رعي الإبل خير من رعي الخنازير ...!!!!

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 403   الردود : 0    ‏2002-10-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-04
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35


    ربما احتاج قادة الدول العربية والإسلامية هذا الوقت بالذات أن يستحضروا صورة من التاريخ تعنيهم أكثر مما تعني شعوبهم المقهورة التي ليس لها من الأمر من شيء .. وهذه الصورة هي صورة الأندلس السليبة, وقبل سقوطها بأربعة قرون حين كان لسقوط طليطلة في مستهل صفر سنة 478 هـ في أيدي القشتاليين النصارى دوي هائل في الأندلس والعالم الإسلامي، وعد سقوطها واحدة من المآسي الكبرى في تاريخ المسلمين؛ لأن سقوطها لم يكن عن عجز في المقاومة أو ضعف في الدفاع، أو قلة في العتاد، وإنما سقطت لسقوط قيم النجدة والإغاثة، وتردي شيم المروءة والأخوة، فتركها جيرانها من ملوك الطوائف تسقط، وتخرج من قبضة الإسلام إلى الأبد، دون أن يتقدم أحد لنجدتها باستثناء صاحب بطليوس، وتركت المدينة المنكوبة لمصيرها المحتوم. وقد أريقت فيها دماء ندية عطرة كثيرة بلا جريرة [ تماما مثلما يتوقع جميع المسلمين اليوم أن تراق دماء إخوانهم ليس في أطراف بلاد الإسلام ؛ وإنما في حاضرة عراق الحضارة ]. وقد شجعت مواقف ملوك الطوائف المخزية أن يتحرك الفونسو السادس ملك قشتالة في محاولة منه لالتهام حواضر الإسلام الأخرى، فتوالت غزواته، وراح يهدد سرقطة وإشبيلية وبطليوس وغيرها من قواعد الأندلس، كان ذلك نذيرًا.. فتحرك ما بقي من ضمائرهم، وتفتحت أعينهم على حقيقة جلية، وهي أن ما أصاب طليطلة سيصيبهم، ولن تنفعهم معاهدات عقدوها مع ملك قشتالة، وأن مصيرهم إلى السقوط والهلاك ما لم يتداركوا مواقفهم، وتتحد كلمتهم وتجتمع على كلمة سواء. [ لكنهم اليوم خانتهم فطنة اليوم , فلا هم أحسوا ببشاعة ما ينتظرهم, ولا هم عاذوا حتى بجامعتهم العرجاء, وكأن الأمر أقل من أن تلتئم له اجتماعاتها ] .

    وأدرك المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية خطورة الموقف، وهو أشد ملوك الطوائف مسئولية عما حدث؛ لأنه كان بإمكانه نجدة طليطلة، ومد يد العون إليها، لكن غلت يديه معاهدة مخزية عقدها مع القشتاليين بمقتضاها يتعهد ملك قشتالة بمعاونة المعتمد ضد جيرانه من الأمراء المسلمين، وفي المقابل يتعهد المعتمد بأن يؤدي الجزية لملك قشتالة، وأن يطلق يده في أعماله العسكرية ضد طليطلة، دون أن يتدخل لوقف أعماله، وبعد سقوط طليطلة، بدأ الفونسو ملك قشتالة يشتد في مطالبه المالية ويرهقه بالمزيد منها، بل إنه كاتبه يطالبه بتسليم بلاده، وينذره بسوء المصير، وبدأ بالفعل في اجتياح بلاده وتخريب مدنها وقراها. [وما أشبه الليلة بالبارحة فكم من معاهدة منحت روما الجديدة أكتافنا, وكم من مواثيق زرعتهم بين ظهرانينا].

    أجمع ملوك الطوائف على ضرورة الاستغاثة بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين المغربية وكانت دولة قوية بسطت نفوذها بالمغرب، وكان قد ذاع صيته، واشتهر أمر فتوحه في المغرب، وحبه للجهاد، وإقامته حكومة تقوم على العدل والقسطاس.

    وبدأ ملوك الطوائف يكاتبون الأمير يوسف ويرسلون إليه الرسل، يستنصرون به على محاربة النصارى الذين اشتد سلطانهم، وتفتحت شهيتهم لالتهام الأندلس، ويصفون له حالهم وما ينتظرهم من خطر السقوط والفناء؛ إذ لم يبادر هو بإغاثتها ونصرها.

    ولم تكن فكرة الاستنصار بالمرابطين تلقى إجماعًا بقبولها من قبل ملوك الطوائف، فقد كان هناك من يخشى مغبة هذه السياسة ويعارض قيامها، مخافة أن يطمع المرابطون في بلادهم فيلحقوها بدولتهم الفتية، غير أن المعتمد بن عباد حسم الموقف، وأخمد الفتنة، بمقولته المأثورة: 'رعي الإبل خير من رعي الخنازير' يقصد بذلك أنه يفضل أن يكون أسيرًا لدى أمير المرابطين يرعى له جماله من أن يكون أسيرًا لدى ملك قشتالة.
    [ويا ليت شعري كم من مستمرئ لرعي الخنازير من حكامنا, وكم من مضيع لحرمات الأمة الإسلامية في وقت هي أكثر ما تكون استشرافا لمن يأخذ بأيديها لطريق غير طريق الاستعباد الذي تسير فيه الآن] .

    واستجاب يوسف بن تاشفين لدعوة ملوك الطوائف، وأعد جيشًا عظيمًا، عبر به البحر المتوسط إلى الأندلس، فاستقبله أمراؤها، وسار بجيشه إلى إشبيلية حيث وافته جيوش الأندلس، وفي أثناء ذلك الوقت كان [الفونسو] ملك قشتالة مشغولاً بمحاربة ابن هود أمير سرقطة، فلما علم بخبر عبور المرابطين ترك محاربة ابن هود، وجمع جندًا من سائر الممالك النصرانية للقاء الجيوش الإسلامية، فالتقي الفريقان في سهل الزلاقة بالقرب من بطليوس، في معركة هائلة في [12 من رجب 479 هـ: 23 من أكتوبر 1086م]، ثبت فيها المسلمون وأبلوا بلاءً حسنًا حتى أكرمهم الله بالنصر، وقتل معظم جيش القشتاليين، ومن نجا منهم وقع أسيرًا، وفر ملكهم بصعوبة في بضع مئات من جنده جريحًا ذليلاً، وعاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب متوجًا بتاج النصر والفخار، وملقبًا بأمير المسلمين .
    كان هذا النصر عزيزًا، أعاد الثقة في نفوس الأندلسيين، واهتزت له مشاعر المسلمين فرحًا، ورد خطر القشتاليين عن الأندلس إلى حين بعد أن كانت على موعد مع الغثاء والهلاك، وكتبت لها حياة جديدة، امتدت إلى أربعة قرون أخرى. لكننا للأسف لا نطمع في معشاره ما دمنا لم نفطن لما فطن إليه المعتمد؛ لأن معظم القوم الآن ممن لا يحسنون رعي الإبل؛ وليسوا كذلك ممن يجيد رعي الخنازير, لا لشيء إلا لأنهم .. ببساطة.. هم الخنازير !!

     

مشاركة هذه الصفحة