العــــقـــل أســــاس ثـــبـــوت النــــقــــل

الكاتب : ذو الثدية   المشاهدات : 2,116   الردود : 22    ‏2007-05-06
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-06
  1. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0
    العقل اساس ثبوت النقل​


    لقد خلق اللـه تبارك وتعالى العقل في الإنسان، وميّزه به عن سائر المخلوقات، وجعل المحافظة عليه مقصداً من مقاصد التشريع، وجعلـه مناطاً للتكليف. وقد بلغ العقل من الأهمية مكاناً. فذكره القرآن الكريم أحدى وخمسين مرة بمشتقاته المتعددة من الفعل عقل، وست عشرة مرة بلفظ الألباب، عدا عن المشتقات والصيغ الأخرى المرتبطة به، مثل التفكر والتأمل والتدبر والفقه وغيرها. وقد كان العقل دائماً وأبداً موطن التأمل والتفكر والاستدلال، سواء على وجود الخالق أو غير ذلك من أصول الدين والإيمان، فقد كان الدليل على وجود الخالق ووحدانيته دائماً عقلياً. كما يتضح من خلال القرآن المكي، وإن إنكار العقل وأهميته سيدور بالضرورة على الإيمان إنكاراً ونفياً "لأن العقل أصل النقل، فلو قدّمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النّقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه،" وقد عدّ الإمام الغزالي العقل "الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل، وشاهد الشرع المزكى المعدل."
    ولسنا هنا بصدد مناقشة جدلية العلاقة بين العقل والنقل بالتفصيل، فليس هذا مكانها، وقد عالج هذه القضية عدد من الباحثين في غير موضع. فنحن نميل إلى القول بأن افتراض حالة الصراع بينهما خلل منهجي، وأن العلاقة بينهما قائمة على التعاضد لا التعارض، فالعقل يحتاج إلى النقل ليوجهه ويرشده ويزوده بمعارف الغيب. والنقل يحتاج إلى العقل ليثبته ويفهمه ويفسره. ونحن في هذا المقام بصدد بيان دور العقل في إثبات السنّة سنداً ومتناً، حتى يتبين لنا أن دور العقل في السنة ليس هامشياً، ولا مرفوضاً، ولا يعد توظيفه تهمة، بل هو الأصل والأساس.
    فنحن إذا تأملنا قواعد علم الحديث ابتداءً. نجد أنها جميعاً قواعد عقلية، صاغتها عقول العلماء، وتوافقت عليها عقول معظمهم فاتفقوا في بعضها وتباينوا واختلفوا في البعض الآخر. وإذا أردنا أن نتساءل بوضوح نقول: أليس القول بأن المتواتر "ما رواه جمع كثير يؤمن تواطؤهم على الكذب عن مثلـهم إلى انتهاء السند، وكان مستندهم الحسن.." هو قاعدة عقلية لا يختلف عليها اثنان. وكذا مفهوم الحديث الصحيح والحسن وغير ذلك من مفاهيم وقواعد علوم الحديث، التي هي أساس إثبات الروايات والتمييز بينها، صحيحة كانت أم حسنة أم ضعيفة.
    ويرتبط بإدراك هذه الحقيقة السؤال عن طبيعة أقوال علماء الجرح والتعديل في الرواة، والقواعد المعتمد في اعتبار أقوالـهم والتمييز والترجيح بينها. أليست كلـها عقلية قائمة على النقد والترجيح؟ وينبني على هذا، السؤال حول طبيعة اجتهاد الباحثين في أقوال العلماء تلك، وحكمهم على الأسانيد في الروايات، أليس ما يقومون به جهد عقلي؟ ومثلـه يمكن أن نتساءل عن كيفية إدراك الشذوذ في الحديث، وتبين حالة التعارض بين الروايات أليس ذلك محض جهد عقلي؟ وقل مثل ذلك في إدراك العلل.
    فواعجباً من قوم يثبتون الأحاديث من خلال أسانيدها بعقولـهم واجتهادهم، ويرفضون نظر العقول في المتون. تارة بحجة أن العقل البشري قاصر، وأخرى بأنه متفاوت. ويغيب عن بالهم أن ذات الشيء يمكن أن يقال في الجهود العقلية التي ثبت الإسناد من خلالها. ولو أردنا أن نستسلم لذلك فنعطل العقول لتفاوتها وتباينها، لكان الأجدر بأن لا نثبت من خلالـها القرآن ومتواتر السنة، ولكان الأولى منعها من التأمل في كتاب اللـه واستنباط الأحكام، فمتى كان تعدد الأفهام والاجتهاد وتباينها عيباً وذريعة لتعطيل العقول عن ممارسة دورها وأدائها. ولا يغيب عن بالنا أن الصحابة رضوان اللـه عليهم أعملوا عقولـهم في بعض الروايات ونقدوها نقداً عقلياً محضاً. كما فعل ابن عباس في حديث الوضوء مما مست النار، حيث قال معترضاً على أبي هريرة. يا أبا هريرة: أنتوضأ من الدّهن؟ أنتوضأ من الحميم.؟ وكما فعل هو وعائشة في حديث: "الوضوء من حمل الجنازة، حيث قالا: "لا يلزمنا الوضوء من عيدان يابسة،" وفي حديث: "غسل النّائم يده قبل إدخالها الإناء، قالت عائشة: يا أبا هريرة فما نصنع بالمهراس (حجر ينقر ويتوضأ منه). فحرص الصحابة على السنّة هو الذي دفعهم لإعمال عقولهم في هذه الروايات، ولم يعطلوا عقولهم أمام صحة سند هذه الروايات التي رواها صحابة مثلهم.
    كما أن العلماء أشاروا إلى أن ما عارض المعقول من المتون يرد. ولا أظن أن كلامهم هنا ينصرف إلى الـهوى. وإنما للحديث الذي خالف المعقول مخالفة صريحة لم تتمكن العقول من تأويلـه تأويلاً مقبولاً، ولا من فهمه فهماً محتملاً. قال ابن الجوزي: "ألا ترى أنه لو اجتمع خلق من الثقات، فأخبروا أن الجمل قد دخل في سم الخياط، لما نفعتنا ثقتهم ولا أثَّرت في خبرهم لأنهم أخبروا بمستحيل، فكل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع قلا تتكلف اعتباره."
    فالكلام عند الحديث عن دور العقل في نقد المتن، لا يقصد به رد ما احتمل قبولاً على أساس مستساغ من التأويل والتوفيق، دون تكلف أو تحميل للنصوص ما لا تحتمل. ولا يقصد منه التسرع والـهوى في القبول والرد. ولا رد أخبار الغيب التي لا مجال للعقل فيها إلا في ضوء النظر في النصوص مجتمعة مع بعضها ومحاكمة بعضها إلى بعض. وإنما يقصد بذلك ما توافقت أكثر العقول السليمة على رده، في ضوء النظر في غيره من النصوص والحقائق والوقائع والمشاهدات. بمعنى أنه رد عقلي يستند إلى شواهد. واختلاف العقول في إثبات متن أو رده، لا يختلف عن الاختلاف في توثيق راو أو تضعيفه وترجيح هذا أو ذاك، وذلك كلـه استناداً إلى العقل. (وأكثر الرواة داخل في دائرة المختلف فيهم تعديلاً أو تجريحاً).
    قال الرازي: "إن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يَصْدُق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال. وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال، وإما أن يُصَدِّق الظواهر النقلية ويُكَذِّبَ الظواهر العقلية، وذلك باطل، لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته... ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم نثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النّقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً وأنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يُقْطَع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة، بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال أنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.".​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-05-07
  3. thoyezen

    thoyezen قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2006-05-06
    المشاركات:
    26,715
    الإعجاب :
    1
    جزاك الله خيرا يا ذو الثديه


    والله في الصميم ماكتبت


    والى الذين ينادون تغييب العقل والمنطق

    نقول لهم الله ماشفناه وبالعقل عرفناه


    تحياتي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-05-07
  5. بكيل نديش

    بكيل نديش عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2007-03-06
    المشاركات:
    1,574
    الإعجاب :
    0
    العقل لا يمكن أن يتناقض مع النقل

    ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب في ذلك "درؤ تعارض العقل مع النقل "

    لكن في نفس الوقت ، فقد يعجز العقل عن تفسير ظواهر آمن بها العقل من قبل ..

    فمثلاً إيماننا بالله ورسوله بالعقل والنقل ، وبما إننا صدقنا بأن الوحي ينزل من السماء -عقلاً ونقلاً-

    فوجب على النقل أن يسلم ما وراء ذلك من المعجزات والغيبيات ، فمثلاً الجنة ووصفها

    الذي يعجز العقل عن تفسير فليس لإن النقل عارض العقل ، لكن لإن العقل عجز عن تفسير كثير

    من الظواهر الطبيعية فضلاً عن الأمور الغيبية .

    فأنّ نفسر كل قضية ونقول ما وافق العقل قبلناه وما خالف العقل رفضناه فهذا وربي من الشطط

    والزيغ ، فعقلنا قاصر عن تفسير مئات الالآف من الظواهر !! ...ولإننا آمنا بالله ورسوله وبما يقول

    بالعقل والنقل ، وجب علينا أن نؤمن بكل ما يقول .

    قال تعالى " الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وهم بالآخرة هم ينفقون
    "
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-05-08
  7. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0
    أشكر مرورك العطر ، وتعليقك الكريم .​
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-05-08
  9. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0
    أشكرك على المرور ، وخلاصة كلامك قد نبهت عليه في مطلع ماكتبت :​


    وأتمنى أن تعيد قراءة الموضوع، وأن تلاحظ العنوان جيداً(العقل اساس ثبوت النقل)​
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-05-09
  11. أبو منار ضياء

    أبو منار ضياء عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-10-20
    المشاركات:
    745
    الإعجاب :
    0
    [
    فنحن إذا تأملنا قواعد علم الحديث ابتداءً. نجد أنها جميعاً قواعد عقلية، صاغتها عقول العلماء، وتوافقت عليها عقول معظمهم فاتفقوا في بعضها وتباينوا واختلفوا في البعض الآخر. وإذا أردنا أن نتساءل بوضوح نقول: أليس القول بأن المتواتر "ما رواه جمع كثير يؤمن تواطؤهم على الكذب عن مثلـهم إلى انتهاء السند، وكان مستندهم الحسن.." هو قاعدة عقلية لا يختلف عليها اثنان. وكذا مفهوم الحديث الصحيح والحسن وغير ذلك من مفاهيم وقواعد علوم الحديث، التي هي أساس إثبات الروايات والتمييز بينها، صحيحة كانت أم حسنة أم ضعيفة.

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبعد
    كلام في حيز الضبابية نحتاج إلى سعة صدر الكاتب

    علم الحديث قواعد عقلية ، من أي القواعد العقلية من الحجج العقلية التي يمكن القول بها في الحقائق العلمية المعتبرة ، أو قواعد عقلية من حيث هي هي أي صرفة الخاطرة العقلية التي بني عليها الحكم أو القاعدة " بالتعبير البلدي " عقل الجزافية " في صرة الأهواء

    على العموم مررت على الموضوع مرورا سريعا ، ولي عودة لأن الكلام من جهة الإنصاف متماسك
    التأصيل والتقعيد

    وأخشى أن يكون به دخن" هيلا هبا " للعلمانيين والعقلانيين

    ودمتم سالمين
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-05-09
  13. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده و رسوله.
    أما بعد؛ فإنه من غير الخفي على المختصين في علم الحديث من المعاصرين أن موضوع "نقد المتن الحديثي" قد لقي في عصرنا اهتماماً بالغاً؛ لكثرة الكلام حوله من قبل المستشرقين وغيرهم، مما أدى ببعض الباحثين أن يخصوه ببحوث مستقلة، ولكن لم يزل هذا الموضوع في حاجة للكثير من البحوث المعمقة.
    وتتجلى أهمية هذا البحث في إبراز جهود علماء الجرح والتعديل في نقد المتن باعتباره ركيزة من أهم ركائزهم في نقد الرواة والحكم عليهم. وقد أغفل بعض الباحثين ممن كتبوا في موضوع نقد المتن الحديثي هذه الجهود، بل صرح بعضهم بأن كتب الرجال والعلل لا يوجد فيها نقد للمتن، مما يجعل الكتابة في هذا الموضوع ذات أهمية لبيان عدم سلامة هذه النتيجة. ولعلّ بيان عناية علماء الجرح والتعديل بالمتن الحديثي، ومعرفة الأسباب الموجبة لنقده عندهم، وحدوده، أن تكون من الأمور المساعدة على تهيئة المناخ العلمي لاستثمار تلك المعايير والطرق والوسائل في الجهود النقدية لعلماء الحديث المعاصرين الساعين لتنقية المصادر الحديثية.
    وينحصر البحث في بيان علاقة نقد المتن بالحكم على رواة الحديث، وهذا يعني أن البحث لا يشمل كل نقد للمتن سواء أكان قائله من الفقهاء أم من المحدثين، من القدماء أم من المتأخرين، بل هو محصور بأئمة الجرح والتعديل المتقدمين من أمثال: شعبة بن الحجاج، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، والإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني.
    كما أن مصادر البحث الأساس التي ستستمد منها النصوص التطبيقية ستكون محصورة في كتب الرجال، وكتب العلل نظراً لكونها تمثل الجانب العملي التفصيلي لنقد مرويات الرواة.
    ويهدف البحث إلى إبراز عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن، وبيان أنه ركن أساسي من أركان العملية النقدية في الحكم على رواة الحديث عندهم، والتأكيد على الحقيقة العلمية القائلة: إن هناك تلازماً عضوياً بين نقد السند ونقد المتن. كما يهدف إلى تسليط الضوء على جملة من النصوص التطبيقية التي لم تتعرض لها الدراسات السابقة، والكشف عن التنوع الاجتهادي في التعامل مع نقد المتن عند علماء الجرح والتعديل، وبيان الأسباب الموجبة لنقد المتون عند علماء الجرح والتعديل وأثر ذلك في الحكم على رواة الحديث. وسوف يتطرق البحث إلى بيان حدود نقد المتن عند علماء الجرح والتعديل موازنة ذلك بما عند غيرهم من مخالفيهم، بالإضافة إلى بيان مسوغات هذه الحدود.
    وقد جرت صياغة هذه الأهداف في صورة أسئلة محددة هي: ما الأسباب الموجبة لنقد المتن عند علماء الجرح والتعديل؟ وما أثر تلك الأسباب في حكمهم على الرواة؟ وما هي حدود نقد المتن عند علماء الجرح والتعديل؟ وتحديداً ما هو نقد المتن غير المقبول عندهم؟ وما مسوغات الحدود المذكورة وجوداً وعدماً؟ وعليه فقد تم تقسيم البحث إلى ثلاثة أقسام؛ حاول كل قسم منها الإجابة عن واحد من هذه الأسئلة بالتتالي.
    وختاماً لا بد من إيضاح أن طبيعة البحوث المنشورة في المجلات العلمية المحكمة تقتضي التركيز و الاختصار، وهذا ما راعيته هنا مع علمي بأن المادة العلمية المتاحة في هذا البحث غزيرة جداً، أقول هذا معتذراً عن عدم الإكثار من إيراد الشواهد والأمثلة التطبيقية في كل مبحث بما يتناسب مع المتوفر لدي من نصوص كثيرة، وأملي أن أتوسع في معالجة هذا الموضوع بصورة أشمل وأكثر بسطاً في المستقبل إن شاء الله تعالى. واللهَ أسأل التوفيق والسداد على بلوغ المراد.



    أولاً: لمحة حول عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن في حكمهم على رواة الحديث.

    تناول موضوع نقد المتن الحديثي جملة من الباحثين المـحْدَثين، منهم مسفر بن غرم الله الدميني، وصلاح الدين بن أحمد الإدلبي، ومحمد طاهر الجوابي. ولكن المدقق يلحظ أن هذه الدراسات مع أهميتها وسدها لكثير من وجوه النقص، إلا أنها لم تخل من بعض أوجه القصور، وخاصة من حيث عدم الشمولية، وتغليب البعض منها جانب نقد المتن عند المدارس الفقهية على نقد المحدثين، كما ظهر في بعضها التكرار لما في كتب المصطلح من دون إضافات حقيقية،كما أن من أوجه القصور التي لاحظتها أن الأستاذين: الجوابي، والدميني أغفلا بيان جهود علماء الجرح والتعديل في نقد المتون، ويتجلى هذا بصورة واضحة في قول الدكتور الدميني: (لكن من يطالع كتب العلل والرجال لا يجد فيها نقداً لمتون الأحاديث).
    والحق أن هذا الحكم من باحث متخصص كالدميني غير مقبول؛ لأن الشواهد والأدلة من كتب الجرح والتعديل تدحضه كما سيأتي إيضاحه في بحثنا هذا إن شاء الله تعالى، ومما يؤكد الحاجة لتجلية هذا الأمر أيضاً أني سألت الدكتور الجوابي شخصياً عن سبب خلو كتابه من نصوص الإمام البخاري في نقد المتن المذكورة في تاريخيه الكبير والصغير، فأجابني بما معناه: أنه لم يقف عليها.
    ويحمد للدكتور الأدلبي أنه أفرد مبحثاً خاصاً لهذا الموضوع بعنوان: "اعتماد نقد المتن في دراسة الرجال." إلا أنه أغفل ذكر كثير من النصوص المهمة في هذا الأمر، كما أنه لم يتطرق للأسئلة المذكورة في بحثنا فضلاً عن محاولة الإجابة عنها، مما يجعل تناول الموضوع -في نظرنا- لا يزال ملحاً للغاية.
    إن عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن تتجلى من حيث الإجمال في النصوص العامة التي يشير فيها بعض كبار أئمة النقد الحديثي ضرورة النظر في متون الروايات، ويجعلون ذلك من أركان العملية النقدية وأسسها في علم الجرح والتعديل.
    ومن ذلك مثلاً قول الإمام مسلم بن الحجاج في تعريفه للحديث المنكر: "وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا؛ خالفت روايته روايتهم، أولم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبولة ولا مستعمله فمن هذا الضرب من المحدثين عبد الله بن محرر ويحيى بن أبي أنيسة... ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث...؛ لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه قبلت زيادته.
    فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة -وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره- فيروى عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم."
    وهذا النص وإن لم يرد فيه ذكر المتن صراحة إلا إنه يندرج فيه ضرورة، فقد قال الإمام مسلم في مقدمة كتابه: "التمييز" وهو مع قصره من أكثر كتب علل الأحاديث المتداولة اليوم عناية بعلل المتون: "فاعلم أرشدك الله أن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين: أحدهما: أن ينقل الناقل خبراً بإسناد، فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم... وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد، فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفَهِم حين يرد على سمعه.
    والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري، أو غيره من الأئمة بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث به الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً.
    على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم."
    إن القراءة المتأنية المصحوبة بدقة التأمل في هذين النصين المذكورين عن الإمام مسلم؛ تعطينا دلالة جلية على أن نقد المتون كان ركيزة أساسية في العملية النقدية عند أئمة الجرح والتعديل،كما أشار إلى ذلك مسلم نفسه حين نص على أسماء بعضهم في آخر كلامه الآنف، ويؤكد هذا بصورة قاطعة أن مسلماً -رحمه الله- لما ذكر حديثاً أخطأ فيه أحد الرواة في متنه بعد أن بين الأخبار الصحيحة التي تدفعه وتعارضه قال: "بمثل هذه الرواية وأشباهها، ترك أهل الحديث حديث يحيى بن عبيد الله."
    فذكر السبب في ترك أهل الحديث الراوية عن هذا الراوي؛ لأنه خالف في متن هذه الرواية وأشباهها، ونسب ذلك لعلماء الجرح والتعديل، مقرراً أن هذا من موجبات ضعفه عندهم.
    ومن النصوص العامة المهمة التي تدل على عناية أئمة الجرح والتعديل بنقد المتون في العملية النقدية، ما ذكره ابن أبي حاتم في آخر تقدمته لكتابه الموسوعي في نقد الرواة "الجرح والتعديل" حيث قال: "تُعرفُ جودةُ الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلَّف عنه في الحُمرة والصفاء؛ عُلِم أنه مغشوش، ويُعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره فإن خالفه في الماء والصلابة عُلِم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته."
    فهذا الإمام يقرر هنا معايير صحة الحديث عند علماء الحديث في كتاب خصصه لأقوال علماء الجرح والتعديل في نقلة الأخبار ورواتها، وهو هنا يجعل النظر النقدي في المتن ركيزة أساسية في الحكم على الحديث، ولا ينقل هذا على أنه اختياره أو رأيه الخاص، بل إنه ساق هذا الكلام بعد قصة حدثت لوالده مع أحد الفقهاء من أهل الرأي حين استنكر عليه وعلى أهل الحديث أقوالهم وأحكامهم على الرواة والأحاديث، فذكر أبو حاتم الرازي لذلك الفقيه أن أقواله ليست من منطلق ذاتي بل هي معتمدة على معايير موضوعية، ثم أخبره بأن مصداق ذلك أن يسأله عن أحاديث ويقيد كلامه، ثم يذهب بتلك الأحاديث نفسها لأحد علماء الحديث الذين يحسنون علم العلل والجرح والتعديل، ويعرضها عليه، فإن تطابق حكمهما، فعليه أن يعلم حينها أن هذا العلم له معايير موضوعية، وإن اختلفت الأحكام فحينها يحق له أن يقول: إن أحكامكم يا أهل الحديث مبنية على معايير ذاتية، وكانت النتيجة أن تطابق حكم أبي حاتم مع حكم العالم الآخر.
    ومن النصوص العامة الدالة على عناية أئمة الجرح والتعديل بنقد المتن، ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في آخر "شرحه لعلل الترمذي" تحت عنوان: "قواعد في العلل"، فقد قال: "ولنختم هذا الكتاب بكلمات مختصرات من كلام الأئمة النقاد الحفاظ الأثبات وهي في هذا العلم كالقواعد الكليات يدخل تحتها كثير من الجزئيات...
    قاعدة: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يـكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده، ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، وقد اختصر شريك حديث رافع بن خديج في المزارعة فأتى به بعبارة أخرى فقال: "من زرع في أرض (قوم) بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته." وهذا يشبه كلام الفقهاء.
    وكذلك روى حديث أنس: "أن النبي كان يتوضأ برطلين من ماء،" وهذا رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: "أنه كان يتوضأ بالمد،" والمد عند أهل الكوفة رطلان. وكذلك سليمان بن موسى الدمشقي الفقيه يروي الأحاديث بألفاظ مستغربة، وكذلك فقهاء الكوفة ورأسهم حماد بن أبي سليمان، وأتباعه، وكذلك الحكم بن عتيبة، وعبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك، وغيره.
    قال ابن حبان: الفقيه إذا حدث من حفظه، وهو ثقة في روايته لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره؛ لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون، دون الأسانيد، وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من أهل الفقه، كانوا إذا حفظوا الخبر لا يحفظون إلا متنه، وإذا ذكروا أول أسانيدهم يكون قال رسول الله فلا يذكرون بينهم وبين النبي أحداً، فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحّف الأسماء، وأقلب الأسانيد، ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب أو يوافق الثقات في الأسانيد.
    قلت (القائل ابن رجب): هذا إن كان الفقيه حافظاً للمتن، فأما من لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، وإنما يروي الحديث بالمعنى، فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون، إلا بما يوافق الثقات في المتون، أو يحدث به من كتاب موثوق به، والأغلب أن الفقيه يروي الحديث بما يفهمه من المعنى، وإفهام الناس تختلف ولهذا نرى كثيراً من الفقهاء يتأولون الأحاديث بتأويلات مستبعدة جداً بحيث يجزم العارف المنصف بأن ذلك المعنى الذي تأول به غير مراد بالكلية، فقد يروي الحديث على هذا المعنى الذي فهمه، وقد سبق أن شريكاً روى حديث الوضوء بالمد بما فهمه من المعنى، وأكثر فقهاء الأمصار يخالفونه في ذلك.
    قاعدة: الثقات الحفاظ إذا حدثوا من حفظهم وليسوا بفقهاء قال ابن حبان: عندي لا يجوز الاحتجاج بحديثهم؛ لأن همتهم حفظ الأسانيد والطرق، دون المتون، قال: وأكثر من رأينا من الحفاظ كانوا يحفظون الطرق، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها قال: ومن كانت هذه صفته وليس بفقيه فربما يقلب المتن، ويغير المعنى إلى غيره، وهو لا يعلم، فلا يجوز الاحتجاج به إلا أن يحدث من كتابه ويوافق الثقات.
    (قال ابن رجب): وقد ذكرنا هذا عن ابن حبان فيما تقدم، وبينا أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو مختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، ولعله يختص بالمتأخرين من الحفاظ نحو من كان في عصر ابن حبان، فأما المتقدمون كشعبة، والأعمش، وأبي إسحاق، وغيرهم؛ فلا يقول ذلك أحد في حقهم؛ لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ الإسناد والمتن، إلا أن يوقف منه على خلاف ذلك، والله أعلم.
    وقد سبق قول الشافعي أن من حدث بالمعنى، ولم يحفظ لفظ الحديث إنه يشترط فيه أن يكون عاقلاً لما يحدث به من المعاني، عالماً بما يحيل المعنى من الألفاظ، وأن من حدث بالألفاظ فإنه يشترط أن يكون حافظاً للفظ الحديث متقناً له."
    وقد نقلت هذا النص مع طوله؛ لكون ابن رجب صرح في أول كلامه -وهو من أهل الاستقراء التام في علم الحديث- أن ما سيذكره هو قواعد كلية من كلام الأئمة النقاد، ثم ذكر تحقيقات في غاية النفاسة تتعلق بنقد المتون عند أئمة الجرح والتعديل، هي من الظهور والجلاء ما يغني عن توضيحها أو شرحها.
    وفي هذا ما يؤكد بصورة عامة عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن الحديثي في أثناء حكمهم على الراوة، ولقد وجدت العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله الذي يعد أحد أبرز علماء الحديث في القرن الرابع عشر الهجري، وأكثرهم تخصصاً ومعايشة لكتب العلل والجرح والتعديل، قد قرر هذه الحقيقة العلمية بقوله: "من تتبع كتب تواريخ رجال الحديث وتراجمهم، وكتب العلل؛ وجد كثيراً من الأحاديث التي يطلق الأئمة عليها: "حديث منكر، باطل، شبه موضوع، موضوع"، وكثيراً ما يقولون في الراوي: "يحدث بالمناكير، صاحب مناكير، عنده مناكير، منكر الحديث"، ومن أنعم النظر وجد أكثر ذلك من جهة المعنى، ولما كان الأئمة قد راعوا في توثيق الرواة النظر في أحاديثهم، والطعن فيمن جاء بمنكر، صار الغالب أن لا يوجد حديث منكر إلا وفي سنده مجروح، أو خلل. فلذلك صاروا إذا استنكروا الحديث نظروا في سنده فوجدوا ما يبين وهنه فيذكرونه، وكثيراً ما يستغنون بذلك عن التصريح بحال المتن.
    انظر موضوعات ابن الجوزي، وتدبر تجده إنما يعمد إلى المتون التي يرى فيها ما ينكره، ولكنه قلما يصرح بذلك، بل يكتفي غالباً بالطعن في السند، وكذلك كتب العلل وما يعل من الأحاديث في التراجم، تجد غالب ذلك مما ينكر متنه، ولكن الأئمة يستغنون عن بيان ذلك بقولهم: "منكر الحديث" أو نحوه، أو الكلام في الراوي، أو التنبيه على خلل في السند كقولهم: "فلان لم يلق فلاناً، لم يسمع منه، لم يذكر سماعاً، اضطرب فيه، لم يتابع عليه، خالفه غيره، يروى هذا موقوفاً وهو أصح"، ونحو ذلك.
    وخير شاهد على صدق قولنا: إن علماء الجرح والتعديل قد اعتنوا عناية بالغة بنقد متون رواة الحديث قبل الحكم عليهم، أن الباحث المدقق حين ينعم النظر في كلام الحافظين: ابن حبان في كتابه "المجروحين"، وابن عدي في كتابه "الكامل" -وهما من أهم كتب الجرح المطولة المتميزة بذكر مسببات الحكم على الراوي،- سيقف على عشرات النصوص المتعلقة بنقدهما لكثير من الرواة بسبب ما ورد في مروياتهم من متون حديثية غير مستقيمة، ومن ذلك مثلاً قول ابن حبان في تراجم بعض الرواة الذين جرحهم: "هذا متن باطل،" "هذا متن لا أصل له،" "هذا متن مقلوب،" "هذه متون واهية" ... الخ.
    وأما الحافظ ابن عدي فقد أكثر من بيان أهمية مراعاة متون الرواة أثناء الحكم عليهم، في كتابه "الكامل في الضعفاء،" من ذلك مثلاً قوله: "وأشعث بن عبد الرحمن بن زبيد، له أحاديث، ولم أر في متون أحاديثه شيئاً منكراً، ولم أجد في أحاديثه كلاماً إلا عن النسائي، وعندي أن النسائي أفرط في أمره حيث قال: "ليس بثقة؛" فقد تبحرت حديثه مقدار ما له، فلم أر له حديثاً منكراً."
    وفي موضع آخر نجده يقول: "ولم أجد لأشعث فيما يرويه متناً منكراً، إنما في الأحايين يخلط في الإسناد ويخالف،" وفي موضع آخر يقول: "ولم أجد لأسامة بن زيد حديثاً منكراً جداً لا إسناداً ولا متناً، وأرجو أنه صالح،" ويقول أيضاً: "ولخالد هذا غير ما ذكرت من الحديث إفرادات وغرائب، عمن يحدث عنه وليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أر في حديثه متناً منكراً،" ويقول أيضاً: "ولحفص بن عمر هذا غير ما ذكرت من الحديث وأحاديثه كلها إما منكر المتن، أو منكر الإسناد، وهو إلى الضعف أقرب."
    ومثل هذا كثير جداً في كتابه يذكره أحياناً في نفي ضعف الراوي، وأحياناً ليثبت ضعفه
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-05-09
  15. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده و رسوله.
    أما بعد؛ فإنه من غير الخفي على المختصين في علم الحديث من المعاصرين أن موضوع "نقد المتن الحديثي" قد لقي في عصرنا اهتماماً بالغاً؛ لكثرة الكلام حوله من قبل المستشرقين وغيرهم، مما أدى ببعض الباحثين أن يخصوه ببحوث مستقلة، ولكن لم يزل هذا الموضوع في حاجة للكثير من البحوث المعمقة.
    وتتجلى أهمية هذا البحث في إبراز جهود علماء الجرح والتعديل في نقد المتن باعتباره ركيزة من أهم ركائزهم في نقد الرواة والحكم عليهم. وقد أغفل بعض الباحثين ممن كتبوا في موضوع نقد المتن الحديثي هذه الجهود، بل صرح بعضهم بأن كتب الرجال والعلل لا يوجد فيها نقد للمتن، مما يجعل الكتابة في هذا الموضوع ذات أهمية لبيان عدم سلامة هذه النتيجة. ولعلّ بيان عناية علماء الجرح والتعديل بالمتن الحديثي، ومعرفة الأسباب الموجبة لنقده عندهم، وحدوده، أن تكون من الأمور المساعدة على تهيئة المناخ العلمي لاستثمار تلك المعايير والطرق والوسائل في الجهود النقدية لعلماء الحديث المعاصرين الساعين لتنقية المصادر الحديثية.
    وينحصر البحث في بيان علاقة نقد المتن بالحكم على رواة الحديث، وهذا يعني أن البحث لا يشمل كل نقد للمتن سواء أكان قائله من الفقهاء أم من المحدثين، من القدماء أم من المتأخرين، بل هو محصور بأئمة الجرح والتعديل المتقدمين من أمثال: شعبة بن الحجاج، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، والإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني.
    كما أن مصادر البحث الأساس التي ستستمد منها النصوص التطبيقية ستكون محصورة في كتب الرجال، وكتب العلل نظراً لكونها تمثل الجانب العملي التفصيلي لنقد مرويات الرواة.
    ويهدف البحث إلى إبراز عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن، وبيان أنه ركن أساسي من أركان العملية النقدية في الحكم على رواة الحديث عندهم، والتأكيد على الحقيقة العلمية القائلة: إن هناك تلازماً عضوياً بين نقد السند ونقد المتن. كما يهدف إلى تسليط الضوء على جملة من النصوص التطبيقية التي لم تتعرض لها الدراسات السابقة، والكشف عن التنوع الاجتهادي في التعامل مع نقد المتن عند علماء الجرح والتعديل، وبيان الأسباب الموجبة لنقد المتون عند علماء الجرح والتعديل وأثر ذلك في الحكم على رواة الحديث. وسوف يتطرق البحث إلى بيان حدود نقد المتن عند علماء الجرح والتعديل موازنة ذلك بما عند غيرهم من مخالفيهم، بالإضافة إلى بيان مسوغات هذه الحدود.
    وقد جرت صياغة هذه الأهداف في صورة أسئلة محددة هي: ما الأسباب الموجبة لنقد المتن عند علماء الجرح والتعديل؟ وما أثر تلك الأسباب في حكمهم على الرواة؟ وما هي حدود نقد المتن عند علماء الجرح والتعديل؟ وتحديداً ما هو نقد المتن غير المقبول عندهم؟ وما مسوغات الحدود المذكورة وجوداً وعدماً؟ وعليه فقد تم تقسيم البحث إلى ثلاثة أقسام؛ حاول كل قسم منها الإجابة عن واحد من هذه الأسئلة بالتتالي.
    وختاماً لا بد من إيضاح أن طبيعة البحوث المنشورة في المجلات العلمية المحكمة تقتضي التركيز و الاختصار، وهذا ما راعيته هنا مع علمي بأن المادة العلمية المتاحة في هذا البحث غزيرة جداً، أقول هذا معتذراً عن عدم الإكثار من إيراد الشواهد والأمثلة التطبيقية في كل مبحث بما يتناسب مع المتوفر لدي من نصوص كثيرة، وأملي أن أتوسع في معالجة هذا الموضوع بصورة أشمل وأكثر بسطاً في المستقبل إن شاء الله تعالى. واللهَ أسأل التوفيق والسداد على بلوغ المراد.



    أولاً: لمحة حول عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن في حكمهم على رواة الحديث.

    تناول موضوع نقد المتن الحديثي جملة من الباحثين المـحْدَثين، منهم مسفر بن غرم الله الدميني، وصلاح الدين بن أحمد الإدلبي، ومحمد طاهر الجوابي. ولكن المدقق يلحظ أن هذه الدراسات مع أهميتها وسدها لكثير من وجوه النقص، إلا أنها لم تخل من بعض أوجه القصور، وخاصة من حيث عدم الشمولية، وتغليب البعض منها جانب نقد المتن عند المدارس الفقهية على نقد المحدثين، كما ظهر في بعضها التكرار لما في كتب المصطلح من دون إضافات حقيقية،كما أن من أوجه القصور التي لاحظتها أن الأستاذين: الجوابي، والدميني أغفلا بيان جهود علماء الجرح والتعديل في نقد المتون، ويتجلى هذا بصورة واضحة في قول الدكتور الدميني: (لكن من يطالع كتب العلل والرجال لا يجد فيها نقداً لمتون الأحاديث).
    والحق أن هذا الحكم من باحث متخصص كالدميني غير مقبول؛ لأن الشواهد والأدلة من كتب الجرح والتعديل تدحضه كما سيأتي إيضاحه في بحثنا هذا إن شاء الله تعالى، ومما يؤكد الحاجة لتجلية هذا الأمر أيضاً أني سألت الدكتور الجوابي شخصياً عن سبب خلو كتابه من نصوص الإمام البخاري في نقد المتن المذكورة في تاريخيه الكبير والصغير، فأجابني بما معناه: أنه لم يقف عليها.
    ويحمد للدكتور الأدلبي أنه أفرد مبحثاً خاصاً لهذا الموضوع بعنوان: "اعتماد نقد المتن في دراسة الرجال." إلا أنه أغفل ذكر كثير من النصوص المهمة في هذا الأمر، كما أنه لم يتطرق للأسئلة المذكورة في بحثنا فضلاً عن محاولة الإجابة عنها، مما يجعل تناول الموضوع -في نظرنا- لا يزال ملحاً للغاية.
    إن عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن تتجلى من حيث الإجمال في النصوص العامة التي يشير فيها بعض كبار أئمة النقد الحديثي ضرورة النظر في متون الروايات، ويجعلون ذلك من أركان العملية النقدية وأسسها في علم الجرح والتعديل.
    ومن ذلك مثلاً قول الإمام مسلم بن الحجاج في تعريفه للحديث المنكر: "وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا؛ خالفت روايته روايتهم، أولم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبولة ولا مستعمله فمن هذا الضرب من المحدثين عبد الله بن محرر ويحيى بن أبي أنيسة... ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث...؛ لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه قبلت زيادته.
    فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة -وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره- فيروى عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم."
    وهذا النص وإن لم يرد فيه ذكر المتن صراحة إلا إنه يندرج فيه ضرورة، فقد قال الإمام مسلم في مقدمة كتابه: "التمييز" وهو مع قصره من أكثر كتب علل الأحاديث المتداولة اليوم عناية بعلل المتون: "فاعلم أرشدك الله أن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين: أحدهما: أن ينقل الناقل خبراً بإسناد، فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم... وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد، فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفَهِم حين يرد على سمعه.
    والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري، أو غيره من الأئمة بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث به الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً.
    على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم."
    إن القراءة المتأنية المصحوبة بدقة التأمل في هذين النصين المذكورين عن الإمام مسلم؛ تعطينا دلالة جلية على أن نقد المتون كان ركيزة أساسية في العملية النقدية عند أئمة الجرح والتعديل،كما أشار إلى ذلك مسلم نفسه حين نص على أسماء بعضهم في آخر كلامه الآنف، ويؤكد هذا بصورة قاطعة أن مسلماً -رحمه الله- لما ذكر حديثاً أخطأ فيه أحد الرواة في متنه بعد أن بين الأخبار الصحيحة التي تدفعه وتعارضه قال: "بمثل هذه الرواية وأشباهها، ترك أهل الحديث حديث يحيى بن عبيد الله."
    فذكر السبب في ترك أهل الحديث الراوية عن هذا الراوي؛ لأنه خالف في متن هذه الرواية وأشباهها، ونسب ذلك لعلماء الجرح والتعديل، مقرراً أن هذا من موجبات ضعفه عندهم.
    ومن النصوص العامة المهمة التي تدل على عناية أئمة الجرح والتعديل بنقد المتون في العملية النقدية، ما ذكره ابن أبي حاتم في آخر تقدمته لكتابه الموسوعي في نقد الرواة "الجرح والتعديل" حيث قال: "تُعرفُ جودةُ الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلَّف عنه في الحُمرة والصفاء؛ عُلِم أنه مغشوش، ويُعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره فإن خالفه في الماء والصلابة عُلِم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته."
    فهذا الإمام يقرر هنا معايير صحة الحديث عند علماء الحديث في كتاب خصصه لأقوال علماء الجرح والتعديل في نقلة الأخبار ورواتها، وهو هنا يجعل النظر النقدي في المتن ركيزة أساسية في الحكم على الحديث، ولا ينقل هذا على أنه اختياره أو رأيه الخاص، بل إنه ساق هذا الكلام بعد قصة حدثت لوالده مع أحد الفقهاء من أهل الرأي حين استنكر عليه وعلى أهل الحديث أقوالهم وأحكامهم على الرواة والأحاديث، فذكر أبو حاتم الرازي لذلك الفقيه أن أقواله ليست من منطلق ذاتي بل هي معتمدة على معايير موضوعية، ثم أخبره بأن مصداق ذلك أن يسأله عن أحاديث ويقيد كلامه، ثم يذهب بتلك الأحاديث نفسها لأحد علماء الحديث الذين يحسنون علم العلل والجرح والتعديل، ويعرضها عليه، فإن تطابق حكمهما، فعليه أن يعلم حينها أن هذا العلم له معايير موضوعية، وإن اختلفت الأحكام فحينها يحق له أن يقول: إن أحكامكم يا أهل الحديث مبنية على معايير ذاتية، وكانت النتيجة أن تطابق حكم أبي حاتم مع حكم العالم الآخر.
    ومن النصوص العامة الدالة على عناية أئمة الجرح والتعديل بنقد المتن، ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في آخر "شرحه لعلل الترمذي" تحت عنوان: "قواعد في العلل"، فقد قال: "ولنختم هذا الكتاب بكلمات مختصرات من كلام الأئمة النقاد الحفاظ الأثبات وهي في هذا العلم كالقواعد الكليات يدخل تحتها كثير من الجزئيات...
    قاعدة: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يـكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده، ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، وقد اختصر شريك حديث رافع بن خديج في المزارعة فأتى به بعبارة أخرى فقال: "من زرع في أرض (قوم) بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته." وهذا يشبه كلام الفقهاء.
    وكذلك روى حديث أنس: "أن النبي كان يتوضأ برطلين من ماء،" وهذا رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: "أنه كان يتوضأ بالمد،" والمد عند أهل الكوفة رطلان. وكذلك سليمان بن موسى الدمشقي الفقيه يروي الأحاديث بألفاظ مستغربة، وكذلك فقهاء الكوفة ورأسهم حماد بن أبي سليمان، وأتباعه، وكذلك الحكم بن عتيبة، وعبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك، وغيره.
    قال ابن حبان: الفقيه إذا حدث من حفظه، وهو ثقة في روايته لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره؛ لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون، دون الأسانيد، وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من أهل الفقه، كانوا إذا حفظوا الخبر لا يحفظون إلا متنه، وإذا ذكروا أول أسانيدهم يكون قال رسول الله فلا يذكرون بينهم وبين النبي أحداً، فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحّف الأسماء، وأقلب الأسانيد، ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب أو يوافق الثقات في الأسانيد.
    قلت (القائل ابن رجب): هذا إن كان الفقيه حافظاً للمتن، فأما من لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، وإنما يروي الحديث بالمعنى، فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون، إلا بما يوافق الثقات في المتون، أو يحدث به من كتاب موثوق به، والأغلب أن الفقيه يروي الحديث بما يفهمه من المعنى، وإفهام الناس تختلف ولهذا نرى كثيراً من الفقهاء يتأولون الأحاديث بتأويلات مستبعدة جداً بحيث يجزم العارف المنصف بأن ذلك المعنى الذي تأول به غير مراد بالكلية، فقد يروي الحديث على هذا المعنى الذي فهمه، وقد سبق أن شريكاً روى حديث الوضوء بالمد بما فهمه من المعنى، وأكثر فقهاء الأمصار يخالفونه في ذلك.
    قاعدة: الثقات الحفاظ إذا حدثوا من حفظهم وليسوا بفقهاء قال ابن حبان: عندي لا يجوز الاحتجاج بحديثهم؛ لأن همتهم حفظ الأسانيد والطرق، دون المتون، قال: وأكثر من رأينا من الحفاظ كانوا يحفظون الطرق، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها قال: ومن كانت هذه صفته وليس بفقيه فربما يقلب المتن، ويغير المعنى إلى غيره، وهو لا يعلم، فلا يجوز الاحتجاج به إلا أن يحدث من كتابه ويوافق الثقات.
    (قال ابن رجب): وقد ذكرنا هذا عن ابن حبان فيما تقدم، وبينا أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو مختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، ولعله يختص بالمتأخرين من الحفاظ نحو من كان في عصر ابن حبان، فأما المتقدمون كشعبة، والأعمش، وأبي إسحاق، وغيرهم؛ فلا يقول ذلك أحد في حقهم؛ لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ الإسناد والمتن، إلا أن يوقف منه على خلاف ذلك، والله أعلم.
    وقد سبق قول الشافعي أن من حدث بالمعنى، ولم يحفظ لفظ الحديث إنه يشترط فيه أن يكون عاقلاً لما يحدث به من المعاني، عالماً بما يحيل المعنى من الألفاظ، وأن من حدث بالألفاظ فإنه يشترط أن يكون حافظاً للفظ الحديث متقناً له."
    وقد نقلت هذا النص مع طوله؛ لكون ابن رجب صرح في أول كلامه -وهو من أهل الاستقراء التام في علم الحديث- أن ما سيذكره هو قواعد كلية من كلام الأئمة النقاد، ثم ذكر تحقيقات في غاية النفاسة تتعلق بنقد المتون عند أئمة الجرح والتعديل، هي من الظهور والجلاء ما يغني عن توضيحها أو شرحها.
    وفي هذا ما يؤكد بصورة عامة عناية علماء الجرح والتعديل بنقد المتن الحديثي في أثناء حكمهم على الراوة، ولقد وجدت العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله الذي يعد أحد أبرز علماء الحديث في القرن الرابع عشر الهجري، وأكثرهم تخصصاً ومعايشة لكتب العلل والجرح والتعديل، قد قرر هذه الحقيقة العلمية بقوله: "من تتبع كتب تواريخ رجال الحديث وتراجمهم، وكتب العلل؛ وجد كثيراً من الأحاديث التي يطلق الأئمة عليها: "حديث منكر، باطل، شبه موضوع، موضوع"، وكثيراً ما يقولون في الراوي: "يحدث بالمناكير، صاحب مناكير، عنده مناكير، منكر الحديث"، ومن أنعم النظر وجد أكثر ذلك من جهة المعنى، ولما كان الأئمة قد راعوا في توثيق الرواة النظر في أحاديثهم، والطعن فيمن جاء بمنكر، صار الغالب أن لا يوجد حديث منكر إلا وفي سنده مجروح، أو خلل. فلذلك صاروا إذا استنكروا الحديث نظروا في سنده فوجدوا ما يبين وهنه فيذكرونه، وكثيراً ما يستغنون بذلك عن التصريح بحال المتن.
    انظر موضوعات ابن الجوزي، وتدبر تجده إنما يعمد إلى المتون التي يرى فيها ما ينكره، ولكنه قلما يصرح بذلك، بل يكتفي غالباً بالطعن في السند، وكذلك كتب العلل وما يعل من الأحاديث في التراجم، تجد غالب ذلك مما ينكر متنه، ولكن الأئمة يستغنون عن بيان ذلك بقولهم: "منكر الحديث" أو نحوه، أو الكلام في الراوي، أو التنبيه على خلل في السند كقولهم: "فلان لم يلق فلاناً، لم يسمع منه، لم يذكر سماعاً، اضطرب فيه، لم يتابع عليه، خالفه غيره، يروى هذا موقوفاً وهو أصح"، ونحو ذلك.
    وخير شاهد على صدق قولنا: إن علماء الجرح والتعديل قد اعتنوا عناية بالغة بنقد متون رواة الحديث قبل الحكم عليهم، أن الباحث المدقق حين ينعم النظر في كلام الحافظين: ابن حبان في كتابه "المجروحين"، وابن عدي في كتابه "الكامل" -وهما من أهم كتب الجرح المطولة المتميزة بذكر مسببات الحكم على الراوي،- سيقف على عشرات النصوص المتعلقة بنقدهما لكثير من الرواة بسبب ما ورد في مروياتهم من متون حديثية غير مستقيمة، ومن ذلك مثلاً قول ابن حبان في تراجم بعض الرواة الذين جرحهم: "هذا متن باطل،" "هذا متن لا أصل له،" "هذا متن مقلوب،" "هذه متون واهية" ... الخ.
    وأما الحافظ ابن عدي فقد أكثر من بيان أهمية مراعاة متون الرواة أثناء الحكم عليهم، في كتابه "الكامل في الضعفاء،" من ذلك مثلاً قوله: "وأشعث بن عبد الرحمن بن زبيد، له أحاديث، ولم أر في متون أحاديثه شيئاً منكراً، ولم أجد في أحاديثه كلاماً إلا عن النسائي، وعندي أن النسائي أفرط في أمره حيث قال: "ليس بثقة؛" فقد تبحرت حديثه مقدار ما له، فلم أر له حديثاً منكراً."
    وفي موضع آخر نجده يقول: "ولم أجد لأشعث فيما يرويه متناً منكراً، إنما في الأحايين يخلط في الإسناد ويخالف،" وفي موضع آخر يقول: "ولم أجد لأسامة بن زيد حديثاً منكراً جداً لا إسناداً ولا متناً، وأرجو أنه صالح،" ويقول أيضاً: "ولخالد هذا غير ما ذكرت من الحديث إفرادات وغرائب، عمن يحدث عنه وليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أر في حديثه متناً منكراً،" ويقول أيضاً: "ولحفص بن عمر هذا غير ما ذكرت من الحديث وأحاديثه كلها إما منكر المتن، أو منكر الإسناد، وهو إلى الضعف أقرب."
    ومثل هذا كثير جداً في كتابه يذكره أحياناً في نفي ضعف الراوي، وأحياناً ليثبت ضعفه
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-05-09
  17. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    ثانياً: الأسباب الموجبة لنقد المتن عند علماء الجرح والتعديل وأثرها في الحكم على رواة الحديث.


    ظهر لي بعد التأمل في عشرات النصوص المختصة بنقد المتن في كتب الرجال، وكذا في كتب العلل، أن الأسباب الموجبة لنقد رواة الحديث النبوي المتعلقة بالمتون عند أئمة الجرح والتعديل لا تخرج في الجملة عن ثلاثة، هي: المخالفة، والتفرد، والاضطراب.
    وهذا هو ترتيبها من حيث الأهمية، وكثرة الاستعمال -وفق ما ظهر لي- ولم أذكر الكذب في المتون؛ لأنه يدخل في باب قوادح العدالة، وأمره واضح جلي من حيث أن الموصوف بذلك يكون حديثه موضوعاً ساقطاً لا يحل ذكره إلا على سبيل البيان وتحذير الأمة منه، وإنما يكون الخفاء فيما عداه، ومع ذلك لم أهمل الإشارة إلى شيء من ذلك في الحالة الأولى من حالات التفرد، كما سيأتي، وسنعرض فيما يلي لتوضيح هذه الأسباب مع ذكر بعض الأمثلة.

    السبب الأول: المخالفة

    نقصد بالمخالفة هنا أن متن الحديث الذي يرويه الراوي الذي يكون محل الدراسة عند علماء الجرح والتعديل يتعارض مع أحد الأصول التالية: صريح القرآن، أو صحيح السنة النبوية، أو الإجماع، أو قول راوي الحديث أو فعله.
    ومما يؤكد أن علماء الجرح والتعديل التفتوا لهذا السبب بصورة أساسية، وجعلوه ركناً من أركان العملية النقدية في فحص الرواة والحكم عليهم، قول الحافظ ابن حجر: "مدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف،" وعلم العلل هو الجانب التطبيقي للعملية النقدية عند علماء الحديث، فالحكم على حديث أحد الرواة بأن فيه مخالفة هو من صميم علم العلل، ونتيجته: الحكم على الراوي إن تكرر منه مثل هذه المخالفات أن يحكم عليه بعبارة: "ضعيف، أو صالح، أو صدوق ليس بمتقن، أو متروك، أو ثقة له أوهام،" ونحو هذه العبارات التي هي في حقيقة الأمر نتائج العملية النقدية التي يقوم بها علماء الجرح والتعديل قبل إصدار حكمهم على رواة الحديث النبوي، وبناء عليه فإن طرق ووسائل العمليات النقدية التي هي قواعد علم علل الحديث، تكون مرحلة سابقة على إصدار الحكم، وبهذا يتبين أن نقد المتن الحديثي بسبب المخالفة ركن من أهم أركان العملية النقدية لدى علماء الجرح والتعديل.
    ومما يدل استعمال أئمة الجرح والتعديل لنقد المتن الحديثي بسبب مخالفته لظاهر القرآن من خلال كلامهم العام، ما ذكره ابن حبان -أحد علماء الجرح والتعديل المشهور- في سياق كلامه، وهو يقرر قاعدة عامة في معرفة الرواة بطريق الاعتبار، فقال: "ومتى عُدم ذلك -يعني وجود متابعة أو شاهد- والخبر نفسه يُخالف الأصول الثلاثة، علم أن الخبر موضوع، ولا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه."
    ومقصوده بالأصول الثلاثة: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة وقد صرح في موضع آخر من صحيحه أن الإجماع عندنا هو إجماع الصحابة، ويشهد لما ذكرته هنا بصورة قاطعة نص آخر لابن حبان ذكره في ترجمة أبي زيد الذي يروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حديث الوضوء بالنبيذ لمن لم يجد الماء، فقد قال في ترجمته:
    "أبو زيد، يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يُدرى من هو، ولا يعرف أبوه، ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلا خبراً واحداً خالف فيه الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والنظر، والرأي؛ يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به روى عن ابن مسعود أن النبي ( توضأ بالنبيذ."
    وقد قال الحافظ ابن عدي في نقده لهذا الحديث: "هو خلاف القرآن،" يعني في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا )، فدل ظاهر القرآن أنه حيث لا يوجد ماء طهور، فينتقل إلى التيمم، وظاهر الحديث السابق يعارض هذا حيث يدل على أن الماء الذي نُبذ فيه التمر، وتغير بذلك حتى سمي نبيذاً يغني عن الماء الأصلي الذي لم تتغير صفاته، ولذا قال ابن حبان وابن عدي، وهما من كبار أئمة الجرح والتعديل إن الحديث مخالف للقرآن وطعنا في راويه أبي زيد وهو المتفرد به عن ابن مسعود. وهذا مثال تطبيقي للقاعدة التي قررها ابن حبان آنفاً.
    وفي حدود اطلاعي لم أقف على نص عن أحد من أئمة الجرح والتعديل يصرح فيه أن مخالفة متن الحديث لصريح القرآن لا تعد سبباً للطعن فيه، ولكن يبدو من خلال ما وقفت عليه أن نصوصهم الصريحة في نقد المتن الحديثي بسبب مخالفته للقرآن قليلة جداً، وذلك فيما أرى راجع إلى أنهم يستعملون أسباب أخرى لبيان نكارة المتن ومخالفته، دون الاتكاء أو الاعتماد على السبب المذكور آنفاً لوحده، وتعليل موقفهم هذا سيأتي توضيحه في المبحث الثالث إن شاء الله.
    وأما مخالفة المتن الحديثي لمتن حديثي آخر، فهذا يوجد في كلام أئمة الجرح والتعديل بكثرة، ومن الأمثلة على ذلك، حديث تفرد به أبو قيس عبد الرحمن بن ثَرْوان عن هُزيل بن شُرَحبيل عن المغيرة بن شعبة قال: "توضأ النبي ، ومسح على الجوربين."
    فقد انتقد جمع من كبار أئمة الجرح والتعديل هذا المتن، منهم الإمام مسلم بن الحجاج الذي قال فيه: "أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا، مع مخالفتهما الأجلة، الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن، بمثل أبي قيس، وهزيل."
    والمقصود أن الإمام مسلماً يرى أن لفظة "الجوربين" ليست صحيحة، وعلل طعنه فيها بأن أبا قيس وهو المتفرد بها قد خالفه جمع من كبار الحفاظ فرووا الحديث عن المغيرة وفيه لفظة "الخفين" لا الجوربين، ثم ألمح إلى أن ظاهر القرآن يدل على وجوب غسل القدم في الوضوء كما تدل عليه الآية السادسة في سورة المائدة المعروفة بآية الوضوء، وما دام الحديث مشكوك في ثبوته بسبب المخالفة، فعليه لا يقال بجواز المسح على الجوربين عوضاً عن غسل القدمين في الوضوء، وهذا الكلام يدل على أن الحديث محتمل الثبوت، والقول بضعفه ليس بقطعي.
    ومما يدل على أنه قد اختلفت وجهات النظر فيه، أن بعض النقاد ذهبوا إلى تصحيحه، ورأوا أنه غير مخالف لما رواه الآخرون عن المغيرة، وممن قال بصحته الترمذي وابن خزيمة وابن حبان.
    والرأي الذي عليه كبار أئمة العلل أن حديث أبي قيس منكر؛ لمخالفته للمحفوظ عن المغيرة بن شعبة، قال ابن المديني: "حديث المغيرة رواه عن المعيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، إلا أنه قال: "ومسح على الجوربين،" وخالف الناس،" وقال ابن معين: "الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس،" وهذا رأي سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم.
    وبناء على كلامهم في هذا الحديث قال الإمام أحمد في أبي قيس: "يخالف في أحاديثه،" وقال أبو حاتم الرازي: "ليس بقوي، هو قليل الحديث، وليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟ فقال: صالح، هو لين الحديث،" وقال النسائي: "ليس به بأس" وهذه عبارة تدل على توسط الحفظ، وذهب ابن معين والعجلي وابن حبان وآخرون إلى توثيقه.
    والمتضح من كلام مسلم، وابن المديني، وابن معين المنقول آنفاً، أنهم بنوا سبب تضعيفهم لرواية أبي قيس؛ لكونها مخالفة للمحفوظ عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وهذا إعلال متن بمتن، وإن كان أصل الحديث يروى عن الصحابي نفسه، مع أن من صحح الحديث كالترمذي وابن خزيمة وابن حبان يرون أن حديث أبي قيس يعد حديثاً آخر مستقل لا علاقة له بحديث الخفين المشهور عن المغيرة.
    ومما يدل على عناية أئمة الجرح والتعديل بنقد المتون، وأنه ركن أساس من أركان العملية النقدية السابقة على إطلاق الحكم على الراوي، أننا نجد بعض العبارات الموحية بذلك، فمثلاً نجد عن الإمام أحمد بن حنبل أنه لما سئل عن أبي إسرائيل المَلائي واسمه إسماعيل بن خليفة العبسي، قال فيه: "خالف الناس في أحاديث،" وقال ابن عدي في الراوي نفسه: "عامة ما يرويه يخالف الثقات،" وهذا يشمل السند والمتن، ونجد كذلك الإمام أحمد حين سئل عن الحجاج بن أرطاة: لِمَ ليس هو عند الناس بذاك؟، فقال: "لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث؛ إلا فيه زيادة،" وسأل رجال أحمد عن الحجاج: ما شأنه؟، فقال: "شأنه أنه يزيد في الأحاديث،" والمقصود هنا زيادة المتون لا زيادة الأسانيد؛ لأن الناظر في حديث الحجاج بن أرطاة يجد أسانيده في الغالب قليلة الوسائط إذ هو من طبقة الأتباع، وهو معروف بالتدليس في الإسناد، وأهم أغراض التدليس تقليص وسائط السند لا زيادته، ثم لو أن الإمام أحمد أراد أنه يخالف غيره في الأسانيد لقال: " يخالف،" ولم يقل: "في حديثه زيادة" أو "يزيد في الأحاديث،" وقد نص الأئمة على بعض زياداته في المتون.
    ونجد الإمام البخاري في نص نفيس يبين لنا سبب تضعيفه لعطاء بن عبد الله الخراساني، بناء على مخالفاته في المتون التي يرويه، فيقول: "ما أعرف لمالك بن أنس رجلاً يروي عنه مالك يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني. قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة:
    1. روي عن سعيد بن المسيب: "أن رجلاً أتى النبي وأفطر في رمضان،" وبعض أصحاب سعيد بن المسيب يقول: سألت سعيداً عن هذا الحديث؟ فقال: كذب علي عطاء لم أحدث هكذا.
    2. وروى عطاء عن أبي سلمة عن عثمان، وزيد بن ثابت في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وروى حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن عثمان أنه قال في المولي يوقف.
    3. وروى عطاء عن سعيد بن المسيب قال إذا أقام أربعاً صلى أربعاً، وروى داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب خلاف هذا.
    قلت له [القائل الترمذي]: فإن قتادة روى عن سعيد بن المسيب قال: "إذا أقام أربعاً صلى أربعاً،" مثل ما روى عطاء؟! قال محمد: أرى قتادة أخذه عن عطاء."

    ففي هذا النص المفسر المبين نرى الإمام البخاري يسوق أدلته على سبب تضعيفه لعطاء الخراساني، فنجدها كلها تتعلق بنقد المتن، فحين نرى عبارة مثل: فلان منكر الحديث، أو يخالف، أو يهم، أو نحوها عن البخاري؛ فلا يستبعد أن تكون أسباب هذه الأحكام وما يشبهها على أولئك الرواة ترجع للمتن، ومما يؤكد هذه الحقيقة بالإضافة لما سبق أن البخاري قال في صالح بن محمد بن زائدة: "منكر الحديث،" وورد عنه ما يبين سبب هذا الحكم، فقد سأله الترمذي عن حديث يرويه صالح هذا عن سالم عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله قال: "من وجدتموه غل، فأحرقوا متاعه؟"
    فضعف البخاري هذا الحديث وقال: "قد روي عن النبي غير حديث خلاف هذا حديث أبي هريرة في قصة مِدْعَم، وحديث زيد بن خالد أن رجلاً غل خرازات، وذكر أحاديث، فلم يذكر في شيء منها أن النبي أمر أن يحرق متاع من غل. وصالح بن محمد بن زائدة هو أبو واقد: منكر الحديث، ذاهب، لا أروي عنه."
    والبخاري -رحمه الله- له عناية بنقد المتون كما يظهر هذا في مواطن عدة من كتبه.
    وعلى أية حال فمما يؤسف له أن أغلب نصوص أئمة الجرح والتعديل تكون مختصرة، غير مصحوبة في الغالب ببيان الأسباب، ولذا قلنا: إن النص السابق في تضعيف البخاري لعطاء الخراساني يعد من النصوص النفيسة؛ لقلة وجود أمثاله من النصوص المفسرة.
    ومن علماء الجرح والتعديل الذين وجدت لهم كلاماً في نقد المتن شبيهاً بما تقدم، الإمام إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني -رحمه الله،- فقد وقفت له على عدة نصوص، منها ما جاء في سياق كلامه على ضعف عاصم بن ضمرة، فقد قال: "وعاصم بن ضمرة عندي قريب منه [أي من الحارث بن عبد الله الأعور وهو ضعيف عنده] وإن كان حكي عن سفيان قال: "كنا نعرف فضل حديث عاصم على حديث الحارث."

    . روى عنه أبو إسحاق حديثاً في تطوع النبي ست عشرة ركعة، "أنه كان يمهل حتى إذا ارتفعت الشمس من قبل المشرق كهيئتها من قبل المغرب عند العصر، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا ارتفعت الشمس، وكانت من قبل المشرق كهيئتها من قبل المغرب عند الظهر، قام فصلى أربع ركعات، ثم يمهل حتى إذا زالت الشمس صلى أربع ركعات قبل الظهر، ثم يصلي بعد الظهر ركعتين، ثم يصلي قبل العصر أربع ركعات، فهذه ست عشرة ركعة."
    فيالعباد الله!! أما كان ينبغي لأحد من أصحاب النبي ، وأزواجه يحكي هذه الركعات؛ إذ هم معه في دهرهم، والحكاية عن عائشة رضي الله عنها في الاثنتي عشرة ركعة من السنة، وابن عمر عشر ركعات، والعامة من الأمة، أو من شاء الله قد عرفوا ركعات السنة الاثنتي عشرة منها بالليل، ومنها بالنهار، فإن قال قائل: كم من حديث لم يروه إلا واحد؟! قيل: صدقت كان النبي يجلس فيتكلم بالكلمة من الحكمة لعله لا يعود لها آخر دهره، فيحفظها عنه رجل، وهذه ركعات كما قال عاصم كان يداوم عليها فلا يشتبهان.
    2. ثم خالف رواية الأمة، واتفاقها حين روى: "أن في خمس وعشرين من الإبل خمساً من الغنم،" وهذا حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبدالله عن أنس: "أن أبا بكر كتب له الصدقة التي فرض رسول الله ، فيما دون خمس وعشرين من الإبل في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففيها ابنة مخاض، وكذلك حكاية الزهري عن عبد الله بن عمر، وما حكى سفيان بن عيينة عن الزهري أيضاً كذلك."
    ومن الواضح جداً في هذا النص أن سبب ضعف عاصم بن ضمرة عند الجوزجاني: مخالفاته في المتون لما يرويه من هم أوثق منه. والنصوص المشابهة لما تقدم كثيرة بالنظر للأسباب الأخرى، ولولا خشية الإطالة لسردت ما وقفت عليه غير ما تقدم.
    ومن أنواع المخالفة التي يستعملها أئمة الجرح والتعديل في نقد المتن الحديثي المؤثرة في حكمهم على الرواة، أن يكون المتن مخالفاً للإجماع، وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل استعمال هذا النوع من المخالفة لنقد بعض الرواة، فقد قال في طلحة بن يحيى التيمي: "صالح الحديث،" وفي نص آخر قال: "طلحة بن يحيى أحب إلي من بريد بن أبي بردة، بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدث بحديث عصفور من عصافير الجنة."
    وحديث عصفور من عصافير الجنة الذي نقده الإمام أحمد أخرجه مسلم في صحيحه من طريق طلحة ابن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: "دعي رسول الله إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه. قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم."
    ونقل الخلال ما يبين سبب نقد الإمام أحمد لهذا الحديث، فقال: "أخبرنا الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين، فذكروا له حديث عائشة في قصة ابن الأنصاري، وقول النبي فيه. فسمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: هذا حديث! وذكر فيه رجلاً ضعفه: طلحة.
    وسمعته غير مرة يقول: وأحدٌ يشك أنهم في الجنة، هو يرجى لأبيه، كيف يشك فيه؟! إنما اختلفوا في أطفال المشركين."
    فظاهر كلام الإمام أحمد أنه نقد متن الحديث بسبب مخالفته للإجماع، بقرينة قوله: "إنما اختلفوا في أطفال المشركين،" ومفهوم هذا أن أطفال المسلمين لم يختلف فيهم، وهذا يدل عليه قوله أيضاً: "أحد يشك أنهم في الجنة!،" ولذا قال ابن عبد البر في الحديث الآنف: "وهذا حديث **** ضعيف، مردود بما ذكرنا من الآثار والإجماع." وكذا حكى النووي الإجماع على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة.
    ومما يدخل تحت في هذا النوع من المخالفة -حسب ظني- النصوص التي يصرح فيها كبار علماء الجرح والتعديل بضعف بعض الرواة؛ لكونهم يروون أحاديث فيها طعن في الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أو في عثمان رضي الله عنه كما ورد عن الإمام أحمد أنه سئل عن أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي: من أين جاء ضعفه، من قبل رأيه، أو من قبل حديثه.؟ فقال: "من قبل رأيه، حدّث ببلايا في عثمان، أحاديث سوء."
    وكذا إذا كان في المتن غلو في فضل علي رضي الله عنه، كما قال ابن سعد في عبيد الله بن موسى بن العبسي: "وكان ثقة صدوقاً إن شاء الله، كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث في التشيع منكرة، فضعف بذلك عند كثير من الناس." ولذا قال الإمام أحمد وهو ممن يضعف عبيد الله هذا لما سئل عنه: "كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء، أخرج تلك البلايا، فحدث بها، قيل له: فابن فضيل؟ قال: لم يكن مثله، كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية." وقال أبو داود في يونس بن خباب: "شتام لأصحاب رسول الله ... وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة، وليست الرافضة كذلك،" "وكان له رأي سوء، زاد في حديث القبر -حديث زاذان -: وعلي وليي،" وبيان هذه الزيادة المنافية لإجماع أهل السنة وردت في قصة لعباد بن عباد يقول فيها: "أتيت يونس بن خباب، فسألته عن حديث عذاب القبر، فحدثني، فقال: ها هنا كلمة أخفاها الناصبة. قال: قلت: ما هي؟ قال: أن يسأل في قبره من وليك؟، فإن قال: علي بن أبى طالب، نجا. فقلت: والله ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل البصرة. قال: أنت عثماني خبيث..."، وأهل السنة مجمعون على فضل الخلفاء الراشدين، وعموم صحابة رسول الله ، كما أنهم مجمعون على عدم الغلو في فضل علي رضي الله عنه أو غيره من صحابة رسول الله ، فإذا روى أحد الرواة متوناً حديثية تخالف هذا الإجماع المعتبر، فإن أئمة الجرح والتعديل يتكلمون فيه بسبب ذلك
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-05-09
  19. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    ثانياً: الأسباب الموجبة لنقد المتن عند علماء الجرح والتعديل وأثرها في الحكم على رواة الحديث.


    ظهر لي بعد التأمل في عشرات النصوص المختصة بنقد المتن في كتب الرجال، وكذا في كتب العلل، أن الأسباب الموجبة لنقد رواة الحديث النبوي المتعلقة بالمتون عند أئمة الجرح والتعديل لا تخرج في الجملة عن ثلاثة، هي: المخالفة، والتفرد، والاضطراب.
    وهذا هو ترتيبها من حيث الأهمية، وكثرة الاستعمال -وفق ما ظهر لي- ولم أذكر الكذب في المتون؛ لأنه يدخل في باب قوادح العدالة، وأمره واضح جلي من حيث أن الموصوف بذلك يكون حديثه موضوعاً ساقطاً لا يحل ذكره إلا على سبيل البيان وتحذير الأمة منه، وإنما يكون الخفاء فيما عداه، ومع ذلك لم أهمل الإشارة إلى شيء من ذلك في الحالة الأولى من حالات التفرد، كما سيأتي، وسنعرض فيما يلي لتوضيح هذه الأسباب مع ذكر بعض الأمثلة.

    السبب الأول: المخالفة

    نقصد بالمخالفة هنا أن متن الحديث الذي يرويه الراوي الذي يكون محل الدراسة عند علماء الجرح والتعديل يتعارض مع أحد الأصول التالية: صريح القرآن، أو صحيح السنة النبوية، أو الإجماع، أو قول راوي الحديث أو فعله.
    ومما يؤكد أن علماء الجرح والتعديل التفتوا لهذا السبب بصورة أساسية، وجعلوه ركناً من أركان العملية النقدية في فحص الرواة والحكم عليهم، قول الحافظ ابن حجر: "مدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف،" وعلم العلل هو الجانب التطبيقي للعملية النقدية عند علماء الحديث، فالحكم على حديث أحد الرواة بأن فيه مخالفة هو من صميم علم العلل، ونتيجته: الحكم على الراوي إن تكرر منه مثل هذه المخالفات أن يحكم عليه بعبارة: "ضعيف، أو صالح، أو صدوق ليس بمتقن، أو متروك، أو ثقة له أوهام،" ونحو هذه العبارات التي هي في حقيقة الأمر نتائج العملية النقدية التي يقوم بها علماء الجرح والتعديل قبل إصدار حكمهم على رواة الحديث النبوي، وبناء عليه فإن طرق ووسائل العمليات النقدية التي هي قواعد علم علل الحديث، تكون مرحلة سابقة على إصدار الحكم، وبهذا يتبين أن نقد المتن الحديثي بسبب المخالفة ركن من أهم أركان العملية النقدية لدى علماء الجرح والتعديل.
    ومما يدل استعمال أئمة الجرح والتعديل لنقد المتن الحديثي بسبب مخالفته لظاهر القرآن من خلال كلامهم العام، ما ذكره ابن حبان -أحد علماء الجرح والتعديل المشهور- في سياق كلامه، وهو يقرر قاعدة عامة في معرفة الرواة بطريق الاعتبار، فقال: "ومتى عُدم ذلك -يعني وجود متابعة أو شاهد- والخبر نفسه يُخالف الأصول الثلاثة، علم أن الخبر موضوع، ولا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه."
    ومقصوده بالأصول الثلاثة: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة وقد صرح في موضع آخر من صحيحه أن الإجماع عندنا هو إجماع الصحابة، ويشهد لما ذكرته هنا بصورة قاطعة نص آخر لابن حبان ذكره في ترجمة أبي زيد الذي يروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حديث الوضوء بالنبيذ لمن لم يجد الماء، فقد قال في ترجمته:
    "أبو زيد، يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يُدرى من هو، ولا يعرف أبوه، ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلا خبراً واحداً خالف فيه الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والنظر، والرأي؛ يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به روى عن ابن مسعود أن النبي ( توضأ بالنبيذ."
    وقد قال الحافظ ابن عدي في نقده لهذا الحديث: "هو خلاف القرآن،" يعني في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا )، فدل ظاهر القرآن أنه حيث لا يوجد ماء طهور، فينتقل إلى التيمم، وظاهر الحديث السابق يعارض هذا حيث يدل على أن الماء الذي نُبذ فيه التمر، وتغير بذلك حتى سمي نبيذاً يغني عن الماء الأصلي الذي لم تتغير صفاته، ولذا قال ابن حبان وابن عدي، وهما من كبار أئمة الجرح والتعديل إن الحديث مخالف للقرآن وطعنا في راويه أبي زيد وهو المتفرد به عن ابن مسعود. وهذا مثال تطبيقي للقاعدة التي قررها ابن حبان آنفاً.
    وفي حدود اطلاعي لم أقف على نص عن أحد من أئمة الجرح والتعديل يصرح فيه أن مخالفة متن الحديث لصريح القرآن لا تعد سبباً للطعن فيه، ولكن يبدو من خلال ما وقفت عليه أن نصوصهم الصريحة في نقد المتن الحديثي بسبب مخالفته للقرآن قليلة جداً، وذلك فيما أرى راجع إلى أنهم يستعملون أسباب أخرى لبيان نكارة المتن ومخالفته، دون الاتكاء أو الاعتماد على السبب المذكور آنفاً لوحده، وتعليل موقفهم هذا سيأتي توضيحه في المبحث الثالث إن شاء الله.
    وأما مخالفة المتن الحديثي لمتن حديثي آخر، فهذا يوجد في كلام أئمة الجرح والتعديل بكثرة، ومن الأمثلة على ذلك، حديث تفرد به أبو قيس عبد الرحمن بن ثَرْوان عن هُزيل بن شُرَحبيل عن المغيرة بن شعبة قال: "توضأ النبي ، ومسح على الجوربين."
    فقد انتقد جمع من كبار أئمة الجرح والتعديل هذا المتن، منهم الإمام مسلم بن الحجاج الذي قال فيه: "أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا، مع مخالفتهما الأجلة، الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن، بمثل أبي قيس، وهزيل."
    والمقصود أن الإمام مسلماً يرى أن لفظة "الجوربين" ليست صحيحة، وعلل طعنه فيها بأن أبا قيس وهو المتفرد بها قد خالفه جمع من كبار الحفاظ فرووا الحديث عن المغيرة وفيه لفظة "الخفين" لا الجوربين، ثم ألمح إلى أن ظاهر القرآن يدل على وجوب غسل القدم في الوضوء كما تدل عليه الآية السادسة في سورة المائدة المعروفة بآية الوضوء، وما دام الحديث مشكوك في ثبوته بسبب المخالفة، فعليه لا يقال بجواز المسح على الجوربين عوضاً عن غسل القدمين في الوضوء، وهذا الكلام يدل على أن الحديث محتمل الثبوت، والقول بضعفه ليس بقطعي.
    ومما يدل على أنه قد اختلفت وجهات النظر فيه، أن بعض النقاد ذهبوا إلى تصحيحه، ورأوا أنه غير مخالف لما رواه الآخرون عن المغيرة، وممن قال بصحته الترمذي وابن خزيمة وابن حبان.
    والرأي الذي عليه كبار أئمة العلل أن حديث أبي قيس منكر؛ لمخالفته للمحفوظ عن المغيرة بن شعبة، قال ابن المديني: "حديث المغيرة رواه عن المعيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، إلا أنه قال: "ومسح على الجوربين،" وخالف الناس،" وقال ابن معين: "الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس،" وهذا رأي سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم.
    وبناء على كلامهم في هذا الحديث قال الإمام أحمد في أبي قيس: "يخالف في أحاديثه،" وقال أبو حاتم الرازي: "ليس بقوي، هو قليل الحديث، وليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟ فقال: صالح، هو لين الحديث،" وقال النسائي: "ليس به بأس" وهذه عبارة تدل على توسط الحفظ، وذهب ابن معين والعجلي وابن حبان وآخرون إلى توثيقه.
    والمتضح من كلام مسلم، وابن المديني، وابن معين المنقول آنفاً، أنهم بنوا سبب تضعيفهم لرواية أبي قيس؛ لكونها مخالفة للمحفوظ عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وهذا إعلال متن بمتن، وإن كان أصل الحديث يروى عن الصحابي نفسه، مع أن من صحح الحديث كالترمذي وابن خزيمة وابن حبان يرون أن حديث أبي قيس يعد حديثاً آخر مستقل لا علاقة له بحديث الخفين المشهور عن المغيرة.
    ومما يدل على عناية أئمة الجرح والتعديل بنقد المتون، وأنه ركن أساس من أركان العملية النقدية السابقة على إطلاق الحكم على الراوي، أننا نجد بعض العبارات الموحية بذلك، فمثلاً نجد عن الإمام أحمد بن حنبل أنه لما سئل عن أبي إسرائيل المَلائي واسمه إسماعيل بن خليفة العبسي، قال فيه: "خالف الناس في أحاديث،" وقال ابن عدي في الراوي نفسه: "عامة ما يرويه يخالف الثقات،" وهذا يشمل السند والمتن، ونجد كذلك الإمام أحمد حين سئل عن الحجاج بن أرطاة: لِمَ ليس هو عند الناس بذاك؟، فقال: "لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث؛ إلا فيه زيادة،" وسأل رجال أحمد عن الحجاج: ما شأنه؟، فقال: "شأنه أنه يزيد في الأحاديث،" والمقصود هنا زيادة المتون لا زيادة الأسانيد؛ لأن الناظر في حديث الحجاج بن أرطاة يجد أسانيده في الغالب قليلة الوسائط إذ هو من طبقة الأتباع، وهو معروف بالتدليس في الإسناد، وأهم أغراض التدليس تقليص وسائط السند لا زيادته، ثم لو أن الإمام أحمد أراد أنه يخالف غيره في الأسانيد لقال: " يخالف،" ولم يقل: "في حديثه زيادة" أو "يزيد في الأحاديث،" وقد نص الأئمة على بعض زياداته في المتون.
    ونجد الإمام البخاري في نص نفيس يبين لنا سبب تضعيفه لعطاء بن عبد الله الخراساني، بناء على مخالفاته في المتون التي يرويه، فيقول: "ما أعرف لمالك بن أنس رجلاً يروي عنه مالك يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني. قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة:
    1. روي عن سعيد بن المسيب: "أن رجلاً أتى النبي وأفطر في رمضان،" وبعض أصحاب سعيد بن المسيب يقول: سألت سعيداً عن هذا الحديث؟ فقال: كذب علي عطاء لم أحدث هكذا.
    2. وروى عطاء عن أبي سلمة عن عثمان، وزيد بن ثابت في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وروى حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن عثمان أنه قال في المولي يوقف.
    3. وروى عطاء عن سعيد بن المسيب قال إذا أقام أربعاً صلى أربعاً، وروى داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب خلاف هذا.
    قلت له [القائل الترمذي]: فإن قتادة روى عن سعيد بن المسيب قال: "إذا أقام أربعاً صلى أربعاً،" مثل ما روى عطاء؟! قال محمد: أرى قتادة أخذه عن عطاء."

    ففي هذا النص المفسر المبين نرى الإمام البخاري يسوق أدلته على سبب تضعيفه لعطاء الخراساني، فنجدها كلها تتعلق بنقد المتن، فحين نرى عبارة مثل: فلان منكر الحديث، أو يخالف، أو يهم، أو نحوها عن البخاري؛ فلا يستبعد أن تكون أسباب هذه الأحكام وما يشبهها على أولئك الرواة ترجع للمتن، ومما يؤكد هذه الحقيقة بالإضافة لما سبق أن البخاري قال في صالح بن محمد بن زائدة: "منكر الحديث،" وورد عنه ما يبين سبب هذا الحكم، فقد سأله الترمذي عن حديث يرويه صالح هذا عن سالم عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله قال: "من وجدتموه غل، فأحرقوا متاعه؟"
    فضعف البخاري هذا الحديث وقال: "قد روي عن النبي غير حديث خلاف هذا حديث أبي هريرة في قصة مِدْعَم، وحديث زيد بن خالد أن رجلاً غل خرازات، وذكر أحاديث، فلم يذكر في شيء منها أن النبي أمر أن يحرق متاع من غل. وصالح بن محمد بن زائدة هو أبو واقد: منكر الحديث، ذاهب، لا أروي عنه."
    والبخاري -رحمه الله- له عناية بنقد المتون كما يظهر هذا في مواطن عدة من كتبه.
    وعلى أية حال فمما يؤسف له أن أغلب نصوص أئمة الجرح والتعديل تكون مختصرة، غير مصحوبة في الغالب ببيان الأسباب، ولذا قلنا: إن النص السابق في تضعيف البخاري لعطاء الخراساني يعد من النصوص النفيسة؛ لقلة وجود أمثاله من النصوص المفسرة.
    ومن علماء الجرح والتعديل الذين وجدت لهم كلاماً في نقد المتن شبيهاً بما تقدم، الإمام إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني -رحمه الله،- فقد وقفت له على عدة نصوص، منها ما جاء في سياق كلامه على ضعف عاصم بن ضمرة، فقد قال: "وعاصم بن ضمرة عندي قريب منه [أي من الحارث بن عبد الله الأعور وهو ضعيف عنده] وإن كان حكي عن سفيان قال: "كنا نعرف فضل حديث عاصم على حديث الحارث."

    . روى عنه أبو إسحاق حديثاً في تطوع النبي ست عشرة ركعة، "أنه كان يمهل حتى إذا ارتفعت الشمس من قبل المشرق كهيئتها من قبل المغرب عند العصر، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا ارتفعت الشمس، وكانت من قبل المشرق كهيئتها من قبل المغرب عند الظهر، قام فصلى أربع ركعات، ثم يمهل حتى إذا زالت الشمس صلى أربع ركعات قبل الظهر، ثم يصلي بعد الظهر ركعتين، ثم يصلي قبل العصر أربع ركعات، فهذه ست عشرة ركعة."
    فيالعباد الله!! أما كان ينبغي لأحد من أصحاب النبي ، وأزواجه يحكي هذه الركعات؛ إذ هم معه في دهرهم، والحكاية عن عائشة رضي الله عنها في الاثنتي عشرة ركعة من السنة، وابن عمر عشر ركعات، والعامة من الأمة، أو من شاء الله قد عرفوا ركعات السنة الاثنتي عشرة منها بالليل، ومنها بالنهار، فإن قال قائل: كم من حديث لم يروه إلا واحد؟! قيل: صدقت كان النبي يجلس فيتكلم بالكلمة من الحكمة لعله لا يعود لها آخر دهره، فيحفظها عنه رجل، وهذه ركعات كما قال عاصم كان يداوم عليها فلا يشتبهان.
    2. ثم خالف رواية الأمة، واتفاقها حين روى: "أن في خمس وعشرين من الإبل خمساً من الغنم،" وهذا حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبدالله عن أنس: "أن أبا بكر كتب له الصدقة التي فرض رسول الله ، فيما دون خمس وعشرين من الإبل في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففيها ابنة مخاض، وكذلك حكاية الزهري عن عبد الله بن عمر، وما حكى سفيان بن عيينة عن الزهري أيضاً كذلك."
    ومن الواضح جداً في هذا النص أن سبب ضعف عاصم بن ضمرة عند الجوزجاني: مخالفاته في المتون لما يرويه من هم أوثق منه. والنصوص المشابهة لما تقدم كثيرة بالنظر للأسباب الأخرى، ولولا خشية الإطالة لسردت ما وقفت عليه غير ما تقدم.
    ومن أنواع المخالفة التي يستعملها أئمة الجرح والتعديل في نقد المتن الحديثي المؤثرة في حكمهم على الرواة، أن يكون المتن مخالفاً للإجماع، وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل استعمال هذا النوع من المخالفة لنقد بعض الرواة، فقد قال في طلحة بن يحيى التيمي: "صالح الحديث،" وفي نص آخر قال: "طلحة بن يحيى أحب إلي من بريد بن أبي بردة، بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدث بحديث عصفور من عصافير الجنة."
    وحديث عصفور من عصافير الجنة الذي نقده الإمام أحمد أخرجه مسلم في صحيحه من طريق طلحة ابن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: "دعي رسول الله إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه. قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم."
    ونقل الخلال ما يبين سبب نقد الإمام أحمد لهذا الحديث، فقال: "أخبرنا الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين، فذكروا له حديث عائشة في قصة ابن الأنصاري، وقول النبي فيه. فسمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: هذا حديث! وذكر فيه رجلاً ضعفه: طلحة.
    وسمعته غير مرة يقول: وأحدٌ يشك أنهم في الجنة، هو يرجى لأبيه، كيف يشك فيه؟! إنما اختلفوا في أطفال المشركين."
    فظاهر كلام الإمام أحمد أنه نقد متن الحديث بسبب مخالفته للإجماع، بقرينة قوله: "إنما اختلفوا في أطفال المشركين،" ومفهوم هذا أن أطفال المسلمين لم يختلف فيهم، وهذا يدل عليه قوله أيضاً: "أحد يشك أنهم في الجنة!،" ولذا قال ابن عبد البر في الحديث الآنف: "وهذا حديث **** ضعيف، مردود بما ذكرنا من الآثار والإجماع." وكذا حكى النووي الإجماع على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة.
    ومما يدخل تحت في هذا النوع من المخالفة -حسب ظني- النصوص التي يصرح فيها كبار علماء الجرح والتعديل بضعف بعض الرواة؛ لكونهم يروون أحاديث فيها طعن في الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أو في عثمان رضي الله عنه كما ورد عن الإمام أحمد أنه سئل عن أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي: من أين جاء ضعفه، من قبل رأيه، أو من قبل حديثه.؟ فقال: "من قبل رأيه، حدّث ببلايا في عثمان، أحاديث سوء."
    وكذا إذا كان في المتن غلو في فضل علي رضي الله عنه، كما قال ابن سعد في عبيد الله بن موسى بن العبسي: "وكان ثقة صدوقاً إن شاء الله، كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث في التشيع منكرة، فضعف بذلك عند كثير من الناس." ولذا قال الإمام أحمد وهو ممن يضعف عبيد الله هذا لما سئل عنه: "كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء، أخرج تلك البلايا، فحدث بها، قيل له: فابن فضيل؟ قال: لم يكن مثله، كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية." وقال أبو داود في يونس بن خباب: "شتام لأصحاب رسول الله ... وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة، وليست الرافضة كذلك،" "وكان له رأي سوء، زاد في حديث القبر -حديث زاذان -: وعلي وليي،" وبيان هذه الزيادة المنافية لإجماع أهل السنة وردت في قصة لعباد بن عباد يقول فيها: "أتيت يونس بن خباب، فسألته عن حديث عذاب القبر، فحدثني، فقال: ها هنا كلمة أخفاها الناصبة. قال: قلت: ما هي؟ قال: أن يسأل في قبره من وليك؟، فإن قال: علي بن أبى طالب، نجا. فقلت: والله ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل البصرة. قال: أنت عثماني خبيث..."، وأهل السنة مجمعون على فضل الخلفاء الراشدين، وعموم صحابة رسول الله ، كما أنهم مجمعون على عدم الغلو في فضل علي رضي الله عنه أو غيره من صحابة رسول الله ، فإذا روى أحد الرواة متوناً حديثية تخالف هذا الإجماع المعتبر، فإن أئمة الجرح والتعديل يتكلمون فيه بسبب ذلك
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة