكاية المبادرة السعودية التي طرحت لأول مرة فكرة التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الشامل.
    الخلاصة التي أود التركيز عليها هي أنه لا يقنع إلا ما هو مقنع. وما يقنع حقيقة لايخرج عن أمرين: أن نكون أقوياء بما يفرض علي الآخرين أن يحترموا ما نقوم به، وأن يكون خطابك قادرا علي أن يصل وبقوة ذاتية موجودة فيه، علينا أن نفهم حدود الدور المتاح للوبي الإسرائيلي حتي لا نضيع جهدنا في أمور لا تستحق.


    البترول العربي


    أخيرا هناك من يقول إن البترول العربي هو الهدف، وأنا أقول إن البترول العربي داخل في الموضوع، ولكن ليس بالحاجة إليه كسلعة تستخدم كطاقة، البترول مجرد وسيلة ضمن وسائل وهي تسعي للسيطرة عليه كي تتحكم في السوق، ولا تسمح لأحد بالحصول إلا علي ما تريده. هناك أيضا من يقول إن أمريكا تسعي لتغيير نظام، وهذا ايضا غير صحيح. فأمريكا لن تسقط النظام بمثل هذا العنف الذي يستوجب تعاطفا عربيا مع العراق. تغيير النظام كان هدفا في عهد كلينتون، وكان الخنق هو الوسيلة علي أمل إثارة الجيش علي القيادة، أو احداث انقسام داخل النظام أو حتي داخل العائلة الحاكمة.. إذن ماذا تريد أمريكا بالضبط؟!


    الهدف الحقيقي


    باختصار شديد أقول إن هذه المعركة الدائرة لا تستهدف لا العراق ولا الأمة العربية، بالشكل الذي يتحدث عنه البعض. نعم العراق مستهدف والأمة مستهدفة، ولكن ليس في السياق القائم حاليا. إننا موجودون في هذه المعركة من باب المصادفة التاريخية والسياسية والاستراتيجية ليس أكثر، وتوضيحا لذلك أقول إن ما يوشك أن يجري في العراق هو عملية ترويض لوحوش دولية قادمة أو لمنافسين دوليين قادمين ليس بينهم لا العراق ولا الأمة العربية، واستطيع أن أقول إن ما سيجري في العراق يستهدف أساسا الصين وروسيا واليابان وألمانيا ودولا أخري. أما نحن فمجرد ميدان تم اختياره لإطلاق النيران، لأنه أقل تكلفة، وأكثر ملاءمة، وتتوافر فيه أسباب مساعدة، ومن سوء الحظ أن الشعب العراقي سيعاني، وكلنا سوف نعاني، ولكن ذلك لا يتعلق بنا، ولايستهدفنا لكنه يتعلق بالاستراتيجية العالمية. التي نقوم فيها بدور أبناء الفقراء الذين كانوا يتلقون الضرب نيابة عن أبناء الأمراء في المدارس اليابانية في بداية عصر الإصلاح . نحن الآن أمام عمل مخطط ومدروس منذ ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد سبق لي ولآخرين أن نشرنا معلومات ووثائق عن خطط أمريكية كانت ادارة بوش تدرسها بالفعل قبل وقوع تلك الأحداث. وهذا معناه أن يوم 11سبتمبر، ليس فاصلا ولاحاسما علي صعيد السياسة الأمريكية، فما تم تنفيذه بعد ذلك اليوم هو ما كان مطروحا قبله. كما أنني لا أقبل بمقولة إن هناك يوما حاسما بالمعني الحقيقي للكلمة، واليوم الوحيد الذي يمكن أن نطلق عليه مثل هذا الوصف تجاوزا هو يوم 9نوفمبر ..1989 يوم سقوط جدار برلين الذي أعلن بشكل واضح عن انهيار الامبراطورية السوفيتية بسكتة قلبية لم يتوقعها الامريكان أنفسهم. هذا اليوم يرتبط بما نحن فيه الآن. ففي ذلك اليوم انتهت الحرب الباردة، ومعها ظاهرة توازن القوي التي حكمت السياسة الدولية الحديثة علي امتداد مايقترب من قرنين. ومعروف أن توازن القوي كان نتيجة لهزيمة نابليون واتفاق الدول التي انتصرت عليه (النمسا، روسيا، انجلترا) علي ضرورة التصدي لأي محاولة جديدة لتكرار تجربة نابليون التوسعية. وهو الاتفاق الذي بقي حاكما للسياسة الدولية سواء في مرحلة تعدد القوي الدولية التي شهدت حدوث الحربين العالميتين الأولي والثانية، أو في مرحلة الحرب الباردة التي قام فيها توازن بضوابط ومعطيات مختلفة. مع ملاحظة أن البشرية دفعت في المرحلة الثانية تضحيات تفوق ما قدمته في الحربين العالميتين حيث وصل إجمالي ضحاياها 68مليون انسان، مقابل 6ملايين في الحرب الأولي، و38 مليونا في الحرب الثانية. والمثير للانتباه أن زيادة الضحايا تمت دون أن يحدث أي صدام ما بين القوتين العظميين نظرا لأن الحروب وقتها كانت تتم بالوكالة. وما يلفت نظري أننا كنا أقل منطقة في حساب الضحايا، ومع ذلك هناك من يقدم لنا أرقام مبالغا فيها عن ضحايا مصر في الحروب التي خاضتها خلال هذه الفترة. وهنا أود توضيح أن مصر تكلفت في حرب فلسطين الأولي مالايزيد علي أربعة آلاف جندي، وفي حرب السويس 980 شهيدا.
    وفي حرب 1967، وهي الأكثر ضراورة، كان العدد 6700 شهيد ومجموع كل ما استشهد لنا لايزيد علي ما بين 45الي 50 الف شهيد. كل منهم يساوي عندي الدنيا كلها لكنني فقط أود أن تقارن هذه الأرقام بما قدمته شعوب أخري، حتي لايلجأ أحد الي أرقام مبالغ فيها لتبرير انسحابه من التاريخ. أما عن تكاليف الحروب فأقول إنه لايوجد بلد تلقي قدرا من المساعدات _خصوصا بعد 1973_ كما تلقينا نحن، حيث تلقت مصر من الدول العربية مساعدات ومنحا ومعونات تتراوح ما بين 18 و20 بليون دولار. أي أن الحروب كانت سببا لدعم مصر وليس العكس. وبالتالي أنا لا أقبل أن يضخم البعض في أضرار الحروب كي يبرر لنفسه سياسة معينة كان يمكن أن يتبعها بمبررات حقيقية.


    الاستراتيُية الأمريكية


    المهم في هذا السياق أن الحرب الباردة أنتهت فجأة، وكان مطلوبا من مختلف الأطراف، خاصة الولايات المتحدة أن تتعامل مع هذه النهاية بالشكل الملائم: إلا أن الأمر كان يحتاج فترة من الوقت، هي التي نسميها فترة السيولة التي تفصل نظام دوليا منهارا عن آخر في طور التشكل. الوحيد الذي نجح في التعامل مع الأمر بذكاء هو المستشار الألماني السابق هيلموت كول الذي استغل عدم تيقن الأمريكيين من طبيعة التطورات التي تحدث في الكتلة الشرقية وحصل علي دعمهم لتوحيد المانيا. كما نجح في اقناع الروس بالموافقة مقابل تسديد الثمن الذي وصل الي 30بليونا ومع الوقت بدأت الادارة الامريكية تتأكد مما حدث، وراحت تبحث عن استراتيجية جديدة تتعامل بها مع الوضع الجديد. وفي هذا المجال ظهر اتجاهان: الأول يطالب بإستغلال الفرصة، واخضاع العالم للهيمنة الأمريكية في حين رأي الاتجاه الثاني أن يتم ذلك بشكل غير مباشر بحيث تبدو الولايات المتحدة وكأنها ترأس مجلس ادارة العالم، فتسمح للآخرين بإبداء الرأي والمشاركة في صياغة القرارات علي أن تكون صاحبة الصوت المرجح، وهو الرأي الذي تغلب وكان من نتائجه أن أصبحت أمور العالم تدار بعيدا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي تعطل تماما.
    في هذه الفترة، وقد استمر هذا الأمر مع ادارة كلينتون، غير أن غياب العدو خلق فراغا سياسيا ظهرت نتائجه في اتجاه الرئيس الأمريكي الي قضاء أيامه في أعمال لايمكن أن يقوم بها رئيس الدولة العظمي الوحيدة. وهو الأمر الذي ركز عليه الحزب الجمهوري الذي يمثل اليمين السياسي ذا التوجهات المتشددة في المسائل المرتبطة بقوة أمريكا وعلاقتها بالآخرين، وكان من نتائج هذا التركيز أن جاءت ادارة بوش الابن باستراتيُية مختلفة للتعامل مع قضايا العالم. ووفقا للوثائق الأمريكية فإن الرئيس بوش كان قبل أحداث 11سبتمبر يدرس عددا من الاختيارات لتطبيق مثل هذه الاستراتيُية. مع ملاحظة أن التحركات ضد العراق قد تكثفت قبل هذا التاريخ بمدة. بل إن ديك تشيني طلب بشكل واضح من القيادة السعودية أن تغير من أولوياتها فتهبط بالقضية الفلسطينية، وتضع العراق في المقدمة. وقد سبق لي أن كتبت في أول سبتمبر 2001 حول هذا الموضوع، وأشرت الي أن الرئيس الأمريكي قرأ خلال أجازته الصيفية تقريرا مفصلا حول أنسب السبل التي تحفظ للولايات المتحدة وضعها كقوة وحيدة علي قمة النظام العالمي، وكان هذا التقرير يتحدث عن القوي المناوئة، وما يمكن لها أن تفعله في المدي المنظور ولأن أحداث 11سبتمبر قد جاءت بعد أيام من عودة بوش من أجازته، فقد كان طبيعيا أن يكون ما جاء بهذا التقرير هو أول شيء يستحضره ثم أول شيء يسعي لتطبيقه عمليا.


    المصدر : http://www.elosboa.co.uk/elosboa/issues/292/0700.asp
     

مشاركة هذه الصفحة