ونعم الحر إذ فادى حسيناً

الكاتب : الليث الغالب   المشاهدات : 921   الردود : 0    ‏2007-05-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-13
  1. الليث الغالب

    الليث الغالب عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2007-05-09
    المشاركات:
    505
    الإعجاب :
    0
    الحر بن يزيد الرياحي





    الشهيد في سطور


    • أبوه: يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة التميمي اليربوعي الرياحي.

    * من أشراف العرب ووجوهها.

    * من شجعان المسلمين.

    * أرسله ابن زياد لصد الحسين (عليه السلام) عن الكوفة.

    * التقى بالحسين (عليه السلام) بذي حسم.

    * أخذ يساير الحسين (عليه السلام) حتى أنزله كربلاء.

    * التحق بالحسين (عليه السلام) صبيحة يوم عاشوراء.

    * في بعض الكتب: له ولد اسمه (بكير) لحق أيضاً بالحسين (عليه السلام) واستشهد.

    * جاهد بين يديه جهاد الأبطال وقتل جمعاً كثيراً منهم ثم استشهد.

    * مشى لمصرعه الحسين (عليه السلام) وابّنه.

    • قبره: في ضواحي كربلاء ـ منفرداً عن بقية الشهداء ـ عليه بناء رائع وحرم جليل، وقبة عالية، يزدحم لزيارته المسلمون من أنحاء العالم الإسلامي.




    الهداية


    يبدأ قسم من الناس حياته بشكل ويختمها بآخر، فربما كان ضالاً في الأول ويختم له بالهداية، وقد يكون العكس فهو مهتد في البداية وضال في النهاية، وفي التاريخ ألف شاهد على ذلك.

    فجيش الكوفة الذي قاتل الحسين (عليه السلام) كان قسم منه من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، واشترك معه في حروبه، حتى أن شبث بن ربعي ـ قائد الرجالة لابن سعد ـ سمع يقول: لا يعطي الله أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسددهم لرشد، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه الحسن آل أبي سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية، ضلال يا لك من ضلال. (تاريخ الطبري 6/250).

    ولسنا ندري السبب في ذلك هل هو التوفيق الإلهي والعناية الربانية للأولين، والطرد من ساحة الرحمة والقبول للآخرين؟ لموجبات استحقها هؤلاء وهؤلاء هو أعلم بها.

    أو هناك علاقة بطهارة المولد وخبثه؟

    أو ترجع إلى عوامل نفسية وتربوية؟

    وكيف كان فالحر أول خارج على الحسين (عليه السلام) تشمله هذه العناية فيحظى بالسعادة الأبدية التي ليس فوقها سعادة.

    وفي يوم عاشوراء وبعد أن صف كل من الحسين (عليه السلام) وابن سعد جيشه للحرب، وبعد خطب سيد الشهداء وأصحابه أقبل الحر على ابن سعد قائلا: أصلحك الله أمقاتل أنت هذا الرجل؟!

    فقال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الايدي.

    قال: فما لك في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضاً؟

    فقال: أما والله لو كان الأمر لي لفعلت ولكن أميرك قد أبى.

    فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفاً، ومعه قرة بن قيس الرياحي، فقال: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟

    قال: لا.

    قال: أما تريد أن تسقيه؟

    قال: فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع فخاف أن أرفعه عليه. فقلت: أنا منطلق فساقيه.

    قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه، فوالله لو أطلعني على الذي يريد لخرجت معه.

    فأخذ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً.

    فقال له المهاجر بن أوس الرياحي: ما تريد يا بن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟

    فسكت، وأخذه مثل العرواء (الرعدة من البرد والانتفاض).

    فقال له يا بن يزيد: إن أمرك لمريب، وما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة رجلاً ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟!!!

    قال: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت.

    ثم ضرب فرسه ولحق بالحسين (عليه السلام).

    فلما دنا منهم قلب ترسه.

    فقالوا: مستأمن.

    وذكر السيد ابن طاووس : ثم ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين (عليه السلام) ويده على رأسه وهو يقول: اللهم إليك تبت فتب عليّ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيك. (اللهوف: 43).

    سلّم على الحسين وقال: جعلني الله فداك يا بن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي: لا أبالي أن أصانع القوم في بعض أمرهم ولا يظنون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم. ووالله إني لو ظننتم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وإني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى لي توبة؟

    قال: نعم، يتوب الله عليك، ويغفر لك، فانزل.

    قال: أنا لك فارساً خير مني راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول يصير آخر أمري.

    قال: فاصنع ما بدا لك.




    خطبته


    كان من خطة سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم عاشوراء التوجيه والإرشاد، فكان (عليه السلام) يخطب فيهم واعظاً وناصحاً ومرشداً.

    وربما كان يستعطف القوم ويحرك القلوب، فهو يسألهم عما عليه من الملابس والسلاح وأنها ملابس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلاحه. وعمل أكثر من هذا حمل إليهم طفله الرضيع يطلب له منهم شربة من الماء، ونجحت المحاولة، وأحدث (عليه السلام) الضجة في عسكر ابن سعد، ولكن مبادرة حرملة بن كاهل لقتل الرضيع أفشل المحاولة.

    وسلك أصحاب الحسين (عليه السلام) نفس الخطة في التوجيه والإرشاد، فقد خطبوا ووعظوا ونصحوا

    وأول عمل قام به الحر عندما انحاز إلى معسكر الحسين (عليه السلام) هو خطبته في أهل الكوفة قائلاً: يا أهل الكوفة لأمّكم الهبل والعبر، إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه. أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، واحتطم به من كل جانب، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع ضراً وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه.

    فحملت عليه رجالة ترميه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين. (تاريخ الطبري: 6: 245).




    شهادته


    يظهر للباحث أن مجيء الحر إلى معسكر الحسين (عليه السلام) كان قبل بدء الحرب، وإن كان السيد ابن طاووس (رحمه الله) يرى أن رجوعه كان أثناء الحرب، وبعد مقتل جماعة من أصحاب الحسين (عليه السلام) ولكن سياق الحوادث لا يساعد على ذلك.

    فبعد الحملة الأولى ومقتل أكثر أصحاب الحسين (عليه السلام) خرج الحر إلى الحرب وخلفه زهير بن القين يحمي ظهره. فقاتل هو وزهير قتالاً شديداً، فكان إذا شد أحدهما فإن استلحم شد الآخر حتى يخلصه ففعلا ذلك ساعة. (تاريخ الطبري: 6: 252).

    والحر يرتجز:

    أضرب في أعراضكم بالسيف

    إني أنا الحر ومأوى الضيف


    عن خير من حل بأرض الخيف


    وروى أبو مخنف: أن يزيد بن سفيان الثغري من بني الحرث بن تميم كان قال: أما والله لو رأيت الحر حين خرج لأتبعته السنان، قال: فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون، والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثل بقول عنترة:

    ما زلت أرميهم بثغرة نحره***ولبانه حتى تسربل بالدم

    وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه وإن دماءه لتسيل فقال الحصين بن نمير التميمي ليزيد بن سفيان: هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله. قال: نعم، وخرج إليه فقال له: هل لك يا حر في المبارزة؟

    قال: نعم قد شئت، فبرز له.

    قال الحصين: وكنت أنظر إليه فوالله لكأن نفسه كانت في يد الحر، خرج إليه فما لبث أن قتله.

    وروى أبو مخنف عن أيوب بن مشرح الخيواني أنه كان يقول: جال الحر على فرسه فرميته بسهم فحشاته فرسه، فما لبث أن رعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحر كأنه ليث، والسيف في يده وهو يقول:

    أشجع من ذي لبد هزبر

    أن تعقروا بي فأنا ابن الحر


    فما رأيت أحداً يفري فريه، فأخذ يقاتل راجلاً وهو يقول:

    ولـــــن أصــــــاب اليوم إلا مقبلا

    لا نــــــــاكلاً فيــــــهم ولا مــهللا
    آليت لا أقتل حــــتى أقــــــــتلا

    أضربهم بالسف ضرباً مفصلا





    قال الشيخ كاشف الغطاء :

    وبقي الحر يدير رحى الحرب وحده، ويحصد الرؤوس، ويخمد النفوس، حتى قتل في حملته الأخيرة ثمانين فارساً من أبطالهم، فضج العسكر، وصعب عليهم أمره، فنادى ابن سعد بالرماة والنبالة فأحدقوا به من كل جانب حتى صار درعه كالقنفذ، هنالك اتقدت نار الغيرة في كانون فؤاده، ووقف وقفة المستميت فنزل عن فرسه وعقرها لأنها لم تستطع الاقتحام من كثرة السهام، وأخذ يكر عليهم راجلاً إلى أن سقط على الأرض وبه رمق، فكر عليه أصحاب الحسين (عليه السلام)، واحتملوه حتى ألقوه بين يدي الحسين (عليه السلام)، فجعل الحسين يمسح الدم والتراب عن وجهه ويقول: ما أخطأت أمك إذ سمتك حرا، أنت الحر في الدنيا والحر في الآخرة؛ ثم استعبر (عليه السلام). (مقتل الحسين ص40).




    تثمين


    كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يثمن إيمان وأعمال وبطولات أصحابه اعترافاً بفضلهم، وتشجيعاً للآخرين للحوق بهم، حتى عقد أصحاب الحديث أبواباً في كتبهم للأحاديث الواردة في الفضائل، فتجد مثلاً في كل كتاب حديث (باب فضائل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه)، (باب فضائل سلمان الفارسي رضي الله عنه) وهكذا.

    وعلى هذا النهج سائر أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) في تثمين أعمال ومواقف بعض أصحابهم، فترى كتب الرجال مشحونة بذلك، وعلى هذه الأحاديث اعتمد علماء الرجال في تزكية الأصحاب.

    ولسيد الشهداء (عليه السلام) تثمين عام لأصحابه إذ يقول في خطبته ليلة عاشوراء: (فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي). (تاريخ الطبري: 6/238).

    وله (عليه السلام) تثمين خاص لبعضهم فهو يقول، وقد وقف على مصرع زهير بن القين: (لا يبعدنك الله يا زهير ولعن قاتليك *** الذين مسخوا قردة وخنازير). (مقتل الحسين للمقرم: 206).

    وروى الشيخ الصدوق مصرع الحر (رضوان الله عليه) وقال: فأتاه الحسين (عليه السلام) ودمه يشخب فقال: بخ بخ يا حر، أنت حر كما سميت في الدنيا والآخرة، ثم أنشأ الحسين (عليه السلام) يقول:

    صبور عند مختلف الرماح

    فجـــاد بنفسه عند الصباح

    لنعم الحر حر بنــــي رياح

    ونعم الحر إذ فادى حسيناً







    قالوا في الحر



    1ـ قال له المهاجر بن أوس: (لو قيل لي من أشجع الكوفة ما عدوتك). (بحار الأنوار ج10 ص194).


    2ـ قال سبط ابن الجوزي: (وكان الحر بن يزيد اليربوعي من سادتهم ـ يريد أهل الكوفة). (تذكرة الخواص: 251).


    3ـ قال السيد نعمة الله الجزائري: (إن كل خبر وأثر تضمن خروجه على الحسين (عليه السلام)، ومنعه له عن الرجوع، تضمن توبته، وقبول الحسين (عليه السلام) لها، وأنه (عليه السلام) رثاه بأبيات من الشعر، في كتب الأحاديث والسير والتواريخ مسطورة، وقد ترحم عليه بعد قتله، وهذا متواتر، نقله الخلف عن السلف في كل عصر، بحيث لا يمكن إنكاره). (الأنوار النعمانية 1/261).
     

مشاركة هذه الصفحة