الاهوت والتحرير

الكاتب : لا نامت اعين ال   المشاهدات : 688   الردود : 0    ‏2007-05-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-05
  1. لا نامت اعين ال

    لا نامت اعين ال عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-13
    المشاركات:
    121
    الإعجاب :
    0
    "فالإيمان الذي يكتفي بحضور قدّاس الأحد و يرضى بالظلم طوال الأسبوع لا يقبله الله"

    (أوسكار روميرو)
    ع



    تبدو الكلمتان في تناقض مبدئي، ما الذي يجمع اللاهوت –وهو علم جامد و نظري بحت- بالتحرير أو الحرية التي هي من صميم تجارب البشر الديناميكية الخلاّقة؟ ربما لهذا نحتاج أن نُعَرّف اللاهوت... ظلت كلمة "لاهوت" تحمل معنى النظريات الفلسفية المختصة بطبيعة الله ذاته خاصةً في الفكر المسيحي حتى حدثت ثورة في المفاهيم و التعريفات أدّت إلى إطلاق لفظ لاهوت على كل ما يتصل بدراسة الشأن الديني عامةً (أقرب إلى الفقه في المفهوم الإسلامي) بل و أيضاً فيما هو خارج الديانة المسيحية. من هنا تعني كلمة "لاهوت التحرير" حرفياً الدراسات المعنية بالبعد الديني لقضية الحرية الإنسانية و العدالة. و هذا –في رأيي- يعطي لقضية لاهوت التحرير أهمية قصوى في مجتماعتنا الشرقية المصابة بكل أنواع الظلم و التمييز.

    ( التعريفات عن كتاب "من يحتاج اللاهوت؟ دعوة لدراسة الله "– روجر أولسون 1996)




    جولة في التاريخ
    بدأت القصة من الأمريكتين و بالتحديد في أمريكا الشمالية في الستينات من القرن الماضي، عندما بدأ بعض اللاهوتيين المسيحيين السود في القاء الضوء على مشكلة العنصرية مفسرين "الخلاص المسيحي" على أنه تحرير الأمريكيين السود من التفرقة العنصرية و التمييز. كان الأبرز هو جيمس كون الذي أطلق الشعار الشهير "لنكُن سوداً مع الله" و الذي عنى به ببساطة أن الله هو بالضرورة في جانب المقهورين و المهمشين، و أن من يطلب "الخلاص" من المتدينين لا يمكنه بأي حال من الأحوال تجاهل هذه الفئات المحرومة في مسيرة خلاصه. كانت الفكرة في بدايتها حماسٌ ثوري لا يرقى إلى مستوى أيدولوجية ناضجة.

    إلا أن أساقفة أمريكا اللاتينية الكاثوليك قد التقطوا الفكرة، خاصة وهم يشاهدون مدى التخلف و الفقر اللذَين كان شعوبهم يرزحون تحتهما. و بحلول الفكرة في أمريكا اللاتينية تمّت صياغتها بصورة أنضج خاصةً على يد جوستافو جوتيريز ، الذي يعيش الآن في ليما عاصمة بيرو، المعتبر الأب الروحي للاهوت التحرير في العالم. وقد شخّص جوتيريز مثلاً مشكلة أمريكا اللآتينية فيما اسماه "نظرية الاعتماد" أي أن اعتماد أمريكا اللاتينية الاقتصادي و السياسي على الغرب ( وبخاصة الولايات المتحدة) مقصودٌ به منفعة المجتمعات الغنية فيها و الغرب في ذات الوقت. لذا فقد رأى جوتيريز "الخلاص" (بمفهومه الديني) هو في التخلص من هذه القوى الأجنبية و الوطنية التي من مصلحتها أن تبقي الغالبية العظمى من الشعب فقراءً!

    ثم سرت الفكرة إلى كل الشعوب المقهورة فتبناها في إفريقيا الأسقف ديزموند توتو و في آسيا الراهب اليسوعي الويزيزس بييريز.

    إلا أن الأمر لم يخرج للعلانية قبل المجمع الفاتيكاني الثاني الذي انعقد في روما من 1963 و حتى 1965. حضر المجمع نحو ثلاثة آلاف من أساققة العالم الكاثوليكي بهدف تجديد الكنيسة الكاثوليكية في مواجهة تحديات العصر الجديد. و مع حضور أساقفة أمريكا اللاتينية رواد لاهوت التحرير، بدأ الخطاب الرسمي للكنيسة الكاثوليكية في التغيير مستجيباً للتوجهات الجديدة

    بعد المجمع، وجّه اللاهوتيون الجُدد نداءً لأساقفى الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية أن يتخلوا عن تحالفهم مع السلطة السياسية التي تتحكم في ثروات البلاد. و استجاب الأساقفة للنداء، و عقدوا مجمعَين لأساقفة أمريكا اللاتينية في 1968 و 1979 معلنين فيه اتّباع الكنيسة لمباديء لاهوت التحرير. و قامت الكنيسة بالضغط على النظم الديكتاتورية هناك مطالبين بالتغيير، بل أنه في بعض الحالات –كما في نيكاراجوا- حرّك الأساقفة الثورة ضد العائلة الحاكمة. و في السلفادور، أُغتيل الأسقف أوسكار روميرو على يد مسلحين تابعين للحكومة صائراً بهذا شهيد لاهوت التحرير الأول.

    على أن الكنيسة في الفاتيكان ظلّت على تحفظها تجاه الحركة ، تحفظ أخذ أشكالاً للمواجهة الصريحة كما في زيارة البابا السابق لفنزويلا التي عنّف فيها أحد قساوسة التحرير أمام شاشات التلفيزيون بعدما أعلن في كولومبيا أنه لن يسمح باختراق الماركسية للكنيسة تحت أي ظرف. أو أشكالاً أكثر هدوءاً كما في وثيقة الكاردينال راتزنجر عن موقف الكنيسة من لاهوت التحرير






    ما هي توجهات لاهوت التحرير؟
    تأثر اللاهوتيون الجُدد بالماركسية ما في ذلك شك، و هم أبداً لم ينكروا ذلك! بل أن أحدهم قال أنه بصدد "تعميد" ماركس مثلما "عمّد" توما الأكويني أرسطو و أغسطينوس أفلاطون!

    وقفوا جميعاً في مواجهة الظلم و التمييز مستندين على مرجعية دينية كانت السلطة الكنسية تحتكرها فبل ذلك متحالفة مع السلطة السياسية.(هل يذكرنا هذا بأوضاع شبيهة؟!) و ربطوا الدين بالمقهورين – و بعضهم تتطرف في هذا إلى حد رفض إيمان الأغنياء و أصحاب السلطة- و بعضهم دعا إلى المقاومة المسلحة إلا أن الغالبية رفضت هذا

    ركزوا على دور رجل الدين كخادم للمجموعة معتبرين هذا أهم من حراسة العقيدة، وهم في العموم قدّموا خدمة الإنسان على مكانة العقيدة. بل أنهم أعادوا تعريف "الخطيئة" مركّزين على البعد الجماعي لها و الذي يسبب خللاً و تمييزاً اجتماعياً

    أخيراً، وضعوا مفهوماً جديداً للكنيسة و أهميتها، جاعلين المسيح قبل الكنيسة، إذ أنه لا مبرر لوجود الكنيسة إلا حضور المسيح كأسا لهذا الوجود





    نظرة من قريب
    يقول جوتيريز في كتابه "لاهوت التحرير:"


    "إن لاهوت التحرير هو على وعي بالمحاذير المحيطة بإقحام الإنجيل في السياسة. و هو يرى أنه عندما يقال أن الكنيسة "تسيّس" الناس حين تبشرهم بالإنجيل فإنه يعترف بوجود ذلك البعد في الإنجيل كله دون أن يحوّله إلى مجرد سياسة لا بل يعترف أن رسالة "الحب الكلي" النابعة من الإنجيل تمتلك بُعداً سياسياً حقيقياً. و هذا البعد قائم من الواقع! ذلك أن بشارة الكنيسة تتوجه إلى أناس يعيشون في مجتمع معين و يخضهون لشبكة من العلاقات الاجتماعية و يرتبطون بظروف سياسية لاإنسانية أحياناً"

    يقول ديزموند توتو في محاضرة بعنوان "لاهوت التحرير في إفريقيا":

    "إن لاهوت التحرير جزءٌ لا يتجزأ من كفاح السود لينالوا حريتهم. و إنه ليجتهد في مساعدتهم على أن يفخروا بإنسانيتهم فلا يخجلون من النظر إلى الآخرين في أعينهم بل يتعاملون معهم نداً لند، و لا يعتبرون أنفسهم مضطرين إلى الاعتذار بسبب لون بشرتهم السوداء!"

    "ليس لاهوت التحرير مجرد تمرينات ذهنية أو هذيان فكري، فالقضايا التي يطرحها قضايا حياة أو موت لمن يتوجه إليهم هذا اللاهوت. فهو يحاول أن يعيد إلى ضحايا القهر معنى إنسانيتهم المفقودة كما يحاول أن يعيد إليهم قيمتهم الشخصية التي منحها الله أياهم"

    و أخيراً، يقول الويزيزس بييريز في كتابه "لاهوت التحرير في آسيا":

    "إن الإدراك الحقيقي ليسوع كإنسان تاريخي متواجد في المكان و الزمان هو الذي يقودنا إلى البحث عن معنى العبادة الحقيقية.و هذا الإدراك هو الذي يقدمه لنا لاهوت التحرير، إذ يركز على المسيح الذي صار واحداً منا. كما أن هذا اللاهوت يمكنه مساعدة الكنيسة في العبور من مسيح التأملات المجردة إلى المسيح الذي صار حياً بجسده و دمه. مسيح واقعي قلبه يدمي، مسيح جائع و عطشان و عارٍ و مريض و لا مأوى له و سجين بسلاسل القوانين الاجتماعية الجائرة. مسيح لا يجد مكاناً يولد فيه، و ليس له حجرٌ يضع رأسه عليه، و لا يجد مكاناً يُدفن فيه. مسيح يشكل خطراً على هيرودس فتعقبه ليقتله، مسيح مفتَرَى عليه أمام المحكمة. مسيح معذَّب من قبل الشرطة، مسيح يعامَل كالمجرمين. مسيح وقع ضحية التعصب و النفاق السياسي للكهنة، مسيح قائد غير مرغوب فيه.

    هذا هو المسيح ذو الوجه الإنساني و القلب الإنساني الي يفتح عقولنا لنفهم الأسباب الحقيقية الظاهرة و الخفية التي تعمل على تجريد الإنسان من إنسانيته. و هو الذي يقترح علينا نموذجاً مختلفاً للمجتمع الإنساني: مجتمعاً يتمحور حول النمو الحقيقي و الشامل للإنسان لا حول تراكم الفوائد و الممتلكات!"
     

مشاركة هذه الصفحة