تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار

الكاتب : إيكو سان   المشاهدات : 552   الردود : 0    ‏2007-05-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-03
  1. إيكو سان

    إيكو سان عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-24
    المشاركات:
    119
    الإعجاب :
    0
    لمن لايزال يصدق بالإعجاز العلمي ورغم عدم ذكر الباحث غير الدكتور زغلول النجار وإهمال الباقين من المهتمين بالإعجاز العلمي وهذا ربما عائد الى أنهم لم يصلوا إلى قدرة النجار في التأويل والتهافت.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



    هذا البحث إنَّما "أهديه" إلى كل مَنْ نجح الدكتور زغلول النجار (ومَنِ اهتدى بهديه) في إعماء أبصارهم وبصائرهم حتى ظَنُّوه عَلَمَاً مِنْ أعلام العِلْم، اهتدت على يديه، و"تديَّنَت"، الفيزياء والكوزمولوجيا بنظرياتهما الكبرى.. "أهديه" إليهم لعلَّهم يهتدون، ويُمَيِّزوا الحق من الباطل في قَوْليه العلمي والديني!





    تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!

    جواد البشيتي


    "الزمان يتمطَّى بملل فوق صخرة ليِّنة..
    لقد قرَّر أنْ يضاجع الريح فوق جبال الملح.. ".

    يكفي أنْ نقرأ هذا المقطع مِنْ "قصيدة" حتى نشعر أنْ لا مناص لنا مِنَ الإجابة عن السؤال اللغوي الآتي: "هل لكلِّ عبارة معنى؟".

    قَرَأْتُ أنَّ شخصاً أراد أنْ يَسْخَر مِنْ شُعراء "الشِعر الحديث"، أو مِنْ بعضهم، فأرسل "قصيدة"، منها المقطع المذكور، إلى مجلة أدبية "رصينة"، ظانَّاً أنَّ المجلة ستُلقي بها في سلَّة المهملات، ولكنَّه فوجئ، أوَّلاً، بنشرها، ثمَّ فوجئ بالإعجاب والتقدير اللذين حظيت بهما، فالنقَّاد الأدبيون تسابقوا في اكتشاف ما انطوت عليه "القصيدة" مِنْ معانٍ فلسفية وفكرية عميقة!

    صاحبنا لم يكن يتوقَّع أنْ يلقى الغثاء اللغوي الذي أرسله كل هذا الاهتمام والاستحسان والإعجاب، ولكن يبدو أنَّ شيوع "التعقيد اللغوي"، أي تأليف الكلام على وجه يعسر فهمه، قد جعل لكل كلام مستغلَق، غير مفهوم، سلطانا على الناس، فيقومون، عَبْرَ "إعطاء الكلام دلالة مُعَيَّنَة"، أي عَبْرَ "التأويل"، باكتشاف معانٍ في النص لا وجود لها البتَّة في العلاقة بين "الدَّال"، أي الكلمة أو اللفظ، و"المدلول"، أي المعنى.

    إنَّ أحداً لم يرَ، ولن يرى، "نهراً مِنْ ذهب"؛ لأنْ لا وجود لنهر كهذا، ولكن كل الناس رأوا "النهر"، ورأوا "الذهب". في هذه الطريقة نقوم بإنشاء "الكائنات الخرافية"، فما مِنْ كائن خرافي إلا ويتألَّف مِنْ عناصر وأشياء موجودة في الواقع، وليست الخرافة سوى "الصلة" التي نقيمها بين تلك العناصر والأشياء، فالنهر "واقع"، والذهب "واقع". أمَّا الصلة بينهما، أي "نهر مِنْ ذهب"، فهي الخرافة.

    ونحن لو عُدْنا إلى ذلك المقطع مِنَ "القصيدة" لوجدنا أنَّ كل كلمة فيه لها وجود في قواميس اللغة العربية، وأنَّ الناطقين بالعربية قد تواضعوا، أو اتَّفقوا، على الصلة الصحيحة بين "الدَّال" و"المدلول"، فكلمات: "الزمان"، "تمطَّى"، "ملل"، "فوق"، وغيرها، لها، جميعاً، مدلولات ومعانٍ صحيحة، أي مُتَواضَع عليها. غير أنَّ هذا "الصواب اللغوي" يتحوَّل إلى "غثاء لغوي" نتيجة الصلة غير الصحيحة التي نقيمها بين تلك الكلمات، فالخطأ إنَّما يكمن في "المعنى العام (أو المركَّب)" لذلك المقطع، أو النص، أو لعباراته وجُمَلِهِ.

    في هذه الطريقة في تأليف الكلام، نزاول ضرباً مِنْ ضروب الغش أو التدليس اللغوي، فنُسْقِط على "النص" معنىً لا وجود له البتَّة، ولا يمكن أنْ يكون موجوداً، في "ذات النص"، وكأنَّ الكاتب مِنْ هذا النمط يبحث عن "النجاح" في العبارة المستغلَقة غير المفهومة، أي في العبارة التي تَخْرِق قانون "التواضع اللغوي"، وتُقَوِّض العلاقة بين "الدَّال" و"المدلول". لو قُلْتَ "شربتُ ماءً بارداً" لكان قولكَ متَّفقاً كل الاتِّفاق مع قانون "التواضع اللغوي". أمَّا لو قُلْتَ "أكلتُ ماءً مثلَّثاً" لخَرَقْتَ هذا القانون أسوأ خَرْق.

    ومِنْ ضروب الغش أو التدليس اللغوي، أيضاً، أنْ تُدْخِل في الكلمة "معنىً غريبا"، أي معنىً يقوِّض العلاقة المتواضَع عليها بين "الدَّال" و"المدلول"، في سبيل أنْ تُسقِط على "النص" التفسير الذي تريد. إنَّ كل الناس يعرفون المعنى الأم أو الحقيقي لكلمة "نار"، مثلاً. وأنتَ، على سبيل المجاز، تستطيع أنْ تجعل لهذه الكلمة معنى "الشوق"، أو "الانتظار"، مثلاً، ولكنَّكَ لا تستطيع أنْ تقول إنَّ "الماء" مِنْ معاني كلمة "النار" مِنْ غير أنْ تقوِّض الصلة الطبيعية بين "الدَّال" و"المدلول"، وتَخْرِق قانون "التواضع اللغوي" أسوأ خَرْق.

    "الكلمة" يجب أنْ تُسْتَعْمَل، عند تأليف الكلام، لتؤدي "معناها الحقيقي"، أو "معناها المجازي". يترتَّب على ذلك، أوَّلا، أنْ يكفَّ أهل الفكر والقلم عن دسِّ معانٍ في الكلمة لا تمتُّ بصلة إلى معانيها الحقيقية المتواضَع عليها، ثمَّ يترتَّب عليه أنْ يجيء "المعنى المجازي" للكلمة مستوفياً لشروطه، فإنَّ "الشوق" لا يكون مِنَ المعاني المجازية لكلمة "النار" إلا إذا كان بينه وبين النار مِنْ أوجه الشبه والتماثل ما يجيز هذا الاستعمال المجازي، فأنتَ لا تستطيع أنْ تقول إنَّ "الماء" مِنَ المعاني المجازية لكلمة "النار" لانتفاء أوجه الشبه أو التماثل بينهما.

    "الكلمة" هي "الدَّال"، أمَّا "معنى" الكلمة فهو "المدلول". وإنَّ لكل دالٍ مدلوله، الذي إمَّا أنْ يكون حقيقياً، وإمَّا أنْ يكون مجازياً، فلنتحرَّ المعنى الحقيقي، ولنستوفِ شروط استعمال الكلمة في معناها المجازي، فبهذه الطريقة فحسب تكون الكتابة "أرقى أشكال التفكير"، وتستقيم العلاقة بين "النص" و"التفسير"، بين "الكلمة" و"المعنى".

    تفسير النصوص الدينية على غير ظاهرها، أي البحث عن "المعاني الخفيَّة" وراء "المعاني الظاهرة" في الكلام، والمغالاة في ذلك ، هو "التأويل"، الذي قد يُفْسِد ويشوِّه "المعنى الحقيقي" للنص الديني، الذي لا يحتاج إلى "التأويل"، فالتفسير خيرٌ وأبقى، ويجب أنْ يظل غاية الباحث والبحث. غير أنَّ بعض الناس يحتاجون إلى "التأويل"، الذي مِنْ خلاله يعزِّزون ويقوُّون وجهة نظر معيَّنة، لهم مصلحة في تعزيزها وتقويتها، ولو كان تشويه "الحقيقة" هو عاقبة عملهم.

    "تأويل النصوص الدينية"، والذي يضر الدين ولا يفيده، قام على ركنين أساسيين: "اختراع" معنى لغوي جديد لـ "الكلمة"، أو التطرُّف في "التفسير المجازي" للنص، فيُفَسَّر الكلام كما تُفسَّر الأحلام، فـ "البقرات السبع السمان"، و"البقرات السبع العجاف"، في "النص الديني"، تغدو، في "التأويل"، "سنوات ممطرة"، و"سنوات عجاف"، فيؤوَّل هذا النص كما تؤوَّل الأحلام.

    لقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، فانتفت الحاجة، بالتالي، إلى "التأويل" و"المؤوِّلين"، فكل مَنْ قَرَأَهُ مِنَ العرب في الجاهلية كان يفهم معاني كلماته وعباراته ونصوصه فهماً جيِّداً.

    و"المؤوِّلون" قرَّروا أنْ يُفْهَم "التأويل" على أنَّه "التفسير" المتأتي مِنْ اجتياز المعنى الواضح للكلمة، أو للكلام، إلى المعنى الذي يريده، ويحتاج إليه، "المؤوِّل". وإذ ثَبُتَ وتأكَّد، على سبيل المثال، أنَّ الأرض "كروية" قام "المؤوِّلون" بإدخال معنى لغوي جديد في كلمة "الدَّحْوُ"، هو "التكوير"، فـ "دَحْوُ" الأرض ما عاد يعني "بسطها"، وهو المعنى الحقيقي للكلمة. أصبح يعني، عَبْرَ "التأويل"، جَعْلها كـ "الكرة".

    وفي الموقف مِنْ هذا "التأويل العلمي" للقرآن، لا أرى موقفاً أصح مِنْ موقف أبو أسحق الشاطبى المتوفى سنة 790 هجرية، فهو يرى "أنَّ كثيراً مِنَ الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل عِلْم يُذْكَر للمتقدِّمين أو المتأخِّرين مِنْ علوم الطبيعيات، والمنطق، وجميع ما نَظَرَ فيه الناظرون مِنْ أهل الفنون وأشباهها. وهذا ليس بالصحيح. ثمَّ أنَّ السلف الصالح مِنَ الصحابة والتابعين ومَنْ يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبكلامه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنَّه تكلَّم أحد منهم في شيء مِنْ هذا المدَّعى.. ولو كان لهم في ذلك خوض ونظرة لبلغنا ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أنَّ ذلك لم يكن، فدل على أنَّه غير موجود عندهم..". هذا الرأي السديد هو الذي ينبغي لكل المفكِّرين الإسلاميين التزامه، فـ "التأويل العلمي" لآيات قرآنية إنَّما هو تطاول على الدين والعِلْم معاً.

    وهُم لا يؤوِّلون النصوص فحسب، وإنَّما الظواهر الطبيعية، فيُحَمِّلون "النص" و"الظاهرة" معاني لا تمتُّ بصلة إلى معانيهما الحقيقية.

    بالتأويل يستطيع المرء، وبقليلٍ، أو كثيرٍ، مِنَ الجهد، أنْ يَجِد في أيِّ نصٍّ، وفي أيِّ ظاهرة طبيعية، المعاني التي يريد ويبتغي.. يستطيع أنْ يرى ما يرغب في (أو عن) رؤيته!

    "إلا يَسْجُدوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَواتِ والأَرْضِ". إقْرَأوا هذه الآية القرآنية، وحاولوا فَهْمَ "معناها الحقيقي". في هذه الآية يُظْهِر الخالِق قدرته وعظمته، وكيف جَعَلَهُما مَصْدَر خير للبشر، لعلَّهم يعبدوه ويؤمنون به. وأحسبُ أنَّ كلمة "الخَبْء" هي مِنْ نمط الكلمات والعبارات القرآنية التي، بجهد تأويلي ليس بشاق، يمكن تحويل "معناها الحقيقي" إلى "المعنى الذي يريده المؤوِّل".

    "الخَبْء"، لغةً، هو ما أُخْفِيَ وادُّخِر. فمِنْ أوجه عظمة "الخالِق" أنَّه يُخْرِج، أو يُظْهِر، ما أُخْفِيَ في السماء والأرض، فما هو هذا "الخَبْء" الذي يُخْرِجَهُ في السماء والأرض؟ في "التفاسير"، فسَّروا "الخَبْء" على أنَّه "مطر السماء" و"نبات الأرض". وهذا "التفسير"، الذي يكسو "العِظام"، في "المعنى اللغوي" لكلمة "الخَبْء"، لحماً، ويَجْعَل "المعنى العام" يلبس لبوس "المعنى الخاص"، ليس بالتفسير المُجانِب للحقيقة. نقول بذلك، ولكنْ مِنْ غير أنْ نضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ "الخَبْء" في السماء والأرض قد يشمل، أيضاً، غير "المطر" و"النبات". قد يشمل، مثلاً، "البراكين"، فـ "المواد المنصهرة والغازات والأبخرة" التي تَخْرُج مِنْ "فتحة في القشرة الأرضية" هي، أيضاً، مِنْ هذا "الخَبْء" في الأرض الذي يُخْرِجه "الخالِق".

    أمَّا لو أرَدَتُ أنْ أَحْذو حذو "المؤوِّلين المعاصرين" لاكتشفتُ لكم في الآية "إشارة قرآنية" إلى "الطاقة النووية"، ولشرحتها، بالتالي، على النحو الآتي: إنَّ مِنْ آيات الخالِق أنَّه يُحرِّر الطاقة الحرارية الحبيسة في نوى ذرَّات الهيدروجين في بواطن النجوم في السماء، فهذا "الخَبْء" في بواطن النجوم في السماء يُخْرِجه الخالِق عند اندماج نوى ذرَّات الهيدروجين، التي لا تندمج إلا عملاً بإرادته. و"الخَبْء" في الأرض إنَّما هو "الطاقة النووية" التي تقوم "المفاعِلات النووية" بـ "تحريرها". وهو الذي يُخْرِجُ هذا "الخَبْء"؛ لأنَّه هو الذي مكَّن البشر مِنْ إخراجه. ولسوف أرى، وأُريكم، مِنْ ثمَّ، وجهاً آخر لـ "الإعجاز"، فـ "السموات"، في الآية، ذُكِرِت أوَّلاً، أي قَبْلَ ذِكْر "الأرض". وفي هذا ما يؤكِّد أقدمية السماء في "تحرير الطاقة النووية".

    أمَّا في الآية "لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأرْضِ ولا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ" فأستطيع، بشيءٍ مِنَ التأويل، أنْ أرى إشارة ليس إلى "الذرَّة" Atom فحسب وإنَّما إلى "الإلكترون" و"البروتون" و"النيوترون"، وحتى إلى "الكوارك"، فالأصغر مِنْ مثقال ذرَّة يمكن أنْ يكون جسيماً مِنَ الجسيمات دون الذرِّية!

    "والنَّجْمِ إذا هوى". في هذه الآية، كَثُرَ واختلف "التفسير" و"التأويل" حتى أنَّ الصلة بين "الدال" و"المدلول" انقطعت. في هذه الآية يقسم الخالِق بمخلوق مِنْ مخلوقاته، فالخالِق، وبخلاف البشر، يقسم بما شاء مِنْ خلقه. الخالِق، هنا، يقسم بـ "النَّجْمِ إذا هوى"، أي إذا سقَط مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْل. بعض المفسِّرين قال إنَّ الخالِق يعني بالنجم "الثريا إذا سقطت مع الفجر". وبعضهم قال إنَّه "الزهرة". وبعضهم قال إنَّه "القرآن إذا نزل". وكان دليلهم، الآيات "فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنَّه لقسم لو تعلمون عظيم. إنَّه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل مِنْ ربِّ العالمين". وبعضهم قال إنَّه "الشهاب إذا رُمي به الشياطين".

    وإنَّني لا أعرف السبب الذي منع المسلمين في زمن النبي مِنْ أنْ يسألوه عن معنى هذه الآية، وعن معنى كل آية لم يكن معناها واضحاً في أذهانهم، فظَهَرَ، بالتالي، هذا الاختلاف والتضارُب، وهذه الكثرة، في "التفسير" و"التأويل". وأحسبُ أنَّ الرغبة في تقوية الإيمان في النفوس كان ينبغي لها أنْ تحملهم على طلب الشرح والتوضيح والتفسير، فالإيمان يحتاج إلى "نصٍّ ديني مفهوم وواضح المعنى". وهذا يتطلَّب "الحوار" بين سائلٍ يسأل، وهو المسلم، ومجيب يجيب، وهو النبي. ولو كان هذا الحوار، أو لو توسَّع أكثر، لانتفت الحاجة إلى "المفسِّرين" و"المؤوِّلين" بَعْدَ وفاة النبي، الذي لو قال في معنى بعض الآيات إنَّ الله وحده هو الذي يعلم معناها عِلْم اليقين لما عاد لـ "المفسِّرين" و"المؤوِّلين" مِنْ حقٍّ في أنْ يجتهدوا في تفسير تلك الآيات. أليس مِنْ شروط "الإيمان بهذه الآية" أنْ يقف المؤمِنْ على معناها الحقيقي؟! أليس مِنْ حقِّه أنْ يَعْلَم على وجه اليقين ما هو هذا النجم الذي أقسم به الخالِق؟! هل هو "الثريا"، أم "الزهرة"، أم "الشهاب"، أم "القرآن"، أم..؟!

    إذا كان الخالِق يقسم بنجم يسقط مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْل فلن يكون هذا النجم إلا "الشهب"، فهذا "الجسم الكوني"، المُشْتعل والمضيء، والضئيل الحجم والكتلة، هو الذي نراه يسقط دائماً مِنَ السماء. وقد فُسِّر دينياً على أنَّه سهم ناري تُرمى به الشياطين.

    "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بسلطان". في هذه الآية يؤكِّد الخالِق أنَّ معشر الجن والإنس لن يتمكَّنوا أبداً مِنَ الخروج، أو الهروب، مِنْ نواحي السماوات والأرض، فخروجهم، أو هروبهم، منها يحتاج إلى "قوَّة (أو قدرة)" لن يملكوها أبداً، وكأنَّه يقول لهم إنَّكم لا تستطيعون هرباً مِنْ أمر الله وقدره، فهو محيط بكم، وليس لكم، بالتالي مِنْ مفر. إنَّ في قوله "فانفذوا" أمر تعجيز، فمعشر الجن والإنس لا قدرة لهم على ذلك. هذا هو التفسير الحقيقي للآية.

    على أنَّ غزو الإنسان للفضاء، وهبوطه على سطح القمر، قد حملا بعض "المؤوِّلين" على إلغاء هذا التفسير الحقيقي، وتفسير الآية على أنَّها إشارة قرآنية إلى "غزو البشر للفضاء"، فالخالِق، بحسب "التأويل المعاصر" للآية، قد أمر البشر بغزو الفضاء، موضحاً لهم أنَّهم لن يتمكَّنوا مِنْ ذلك إلا بامتلاكهم ما يكفي مِنْ سلطان (أو قوَّة) العِلْم!

    لقد قُلْتُ كل ذلك حتى أُقيم الدليل على أنَّ الإنسان يستطيع، إذا ما أراد، وإذا ما بَذَل قليلاً، أو كثيراً، مِنْ الجهد، أنْ يَعْثُر على المعنى الذي يريد في أي نص!


    والقائمون، أو بعض القائمين، بـ "التأويل"، أي بتفسير "النص" تفسيراً جديداً مُرْضياً، يظلُّون مؤمنين بـ "صواب النص، ولكنَّهم يَفْقِدُون ثقتهم بـ "صواب التفسير القديم"، فـ "التفسير"، مقارَنةً بـ "النص الديني"، الذي لا شكَّ عندهم في اشتماله على "الحقائق المطلقة"، هو ثمرة جهد بشري قد يُصيب وقد يُخْطِئ.

    التأويل عند الدكتور زغلول النجار

    انْظُروا، الآن، إلى الأستاذ الدكتور زغلول راغب محمد النجار وهو يَسْتَخْدِم "التأويل" في تشويه "المعاني الحقيقية" لآيات قرآنية، ولظواهر فيزيائية وكونية. إنَّه يبدأ هذا التأويل بإبراز "الأهمية العلمية" لنظرية كوزمولوجية متهافتة في كثيرٍ مِنْ جوانبها، هي نظرية "الانفجار العظيم" Big Bang الذي منه انبثق الكون، مُظْهِراً بعض مكوِّناتها على أنَّها "حقائق لا تشوبها أباطيل".

    وبعدما حَسِبَ أنَّ القارئ قد اقتنع وآمن بما اشتملت عليه هذه النظرية مِنْ "حقائق مطلقة"، ذهب إلى القرآن، ليقتطف منه آيات، يؤوِّلها بما يتَّفق مع جوهر هذه النظرية. وهو لم يؤوِّل النص الديني بما يتَّفق مع نظرية "الانفجار العظيم" إلا بعدما انتهى مِنْ تأويل النظرية ذاتها بما يتفق مع النص الديني، فأساء إلى "النص" و"النظرية" معاً!

    هذا الباحث نَظَرَ إلى "النص الديني" عَبْرَ "المجهر"، فاكتشف في بعض الآيات القرآنية "بذور" و"أجنَّة" نظرية "الانفجار العظيم". وقد سمَّى هذه البذور والأجنَّة "الإشارات الكونية في القرآن الكريم".

    "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ". مِنْ هذه الآية مِنْ سورة "الذاريات"، ابتنى الباحث جسراً بين القرآن ونظرية "الانفجار العظيم"، التي تتَّخذ ظاهرة "التمدُّد الكوني" ركناً مِنْ بنيانها.

    "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ". هذه هي العبارة القرآنية التي فهمها الكاتب على أنَّها إشارة قرآنية إلى ظاهرة "التمدُّد (أو التوسُّع) الكوني"، التي تتَّخذها نظرية "الانفجار العظيم" دليلاً على صحَّتها. فَلْنَدَعْ تأويله، ولنذهب إلى "التفسير"، فهو خير وأبقى.

    "اليد"، لغةً، معناها، أو مِنْ معانيها: النِّعمة والإحسان والفضْل (له عليَّ يدٌ لا أنساها). و"اليد"، أيضاً، هي "السلطان" و"القوَّة". بـ "أَيْدٍ"، أي بـ "قوَّة".

    "وإنَّا لمُوسِعُون"، أي "لقادرون" على خلقها، وخلق كل ما نريد، فالله لا يشق عليه خَلْق أي شيء يريد. وفي السماء آيات تدلُّ على أنَّ الصانع قادر على الكمال. وقيل: "وإنَّا لمُوسِعُون الرزق على خلقنا". وإذا أنتََ قُلْت "أوْسَع الرجل" فمعنى قولكَ: "صار ذا سعة وقوَّة". ومنه قوله: "على المُوسِع قَدَره وعلى المُقْتِر قَدَره".

    "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا"، أي "جعلناها سقفاً محفوظاً رفيعاً". وبناء السماء هو "رفعها بغير عمد ترونها"، فالسماء "رفعناها سقفاً بقوَّة".

    قصارى القول، في تفسير "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ"، هو: "أغنياء قادرون". فالله الذي بنى السماء بقوَّة، ورفع هذا السقف المسموك (عن الأرض بُعْداً) بغير أعمدة ترونها.. الله الذي جعل السماء مُقَبَّبة على الأرض مثل القُبَّة، لقادر على أنْ يأتي بعمل أعظم مِنْ هذا العمل. وهكذا، فحسب، يمكن ويجب أنْ نفهم عبارة "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ"!

    الباحث وَجَدَ في كلمة "موسعون" بذور نظرية "الانفجار العظيم" Big Bang أو بذور نظرية "تمدُّد الكون". وهو بذلك لا يفعل سوى دس معنى كوزمولوجي في الكلمة لا يمتُّ إلى معانيها الحقيقية بصلة.

    لقد ضرب الباحث صفحاً عن "المعنى الحقيقي" للعبارة القرآنية حتى يتمكَّن مِنْ أنْ يزعم أنَّ "تمدُّد الكون" هو معناها، فلِمَ هذا التأويل الذي يسيء إلى العِلْم ولا يفيد الدين؟!

    "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا". انْظُروا إلى عبارة "مثقال ذرَّة" مِنْ هذه الآية. لو أرَدْتُ أنْ أجِدَ في هذه العبارة إشارة إلى "الذَّرة" Atom لوجدتها عَبْرَ "تأويل مشابه". إنني أستطيع القول (أي كنْتُ أستطيع القول في وقت اعتقد الفيزيائيون أنَّ الذرَّة هي الجزء الأصغر مِنَ المادة وغير القابل للانقسام) إنَّ في عبارة "مثقال ذرَّة" إشارة قرآنية إلى أنَّ المادة يمكن أنْ تنقسم، وتستمر في الانقسام، حتى تبلغ منتهاها في الصِغَر والضآلة، وهو "الذرَّة"!

    لو فَسَّرْتُها على أنَّها إشارة قرآنية إلى "الجزء الأصغر مِنَ المادة"، فماذا سأقول عندما يكتشف الفيزيائيون، وقد اكتشفوا، أنَّ الذرَّة قابلة للانقسام، وليست، بالتالي، الجزء الأصغر مِنَ المادة؟!

    وماذا سيقول الأستاذ الدكتور زغلول راغب محمد النجار عندما يتأكَّد العالَم، وقد شرع يتأكَّد، تهافت وبطلان نظرية "الانفجار العظيم" في كثيرٍ مِنْ جوانبها الجوهرية؟! هل سيبحث عن عبارة قرآنية أُخرى تنطوي على إشارة إلى بطلان هذه النظرية، أو إلى صحة النظرية الكوزمولوجية الجديدة المضادة؟! وماذا سيقول لأولئك الذين أقنعهم بأنَّ "بذور" نظرية "الانفجار العظيم" تكمن في عبارة "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ"؟!

    والآن، انْظُروا كيف يؤوِّل الظاهرة ذاتها، أي ظاهرة "الانفجار الكوني". يقول: "بفعل الانفجار الكوني العظيم تحوَّلت مادة الكون إلى سحابة مِنَ الدخان، الذي منه خُلِقت الأرض، وكل أجرام السماء، وما يملأ المسافات بينها مِنَ المادة والطاقة بكل صنوفهما". هكذا تصوَّر الباحث "الانفجار الكوني": "انفجار تلاه حريق وسحابة دخان"!

    فما هي "سحابة الدخان" هذه؟ إنَّها، في لغة الفيزياء والكوزمولوجيا، "الطاقة الخالصة" أو "الفوتونات" التي غمرت الكون عقب انفجار "البيضة الكونية"، والتي "تكثَّفت" في "جسيمات مادية" مثل "الإلكترون"، و"الكوارك"، الذي منه تكوَّن "البروتون" و"النيوترون". ثمَّ تكوَّنت "الذرَّة"، ثمَّ تجمَّع واحتشد وتركَّز غاز الهيدروجين في سُحُب، انبثقت منها النجوم والمجرَّات. هذه "الطاقة الخالصة" تحوَّلت، بالتأويل، إلى "سحابة دخان"!

    أمَّا سرُّ هذا التحويل، الذي جرى على يديِّ الباحث، فيكمن في رغبته في مدِّ جسر بين ظاهرة "الطاقة الخالصة" والآية "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ". فَلْنَذْهَب، قَبْلَ أنْ يسترسل في التأويل ويستفيض، إلى "التفسير الحقيقي".

    جاء في "التفاسير":
    "الدخان"، هو "بخار الماء" المتصاعد "حين خُلِقت الأرض".
    لقد "اسْتَوَى" (قَصَدَ وارتفع) الله إلى السماء، وهي ملأى ببخار الماء المرتفع (مِنَ الأرض عند خلقها). فقال للسماء والأرض: "ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا"، أي استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي، طائعتين أو مكرهتين.
    قال للسماوات: "أطلعي شمسي وقمري ونجومي". وقال للأرض: "شققي أنهارك وأخرجي ثمارك وأجري رياحك وسحابك". فقالتا: "أَتَيْنَا طَائِعِينَ".

    هذا هو "المعنى الحقيقي" لعبارة "السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ". أمَّا "الدخان ذاته"، أي بخار الماء المتصاعد مِنَ الأرض إلى السماء، فهو جزء مِنْ صورة "الخلق الإلهي" التي لا قاسم مشترك بينها وبين صورة الخلق في نظرية "الانفجار العظيم". ففي صورة "الخلق الإلهي"، خُلِقت الأرض، فتصاعد منها هذا الدخان، الذي غمر السماوات. أمَّا الباحث فيقلب الأمور، فعنده "سحابة الدخان" أوَّلاً، ثمَّ الأرض والنجوم.. أي أنَّ الأرض خُلِقت مِنْ هذا "الدخان"!

    الدكتور زغلول يتعصَّب لنظرية "الانفجار العظيم" في نزاعها مع نظرية "ثبات الكون واستقراره"، التي "تنفي وتُنْكِر الخالق"، بحسب حُكمه عليها. ولكن الدكتور زغلول أغفل "الجانب الجوهري المشترَك" بين النظريتين، وهو "خلق المادة مِنَ العدم"، فالنظرية الثانية، وإنْ أنكرت أنْ يكون للكون "بداية في الزمان"، قالت بخلق المادة مِنَ العدم في "الفضاء المتَّسع بين المجرَّات" بسبب تمدُّد الكون.

    وقد نصدم وعي الدكتور زغلول إذا قلنا: "ليس في القرآن أي إشارة إلى العدم" في المعنى الذي يريد. حتى "خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستَّة أيَّام" لم يتضمن أي إشارة إلى "الخلق مِنَ العدم Nothingness". أمَّا الوصف القرآني لـ "يوم القيامة"، ولـ "الجنَّة الخالدة"، فليس فيه ما يؤكِّد "فناء المادة"، أي انتقالها مِنَ "الوجود" إلى "العدم"، في المعنى الذي يقصده الدكتور زغلول النجار، فالقرآن يتحدَّث عن "الفناء"، أي "فناء الحياة الدنيا"، في معنى مختَلِف تماماً عن معنى "العدم" Nothingness.

    ونظرية "الانفجار العظيم" ذاتها لم تَضَع "العدم" في "مفهوم متماسك"، إذ ظلَّت "البيضة الكونية" أقرب إلى مفهوم "المادة" منها إلى مفهوم "العدم"، ولو أنَّها أضعفت كثيراً "مادِّية" هذه "النقطة"، التي خُلِق منها الكون. أمَّا وَصْفُ عمليتي "الخَلْق" و"الفناء" فَيَرِد في القرآن خالياً مِنْ أي إشارة إلى "العدم" Nothingness.

    الباحث، في تمجيده لنظرية "الانفجار العظيم"، قال: "نحن المسلمون نرقى بهذه النظرية إلى مقام الحقيقة الكونية لورود ما يدعمها في كتاب الله الذي أنزل مِنْ قَبْل ألف وأربعمئة مِنَ السنين"!

    فما هذا الذي وَرَدَ في القرآن، ورأى فيه الدكتور زغلول دعماً لهذه النظرية، ومسوغا للنظر إليها على أنَّها "حقيقة كونية"؟ "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ". مِنْ سورة "الأنبياء".

    هذه هي الآية التي يتَّخذها الباحث جسراً بين القرآن ونظرية "الانفجار العظيم"، فَلْنَدَعْهُ، أوَّلاً، يشرع في تأويلها بما يجعلها و"النظرية" في توافق تام في المعنى.

    يرى الدكتور زغلول أنَّ خلق السماوات والأرض بدأ مِنْ "جرم ابتدائي واحد"، سمَّاه الله (بحسب تأويله) باسم "مرحلة الرتق". ثمَّ أمر الله بـ "فتق هذا الجرم الابتدائي فانفتق". وهذه المرحلة يسمِّيها القرآن باسم "مرحلة الفتق". وإذ انفتق هذا الجرم تحوَّل إلى "سحابة مِنَ الدخان (مرحلة الدخان)"، الذي منه خلق الله الأرض والسماء، وما ينتشر بينهما مِنَ المادة والطاقة بكل صورهما وأشكالهما.

    ويمضي الدكتور زغلول قائلاً: "ثمَّ يأتي العِلْم المكتسَب، في منتصف القرن العشرين، ليكتشف شيئاً مِنْ معالم تلك الحقيقة الكونية، ويظل يجاهد في إثباتها حتى يتمكَّن مِنْ شيء مِنْ ذلك عند نهايات القرن المنصرم". وبحسب تأويل الكاتب، دعا هذا العِلْم المكتسب "مرحلة الفتق"، نظرية "الانفجار العظيم".

    ولكن، ما قول الكاتب في مرحلة كونية افتراضية أُخرى تسمَّى "الانسحاق العظيم" Big Crunch والتي فيها تسود قوَّة الجاذبية الكونية سيادة "مطلقة"، فينكمش الكون ويتقلَّص، منهاراً على ذاته؟ رأى الكاتب في عبارة "طيِّ السماء" القرآنية مرادفاً لنظرية "الانسحاق العظيم".

    ويَنْظُر الكاتب إلى مرحلة "الانسحاق العظيم"، وهي مرحلة "نهاية كوننا المتمدِّد"، على أنَّها عودة إلى "مرحلة الرتق"، التي سيعقبها "فتق"، أي انفجار كوني جديد، فسحابة مِنَ الدخان، يخلق الله منها أرضاً غير الأرض، وسماوات غير السماوات.

    "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ". مِنْ سورة "الأنبياء". في هذه الآية، اكتشف الدكتور زغلول الإشارات القرآنية إلى مرحلة "الانسحاق العظيم"، قائلاً: في هذه المرحلة سوف يطوي الله صفحة الكون، جامعاً كل ما فيها مِنَ المادة والطاقة والمكان والزمان على هيئة "جرم ابتدائي ثانٍ"، أي "رتق ثانٍ"، شبيه تماماً بـ "الجرم الابتدائي الأوَّل (الرتق الأوَّل)". وبأمر مِنَ الله سوف ينفجر هذا الجرم الثاني كما انفجر الأوَّل، وسوف يتحوَّل إلى "سحابة دخان"، يخلق الله منها أرضاً غير أرضنا الحالية، وسماوات غير السماوات التي تظلَّنا. وهنا، يقرِّر الدكتور زغلول، تبدأ "الحياة الآخرة"، التي مِنْ سننها وقوانينها "الخلود". إنَّ مرحلة "الانسحاق العظيم" هي، في تأويله، مرحلة "إفناء الكون"!

    "الفتق"، لغة، هو "شقُّ" الشيء، أي فصل بعضه عن بعض. قال ابن منظور في "لسان العرب": "الرَّتْقُ هو ضدّ الفتْقُ". وقال ابن سيده: "الرَّتْقُ هو إلحام الفتْقِ وإصلاحه. نقول: "رَتَقَه، يرتُقُه ويرتِقُه، رتقاً، فارتتق، أي التَأَم". ونقول: "فتقه يفتقُّه فتقاً، أي شقَّه"، فالفتق خلاف الرتق.

    وجاء في "التفاسير":
    "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا"، أي كانتا متَّصلتين، متلاصقتين، في ابتداء الأمر، ففتق الله هذه مِنْ تلك، فجَعَلَ السموات سبعاً والأرض سبعاً، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بـ "الهواء"، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض. ولهذا قال: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..".

    سُئِل ابن عبَّاس: "الليل كان قَبْل أو النهار؟"، فقال: "أرأيتم السموات والأرض حين كانتا رتقا، هل كان بينهما إلا ظُلمة؟ ذلك لتعلموا أنَّ الليل قَبْلَ النهار.

    اختلف المفسِّرون في المراد بـ "الرتق" و"الفتق"، وكان قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس إنَّ المعنى هو: كانتا شيئاً واحداً. كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي، وأقرَّ الأرض. وهذا القول يوجب أنَّ خلق الأرض مقدَّم على خلق السماء؛ لأنَّ الله لمَّا فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية.

    وقال ابن عبَّاس: "نعم، كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلمَّا خلق للأرض أهلاً فتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات".

    وقال عطية العوفي: "كانت السماء رتقاً لا تمطر فأمطرت، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت فأنبتت".

    وقال إسماعيل بن أبي خالد: "كانت السماء واحدة، ففتق منها سبع سموات، وكانت الأرض واحدة، ففتق منها سبع أرضين".

    وقال بعض أهل التأويل: إنَّ السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء.

    أمَّا السُّدِّي فقال: "كانت سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين، هما الخميس والجمعة، وإنَّما سمِّي "يوم الجمعة"؛ لأنَّه جمع فيه خلق السماوات والأرض".

    وقال آخرون: "إنَّما قيل ففتقناهما؛ لأنَّ الليل كان قَبْلَ النهار، ففتق النهار".

    وقال أبو جعفر: أوْلى الأقوال، في ذلك، بالصواب، قول مَنْ قال إنَّ السماوات والأرض كانتا رتقاً مِنَ المطر والنبات ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات، وإنَّما قلنا ذلك أوْلى بالصواب، في ذلك؛ لدلالة قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..".

    واختلف أهل التأويل في أمر نزول الغيث فقال بعضهم إنَّه ينزل مِنَ السماء الدنيا، وقال بعضهم إنَّه ينزل مِنَ السماء السابعة، وقال بعضهم إنَّه ينزل مِنَ السماء الرابعة.

    وقال كعب: "خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً في وسطها، ففتحها بها، وجعل السموات سبعاً والأرضين سبعاً".

    وفي شرح هذه "الأرضين"، قالوا: خلق الله الأرض العليا، فجعل سكانها الجن والإنس، وشقَّ فيها الأنهار، وأنبت فيها الأثمار، وجَعَلَ فيها البحار، وسماها رعاء. ثمَّ خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ، وجَعَلَ فيها أقواماً، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس، وآذانهم آذان البقر.. واسم تلك الأرض الدكماء. ثمَّ خلق الأرض الثالثة.. الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار. ثمَّ خلق الله الأرض السابعة، واسمها عربية، وفيها جهنم.

    الآية، في ضوء كل تلك التفاسير، تحمل معنيين: أنَّ السماوات والأرض كانتا رتقاً مِنَ المطر والنبات، ففتق الله السماء بالغيث، والأرض بالنبات. والدليل على هذا المعنى قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ". والمعنى الثاني، أنَّ السماء والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء، أو الريح، فالسماء رفعها عن الأرض بغير أعمدة (تأكيداً لقدرته) أي جعلها مُقبَّبة على الأرض مثل القُبَّة.

    لقد بنى الله السماء، أي رفعها بغير عمد ترونها. رفعها سقفاً بقوَّة. فما معنى ذلك؟ معناه، الذي لا يختلف فيه اثنان يحتكمان إلى المنطق، هو أنَّ السماء كانت ملتصقة بالأرض، ففصلها عن الأرض إذ رفعها عنها بغير عمد، فصار بينهما هواء أو ريح.

    قال ابن كثير: السماء على الأرض مثل القُبَّة‏,‏ أي بلا عمد‏.‏ وهذا المعنى هو ما يُناسِب السياق، وما يَظْهَر مِنَ الآية "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ". وعلى ذلك، تُفْهَم عبارة ‏"ترونها‏" على أنَّها تأكيد لنفي ذلك‏,‏ أي أنَّ السماء مرفوعة بغير عمد كما ترونها‏.‏

    الآية، خاطبت عقول الناس الذين أدهشتهم رؤية السماء مرفوعة عن الأرض كسقف لا أعمدة له، فقالت لهم إنَّ السماء كانت، مِنْ قَبْل، ملتصقة بالأرض، فرفعها الله بقدرته الخارقة بغير عمد ترونها. وإذ فصلها ورفعها عن الأرض صار ممكنا أنْ تمطر السماء، وأنْ تنبت الأرض، وأنْ تكون حياة، فمِنَ الماء خلق الله كل الكائنات الحية.

    هذا هو المعنى الحقيقي للآية القرآنية الذي يشوِّهه ويفسده الدكتور زغلول بقوله إنَّ "الرتق" هو "البيضة الكونية" Singularity التي منها انبثق الكون، وإنَّ "الفتق" هو "الانفجار العظيم".

    "الانفجار (الكوني) العظيم" إنَّما هو، كوزمولوجياً، انفجار تلك "النقطة" الكونية ذات الكثافة غير المحدودة، و"المعدومة" الحجم. ويكفي أنْ يتأمل الدكتور زغلول هذه "النقطة" وخواصها، وأنْ يتحلى بقليل مِنَ الموضوعية في النظر والتفكير، حتى يكتشف أنْ لا جامع يجمع بينها وبين "جرمه الابتدائي"، الذي اجتمعت فيه الأرض والسماء، والتصقت كلتاهما بالأُخرى، إلى أنْ حَدَثَ "الفتق"، أي الانفجار العظيم، وجاء بتلك "السحابة الدخانية"، التي منها خُلِقت الأرض (مع كل ما في الكون مِنْ نجوم ومجرَّات ومادة وطاقة..)!

    ألَمْ يسأل الدكتور زغلول نفسه: كيف خُلِقت الأرض مِنَ الدخان وهي التي كانت والسماء تؤلِّفان "جرمه الابتدائي"، أي مرحلة الرتق؟!

    انْظُروا، مثلاً، كيف يشوه مفهوم "الجسم البدائي" Singularity الذي تضمنته أهم نظرية كوزمولوجية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، نظرية "الانفجار العظيم".

    إنَّ هذا "الجسم البدائي" هو ذاته، في نظره، "مرحلة الرتق" أي حالة الكون قَبْلَ "الانفجار العظيم". وهو يفهم "مرحلة الرتق" على أنَّها "مرحلة العدم"، قائلاً في هذا الصدد: "الكون بدأ مِنْ نقطة واحدة بعملية انفجار عظيمة.. وهذا يؤكد حقيقة نشوء الكون مِنَ العدم". وقد اعْتَبَرَ "الجسم البدائي" حالة "عدم"؛ لأنَّ حجم هذا الجسم يقترب مِنَ الصفر. ولكن لهذا الجسم خواص يذكرها الباحث على النحو الآتي: "ضآلة الحجم، وضخامة الكثافة، وشدة الحرارة". فهل يجوز، منطقياً، بَعْدَ تعداد هذه الخواص لـ "لجسم البدائي" القول بأنَّ هذا الجسم والعدم شيء واحد؟! هل مِنْ خواص "العدم" أنْ يكون شيئاً ضئيل الحجم، وضخم الكثافة، وشديد الحرارة؟!

    في هذه الطريقة يفهم الباحث كيفية نشوء المادة مِنَ العدم. وفي الطريقة ذاتها يفهم، أيضاً، كيفية فناء المادة. إنَّه يَنْظُر إلى عودة الكون إلى حالة "الجسم البدائي"، بَعْدَ تحوُّل الكون مِنَ "التمدُّد" إلى "الانكماش"، على أنَّها "مرحلة الفناء"، ففناء الكون، في رأيه، هو عودة الكون إلى "الرتق بَعْدَ الفتق".

    بعد "الانسحاق العظيم"، يعود الكون، في رأي الدكتور زغلول، إلى مرحلة "الرتق"، أي الجرم الابتدائي، فيَحْدُث "فتق ثانٍ"، أي انفجار كوني ثانٍ، يؤدِّي إلى "سحابة دخانية ثانية"، يُخْلَق منها "أرض ثانية" و"سماء ثانية"، أي يُخْلَق منها "كون ثانٍ". ومع ذلك، لا يجد الباحث أي تناقض منطقي في قوله إنَّ هذا هو "إفناء الكون"، أي الآخرة!

    فكيف تفنى المادة.. كيف تنتقل مِنَ "الوجود" إلى "العدم" إذا كان فناؤها، وإذا كان "العدم"، هما، في شرحه وتوضيحه، "الأرض الثانية" و"السماء الثانية" و"الكون الثاني"؟!

    لو أنَّ الكاتب أمعن النظر، قليلاً، في "جرمه الابتدائي"، الذي يَنْظُر إليه على أنَّه "العدم"، لما وَجَدَ في خواصه شيئاً مِنْ مفهوم "العدم". ولو أمعن النظر في تلك الحالة الكونية التي سمَّاها "فناء الكون" لما وَجَدَ فيها شيئاً مِنْ مفهوم "الفناء المادي".

    زغلول النجار فَسَّرَ "الرتق"، في الآية "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ"، على أنَّه "البيضة الكونية"، أو ما يسمِّيه "الجرم المتناهي في الصِغَر". أمَّا "الفتق" فَفَسَّرَهُ على أنَّه "الانفجار الكبير" Big Bang الذي جاء مِنَ الأمر الإلهي "كُنْ".

    الدكتور يقول: "لقد أدَّى هذا الانفجار الكوني (أي "الفتق") إلى نشوء، أو ظهور، غلالة مِنَ الدخان، خَلَقَ الله منها الأرض والسماء وما بينهما". فما معنى هذا الكلام إذا كان له مِنْ معنى؟ معناه أنَّ "الرتق"، أي ذلك "الجرم"، كان أوَّلاً، ثمَّ صَدَرَ الأمر الإلهي "كُنْ"، فكان "الانفجار الكبير"، الذي أدَّى إلى "غلالة مِنَ الدخان"، خَلَقَ الله منها الأرض والسماء وما بينهما. هذا معناه أنَّ "الأرض" لم تُخْلَق إلا بَعْدَ خَلْقِ تلك "الغلالة الدخانية"، أو "الدخان (الكوني)"، وأنَّ هذا "الدخان" هو الذي تَوَلَّدَ عن "الانفجار العظيم"، الذي قَبْله كان "الجرم المتناهي في الصِغَر"، أو "الرتق". إذا كان هذا هو "جدول خَلْق الأرض"، فكيف يُقال: "السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا"؟!

    إذا كان "الرتق" هو هذا "الجرم"، فإنَّ المعنى الحقيقي للآية، أو للعبارة، القرآنية هو الآتي: ضِمْنَ هذا "الجرم" كانت الأرض والسماء شيئان متَّصلان، فصَدَر الأمر الإلهي ("كُنْ") بـ "الفتق"، أي بـ "الانفجار الكوني"، فانفصل كلاهما عن الآخر. بحسب هذا المعنى الحقيقي، لم تُخْلَق الأرض مِنْ تلك "الغلالة الدخانية"؛ لأنَّها كانت "جزءاً لا يتجزأ" مِنَ "الجرم"، ثمَّ "تجزأ" بفضل أمر "الفتق".

    لم يَبْقَ للدكتور مِنْ مَخْرَجٍ مِنْ هذا المأزق سوى "المَخْرَج الفلسفي"، الذي فيه يستطيع أنْ يقول إنَّ "الأرض" كانت موجودة بـ "القوَّة"، ولم تكن موجودة بـ "الفعل"، في ذلك "الجرم". ولكنْ، كل شيء في الكون كان موجوداً بـ "القوَّة" في "البيضة الكونية". حتى زغلول النجار كان موجوداً بـ "القوَّة" في "البيضة الكونية"!

    الدكتور "كَفَرَ"، بحسب المعيار الذي يقول هو به، إذ حاول أنْ يُظْهِر "إيماناً دينياً"، فالله، بحسب روايته، خَلَقَ الكون، ولكنْ ليس مِنَ "العدم"، فـ "قَبْلَ" الخَلْق لم يَكُنْ "العدم"، فالذي كان، بحسب رواية زغلول النجار، إنَّما هو "الجرم المتناهي في الصِغَر، أي الذي له حجم يكاد أنْ يَعْدِل الصفر في ضآلته. وهذا الجرم كان في منتهى العِظَم في كثافته ودرجة حرارته". إنَّنا نتحدَّى الدكتور أنْ يقيم الدليل على أنَّ جرماً بهذه الخواص هو "العدم ذاته".

    ويقول الدكتور: "مِنْ هذا الجرم بدأ خَلْق الكون بالأمر الإلهي كُنْ". فلتمعنوا النظر في الحرف "مِنْ"، وفي الفعل "بدأ". في هذه "الرواية الدينية ـ الكوزمولوجية"، يسير الدكتور في "طريق الدين" ليصل إلى غير ما يريد، ففي "البدء" كان "الله"، وكان معه "الجرم"، أي "المادة"، وكأنَّ "أزلية" هذا "الجرم" مِنْ "الأزلية الإلهية". لقد عاد بنا الدكتور إلى "الثنائيَّة"، أي ثنائيَّة "الروح" و"المادة"!


    تَذَكَّروا أنَّ أمر الخَلْق "كُنْ" لم يكن أمراً بـ "خَلْق الجرم"، وإنَّما بـ "فَتْقِهِ"، فـ "الجرم"، الذي هو "مادة"، شاء الدكتور أم أبى، كان، على ضآلة حجمه، موجوداً بـ "الفعل" قَبْلَ "بدء الخَلْق".

    والآن، أيُّهما خُلِقَ قَبْلَ الآخر؟ هل الأرض خُلِقَت قَبْلَ السماء، أم السماء خُلِقَت قَبْلَ الأرض؟ أم أنَّهما خُلِقا معاً؟ الدكتور يستصغِر الأسئلة تلك، والأجوبة عنها، قائلاً: "السائلون ينسون أنَّ الزمن مِنْ خَلْق الله، وأنَّ القَبْليَّة والبَعْدِيَّة مِنَ الاصطلاحات البشرية، التي لا مدلول لها عند الله، وبالنسبة إليه".

    لقد نسي هو عبارة "مِمَّا تَعُدُّونَ" في الآيتين: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"، و"يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ".

    ونحن، وبما يتَّفِق كل الاتِّفاق مع المعنى الحقيقي للآية "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ"، نجيب عن تلك الأسئلة قائلين: "الخَلْق إنَّما هو فتق الرتق، أي فَصْلُ السماء عن الأرض وقد كانتا ملتصقتين. وبحسب هذا المعنى للخَلْق، يمكن القول بأنَّهما قد خُلِقتا معاً".

    ويكفي أنْ يقيم الدكتور الدليل بنفسه على أنَّه يجهل معنى "العدم" حتى لا يبقى لديه مِنْ حقٍّ في الحديث عن "الخَلْق". وقد جاء الدكتور بهذا الدليل إذ قال: "ثَبُتَ علمياً أنَّ المادة والمادة المضادة قد خُلِقتا بمقدارين متساويين عقب الانفجار الكوني. وهذا إنَّما يؤكِّد حقيقة الخَلْق مِنَ العدم، وحقيقة أنَّ فناء المادة ممكن".

    ما ثَبُتَ علمياً يا أيُّها العالِم بكل شيء أنَّ الفناء المتبادَل لـ "المادة" Matter و"المادة المضادة" Antimatter هو تحوُّلهما إلى "طاقة"، فـ "الطاقة"، أو "الفوتونات"، هي ما ينشأ، أو يَتَوَلَّد، عن الفناء المتبادَل لـ "الإلكترون" و"البوزيترون" مثلاً. وثَبُتَ، أيضاً، أنَّ مِنْ هذه "الطاقة" يمكن أنْ تنشأ "جسيمات مادية". فَمَنْ ذا الذي أقنع الدكتور بأنَّ "الطاقة" Energy هي "العدم" Nothingness. لا أظنُّ أنَّ آينشتاين هو الذي أقنعه بذلك!

    لقد أثْبَت آينشتاين أنَّ "الكتلة" Mass تتحوَّل إلى "طاقة" Energy وأنَّ "الطاقة" تتحوَّل إلى "كتلة". أمَّا زغلول النجار فقال بتحوُّل "الكتلة إلى عدم" إذ قال بـ "تكافؤ الطاقة والعدم"! ولو كان له أنْ "يؤوِّل" معادلة آينشتاين الشهيرة لأوَّلها بما يتَّفِق مع تأويله للآية، ولقال، بالتالي، بـ "تحوُّل الكتلة إلى عدم، والعدم إلى كتلة"!

    ووقع الباحث في خطأ "ثنائية المادة والطاقة" إذ قال بتحوُّل المادة إلى طاقة، والطاقة إلى مادة، علماً أنَّ الثنائية الصحيحة هي "ثنائية الكتلة والطاقة"، فالكتلة (وليس المادة) هي التي تتحوَّل إلى طاقة، يمكن أنْ تتحوَّل إلى كتلة، فالكتلة والطاقة هما شكلان لوجود المادة.

    ولو كان الدكتور "طالِبَ تفسير" لفسَّر الآية "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ" بما يتَّفِق و"التصوُّر الكوزمولوجي" للناس عند نزولها، فالناس كانوا ينظرون إلى "الكون" على أنَّه "أرضٌ تعلوها سماء (مزيَّنة بما يشبه "المصابيح")". كانوا يرون "الأرض" مِنْ تحتهم و"السماء" مِنْ فوقهم. وكانوا يرون "السقف السماوي" مرفوعاً (عن الأرض) مِنْ غير أعمدة. وكان سؤالهم بالتالي: كيف رُفِعَ هذا السقف؟! وجاءهم "الجواب" مِنَ الآية على النحو الآتي: في البدء، كانت السماء (أو القبَّة الزرقاء) ملتصقة بالأرض، فقام "الخالِق" إذ بدأ الخَلْق بالفصل بين السماء والأرض، رافِعاً "السقف السماوي" بعيداً فَوْق الأرض. وفي هذا المعنى فحسب، كانت "السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا". وبفضل هذا "الفتق"، "توسَّط الهواء (والريح) بين السماء والأرض"، ونزل الماء (المطر) مِنَ السماء، وخرج النبات مِنَ الأرض.

    "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". الآية 29 مِنْ سورة "البقرة". زغلول النجار فسَّر هذه الآية في طريقة قد تُوْقِع "العلماء" مِنَ المسلمين في مشكلة، فهو فَهِم عبارة "خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا" على أنَّها إشارة إلى أنَّ "العناصر الثقيلة، والعناصر التي منها تكوَّنت المادة الحيَّة، قد خُلِقَت في داخل الأرض". وفَهِمَ عبارة "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ" على أنَّها إشارة إلى أنَّ خَلْق تلك العناصر في داخل الأرض "قد سبق خَلْق النجوم"، فـ "الخالِق"، وبعدما خَلَقَ لنا ما في الأرض جميعاً، استوى إلى السماء فخَلَقَ مِنْ دخانها سَبْعَ سماوات، وخَلَقَ معها "النجوم". وهنا يتساءل الدكتور قائلاً: "هل مِنْ علماء الكون والفيزياء النظرية المسلمين مَنْ يمكنه أنْ ينطلق مِنْ هذه الآية القرآنية الكريمة ليثبت سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى حقيقة خلق جميع العناصر اللازمة للحياة على الأرض‏,‏ قبل تسوية السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات، في وقت يُجْمِع أهل هذا الاختصاص على أنَّ العناصر الثقيلة في الكون لم تتخلق إلا في داخل النجوم؟". ثمَّ يقول: "هذا موقف تحدٍّ عظيم، أرجو أنْ يتقدَّم له قريباً أحد علماء المسلمين في هذا الاختصاص"‏.

    إنَّه يدعو إلى "سَبْق قرآني كوني معجز يُثبِّت المؤمنين على إيمانهم‏,‏ ويكون دعوة مقنعة لغير المسلمين في زمن فتن الناس بالعلم. كما يكون في ذلك تصحيح للوضع الخاطىء الذي ننتظر فيه قدوم الكشوف العلمية مِنْ غير المسلمين حتى ندرك وجودها في كتاب الله، فندرك الدلالة العلمية لذلك‏,‏ ونلمح شيئاً مِنَ الإعجاز فيه‏".

    ما هذا التحدِّي الذي يدعو الدكتور "علماء الفيزياء" مِنَ المسلمين إلى استجابته؟! إنَّه يحضُّهم على أنْ يقيموا الدليل العلمي على صحَّة "نظرية فيزيائية" تتضمنها تلك الآية!

    يدعوهم إلى أنْ يُثْبِتوا، استناداً إلى الآية، أنَّ "العناصر الثقيلة" في الأرض قد خُلِقَت في داخل الأرض، وقَبْلَ أنْ تُخْلَق النجوم، على الرغم مِنْ أنَّ الفيزيائيين (مِنْ غير المسلمين) يُجْمِعون على أنَّ بواطن النجوم هي المكان الذي تُخْلَق فيه هذه العناصر! إنَّه يدعوهم إلى أنْ يُوْقِعوا أنفسهم بأنفسهم في مشكلة علمية لا مَخْرَج لهم منها!

    الدكتور يُفَصِّل ويشرح لنا "السماوات السَبْع" قائلاً إنَّ "السماء الدنيا" هي وحدها التي يمكن أنْ تكون موضوعاً للمعرفة والعِلْم عند البشر، فـ "السماوات السِت" لا يَعْلَم أمرها إلا الله الذي لولا أنَّه قد أخْبَرَ عنها في القرآن، ولولا أنَّ خاتم أنبيائه ورُسُلِه قد جابها في ليلة الإسراء والمعراج، لَمَا عَلِمَ بها البشر، الذين لم يكتشفوا، حتى الآن، إلا جزءاً ضئيلاً مِنَ "السماء الدنيا"، التي تضم كل ما في الكون.

    ويُفَسِّر الدكتور اقتران لفظ "الأرض" بلفظ "السماء" في آيات قرآنية عدَّة على أنَّه "تأكيد لمركزية الأرض في الكون، أو بالنسبة إلى السماوات"، معتبراً أنَّ "العلوم المكتسَبة لا تستطيع أنْ تقول في هذه المركزية شيئاً بالإثبات أو النفي"!

    قد نتَّفِق مع الدكتور على "مركزية الأرض" في معنى ما، ولكن ليس في "المعنى الكوزمولوجي"، فـ "مركزية الأرض" قد نقول بها؛ لأنَّ هذا الكوكب موطن الإنسان وحضارته. ولكنَّ هذه "المركزية المجازيَّة" لا بدَّ لها مِنْ أنْ تنتهي عند اكتشاف حضارة فضائية أرقى مِنْ حضارتنا الأرضية. أمَّا "المركزية الكوزمولوجية للأرض"، وهي التي عناها الدكتور، فقد نفتها "العلوم المكتسَبَة" نفياً مطلقاً، فكل كوكب (أو نجم أو مجرَّة..) يحقُّ له أنْ يَنْظُرَ إلى نفسه على أنَّه "مركز الكون". إنَّ "البناء الكوني" هو مِنَ النمط الذي يُريكَ الفضاء بنجومه ومجرَّاته.. يُحيط بكَ مِنْ كل ناحية أينما كنتَ في الكون.

    الدكتور زغلول يتَّفق مع عِلْم الكون في قوله إنَّ "الكواكب" تكوَّنت مِنْ "أشلاء النجوم"، مع أنَّ القرآن خلا مِنْ أي إشارة إلى تكوُّن كوكب الأرض مِنْ أشلاء نجم، ومع أنَّ الباحث نفسه جهد في إثبات أنَّ الخَلْق كان للأرض والسماء مِنَ "الغلالة الدخانية"، أي أنَّ كوكب الأرض خُلِق مباشرة مِنَ الدخان، الذي أعقب "الفتق"، وفق تأويله، ولم يُخْلَق مِنْ "أشلاء نجم".

    "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ". الآية 12 مِنْ سورة "فصلت". "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا". الآيتان 15 و16 مِنْ سورة "نوح". "وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا". الآية 12 مِنْ سورة "النبأ".

    الدكتور زغلول النجار قرَّر، هنا، أنْ يتجشَّم شرح "السماوات السَبْع" بما أُوتيَ مِنْ "قوَّة علمية ودينية ولغوية"، فتوصَّل، أوَّلاً، إلى أنَّ "السماوات السَبْع" هي سماوات سَبْع فحسب، أي أنَّ السماوات التي بناها الله فوقنا، لا تزيد، ولا تقل، عن سَبْع سماوات، لا نرى منها، ولا يمكننا أنْ نرى، سوى جزء ضئيل مِنَ "السماء الدنيا"، أي "السماء الأولى"، أو "السماء الأقرب إلينا".

    ويُقرِّر الدكتور أنَّ "السماوات السَبْع" جميعاً قد خَرَجَت (بـ "قوَّة الخَلْق") مِنْ رحم "السماء الدخانيَّة الأولى". ومع أنَّه مِثْلنا لا يُدْرِك، ولا يستطيع أنْ يُدْرِكَ، سوى جزء ضئيل مِنَ "السماء الدنيا"، فقد قال مُكْتَشِفاً إنَّ "السماء الدنيا (كلها) كروية".

    ولَمَّا كانت السماوات السَبْع "متطابقة"، بحسب آيات قرآنية، استنتج الدكتور، أو اكتشف، أنَّ كل سماء مِنَ "السماوات السِت المُتَبَقِّية"، والتي لا يَعْلَم بأمرها غير الله، لا بدَّ لها مِنْ أنْ تكون "كروية".

    وبَعْدَما تأكَّد أنْ لا رادع يردعه عن المضي قُدُماً في "اكتشافاته" و"قراراته الكونية"، قال بوجود "مركز واحد" تُحيطُ به "السماوات السَبْع"، التي هي "طبقة فوق طبقة"، أو "طبقة تُغلِّفها طبقة".

    لقد تصوَّر زغلول النجار "الكون" على أنَّه "كرة ضخمة، لها مَرْكَز، هو الأرض". و"السماوات السَبْع"، بدءاً بـ "السماء الدنيا"، "تُغَلِّف" هذا "المَرْكَز"، فـ "السماء الدنيا (الأولى)" تُغَلِّف، مباشَرةً، الأرض، أي "مَرْكَز الكون". وهذه السماء تُغَلِّفها "السماء الثانية"، التي تُغَلِّفها "السماء الثالثة"، التي تُغَلِّفها "الرابعة"، التي تُغَلِّفها "الخامسة"، التي تُغَلِّفها "السادسة"، التي تُغَلِّفها "السابعة (والأخيرة)"، التي..

    الدكتور يؤمِن بـ "انحناء الفضاء (أو السماوات السَبْع)". ويؤمِنْ بأنَّ "الكتلة (والطاقة)" هي "سبب" هذا "الانحناء". ويؤمِنْ بأنَّه كلَّما زادت "الكتلة" وتركَّزت اشتد وقوي "انحناء الفضاء (أو المكان، أو السماوات السَبْع)".

    ولكنَّه يؤمِن، على ما نفترض، أو يجب أنْ يكون مؤمناً، بأنْ ليس في "الأرض"، أي "مَرْكَز الكون" على ما يزعم ويتوهَّم، مِنَ "الكتلة" ما يكفي لجعلها سبب انحناء (أو كروية) تلك "السماوات السَبْع".

    والدكتور، على ما نَعْلَم، مِنَ المؤمنين بـ "نظرية الانفجار الكبير" Big Bang. وهذه النظرية، لا تقول بوجود "مَرْكزٍ للكون"، فـ "الكون"، بحسبها، إنَّما يقع كله، أي بفضائه وبكل ما فيه مِنْ نجوم ومجرَّات وغير ذلك مِنَ المادة، على "سطح البالون الكوني الضخم"، فكل "نقطة كونية" على هذا "السطح" يمكن النظر إليها على أنَّها "مَرْكَز الكون"، أي "مَرْكَزَهُ النسبي".

    زغلول النجار، يستشهد بحديث نبوي جاء فيه: "ما السماوات السَبْع وما فيهن وما بينهن‏,‏ والأرضون السَبْع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة".

    لقد عَرَفْنا "السماوات السَبْع" إذ شرحها لنا الدكتور. ولكنْ لماذا لم يُكلِّف نفسه أنْ يشرح لنا "ما بينهن"، أي ما بين كل سماء وسماء مِنْ هذه "السماوات السَبْع"؟!

    عَرَفْنا أنَّ السماء "طبقات سَبْع"،، وأنَّ "الأولى"، أي "السماء الدنيا"، تُغَلِّف "الأرض"، و"الثانية" تُغَلِّف "الأولى"، و"الثالثة" تُغَلِّف "الثانية"، .. إلخ. والآن، يُخْبِرنا الحديث النبوي بـ "وجود شيء ما" ما بين "الأولى" و"الثانية"، وما بين "الثانية" و"الثالثة"، .. إلخ. فَلِمَ لَمْ يشرح لنا الدكتور هذه "الفجوة" ما بين سماء وسماء؟!

    وعن "السعة النسبية" لـ "السماوات السبع وما فيهن وما بينهن‏,‏ والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن"، يُخْبِرنا "الحديث" أنَّها، بالمقارنة مع "سعة العرش"، تعدل "حلقة ملقاة بأرض فلاة"، أي أنَّ "سعة الكون" لا تُذْكَر إذا ما قورِنت بـ "سعة العرش الإلهي".

    الدكتور "يُقرِّر" أنَّ "كل ما في السماء الدنيا يقع في داخل باقي السماوات"، مستنِداً إلى الآية "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا".

    وسؤالنا له هو الآتي: كيف للقمر أنْ يكون "نوراً، وللشمس أنْ تكون "سراحاً وهَّاجاً"، في "السماء السادسة (أو السابعة)" مثلاً؟!

    هذا القمر ليس بـ "نور" بالنسبة إلى "سكَّان كوكب يقع في نهاية مجرَّتنا، أي مجرَّة "درب التبانة"، التي هي "نقطة" في "بحر الجزء الذي نُدْرِك مِنَ السماء الدنيا"!

    "أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ". الآية 6 مِنْ سورة "ق". أُنْظروا كيف فَهِمَ الدكتور وفسَّر هذه الآية. لفظ "السماء" الوارد في الآية فهمه الدكتور على أنَّه يعني "السماء الدنيا" فحسب، وليس "السماوات السَبْع" جميعاً. أمَّا السبب الذي حمله على ذلك فيكمن في عبارة "أفلم ينظروا"، فالدكتور يرى أنَّ الله قال: "أَفَلَمْ يَنْظُرُوا"؛ لأنَّ "السماء الدنيا هي السماء الوحيدة التي في مقدور الإنسان أنْ يَنْظُرَ إليها"!

    "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا". الآيتان 15 و16 مِنْ سورة "نوح". فإذا كان ما يراه زغلول النجار صحيحاً، فما قوله في العبارة "أَلَمْ تَرَوْا"؟! ما قوله وهي تجيء قَبْلَ عبارة "سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا"؟! هل عبارة "أَلَمْ تَرَوْا" تختلف في معناها عن عبارة "أَفَلَمْ يَنْظُرُوا"؟!

    لقد جاء في "تفسير الجلالين": "أَلَمْ تَرَوْا"، أي أَلَمْ تَنْظُرُوا "كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْع سماوات طِبَاقًا" بَعْضهَا فَوْق بَعْض. والدليل على أنَّ الآية تُشير إلى "سماوات سَبْع" في مقدور الإنسان أنْ يَنْظُرَ إليها هو أنَّ ابن كثير شرح الآية على النحو الآتي: "إنَّ الْكَوَاكِب السَّبْعَة السَّيَّارَة يَكْسِف بَعْضهَا بَعْضًا، فَأَدْنَاهَا الْقَمَر فِي السَّمَاء الدُّنْيَا، وَهُوَ يَكْسِف مَا فَوْقه، وَعُطَارِد فِي الثَّانِيَة، وَالزُّهْرَة فِي الثَّالِثَة، وَالشَّمْس فِي الرَّابِعَة، وَالْمِرِّيخ فِي الْخَامِسَة، وَالْمُشْتَرَى فِي السَّادِسَة، وَزُحَل فِي السَّابِعَة. وَأَمَّا بَقِيَّة الْكَوَاكِب، وَهِيَ الثَّوَابِت، فَفِي فَلَك ثَامِن يُسَمُّونَهُ فَلَك الثَّوَابِت".

    الباحث وقع في خطأ "ثنائية الأرض والسماء"، فقد قال: السماء لغة هي كل ما علاك فأظلك، ومضموناً هي كل ما في حول الأرض مِنْ أجرام..

    نقول بخطأ هذه الثنائية لأنْ ليس لـ "ظروف المكان" مثل "فوق" و"تحت"، "يمين" و"يسار"، مِنْ معانٍ مطلقة في الكون، فالذي يقف على سطح كوكب المريخ، مثلاً، يمكنه أنْ يقول بـ "ثنائية المريخ والسماء" وأنْ يعرِّف "السماء" على أنَّها كل ما يحيط بالمريخ مِنْ أجرام..

    كوزمولوجياً، لا فَرْق بين قولك "السماء والأرض وما بينهما" وقولك "السماء والمريخ (أو أي كوكب آخر) وما بينهما"، فالقبَّة السماوية هي ذاتها (تقريباً) في كلا الكوكبين.

    و"السماء"، في مفهومها الشامل (الكوزمولوجي) ليست "القبَّة الزرقاء"، التي تحيط بيابسة الأرض و بحارها، فهذه القبَّة، بلونها، الأزرق، هي جزء من "الغلاف الجوي" لكوكب الأرض.

    "السماء"، في معناها الكوزمولوجي، هي هذا "الفضاء المظلم البارد اللانهائي في حجمه واتساعه ومداه"، والذي تنتشر فيه المجرَّات والنجوم والكواكب والأقمار، وغيرها مِنَ الأشياء المختلفة الحجم والكتلة والكثافة والسرعة والشكل والخواص الفيزيائية.

    نقول "تنتشر فيه" انتشاراً في المعنى الذي أوضحته نظرية "النسبية العامة" لآينشتاين، وليس وفق التصُّور "الميكانيكي" لنيوتن، فالفضاء ليس بالوعاء، الذي تُوْضَع فيه المجرَّات والنجوم.. وَضْعاً.

    "الفضاء" و"الجسم (المجرَّة، النجم، الكوكب..)" هما كل واحد لا يتجزأ، فلا "فضاء" مِنْ دون "جسم"، ولا "جسم" مِنْ دون "فضاء".

    هذا "الفضاء المطلق" هو الشيء الذي له "داخل" وليس له "خارج"، فأنتَ أنَّى ذهبتَ وسافرتَ وانتقلتَ فيه ستظل في داخله، في "مركزه"، لن تبلغ، أبداً، حافته؛ لأنْ ليس له حافة حتى تبلغها، ولن تَجِدَ نفسك في خارجه؛ لأنْ ليس له خارج.

    هل تستطيع، مثلاً، أنْ تُحدِّد، تحديداً "مطلقاً"، أين تقع الشمس، مثلاً، في الفضاء أو السماء؟ كلا لا تستطيع، فأنتَ إذا كنتَ فوق سطح الأرض ستقول إنَّ الشمس تقع "فوق" الأرض.. تقع "بين" الأرض والسماء. ستقول إنَّها تقع قريباً مِنْ كوكب عطارد، وبعيداً عن كوكب نبتون.

    وإذا كنتَ واقفاً على سطح المريخ ستقول إنَّ الشمس تقع فوقه.. فالجسم في الفضاء إنَّما يتحدَّد، موقعاً ومكاناً، نسبة إلى أجسام أخرى، قريبة منه أو بعيدة عنه.

    أمَّا "السموات السبع" فينبغي لهم فهمها، إذا ما أرادوا المصالحة مع الحقائق الكونية، كما فهمها بعض "المفسِّرين"، فهي ليست سبعاً، وإنَّما كثرة ووفرة مِنَ السماوات، فللأرض سماؤها، وللشمس سماؤها، ولمجرَّة "درب التبانة" سماؤها، ولمجرَّة "أندروميدا" سماؤها، ولهذا "النجم النيوتروني" سماؤه، ولكل تكوين مادي في الفضاء سماؤه..

    نقول بذلك تحاشياً للمشكلة الكوزمولوجية التي وقع فيها الدكتور زغلول إذ قال إنَّ جميع ما في "السماء الدنيا" يقع في داخل باقي السماوات، فالقول الأصح هو إنَّ السماوات كُثْر، وإنَّ للأرض ولكل كوكب ولكل نجم.. "سماء دنيا" تزيِّنها مصابيح مِنَ النجوم. والشيء ذاته يمكن أنْ يقال في "الأرضين السبع"، أي أنَّ للأرض طبقات جيولوجية عديدة.

    "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ". الآية 47 مِنْ سورة "الحج". زغلول النجار شَوَّه المعنى "الحقيقي" لهذه الآية حتى يتمكَّن مِنْ إقناعنا بأنَّه قد اكتشف، في الآية، إشارة إلى "نسبية الزمن" التي اكتشفها وأثبتها آينشتاين، فاليوم عند الله كألف سنة مِمَّا نَعُدُّ نحن البشر.

    لو أنَّني سافَرْتُ في رحلة فضائية على متن مركبة فضائية تسير في "سرعة شبه ضوئية"، وأرْسَلْتُ رسالة إلى سكَّان الأرض أخْبَرْتُهُم فيها أنَّ "يوماً عندي كألف سنة مِمَّا تَعُدُّون"، لَمَا شكَّ أحد منهم في صِدْق ما قُلْت؛ فالجسم كلَّما زادت سرعته تباطأ سَيْر الزمن فيه، لِتَعْدِلَ الثانية الواحدة فيه سنوات أرضية.

    ولو أنَّني أَقَمْتُ في كوكب بعيد، تفوق الجاذبية على سطحه الجاذبية على سطح الأرض أضعافاً مضاعفة، وأرْسَلْتُ رسالة إلى سكَّان الأرض أخْبَرْتُهُم فيها أنَّ "يوماً عندي كألف سنة مِمَّا تَعُدُّون"، لَمَا شكَّ أحد منهم في صِدْق ما قُلْت؛ فالجسم كلَّما اشتدت جاذبيته السطحية تباطأ سَيْر الزمن فيه، لِتَعْدِلَ الثانية الواحدة فيه سنوات أرضية.

    إنَّ الزمن يختلف في "كثافته"، و"شدَّته"، و"تركيزه"، و"سرعة سيره"، باختلاف "السرعة"، التي هي سرعة جسم أو جسيم، و"الجاذبية"، التي هي جاذبية جسم أو جسيم. هذا هو "المحتوى الفيزيائي الواقعي" لـ "نسبية الزمن" التي اكتشفها آينشتاين.

    وهذه "النسبية" لا تقوم لها قائمة في "الذات الإلهية"، فهذه "الذات" ليست بـ "الجسم"، أو "المادة"، حتى يختلف الزمن عنده، أو عندها، باختلاف سرعته، أو سرعتها، أو باختلاف جاذبيته، أو جاذبيتها. وهذه "الذات" هي الخالِق للزمن، ولا يمكن، بالتالي، إلا أنْ تكون "في خارج الزمن".

    إنَّنا ننصح الدكتور أنْ يَعْدِل عن اكتشافه، في الآية، إشارة إلى "نسبية الزمن" التي اكتشفها آينشتاين، إذا ما أراد أنْ يظل على ما يُظْهِر مِنْ "إيمان ديني" و"إيمان علمي"!

    الدكتور زغلول جعل "المقدِّمة الفيزيائية الصحيحة" في نظرية "النسبية الخاصة" سبيلاً إلى "استنتاج خاطئ"، فمِنْ حقيقة أنَّ للضوء سرعة قصوى ثابتة في الفراغ، تبلغ 300 ألف كم في الثانية، استنتج أنَّ ذلك ينفي "زعما باطلا" هو أنَّ الزمان مطلق.

    لقد خلط بين "الزمان المطلق" و"سرعته النسبية"، فـ "حركة الزمان" تكون "سريعة" أو "بطيئة" بحسب "سرعة الجسم" و"حقل جاذبيته"، ولكن هذا لا ينفي أنَّ لكل جسم أو جسيم زمانه بصرف النظر عن سرعته وحقل جاذبيته، فنحن بقياسنا للزمان إنَّما نقيس "التغيُّر" في الجسم أو الجسيم، وليس مِنْ جسم أو جسيم لا يعرف التغيُّر، فلا "مادة" مِنْ دون "زمان"، ولا "زمان" مِنْ دون "مادة".

    هل لكل جسم أو جسيم خواص؟ الجواب: نعم، فاختلاف الخواص بين الأجسام إنَّما يؤكِّد، في الوقت ذاته، أنَّ لكل جسم خواصاً. وهكذا يمكن ويجب أنْ نفهم الزمان فهما مطلقاً ونسبياً في آنْ، فـ "المطلق" و"النسبي" متَّحدان مترابطان ترابطاً لا انفصام فيه في كل شيء، في كل جسم أو جسيم، فليس "النسبي" هنا، و"المطلق" هناك. إنَّ مكانهما واحد، وزمانهما واحد.

    في سرعة الضوء، تستطيع القول إنَّها "السرعة القصوى (وفق ما نعرف الآن)" في الكون، ولكنكَ لا تستطيع أنْ تقول إنَّها "السرعة المطلقة"، فهذه السرعة تبلغ، في الفراغ فحسب، 300 ألف كم في الثانية، ولكنها في أوساط مادية أخرى تقل. "المحدَّد" مِنَ الأشياء والخواص لا يمكن أنْ يكون هو "المطلق"، فالشيء، كل شيء، ينطوي على "المطلق"، ولكنَّه لا يَعْدِلَه أو يساويه.

    "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ". الدكتور زغلول، وعلى جاري عادته، يُقْحِم في الآيات القرآنية معانٍ غريبة لا تمتُّ بأدنى صلة إلى معانيها الحقيقية. في هذه الآية، اكتشف إشارة قرآنية إلى "انحناء الفضاء"، الذي جاءت به نظرية "النسبية العامة" لآينشتاين.

    كلمة "يعرجون" زعم أنَّ معناها اللغوي هو "سير الجسم في خط منحنٍ". زعم ذلك مع أنَّ كل معاجم اللغة العربية تُجْمِع على أنَّ "يَصْعَدون" هو معنى هذه الكلمة.

    يقول الباحث إنَّ العلم أثبت أنَّ حركة الأجسام في الفضاء لا يمكن أنْ تكون في خطوط مستقيمة، فوجود المادة والطاقة في الفضاء يُرْغِم أي جسم على السير في خط منحنٍ.

    الآية كانت تتحدَّث عن قوَّة كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق، فلو فتحنا على هؤلاء بابا مِنَ السماء فظلَّت الملائكة تعرج (تصعد) فيه وهم يرونهم عياناً لقالوا إنَّما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون. هؤلاء لو صعدوا إلى السماء وشاهدوا الملكوت والملائكة لأصرُّوا على الكفر.

    هل يريد الباحث أنْ يقنعنا بأنَّ "الملائكة" تتأثَّر هي أيضاً بحقول الجاذبية في الفضاء، فتضطر إلى السير في خطوط منحنية؟!

    إذا كان معنى كلمة "يعرجون" هو السير في خط منحنٍ، وإذا كانت الملائكة تعرج في هذا الباب، فهذا يعني أنَّ الملائكة تتأثَّر بحقول الجاذبية، وتضطر، بالتالي، إلى السير في خطوط منحنية، وكأنَّها تخضع لقانون فيزيائي!

    "فَلا أُقْسِم بِالْخُنَّسِ. الْجَوَار الْكُنَّس". الآيتان 15 و16 مِنْ سورة "التكوير". على يديِّ زغلول النجار، تحوَّلت "الفيزياء الكونية" إلى "مُفَسِّر"، أو "تفسير"، للآيات القرآنية، فـ "الخُنَّس الجَوار الكُنَّس" هي "الثقوب السوداء" Black Holes. الدكتور أعرب عن أسفه الشديد لانصراف غالبية المفسِّرين عن "الفهم الصحيح لمدلول هاتين الآيتين"، وكأنَّه في منزلة "المهدي المنتَظَر" في "التفسير الفيزيائي" لهاتين الآيتين، ولغيرهما، فهو الذي اكتشف مِنْ دون "المفسِّرين" إشارة قرآنية إلى "الثقب الأسود" في "فَلا أُقْسِم بِالْخُنَّسِ. الْجَوَار الْكُنَّس"!

    مِنْ قَبْلِه، كان تفسير الآيتين هو "النجوم في حال طلوعها، والنجوم وهي جَوَارٍ، مِنْ ثمَّ، في فلكها، فهذه النجوم هي الخُنَّس. أمَّا إذا غابت فهي الكُنَّس". ومِنْ قول العرب "أوى الظَّبي إلى كناسه"، أي تغيَّب فيه. وهناك مَنْ فسَّر "الْخُنَّس الْجَوَار الْكُنَّس" على أنَّها "الظِّباء"، و"بقر الوحش".

    وبحسب التفسير الأوَّل، أي "تفسير النجوم"، يُقْسِم الله بـ "النجوم المضيئة، التي تختفي في النهار، وتظهر في الليل، وهذا معنى الخُنَّس‏,‏ والتي تجري في أفلاكها، لتختفي وتستتر عند غروبها كما تستتر الظباء في كناسها‏(‏ أي مغاراتها‏)‏ وهذا معنى الجوار الكنس". وقال القرطبي‏:‏ "هي النجوم تخنس بالنهار‏,‏ وتظهر بالليل‏,‏ وتكنس وقت غروبها، أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار وهو الكناس".

    ولا يَجِد الدكتور وصفاً لتلك المرحلة مِنْ حياة النجوم المعروفة باسم "الثقوب السوداء" أبلغ مِنْ وصف القرآن لها بالخُنَّس الكُنَّس، فهي خانسة، أي دائمة الاختفاء والاستتار بذاتها‏,‏ وهي كانسة لصفحة السماء‏,‏ تبتلع كل ما في جوارها مِنَ المادة المنتشرة بين النجوم‏,‏ وكل ما يدخل في نطاق جاذبيتها مِنْ أجرام السماء‏,‏ وهي جارية في أفلاكها المحدَّدة لها‏,‏ فهي خُنَّس جَوار كُنَّس. وهذا تعبير أبلغ بكثير، بحسب قوله، مِنْ تعبير "الثقوب السوداء" الذي اشتهر وذاع بين المشتغلين بعلم الفلك". في "الخُنَّس" و"الكُنَّس" نقف على معنى "الاستتار، والاختفاء، والتواري".

    على أنَّ الدكتور فضَّل تمييز معنى "الكُنَّس" مِنَ "الخُنَّس"، قائلاً إنَّ في "الخُنَّس‏" معنى "الاستتار، والاختفاء، والتواري". أمَّا "التكنيس" فهو المعنى في "الكُنَّس".

    نريد، أوَّلاً، أنْ نقول للدكتور كل "ثقب أسود" هو "مادة مستترة"، ولكنْ ليس كل "مادة مستترة" يجب أنْ تكون مِنْ نمط "الثقب الأسود". ثمَّ نريد أنْ نقول له إنَّ "الثقب الأسود" ليس بـ "مكنسة كونية غير عادية"، فهو في "قوَّة كَنْسِهِ"، يَعْدلُ كل نجم مساوٍ له في "الكتلة"، فلو أنَّ شمسنا تحوَّلت إلى "ثقب أسود" لظلَّت "قوَّة كَنْسِها" على حالها، أي أنَّها لا تزيد، ولا تنقص.

    ونريد أنْ نقول، أخيراً، إنَّها إساءة إلى المعاني الحقيقية والروحانية للقرآن أنْ يتوفَّر المؤوِّلون، مِنْ أمثال الدكتور زغلول النجار، على التفسير الفيزيائي لبعض آياته، فثمَّة برزخ بين "الدين" و"الفيزياء" ينبغي لنا الإبقاء والمحافظة عليه؛ لأنَّ تقويضه لا يعود بالنفع والفائدة لا على الدين ولا على العِلْم!


    .. وعند يحيى المحجري

    " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا..".
    "وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا".
    "وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا. وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا".

    في "ضياء الشمس ونور القمر" مِنْ "آيات قرآنية في مشكاة العلم" ليحيى المحجري، نقف على تأويل لتلك الآيات، يشوِّه معانيها الحقيقية ويسيء إليها، ويُشدِّد الحاجة الفكرية لدينا إلى نبذ "منطق التأويل العلمي"، الذي أفسد كثيرا مِنْ معاني "النص القرآني"، بدعوى البرهنة على أنَّ "حقائق العِلْم" تجيء مصداقاً لمعاني ومدلولات هذا النص.

    لقد كان "النص القرآني"، في معانيه ومدلولاته ومراميه، في منتهى الوضوح لدى الرعيل الأول مِنَ المسلمين، فلِمَ صار مستغلقاً على الفهم، بعد ذلك، فظَهَرَ "المفسِّرون" و"المؤوِّلون" حتى حُمِّل مِنَ المعاني والتفسيرات المتضاربة والمجافية لمعانيه ومدلولاته الحقيقية ما أخرج الروح مِنَ الجسد، مُدْخِلاً فيه أرواحاً غريبة؟!

    يقول المحجري: "إذا نحن فكَّرنا في استشارة قاموس عصري لَمَا وَجَدْنا جواباً شافياً يسمح لنا بمعرفة الفَرْق بين الضوء والنور، فأكثر القواميس لا تُفَرِّق بين الضوء والنور، بل تعتبرهما شيئاً واحداً مِنْ حيث المعنى. فهل يُوْجَد سبب علمي للتفريق بينهما في القرآن؟".

    ويقول: "لقد شبَّه الله الشمس بالسراج، أو بالسراج الوهَّاج. والسراج هو المصباح الذي يضيء بالزيت. أمَّا أشعة القمر فسمَّاها بالنور". ويقول: "ضوء القمر ليس كمثل ضوء الشمس؛ لأنَّ القمر يستمد نوره مِنَ الشمس (المنتِجة للضوء) ثمَّ يعكسه. لذلك شبَّه الله الشمس بالمصباح الوهَّاج ولم يشبِّه القمر في أي مِنَ الآيات بمصباح".

    لا أعرف السبب المُوجِب لبذل كل هذا الجهد التأويلي، الذي لو كان له، حقاً، سبب مُوجِب لتساءل الرعيل الأول مِنَ المسلمين عن سرِّ هذا الفَرْق في التشبيه الإلهي، ولأجابهم الرسول، ولنُقِل إلينا هذا وذاك. لم يُنقل إلينا أي شيء مِنْ ذلك؛ لأنَّ الفَرْق في التشبيه كان في متناول الفهم والإدراك.

    كل الناس، حتى قَبْلَ زمن الرسول، كانوا يدركون، ولو حسِّيا، الفَرْق بين ضوء الشمس ونور القمر، فالشمس تبث ضوءاً حاراً، ضوءاً مصحوباً بحرارة، يشبه، تماماً، ضوء مصباح الزيت. أمَّا القمر فيبث ضوءاً بارداً، يشبه ضوء "مصباح النيون"، الذي لو عرفوه، قديماً، لشبَّهوا نور القمر به.

    لا حاجة، البتَّة، لهذا التأويل، فالناس في زمن الرسول كانوا يحسِّون بالفَرْق بين الضوءين، ضوء الشمس وضوء القمر. وتعبيراً عن الإحساس بهذا الفَرْق، ليس إلا، ميَّزت تلك الآيات القرآنية أشعة الشمس مِنْ أشعة القمر، فوصفت الأولى بأنَّها "ضوء"، ووصفت الثانية بأنَّها "نور".

    "وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ". المحجري أجاز لنفسه أنْ يفسِّر "الطارق"، أي "النجم الثاقب"، على أنَّه "النجم النيوتروني"!

    أريدُ أنْ أسأله الأسئلة الآتية: كيف كان المسلمون منذ نزول القرآن حتى اكتشاف "النجوم النيوترونية" يفهمون هذه الآيات؟! هل فهموا أنَّهم لا يفهمون معناها؟! لو كان الرعيل الأول مِنَ المسلمين قد فهموا أنَّهم لا يفهمون معناها فلِمَ قصَّروا عن سؤال الرسول؟! هؤلاء ما كانوا يقرأون القرآن فحسب، بل كانوا يفهمون معاني ما يقرأون، فهل كان فهمهم لهذه الآيات خاطئاً؟! وهل ظللنا نفهم معناها فهماً خاطئاً حتى جاءنا المحجري ليقول لنا: توقفوا، لقد كنتم مخطئين في فهمها، فالطارق إنَّما هو "النجم النيوتروني"!

    انظروا الآن إلى "التأويل" وقد كاد أنْ يبلغ بصاحبه غاية غير تلك التي ينشد!

    يقول المحجري: "سبحان الله العظيم إذ أقسم بالنجم النيوتروني، فمن عظمة القسم ندرك عظمة المقسوم به، فكثافة النجم الثاقب النيوتروني أعلى كثافة معروفة للمادة، ووزنه يزيد عن وزن الكرة الأرضية على ضآلة حجمه.. فلنتصور ماذا يحدث للأرض أو لأي جرم سماوي آخر إذا وُضِع هذا النجم عليه أو اصطدم به.. لن تصمد أمامه حتى الشمس؛ لأنَّه ذو كثافة مهولة".

    رَدُّنا على ما زعم هو أنَّ الله لو أراد أنْ يقسم بجرم مهول الكثافة لأقسم بما يسمَّى "الثقب الأسود" أو "الفجوة السوداء" Black Hole. فإذا كان "النجم النيوتروني" مهول الكثافة فإنَّ "الثقب الأسود" مُطْلَق الكثافة، فكتلته أعظم، وكثافته لا نهائية، وحجمه معدوم، على ما يعتقد كوزمولوجيون وفيزيائيون كُثر.

    مرَّة أخرى نقول إنَّ الخلل الأعظم في تأويل كهذا يكمن في كونه يقول لنا إنَّنا أمضينا قرونا مِنَ السنين ونحن نتوهَّم أنَّنا مدركون لمعنى "الطارق"، الذي أدركنا معناه مُذْ بسطه لنا المحجري إذ اكتشف أنَّ "الطارق" هو "النجم النيوتروني"!

    .. وعند منصور حسب النبي

    يقال إنَّ الطريق إلى جهنَّم مبلَّطة بالنيات الحسنة!

    الدكتور منصور حسب النبي، هو أستاذ الفيزياء في كلية البنات في جامعة عين شمس. استضافته "جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة" في القاهرة في ندوة، فألقى فيها بحثا عنوانه "الزمان بين العلم والقرآن".

    أراد الباحث تأويل "الخَلْق في ستَّة أيام" بما يتَّفق ومفهوم "الزمان" في نظرية "النسبية الخاصة" لآينشتاين، والتقدير الكوزمولوجي الحديث لعمر الكون، فكانت العاقبة أنْ شوَّه الآيات القرآنية والفيزياء معاً!

    قرَّر الباحث أنَّ "الستَّة أيام"، التي خَلَق الله فيها الأرض والسماء وما بينهما، ليست بالأيام الأرضية، فالأيام عند الله، بحسب اجتهاده، إنَّما هي "فترات زمنية". إنَّها ليست أياماً بالمعنى الأرضي "لأنَّ الزمان نسبي وليس مطلقا، وهو ما يتَّفق ومعطيات العِلْم الحديث والنظرية النسبية"!

    أوَّلاً، الزمان عند الله لا يخضع، لا منطقاً ولا قياساً، لمفاهيم نظرية "النسبية الخاصة"، فمِن الضلال الديني قوله "إنَّ الأيام الستَّة هي عند الله فترات زمنية، وليست أياماً بالمعنى الأرضي؛ لأنَّ الزمان نسبي، وِفْق نظرية النسبية الخاصة"!

    وِفْق هذه النظرية، ينبغي لنا أنْ نفسِّر هذا الاختلاف بين "اليوم عند الله" و"اليوم الأرضي" بعاملٍ مِنْ عاملين: "السرعة" و"الجاذبية"، فهل يجوز، دينياً، اتِّخاذ "السرعة"، أو "الجاذبية"، مقياساً نقيس به "اليوم عند الله"؟! ثمَّ سرعة ماذا، وجاذبية ماذا؟! في "النسبية الخاصة"، السرعة هي سرعة "جسم مادي"، والجاذبية هي "جاذبية "جسم مادي".

    "اليوم" يختلف عند الله، ولكن اختلافاً لا يُفسَّر بقول مِنْ قبيل "الله خلق الكون في ستة أيام، والأيام عند الله هي فترات زمنية، وليست أياماً بالمعنى الأرضي؛ لأنَّ الزمان نسبي وليس مطلقاً، وهو ما يتَّفق ومعطيات العِلْم الحديث والنظرية النسبية"!

    "النسبية الإلهية" غير "نسبية آينشتاين". والله أوضح ذلك إذ قال إنَّ اليوم عنده يساوي ألف سنة مما نَعُدُّ، نحن البشر سكان الكوكب الأرضي، فلِمَ لا نفسِّر "الستَّة أيام" على أنَّها ستَّة آلاف سنة أرضية؟!

    وقد ذكر البغوي في تفسيره لعبارة "مِمَّا تعدُّون" أنَّها موجَّهة إلى "المؤمنين". وقال القرطبي إنَّ معناها هو "مِمَّا تحسبون". وذكر أبو حيان التوحيدي في تفسيره أنَّ "السنة مبنية على سير القمر". ومعنى ذلك أنَّ العرب كانت تعتمد في حساب الزمان على الحساب القمري، كما كانوا يُعبِّرون عن المسافة بالزمان كأن يقولوا "مسافة ثلاثة أيام". والقرآن نزل بلغة العرب فقال: "مما تَعُدُّون".

    المحاضر الفيزيائي لا يحبِّذ هذا التفسير؛ لأنَّه ظنَّ أنَّ المعطيات الكوزمولوجية لا تتَّفق مع القول بخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستَّة آلاف سنة. إنَّه يريد "رقماً أكبر"! إنَّه يريد خَلْقاً استغرق مليارات السنين!

    هذا الفيزيائي المتديِّن لم يفطن إلى أنَّ "منطق القدرة الإلهية" يتطلَّب "اختصاراً" لا "إطالةً" في "مدة الخَلْق"!

    أعْلَمُ المشكلة التي أراد تحاشي الوقوع فيها، فنحن لو قلنا إنَّ الخلق استغرق ستَّة أيام أرضية لوَجَب أنْ يكون "ثابت التغيُّر الرياضي" في أعمار كل المخلوقات مِنْ نجوم ومجرَّات وأرض.. أقل مِنْ ستَّة أيام، أي أنَّ "الفَرْق" في العُمْر (وليس العُمْر نفسه) بين الأرض والشمس، مثلاً، يجب ألاَّ يزيد عن ستَّة أيام أرضية. ونحن نعرف، الآن، أنَّ هذا الفَرْق يُعدُّ بمليارات السنين. ويجب أنْ يكون هذا الفْرْق أقل مِنْ ستَّة آلاف سنة لو نحن قلنا إنَّ خلق الكون استغرق ستَّة آلاف سنة.

    أراد المحاضر، على ما نظن، تحاشي الوقوع في هذه المشكلة، فكانت النتيجة أنْ أوقع نفسه في مشكلة أكبر وأعقد!

    يقول المحاضر: "لقد أجمع المفسِّرون على أنَّ الأيام الستَّة للخَلْق تنقسم إلى ثلاثة أقسام متساوية، كل قسم يعادل يومين مِنْ أيام الخلق بالمفهوم النسبي للزمان. أوَّلا: يومان لخَلْق الأرض مِنَ السماء الدخانية الأولى. ثانيا: يومان لتسوية السماوات السَبْع. ثالثا: يومان لتدبير الأرض جيولوجياً، وتسخيرها لخدمة الإنسان. كوكب الأرض بدأ تشكيله وتَصَلُّب قشرته منذ 4500 مليون سنة. وهذه الفترة الزمنية (4500 مليون سنة) تعادل، بحسب ما جاء في سورة فصلت، ثلث عُمْر الكون. ولمَّا كان التدبير الجيولوجي للأرض، منذ تَصَلُّب القشرة الأرضية حتى ظهور الإنسان، قد استغرق، هو أيضاً، زمنا قدره 4500 مليون سنة، أمكننا حساب عُمْر الكون قرآنياً بضرب هذه الفترة الجيولوجية (4.5 مليار سنة) في 3 على اعتبار أنَّ الأيام الستَّة للخلق مقسَّمة إلى ثلاثة أقسام متساوية، كل قسم يعدل يومين مِنْ أيام الخلق بالمفهوم النسبي للزمان. ومِنْ ثم يصبح عُمْر الكون 13.5 مليار سنة".

    ما الذي فعله هذا الفيزيائي المتديِّن؟! لقد خلط بين "مدَّة الخَلْق" و"عُمْر الكون" خلطاً لا يقع فيه طفل في الفيزياء والدين!

    وِفْق فهمه المشوَّه لـ "نسبية الزمان"، صارت "مدَّة الخَلْق" هي ذاتها "عُمْر الكون"، فأنتَ "تَخْلِق" منزلاً في سنة مثلاً، فيصبح عُمْره، الآن، عشر سنوات مثلاً، فإذا سُئِلَ منصور حسب النبي "كم مِنَ الوقت استغرق بناء هذا المنزل؟"، أجاب قائلاً: "عشر سنوات"!

    ثمَّ كيف سوَّل له "المنطق" أنْ يخبرنا أنَّ خَلْق الأرض وحدها قد استغرق 9 مليارات سنة؟!

    13.5 مليار سنة هي "مدَّة خَلْق السماوات والأرض وما بينهما"، انقضى منها 9 مليارات سنة في خَلْق الأرض وحدها!

    الباحث لم ترقه "مدَّة الستَّة أيام"، ولا "مدَّة الستَّة آلاف سنة"، فأخبرنا، في لهجة قائل "وَجَدْتُّها"، أنَّ الخَلْق استغرق 13.5 مليار سنة!

    وهكذا أفضى به "منطق التأويل" إلى الإساءة إلى آينشتاين وسورة "فصلت" في آنْ!


    .. وعند مصطفى محمود

    في "حواره مع صديقه الملحد"، يقوم مصطفى محمود بـ "تأويل" النص القرآني في طريقة تسيء إلى "اللغة" و"العقل" و"العِلْم" مِنْ دون أنْ تفيد الدين ذاته.

    "يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ". في هذه الآية مِنْ "سورة الزمر"، يرى "المؤوِّل" إشارة قرآنية إلى "كروية الأرض"، فلفظ "التكوير" يعني في "معجمه اللغوي" كروية الشيء!

    و"المعنى الحقيقي" الذي لا لبس فيه هو أنَّ الخالِق يُدْخِلُ الليل في النهار، ويُدْخِلُ النهار في الليل، أو يُتْبِعُ الليل بالنهار، والنهار بالليل. وفي معنى "التكوير" جاء في تفسير القرطبي: معنى "التَّكْوِير"، في اللُّغَة, هو طَرْح الشَّيْء بَعْضه عَلَى بَعْض. يُقال كَوَّرَ الْمَتَاع أَيْ أَلْقَى بَعْضه على بَعْض. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس هذا في مَعْنَى الآية. قال اِبْن عَبَّاس: ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْل دَخَلَ في النَّهَار وما نَقَصَ مِنَ النَّهَار دَخَلَ في اللَّيْل. وهذا هو معنى: "يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل". و"تَكْوِير اللَّيْل على النَّهَار" هو تَغْشِيَته إِيَّاهُ حَتَّى يَذْهَب ضَوْءُهُ. ومعنى "يُغْشِي النَّهَار على اللَّيْل" هو أنْ يُذْهِب النهار ظُلْمَة الليل. وَهَذَا قَوْل قَتَادَة. وَهُوَ مَعْنَى الآية: "يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبُهُ حَثِيثًا". وجاء في تفسير الجلالين: "يُكَوِّر"، أي يُدْخِل اللَّيْل عَلَى النَّهَار فَيَزِيد، ويُدْخِل النَّهار على اللَّيل فَيَزِيد. وجاء في تفسير ابن كثير: "يُكَوِّر اللَّيْل على النَّهَار، وَيُكَوِّر النَّهَار على اللَّيْل"، أَيْ سَخَّرَهُمَا يَجْرِيَانِ مُتَعَاقِبَيْنِ لا يَفْتُرَانِ كُلّ مِنْهُمَا يَطْلُب الآخر طَلَبًا حَثِيثًا، كَقَوْلِهِ "يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حَثِيثًا". هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالسُّدِّي وَغَيْرهمْ. وجاء في تفسير الطبري: "يُكَوِّر اللَّيْل على النَّهَار وَيُكَوِّر النَّهَار على اللَّيْل" أي يُغَشِّي الليل على النهار, والنهار على الليل. كما قال "يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل". ومعناه، عن ابن عَبَّاس، يَحْمِل اللَّيْل على النَّهَار. ومعناه، عن السُّدِّي، يَجِيء بِالنَّهَارِ وَيَذْهَب بِاللَّيْلِ, وَيَجِيء بِاللَّيْلِ, وَيَذْهَب بِالنَّهَارِ.

    هذا هو فحسب معنى "التكوير"، فأين في هذا المعنى نرى إشارة إلى "كروية الأرض"؟!

    لفظ "التكوير" إنَّما اسْتُخْدِم هنا ليؤدِّي المعنى الذي نراه في ظاهرة "نمو" ظلمة الليل، و"نمو" نور النهار، فـ "نور النهار" يتحوَّل شيئاً فشيئاً إلى "ظلمة الليل"، التي هي، أيضاً، تتحوَّل شيئاً فشيئاً إلى "نور النهار". في هذا "التَدَرُّج" في "نور النهار" و"ظلمة الليل" يكمن "المعنى الحقيقي" لـ "التكوير".

    ولكن دعونا نفترض أنَّ "التكوير" يعني أنَّ النهار والليل يشبه كلاهما "نصف كرة". فهل يترتَّب على هذا المعنى الافتراضي القول بـ "كروية الأرض"؟! كلاَّ، لا يترتَّب هذا على ذاك، فالأرض قد تكون في شكل "قطعة نقدية معدنية (مستديرة)"، تحيط بها، وتعلوها، سماء في شكل "نصف كرة". هذا يعني أنَّ القول بـ "نهار" أو "ليل" يشبه في شكله "نصف كرة" لا يكفي، وحده، دليلاً على "كروية الأرض".

    "والأرضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا". وفي هذه الآية مِنْ "سورة النازعات"، يرى مصطفى محمود إشارة قرآنية أُخرى إلى "كروية الأرض"، زاعماً أنَّ "دحا" هي الكلمة الوحيدة في المعاجم العربية التي تعني "البسط والتكوير معاً". وفي زعمه أيضاً أنَّ الأرض تشبه "الدِّحْيَة"، أي "البيضة" كما يزعم، في "تكويرها"، فهي (أي الأرض) منبسطة في الظاهر، "مكوَّرة (كروية في زعمه اللغوي)" في الحقيقة.

    إنَّني لا أعْلَم مِنْ أين جاء لكلمة "دحا" بهذا المعنى اللغوي الذي لا وجود له في كل معاجم اللغة العربية، التي تُجْمع على معنيين لهذه الكلمة، هما "بَسَطَ" و"دَفَعَ". وَيُقَال لِعُشِّ النَّعَامَة أَدْحَى; لأنَّه مَبْسُوط على وَجْه الأَرْض. وجاء في "لسان العرب": "الأُدْحِيُّ" و"الإِدْحِيُّ" مَبِيض النعام في الرمل، فالنعام تدحو الرمل برجلها ثمَّ تبيض فيهِ. ومَدْحَى النعام هو موضع بيضها. وليس لـ "الدِّحْيَة"، في كل المعاجم اللغوية العربية، مِنْ معنى "البيضة".

    "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ". في هذه الآية مِنْ "سورة النمل" يرى مصطفى محمود إشارة قرآنية إلى أنَّ "الأرض تسبح بجبالها في الفضاء"، فـ "الجبال التي تبدو جامدة ساكنة هي في الواقع سابحة في الفضاء". ويرى، أيضاً، أنَّ "تشبيه الجبال بالسحب فيه إشارة قرآنية إلى أنَّ المادة (أو الجبال هنا) تتألَّف مِنْ "ذرَّات"، فـ "السُحُب تتألَّف مِنْ قطيرات".

    لقد قرَّر مصطفى محمود، في سبيل تثبيت هذا التأويل، أنْ يضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ الآية تصف حال الجبال يوم القيامة. قال الْقُشَيْرِي: وهذا يَوْم الْقِيَامَة، أَيْ هي (الجبال) لِكَثْرَتِهَا كَأَنَّهَا جَامِدَة أَيْ وَاقِفَة في مَرْأَى الْعَيْن وَإِنْ كَانَتْ فِي أَنْفُسهَا تَسِير سَيْر السَّحَاب.

    ولو كان مصطفى محمود ينشد الحقيقة لما ضرب صفحاً، أيضاً، عن الآية التي سبقتها والتي جاء فيها: "وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ".

    ولو كان في الآية التي ذكرها مصطفى محمود إشارة قرآنية إلى أنَّ الأرض تسبح في الفضاء لذُكِرَت الأرض في عداد تلك الأشياء المذكورة في القرآن ضِمْنَ عبارة "وكلٌّ في فلكٍ يسبحون"، ففي "سورة يسن"، مثلاً، نقرأ الآية "لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ". وقد جاء في تفسير ابن كثير: "وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ "، يَعْنِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كُلُّهمْ يَسْبَحُونَ أَيْ يَدُورُونَ فِي فَلَك السَّمَاء.

    "لا الشمس ينبغي لها أنْ تُدْرِكَ القمر"، أي أنَّ الشمس، وعلى الرغم مِنْ جريانها (نهاراً) في السماء، لن تُدْرِكَ القمر، فتَظْهَر، بالتالي، ليلاً. ونحن نعرف الآن أنَّ الشمس تجري في الفضاء، ولكنَّها لا تجري فيه حَوْلَ الأرض، فهي (أي الشمس) تدور حَوْل محورها، كما تدور، في الوقت نفسه، حول مركز مجرَّتنا (درب التبَّانة). ونحن لا نرى "المشْهَد الحقيقي" عندما نرى الشمس تجري (نهاراً) حَوْل الأرض.

    وغني عن البيان أنَّ التفسير الصحيح لظاهرتي "الليل" و"النهار" لا تقوم له قائمة قَبْلَ اكتشاف حقيقة أنَّ الأرض تدور حَوْل محورها، فَقَبْلَ ذلك، يمكن فحسب أنْ نقول بتصوِّر مِنْ قبيل أنَّ الشمس تَظْهَر وتجري "في النهار"، ولكنَّها مهما أسْرَعَت في جريانها لن تُدْرِكَ القمر، وتَدْخُلَ، بالتالي، الليل.

    القمر يُرى نهاراً، ويضيء ليلاً، ولكنَّ الشمس لا تُرى أبداً ليلاً؛ لأنَّها، بحسب هذا التصوُّر، ينبغي لها ألا تُدْرِكَ القمر. وبحسب التصوُّر ذاته، يدور الليل والنهار في فلك السماء كما تدور الشمس ويدور القمر، ولكن "لا الليل سابق النهار"، فالنهار هو، دائماً، سابق الليل.

    هل الليل سابق النهار، أم النهار سابق الليل؟ الأرض مُذْ وُجِدَت لم تعرف ليلاً يسبق النهار، ولا نهاراً يسبق الليل، فدائماً كانت نهاراً في أحد نصفيها، وليلاً في نصفها الآخر، فنهارها وليلها متلازمان؛ لأنَّها جسم كروي يدور حَوْل محوره، في سياق دورانه حول الشمس. أمَّا "التعاقُب" فلا نراه إلا في نصفها هذا أو ذاك، فالنهار عندنا يعقبه ليل، والليل يعقبه نهار. والنهار عندنا، ليل في الولايات المتحدة، مثلاً، والليل عندها، نهار عندنا.

    "حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ". وهذه الآية مِنْ "سورة يونس" يؤوِّلها مصطفى محمود بما يخدم قصده وهو "اكتشاف" إشارة قرآنية إلى "كروية الأرض".

    المعنى الحقيقي للآية هو الآتي: "حَتَّى إذَا أَخَذَتْ الأرْض زُخْرُفهَا"، أي بَهْجَتهَا مِنْ النَّبَات. "وَازَّيَّنَتْ"، أي تزيَّنت بِالزَّهْرِ. "وَظَنَّ أَهْلهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا"، أي مُتَمَكِّنُونَ مِنْ تَحْصِيل ثِمَارهَا. "أَتَاهَا أَمْرنَا"، أي قَضَاؤُنَا أَوْ عَذَابنَا "ليلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا" أَيْ جَعَلْنا زَرْعهَا "حَصِيدًا"، أي كَالْمَحْصُودِ بِالْمَنَاجِلِ. كَأَنَّهَا "لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ"، أي لم تَكُنْ بالأمس.

    هذه الآية لا تنطوي على إشارة إلى "التزامُن"، أي تزامُن الليل والنهار في الكرة الأرضية، فهي إنَّما تشير فحسب إلى "تعاقبهما" في المكان ذاته، أي في نصف الكرة الأرضية الشرقي، أو في جزء منه، فـ "قضاء" الله، أو "عذابه"، يأتي بغتةً، في الليل أو النهار.

    مصطفى محمود يقوم بإفراغ عبارة "ليلاً أو نهاراً" مِنْ معناها الحقيقي هذا، ليملأها مِنْ ثمَّ بمعنى "تزامُن الليل والنهار في الأرض؛ لأنَّها كروية". ويفعلُ الشيء ذاته في عبارتي "فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ"، و"رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ"، قائلاً: "لو كانت الأرض مسطَّحة لكان هناك مشرق واحد ومغرب واحد".

    الشمس تشرق كل يوم في هذا البلد أو ذاك، ولكنَّها لا تشرق كل يوم مِنَ الموضع ذاته، فمواضع وأماكن شروقها (أو غروبها) تختلف في البلد الواحد يومياً باختلاف موضع الكرة الأرضية في مدارها حول الشمس. كما أنَّ المشرق هو، أيضاً، موضع "شروق" القمر (او هذا الكوكب أو ذاك) في هذا البلد أو ذاك.

    قال ابْن عَبَّاس: "إِنَّ الشَّمْس تَطْلُع كُلَّ سَنَة في 360 كُوَّة. تَطْلُع كُلَّ يوم في كُوَّة". وجاء في تفسير الجلالين أنَّ المشارق والمغارب هي مشارق ومغارب الشمس والقمر والكواكب.

    مِنْ الصفات القرآنية لـ "السماء" أنَّها "ذات الحبك"، و"ذات الرجع". عبارة "ذات الحبك" يفهمها مصطفى محمود على أنَّها إشارة قرآنية إلى "المسارات والطرقات والمجالات" في السماء. أمَّا عبارة "ذات الرجع" فيفهمها على أنَّها إشارة قرآنية إلى أنَّ السماء تُرْجِع إلى الأرض كل ما يرتفع مِنَ الأرض إليها، فهي تُرْجِع بخار الماء مطراً، و"تُرْجِع الأجسام بقوَّة الجاذبية الأرضية"، وتُرْجِع الأمواج اللاسلكية، فـ "طبقة الأيونوسفير" تقوم بإرجاع هذه الأمواج إلى الأرض. كما تُرْجِع الأشعة دون الحمراء، فتُدفئ الأرض ليلاً. وهي "ذات الرجع"؛ لأنَّها، بحسب تأويله، تحمي الأرض مِنْ القذائف القاتلة للأشعة الكونية والأشعة فوق البنفسجية.

    لقد أجمعت تفاسير القرآن على أنَّ السماء وُصِفَت بأنَّها "ذات الحبك"؛ لأنَّها "حُبِكَت (أو زُيِّنت) بالنجوم"، فإذا نَسَجَ النسَّاج ثوباً يُقال "ما أحسن ما حَبَك". و"الحُبُك" مفردها "حبيكة". و"الحبيكة" هي "مسير النجم". وكلُّ مَنْ يَنْظُرَ إلى السماء يمكن أنْ يرى فيها ما يشبه ثوباً حُبِكَ بالنجوم. كما يمكنه أنْ يرى فيها مساراتٍ للنجوم.

    أمَّا "ذات الرجع" فهي صفة للسماء، منشؤها "رجوع المطر، كل عام، إلى الأرض مِنَ السماء"، فـ "السماء"، في القرآن لا تُرْجِع بخار الماء إلى الأرض مطراً، فهي التي منها يُنْزِلُ الخالِق المطر، الذي ليس مِنْ إشارة قرآنية إلى أنَّ مَصْدَرَهُ هو مياه البحار والأنهار التي تبخَّرَت بحرارة الشمس. والسماء ليست هي التي تُرْجِع الأجسام وكل ما يرتفع إليها مِنَ الأرض، فـ "قوَّة الجاذبية الأرضية" هي التي تقوم بذلك. وهي تفشل في إرجاع الجسم إلى الأرض إذا كانت سرعته تتجاوز "سرعة الإفلات مِنَ الجاذبية الأرضية".

    "لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ ولا أَكْبَرُ". في هذه الآية مِنْ "سورة سبأ" يكتشف مصطفى محمود إشارة قرآنية إلى "الجسيمات دون الذرية" كـ "الإلكترون" و"البروتون" و"النيوترون" و"الكوارك" و"النيوترينو"..!

    يقول: "قديماً، كانوا ينظرون إلى مثقال الذرَّة على أنَّه أصغر مثقال. وكانوا ينظرون إلى الذرَّة على أنَّها مادة غير قابلة للانقسام، أي أنَّها لا تتألَّف مِنْ جسيمات أصغر. وها نحن نرى في هذه الآية إشارة قرآنية إلى ما هو أصغر مِنَ الذرَّة".

    أوَّلاً، لا أعْرِف لماذا تجاهل مصطفى محمود الآية "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ"؟! لماذا اهتمَّ بـ "مثقال ذرَّة" وأهمل "مثقال حبَّةٍ مِنْ خرْدلٍ"؟!

    "الذرَّة"، لغةً، هي "الهباء المنتشر في الهواء"، و"القدر الضئيل مِنَ التراب أو غيره". والقرآن في تعبيره عن "أقل شيء"، أو عن "ما لا قيمة له"، يَسْتَخْدِم عبارتي "مثقال ذرَّة"، و"مثقال حبَّةٍ مِنْ خردل". و"الذرَّة"، في تفسيري الجلالين والقرطبي، هي "أصغر نَمْلة".

    إنَّ "الذرَّة القرآنية" ليست هي ذاتها "الذرَّة" Atom في الفيزياء والكيمياء. وعندما اكْتُشِفَت "الذرَّة" Atom حار اللغويون العرب في تعريب الكلمة إلى أنْ اتَّفقوا على اتِّخاذ لفظ "ذرَّة" تسميةً لـ " Atom". وكان ممكنا أنْ يتَّخِذوا لفظاً آخر تسميةً لها.

    تخيَّلوا أنَّ اللغويين العرب اتَّخذوا لفظ "الطارق" تسميةً لـ "النجم النيوتروني". لو فعلوا ذلك لجاءنا مصطفى محمود مكتشفاً "إشارة قرآنية" إلى هذا النجم!

    أمَّا "الأصغر مِنْ مثقال ذرَّة" والذي تضمَّنَتْهُ العبارة القرآنية "ولا أصغر مِنْ ذلك" فهو شيء أكبر مِنْ "جزيء الماء" بآلاف أو ملايين المرَّات، فأصغر "نَمْلة" تتألَّف مِنْ ملايين الجزيئات. فكيف يجرؤ مصطفى محمود على الادِّعاء بأنَّ "الأصغر مِنْ مثقال ذرَّة" هو "الجسيم دون النووي" كـ "الإلكترون" أو "البروتون" أو "الكوارك"..؟!

    .. وعند مدحت حافظ إبراهيم

    مدحت حافظ إبراهيم، ألَّفَ كتاباً، عنوانه "الإشارات العلمية في القرآن الكريم". وفي إحصاء "الآيات العلمية والكونية" في القرآن، قال الكاتب إنَّها 750 آية عند بعض المفكِّرين، و1000 آية عند آخرين. وهذا الاختلاف ناشئ عن الاختلاف في "فهم وتحديد معنى الإشارة العلمية أو الكونية".

    ومع أنَّ الكاتب يُقِرُّ بأنَّ المسلمين الأوائل، في صَدْر الإسلام، "فهموا الإشارات العلمية والكونية في القرآن فهماً صحيحاً" فإنِّه يشدِّد على ضرورة وأهمِّيَّة أنْ يتوفَّر المفكِّرون الإسلاميون، في العصر الحديث، على اكتشاف وشرح وتفسير هذه الإشارات، فإقناع عامَّة المسلمين بالأهمِّيَّة العلمية لتلك الإشارات يُرسِّخ "الإيمان الديني" في نفوسهم.

    والكاتب يحمد الله على توفيقه له في "تصوُّر (أو وَضْع) نظرية عامة للإشارات (إيماءات، إرشادات، تلميحات، إرشادات) العلمية في القرآن". ويرى الكاتب أنَّ مِنْ أوجه الإعجاز في الآية العلمية والكونية أنَّها "تَقْبَل أكثر مِنْ تفسير"، فيختلف تفسيرها مِنْ عصر إلى عصر!

    "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ". الآية 41 مِنْ سورة "الرعد". كيف تنقص أطراف الأرض؟ في التفسير "القديم"، تنقص بـ "موت علمائها وصلحائها وفقهائها"، وبـ "نقص بركاتها وثمارها وأهلها بسبب جور ولاتها"، وبـ "الفتوحات الإسلامية، فالمسلمون يأخذون الأرض مِنَ المشركين جزءاً بَعْدَ جزء، فتنقص عليهم (أي على المشركين) الأرض مِنْ حولهم". "أَوَلَمْ يَرَوْا"، أَيْ أَهْل مَكَّة، "أَنَّا نَأْتِي الأرْض"، أيْ نَقْصِد أَرْضهمْ، "نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرَافهَا" بِالْفَتْحِ عَلَى النَّبِيِّ.

    الكاتب لا يُخطِّئ هذا التفسير، ولكنَّه يضيف إليه تفسيراً آخر، فهو يعود إلى العلوم الجيولوجية"، وغيرها، ليقتطف مِنْها ما يسمح له بتفسير الآية ذاتها على النحو الآتي: "الأطراف" تعني "أعالي الجبال"، التي يتناقص ارتفاعها نتيجة تعرُّضها للأمطار والحرارة والبرودة والرياح الشديدة. سرعة دوران الأرض حول محورها، وقوَّة طردها المركزي، يؤدِّيان إلى نقص في طرفي الأرض، وهما قطباها الشمالي والجنوبي. جزيئات الغازات المُغلِّفة للكرة الأرضية قد تتغلَّب على قوَّة جذب الأرض لها فتنطلق إلى خارج الكرة الأرضية، فتنقص، بالتالي الأرض مِنْ أطرافها، فليست أرض أعداء المؤمنين هي التي تنقص مِنْ أطرافها، وإنَّما "الأرض"، أي الكرة الأرضية.

    هذا "المؤوِّل العظيم" ضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ الله كان يخاطِب، في هذه الآية "المشركين مِنْ أهل مكَّة"، وكأنَّه يقول لهم "إنَّكم تنكرون حقيقة في متناول أبصاركم"، وهذه الحقيقة إنَّما هي أنَّ "الأرض تنقص مِنْ أطرافها"، فهل كان في متناوَل بصر، وبصيرة، "المخاطَب" كل تلك الأشياء التي ذَكَرَها وعدَّدها مدحت حافظ إبراهيم؟! أين هي "الشرعية اللغوية" في زعمه أنَّ "الأطراف" تعني "أعالي الجبال"؟!

    في الآية، إنَّما يخاطب الله المشركين مِنْ أهل مكَّة قائلاً: أَوَلَمْ يَرَ هؤلاء الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْل مَكَّة الَّذِينَ يَسْأَلُونَ مُحَمَّدًا الآيات, أَنَّا نَأْتِي الأرْض فَنَفْتَحهَا لَهُ أَرْضًا بَعْد أَرْض حَوَالَيْ أَرْضهمْ, أفلا يَخَافُونَ أَنْ نَفْتَح لَهُ أَرْضهمْ كَمَا فَتْحنَا لَهُ غَيْرهَا. لقد "تعمَّق" الكاتب في العلوم، ممتثلاً لـ "أمر الله"، فانتهى به هذا "التعمُّق" إلى هذه "السطحية" في التفسير والتأويل!

    الكاتب دافعه نبيل، فهو لا يريد للعالَم الإسلامي، في العصر الحديث، أنْ ينتهي إلى ما انتهت إليه أوروبا، في العصر الوسيط، مِنْ صدام وصراع بين "العِلْم" و"الدين (المسيحي)"، فـ "اليهودية بكتابها التوراة" و"المسيحية بأناجيلها الأربعة" دَخَلَتا في نزاع مع "العِلْم"؛ لأنَّ قياداتهما الدينية قامت بـ "تحريف وتغيير وتبديل ما أنزل الله على موسى وعيسى"، فَفَقَدت "التوراة" و"الأناجيل"، بالتالي "حيويتها العلمية"، أي أنَّ محتوياتها "العلمية والكونية" قد أفسدتها "الأباطيل" و"الخرافات" و"الأساطير"، فرجحت "كفَّة العِلْم"، في هذا الصراع، على "كفَّة الدين".

    وغني عن البيان أنَّ هذه القيادات (ذات المصالح الفئوية الضيِّقة) ما كان لها أنْ تنجح في هذا "الفساد العقائدي" لو أنَّ الله قد تكفَّل بحفظ "التوراة" و"الإنجيل" مِنْ أي تحريف أو تغيير أو تبديل كما تكفَّل بحفظ القرآن.

    وتأسيساً على أنَّ "النصِّ القرآني" في حفظ الله وصونه، رأى الكاتب أنَّ "التأويل" هو كل ما يحتاج إليه هذه النص في سبيل الحفاظ على "الصلح الأبدي" بين "العِلْم" و"الآيات العلمية والكونية". ورأى في نفسه مِنَ التمكُّن الديني والعلمي واللغوي ما يسمح له بأنْ يُفَسِّر (أي يُعيد تفسير) نلك الآيات على نحو يمكِّنه مِنْ إقناع عامَّة المسلمين بأنَّ "بذور" الاكتشافات والحقائق العلمية الكبرى، التي جاء بها القرن العشرين، أو هذه الاكتشافات والحقائق ذاتها، قد كانت كامنة في "الآيات العلمية والكونية"، فأظْهرها، مع غيره مِنَ "الراسخين في العِلْم".

    دافعه النبيل إنَّما كان أنْ يقيم "الدليل المُقْنِع والمُفْحِم" على أنَّ كل "حقيقة علمية كبرى مثْبَتة ومؤكَّدة ولا ريب فيها" يجب أنْ تكون لها "إشارة" في القرآن. ويكفي أنْ يبذلَ قليلاً مِنَ "الجهد التأويلي" حتى يُوفَّقَ في اختلاق هذه "الإشارة" اختلاقاً، غير عابئ بـ "التفسير الحقيقي" للآية، أو بـ "المعنى الحقيقي" لمفردات وألفاظ اللغة العربية.

    الكاتب يرى في هذه "الإشارات" ما يَحْمِل المسلمين، أو يجب أنْ يَحْملهم، على اتِّخاذها مُرْشِداً لهم في "البحث العلمي"، فيتوصَّلون بها إلى "اكتشافات علمية"، ضارباً صفحاً عن حقيقة أنَّ العلماء والمفكِّرين الإسلاميين لم يُفَسِّروا (أو يؤوِّلوا) آية "علمية أو كونية" في طريقة مكَّنَت "الفيزيائيين المسلمين (أو غير المسلمين)" مثلاً مِنْ اتِّخاذ هذا "التفسير (أو التأويل)" طريقاً إلى اكتشاف حقائق علمية جديدة، فكل ما قام به هؤلاء "المؤوِّلين" لا يتعدَّى تأويل تلك "الإشارات" بما يتَّفق مع الحقائق العلمية الجديدة التي توصَّل إليها غير المسلمين، حتى يتمكَّنوا مِنَ الادِّعاء بأنَّ "بذور" هذه الحقائق كانت كامنة في ما يسمُّونه "الآيات العلمية والكونية"، فهذا التأويل لم يؤدِ قط، ولن يؤدِّي أبداً، إلى أي "اكتشاف علمي جديد"!

    دعونا نوضِّح ذلك في المثال الآتي: جاء في الآية 3 مِنْ سورة "سبأ": "لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ ولا أَكْبَرُ". هذه الآية قَبْلَ، ومِنْ أجل، أنْ تكون "إشارة قرآنية علمية" تفيد في أبحاث علمية تقود إلى اكتشاف "الذرَّة" Atom والأصغر مِنَ "الذرَّة"، كان لا بدَّ مِنْ أنْ تُفَسَّر، قَبْلَ وليس بَعْد اكتشاف "الذرَّة"، على أنَّها "إشارة قرآنية" إلى أنَّ المادة تتكوَّن مِنْ عناصر متناهية في الصِغَر، لا تُرى في العين المجرَّدة، هي "الذرَّات"، التي هي، أيضاً، تتكوَّن مِنْ جسيمات أصغر. حتى اكتشاف "الذرَّة"، كانت عبارة "مثقال ذرَّة" تُفَسَّر على أنَّها إشارة إلى شيء يَعْدِلُ ثقله ثقل "نملة"، أو "هباءة"، أو "حبَّةٍ مِنْ خردل"، فالله لا يَعْزُب عنه مثل هذا المثقال ولا أصغر منه ولا أكبر.

    ونحن نَعْلَم أنَّ ديموقريطس كان أوَّل مَنْ قال بـ "الذرَّة"، أي Atom. وقد اعتبر أنَّ كل الأشياء التي نراها بالعين المجرَّدة تتألَّف مِنْ عناصر لا تُرى بالعين المجرَّدة، وأنَّ كل عنصر مِنْ هذه العناصر (أي كل "ذرَّة" Atom) في حركة دائمة ضمن فراغ. وبَعْدَ اكتشاف "الذرَّة" Atom جاء "التأويل"، ففُسِّرت "الذرَّة القرآنية" على أنَّها Atom. وفُسِّرَت عبارة "ولا أصغر مِنْ ذلك" على أنَّها إشارة قرآنية إلى "الجسيمات دون الذرِّية". والأمر كله لا يتعدَّى أنَّ اللغويين العرب أرادوا لفظاً في اللغة العربية يُقابِل كلمة "Atom". وقد وَقَعَ اختيارهم، واتَّفقوا، على لفظ "الذرَّة". وكان ممكناً أنْ يتواضعوا على لفظ "كِسْرَة"، أو لفظ "جزئية". فلو هُمْ تواضعوا على هذا اللفظ أو ذاك لحبط سعي "المؤوِّلين" لاكتشاف إشارة علمية إلى "الذرَّة" Atom في تلك الآية القرآنية وفي غيرها!

    نسي الكاتب أنَّها "لعبة لفظية"، فقال: "الآية تكشف أنَّ الذرَّة غير مرئية، ولها مثقال، وأنَّها ليست بأصغر شيء في الكون، ويمكن تقسيمها. إنَّ أحداً لم يكن يَعْلَم، عند نزول القرآن، أنَّ هناك ما هو أصغر مِنَ الذرَّة".

    إنَّ هذه "اللعبة اللفظية" تضرُّ ولا تنفع. إنَّها تضرُّ بـ "العِلْم" و"الدين" معاً، وكان ينبغي لهم أنْ يكفونا، وأنْ يكفوا أنفسهم، شرورها، فكثرة "المطِّ"، ولو كان مطَّاً للمطَّاط، يُقِطِّع ويُمَزِّق!

    و"التأويل"، بعواقبه وليس بـ "تعريفه"، إنَّما هو الإمعان في "مطِّ" ألفاظ وعبارات القرآن حتى "تتمزَّق" معانيها الحقيقية مِنْ غير أنْ يُوفَّق "المؤوِّلون" في إدخال معانٍ علمية فيها. و"التأويل العلمي" لبعض الآيات القرآنية إنَّما يجعلها غريبة عن "الحقيقي" في معانيها وتفاسيرها، ونَهْباً لمعانٍ وتفسيرات متضارِبة متناقضة، فأين هو "الإعجاز" الذي يكتشفون إذا كنَّا في كل عصر نكتشف خطأ التفسير في العصر الذي سبق؟!

    حتى حلول القرن العشرين، لم يَظْهَر مصطلح "الإشارات العلمية" في القرآن، أو مصطلح "الآيات العلمية والكونية"، أو مصطلح "الإعجاز العلمي" في القرآن. فلماذا لم تَظْهَر تلك المصطلحات، ولم تشتد الحاجة إلى "التأويل العلمي" لبعض الآيات القرآنية، إلا في القرن العشرين، الذي شهد أهم وأعظم الإنجازات العلمية؟!

    إنَّ الكُتُب الدينية لا تحتاج إلى "التأويل العلمي"، وإنَّما إلى النأي بـ "معانيها الروحية" عن مثل هذا التأويل.

    يقول مدحت حافظ إبراهيم: "فالله بعلمه الأزلي أنزل هذه الإشارات العلمية القرآنية للإنسان ليُعْمِلَ فكره وعقله في الظواهر الكونية، فيستخلص حقائقها، ويدرك تفاصيلها وجزئياتها".

    ونقول: لقد أعمل الإنسان (المسلم) فكره وعقله، قروناً وقرون، في الآية "لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ ولا أَكْبَرُ"، فلم يتوصَّل إلى اكتشاف "الذرَّة" Atom ولا إلى "الجسيمات دون الذرِّية". كل ما توصَّل إليه هو أنَّ الله لا يَعْزُب عنه مثقال "نملة"، أو "هباءة"، أو "حبَّةٍ مِنْ خردل"، أو أصغر مِنْ ذلك، فإعمال الفكر والعقل في هذه "الآية" لم يُفْضِ إلى اكتشاف "الذرَّة" Atom. إنَّ اكتشافها هو الذي أفضى إلى هذا "التأويل"، فالانتقال كان دائماً مِنْ "اكتشاف" إلى "تأويل"، ولم يكن قط مِنْ "تأويل" إلى "اكتشاف".

    "إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى". مِنَ الآية 95 مِنْ سورة "الأنعام". قد أحذو حذوهم في "التأويل"، فاكتشفُ في هذه الآية "إشارة علمية" إلى "الانشطار النووي"، فالله هو الذي فَلَقَ، أو شقَّ، أو شَطَرَ، نوى ذرَّات اليورانيوم، مثلاً، مُجْرياً ذلك الفَلْق على أيدي العلماء. على أنَّ "اكتشافي" هذا ينال مِنْ قوَّة منطقه أنْ ليس في القرآن آية يمكن اتِّخاذها "إشارة علمية" إلى "الاندماج النووي"، فـ "نوى الذرَّات" يمكن "فَلْقها"، كما يمكن "دمجها".

    ومع أنَّ الكاتب لا يفعل شيئاً سوى استخدام تلك "الآلة" التي تُدْعى "التأويل العلمي" لآيات القرآن، فإنَّه يعيب على "بعض المسلمين" مناداتهم بضرورة "استخراج العلوم مِنَ القرآن"، قائلاً: "القرآن ليس كتاباً في العلوم، قديمها أو حديثها، والنبي لم يُبْعَث ليُبَشِّر بانشطار الذرَّة، أو ارتياد الفضاء، أو بكروية الأرض، أو قانون الجاذبية". إنَّ "القرآن" شيء، و"الفيزياء" شيء، فلا يجوز "استخراج العِلْم مِنَ القرآن"، كما لا يجوز "استخراج القرآن مِنَ العِلْم".

    الكاتب لا يرعوي عن جَمْع وتجميع "الإشارات العلمية"، فيُوْرِد في هذا السياق "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ". الآية 79 مِنْ سورة "النحل". ليس في هذه "الآية" ما يُعَدُّ "إشارة علمية"، فهي لا تتعدَّى، في معناها وتفسيرها، "الجواب الديني" عن "سؤال الطيران"، فـ "طيران الطير" كان قَبْلَ اكتشاف "قانونه الطبيعي" مِنَ الظواهر الطبيعية التي تُدْهِش الناس وتُحيِّرَهم، فكيف للطير أنْ يطير، وكيف له أنْ يطير ولا يسقط؟!

    كان هذا هو "سؤال الدهشة"، فأجاب عنه القرآن "إجابة دينية" إذ قال إنَّ الله هو الذي جَعَل الطير مسخَّرات (للطيران) في جو السماء، أي في الهواء بين السماء والأرض، وهو الذي يُمْسِكهُنَّ (عند قَبْض أجنحتهنَّ أو بَسْطها) أنْ يَقَعْنَ، أي يمنعهنَّ مِنَ الوقوع. إنَّ للطير مِنَ الخواص الطبيعية، وإنَّ فيه مِنَ القوى الطبيعية، ما يُمكِّنهُ مِنَ الطيران، وما يُمكِّنهُ مِنْ أنْ يطير مِنْ غير أنْ يقع، فما كان "مُدْهِشاً" للناس قديماً في هذه الظاهرة ما عاد بمُدْهِشٍ الآن، فـ "المُدْهِش" الآن هو أنْ نرى طيراً لا يطير، أو يطير فيقع. ومع ذلك، يحقُّ لـ "المؤمِن" أنْ يُفَسِّر هذه الظاهرة، تفسيراً دينياً، كأنْ يقول إنَّها مِنْ فِعْل "قانون طبيعي"، خَلَقًَهُ الله.

    "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ". الآية 164 مِنْ سورة "البقرة". هل في هذه الآية ما يُشير إلى "الكون المرئي الذي يعجُّ بأجرام سماوية"؟! كلا، ليس فيها ما يُشير إلى ذلك. ومع ذلك، تجرأ مدحت حافظ إبراهيم على الادِّعاء بِتَضَمُّن الآية إشارة إلى "ما قرَّرهُ العِلْم مِنْ أنَّ الكون المرئي (أو المنظور) يعجُّ بأجرام سماوية"!

    كان ينبغي له أنْ يجلو لنا الغموض عن عبارة "والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض". فما معنى "السماء"، هنا، وما معنى "الأرض"؟ هل "الغلاف الجوي"، الذي فيه يجري السحاب، مِنَ "الأرض" أم مِنَ "السماء"؟ أم أنَّه ليس مِنَ "الأرض"، وليس مِنَ "السماء"؟ هل هو منفصل عنهما، يقع بينهما؟ إذا كان "الغلاف الجوي"، الذي فيه يجري السحاب، جزءاً مِنَ "السماء"، فكيف نُفَسِّر "البينية" في عبارة "والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض"؟ وكيف نُفَسِّرها إذا ما فهمنا "الغلاف الجوي" على أنَّه جزء مِنَ الأرض، وهو كذلك؟ في "الآية" نفهم "المكان" الذي يجري فيه السحاب على أنَّه "الغلاف الجوي الذي ليس بجزء مِنَ السماء (ولا مِنَ الأرض)"، فهل "السماء"، بَعْدَ هذا الفهم، تعني "الفضاء الكوني"؟ إنَّه لم يَجْلُ لنا الغموض عن هذه العبارة"، ولكنَّه جاءنا مِنَ "الآية" بـ "إشارة كونية" ليس لها مِنْ وجود فيها هي الإشارة إلى أنَّ "الكون المرئي يعجُّ بأجرام سماوية"، فالْغِ عقلكَ حتى توافقهُ الرأي!

    "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ". الآية 65 مِنْ سورة "الحج". هنا، فسَّر الكاتب هذه الآية بما يُناقِض معنى عبارة "وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". فهو قال في تفسيره: "السماء، وهي كل ما علانا، تبدأ بغلاف الأرض الهوائي.. ". إنَّه أوَّلاً ينسب "الغلاف الجوي" إلى الأرض بقوله "غلاف الأرض الهوائي"، ثمَّ يعتبره جزءاً مِنَ "السماء" في قوله "السماء تبدأ بغلاف الأرض الهوائي". فإذا كان "الغلاف الجوي" جزءاً مِنَ "السماء"، فكيف نفهم تلك "البينية"، أي كيف نفهم أنَّ السحاب مُسخَّر "بين" السماء والأرض؟!

    "السماء"، في الآية"، قد "تقع على الأرض"، كوقوع "سقف بناء"، ولكنَّها لن تقع إلا بإذن الله الرؤوف الرحيم بالناس. وبَعْدَ ذلكَ، يأتي "الفضاء"، فـ "السماء"، بحسب تفسير الكاتب، تبدأ بغلاف الأرض الهوائي، فـ "الفضاء"، فـ "أجرام السماء"، مِنْ نجوم وكواكب. هُنا، يُصوِّر لنا الكاتب "الفضاء" على أنَّه "طبقة تعلو "الغلاف الجوي للأرض"، وتعلوها "أجرام السماء"، وكأنَّ هذه "الأجرام" ليست جزءاً لا يتجزأ مِنْ تكوين تلك "الطبقة الفضائية"!

    هذا التصوُّر إنَّما هو جزء مِنْ "تصوُّر ديني ـ كوزمولوجي" أوسع، فـ "الكون" Universe إنَّما يشبه "بناية عالية"، في "أسفلها" تقع "الأرض"، التي تختلف في معناها عن "الكرة الأرضية"، أو "كوكب الأرض". وهذه "الأرض" تعلوها "طبقات" غير واضحة المعالم. "الكون" الذي خُلِقَ في "ستَّة أيام" إنَّما يتألَّف مِنَ الآتي: "السماوات (السبع)"، و"الأرض"، و"ما بينهما". إنَّ عبارة "وما بينهما" هي التي قد تَحْمِل على السؤال عن تلك "الأشياء" التي تقع بين "السماوات" و"الأرض"؟!

    لقد تصوَّروا "الكون" على أنَّه "بناية عالية لها سقف هو السماء، أو السماوات السبع، ولها أرضية هي الأرض، التي مِنْ غير الواضح ما إذا كان الماء (مياه المحيطات) والهواء (الغلاف الجوي) جزءاً منها". وبين "السقف" و"الأرضية" تُوْجَد، كما نرى في "العين الخادعة"، أشياء مثل "الشمس"، و"القمر"، و"الكواكب"، أي بعض كواكب المجموعة الشمسية، و"الشُهُب"، و"النيازك"، و"النجوم"، التي هي الجزء المرئي مِنْ مجرَّتنا (درب التبَّانة). وهذه "الأشياء" مع "السقف السماوي" تعلو "الأرض"، المؤلَّفة هي، أيضاً، مِنْ "سبع طبقات"، يعيش البشر في طبقتها العليا. ويكفي أنْ نتصوَّر "الكون" على هذا النحو حتى نقول بـ "خطر وقوع السماء (أو السقف السماوي) على الأرض"، وبـ "القوَّة" التي في يدها أمر "وقوع" أو "منع وقوع" السماء على الأرض. وهذا "التصوُّر يمكن أنْ نتصوَّره لو كنَّا نعيش في "المريخ"، أو "الزهرة"، أو "المشتري"، أو أي كوكب آخر، في المجموعة الشمسية، أو في الكون، فعبارة "وما بينهما" يمكن أنْ تعني، مثلاً، "ما بين السماوات والمريخ"، فهذا الكوكب يصبح في مكان "الأرض" في هذا التصوُّر، فـ "المريخ" يصبح "الأرضية" في "البناية الكونية"، و"السماء"، أي "السقف السماوي"، يمكن أنْ تقع عليه إذا ما أُمِرَت بذلك، فـ "السماء" التي بُنِيَت "فوق" الأرض ("وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا") هي ذاتها المبنيَّة "فوق" المريخ، و"فوق" الزهرة"، و"فوق" المشتري، و"فوق" كل كوكب، وكل نجم، في الكون. لقد حان لنا أنْ نفهم "الأرض" على أنَّها "كوكب"، يتألَّف مِنَ "اليابسة"، و"مياه المحيطات"، و"الغلاف الجوي". وأنْ نفهم "القبَّة الزرقاء (نهاراً)" على أنَّها ظاهرة مِنَ الظواهر النهارية للغلاف الجوي للأرض. وأنْ نفهم "الفضاء" المُظْلِم البارد على أنَّه ما يحيط بكوكب الأرض مثلما يحيط بأي كوكب ونجم ومجرَّة.. في الكون. وأنْ نفهم "الفضاء" على أنَّه و"مكوِّناته" مِنْ كواكب ونجوم ومجرَّات.. شيء واحد غير قابل للاجتزاء. وأنْ نفهم "ظرف المكان"، مِنْ قبيل "فوق" و"تحت"، "يمين" و"يسار"، "أمام" و"وراء"، فهماً "نسبياً"، فـ "السماء" التي "فوق" الأرض" هي، أيضاً، "فوق" المريخ"..

    "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". الآية 22 مِنْ سورة "البقرة". الكاتب رأى في عبارة "وأنزلَ مِنَ السماء ماءً" إشارة علمية إلى "الدورة المائية" في الأرض، قائلا: "التبخُّر الذي تتعرَّض له مياه المحيطات والبحار، بحرارة الشمس، يُنْشيء السُحُب، التي منها ينزل المطر، الذي هو أساس المياه العذبة على سطح الأرض، والعنصر الأساسي للحياة. ومِنَ الأمطار، تفيض الأنهار، التي تهب الحياة للمناطق القاحلة والنائية. ثمَّ، أي الأمطار في مجاريها النهرية، تَصُبُّ في البحار والمحيطات المالحة. وتستمر الدورة، فالمياه تنتقل مِنَ المحيطات والبحار إلى الجو، فمِنَ الجو إلى البر، فمِنَ البر إلى المحيطات والبحار.. ".

    تلك "الإشارة العلمية" إلى "الدورة المائية" كان ينقصها كلمة واحدة هي "التبخُّر"، فالعبارة القرآنية أشارت إلى "المطر"، أي إلى نزول الماء مِنَ السماء، ولكنَّها لم تُشِر إلى أنَّ هذا الماء النازل مِنَ السماء يعود في أصله ونشأته إلى مياه المحيطات والبحار، والتي تَبَخَّرَت إذ تعرَّضت لحرارة الشمس، فصَعَدَ "بخار الماء غير المرئي" إلى "السماء"، أي إلى "الغلاف الجوي"، فـ "تكثَّف" إذ تعرَّض لبرودة الهواء، فتكوَّنت السُحُب مِنْ تراكم وتجمُّع "قطرات الماء المتناهية في الصِغَر"، فيهيأ "فصل الشتاء" لـ "السُحُب" أسباب "الإمطار".

    "الحلقة المفقودة"، في هذا التصوُّر، إنَّما كانت "عملية التبخُّر"، فليس مِنْ "إشارة علمية" إلى أنَّ "الماء النازل مِنَ السماء" هو ذاته الذي "صَعَدَ إليها" عبر "عملية التبخُّر". ليس مِنْ "إشارة" إلى أنَّ "ماء السماء" قد جاء مِنْ "ماء الأرض". فكيف لكاتبنا، بَعْدَ ذلكَ، أنْ يرى في "الآية" إشارة علمية إلى "الدورة المائية" للأرض؟!

    "وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ". الآية 57 مِنْ سورة "الأعراف". "اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ". الآية 48 مِنْ سورة "الروم". في شرحه قال الكاتب: "في هذه الآية وتلك، يَظْهَر لنا مدى الإعجاز العلمي إذا ما تَذَكَّرْنا أنَّه في عهد نزول القرآن كان الناس (ربَّما باستثناء قلَّة نادرة) يجهلون أنَّ الهواء يحمل مقادير وفيرة مِنَ الماء على هيئة بخار، وأنَّ هذا البخار هو الذي يُكوِّن السُحُب، التي منها يجيء المطر".

    أليس في هذا الشرح استهزاء بعقول كل الناس؟! بأي "مجهر" تمكَّن مدحت حافظ إبراهيم مِنْ رؤية أو اكتشاف "إشارة علمية" إلى "اشتمال الهواء على مقادير وفيرة مِنَ الماء في شكل بخار"، وإلى أنَّ "هذا البخار هو الذي منه تتكوَّن السُحُب"؟!

    إنَّ "الرياح" مع "عملها" في كلتا الآيتين هي أمرٌ غنيٌّ عن الشرح. ومع ذلك سنشرحه كما نشرحُ "بديهية".

    الريح هو الهواء إذا تحرَّك. و"الخالِق هو الذي "يُرْسِل" الرياح، كما يُنْزِل الماء مِنَ السماء.

    والرياح تُثير السحاب، أي تُحَرِّكها وتنشرها في السماء، وتُقِلُّ، أو تَنْقُل، "سحاباً ثقالاً". و"الخالِق"، برحمته، يسوق هذه السحاب الثقال التي تَنْقُلها الرياح لبلد قاحل، ثمَّ يُنْزِلُ منها الماء (المطر) فينمو الزرع وتَخْرُج الثمرات.

    إنَّ الريح هي الهواء في حركته، أي الهواء المتحرِّك. وفي الهواء (أي الغلاف الجوِّي للأرض) تَعْلَق وتنتشر قطرات الماء المتناهية في الصِغَر، والتي هي في الأصل "بخار ماء" غير مرئي، كَثَّفَتْهُ برودة الهواء. ومِنْ قطرات الماء هذه تتكوَّن السُحُب، التي تشبه "ريشة" في الهواء، الذي يتحرَّك فيُحَرِّكها، وينقلها، وينشرها في الجو، أو في السماء. الغيوم تتحرَّك في السماء، أي في "الغلاف الجوي"، والرياح هي التي تُحَرِّكها. هذا مَشْهَد مرئي مألوف لدى كل الناس. وكل الناس يعرفون أنَّ السُحُب تَخْتَزِن ماء، فهي تشبه "بحيرات سماوية متحرِّكَة". والناس قديماً كانوا يعرفون؛ لأنَّهم يرون، أنَّ الماء يَنْزِلُ مِنَ السماء، أي مِنَ الغيوم (في الشتاء). ولكنَّهم كانوا جميعاً، أو معظمهم، يجهلون أنَّ الماء يَصْعَدُ إلى السماء في شكل بخار ماء (غير مرئي) وأنَّ هذا البخار تُكّثِّفهُ برودة الهواء فيتحول إلى قطرات ماء وغيوم مرئية. كانوا يجهلون أنَّ هذا الماء النازِل مِنَ السماء هو ذاته الذي صَعَدَ إليها إذ بخَّرَت حرارة الشمس قسماً مِنْ مياه المحيطات والبحار.

    لقد بَيَّنَّا المعنى الحقيقي للآيتين والذي ليس فيه إشارة إلى أنَّ "الهواء يحمل مقادير وفيرة مِنَ الماء في شكل بخار"، وإلى أنَّ "هذا البخار هو الذي يُكوِّن السُحُب".

    "وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا". الآية 13 مِنْ سورة "النبأ". "وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا". مِنَ الآية 16 مِنْ سورة "نوح". الكاتب يرى أنَّ أوجه "الإعجاز العلمي"، هنا، تكمن في أنَّ الله جَعَلَ الشمس "مضيئةً متَّقِدَةً". ثمَّ يَسْرُد لنا الكاتب ما لديه مِنْ "معلومات شمسية"، كمثل درجة حرارة سطح الشمس المُشِع، ودرجة حرارة باطن هذا النجم، ومكوِّنات أشعَّة الشمس، ونِسبة كل مكوِّن مِنْ هذه المكوِّنات.

    لقد جَعَل الله الشمسَ "سراجاً"، فما هو "السراج"؟ إنَّه مِصْبَاحُ زَيْتٍ، مُكَوَّنٌ مِنْ إنَاءٍ، فِي وَسَطِهِ فَتِيلَةٌ تُضِيء. والمصباح هذا يُطْلِق "الضوء" و"الحرارة" معاً. وعند مقارنة ضوء القمر بضوء الشمس نكتشف، بالإحساس، أنَّ ضوء القمر "بارد"، وأنَّ ضوء الشمس "حار". وبالتشبيه، نقول إنَّ الشمس كـ "السراج"، وكـ "السراج الوهَّاج".

    "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ". الآية 97 مِنْ سورة "الأنعام". "النجوم"، هنا، هي "أشياء" جَعَلَها الله زِينَة لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَيُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر.

    في هذا التصوُّر، نتصوَّر "النجم" على أنَّه "جسم مضيء، تزدان به السماء ليلاً، وقد خُلِقَ لغايات منها أنْ يهتدي به البشر في أسفارهم البرية والبحرية ليلاً، أي في ظلمات البر والبحر".

    في تَكوُّن "الجنين (البشري)" ونموِّه في رحم أُمِّه، "حَيَّرَتْ" الكاتب و"أدْهَشَتْهُ" ظاهرة "انبثاق الأجهزة والأعضاء البشرية المعَقَّدة مِنَ الخلايا المضغية المتماثلة"، فتساءل مستغرِباً: "كيف يمكن للخلايا المضغية المتماثلة تماماً في بنائها أنْ تُعْطي هذه الأجهزة البشرية المعَقَّدة، فهذا لُغْزٌ حيَّر، وما زال يُحَيِّر، كل علماء الدنيا؟!". ليس في هذه الظاهرة ما يدعو الكاتب إلى مثل هذه الحيرة والدهشة، فـ "التطوُّر" إنَّما هو "تحوُّل الشيء إلى نقيضه في الخواص والسمات.. ". وهذا "التحوُّل" إنَّما هو "الحتميَّة" بعينها. وتحوُّل الشيء إلى نقيضه إنَّما هو "التبدُّل في النوع (أو الكيف)" الناشىء عن "التبدُّل في الكم". وبين "الشيء" و"نقيضه" ما يمكن تسميته "الهوَّة النوعية السحيقة" التي كمثل كل "هوَّة" لا يمكن عبورها واجتازها إلا بـ "قفزة (أو طفرة) واحدة لا غير". إذا كان هذا "النجم"، مثلاً، ضخماً، مضيئاً ومُتَّقِداً، وإذا كان لا بدَّ له مِنْ أنْ يتطوَّر ويتغيَّر ويتبدَّل، فهل يمكنه، في آخر المطاف، مِنْ أنْ يتحوَّل إلى شيء آخر غير نقيضه في كل تلك الخواص والسمات؟! أليس ما يُضادَّهُ في "الضخامة"، و"الإضاءة"، و"الاتِّقاد"، وغير ذلك مِنَ الخواص والصفات، هو "الشيء الذي يتحوَّلُ إليه هذا النجم"؟! ألا يَعْلَم الكاتب أنَّ كل "العناصر الثقيلة" قد صنعتها النجوم، في بواطنها أو مفاعلاتها النووية، مِنْ "عنصر بسيط" هو "الهيدروجين"؟! ألا يَعْلَم أنَّ مِنَ "البروتون ذاته" تتكوَّن "نوى الذرَّات" جميعاً؟! ألا يَعْلَم أنَّ مِنْ "منطق التطوُّر" أنْ يَخْرُجَ "المُعَقَّد" مِنَ "البسيط"؟! ألا يَعْلَم أنَّ مِنْ "حروف قليلة" نبني آلافاً مِنَ "الكلمات"؟! إذا "النور" لا يتحوَّلَ إلى "ظلام"، و"الثقيل" إلى "خفيف"، و"الحركة" إلى "سكون"، و"الحار" إلى "بارد"، و"التركُّز" إلى "تَشَتُّت"، و"البسيط" إلى "معقَّد"، فإلى أي شيء يتحوَّل كلٌّ منها؟!

    الكاتب يفهم "المادة" Matter على أنَّها "شيء بعينه"، فهو يقول: "يزعم المادِّيون أنْ لا شيء في الكون غير المادة، وأنَّها سرمديَّة، أو أزليَّة ـ أبديَّة. على أنَّ زعمهم هذا يعني أنَّ المادة في الكون واحدة في خصائصها، فلا فَرْق بين مادة هذا الكوكب ومادة ذاك الكوكب، ولا فَرْق بين المادة في الصحراء والمادة في الجَبَل أو الوادي، ولا فَرْق بين مادة الهواء ومادة الماء أو الطين.. ".

    لا أدري مِنْ أين جاء بهذا الفهم لـ "المادة"، الذي إنْ دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على أنَّه يفهم "المادة" على أنَّها "شيء بعينه".. على أنَّها "ذرَّة كربون"، أو "جزيء ماء"، أو "حبَّة مِنْ خردل"، مثلاً. إنَّه لا يفهم أنَّ "المادة" ليست بهذا الشيء أو ذاك. إنَّها ليست "البروتون"، أو "الإلكترون"، أو "الكوارك"، أو "الفوتون"، أو "الذرَّة"، أو "الجزيء"، أو "الماء"، أو "الهواء"، أو "الشمس"، أو "القمر"، أو "الخليَّة"، أو "البرتقالة"، أو غير ذلك مِنَ الأشياء. إنَّها "جوهر" كل تلك الأشياء، وكل شيء في الكون، فـ "البروتون"، مثلاً، "مادة"، ولكنَّه ليس "المادة". فالإنسان "حيوان"، ولكنَّه ليس "الحيوان". إنَّ الأشياء جميعاً تختلف في خواصِّها وصفاتها، ولكنَّها تتَّفِق، وتتَّحِد، في "الخواص والصفات الجوهرية للمادة"، التي مِنْ أهمها "خاصِّيَّة الوجود في خارج الوعي، وفي استقلال تام عنه".

    الكاتب يُقِرُّ بأنْ "لا شيء يَنْتُجُ مِنَ العدم غير العدم"، فـ "المادة"، بالتالي، لا يمكن أنْ تنشأ عن "العدم"، الذي نود لو أنَّ الكاتب كلَّف نفسه عناء الإتيان ولو بدليل واحد على أنَّ "العدم كان قَبْلَ أنْ تكون المادة".

    الكاتب إنَّما يتَّخِذ ما هو في حاجة إلى الإثبات "دليل إثبات"، فهو يقول: "إنَّ الحقيقة الوحيدة هي الحقيقة غير المادِّيَّة. هي العقل، فالعقل هو الشيء الذي وُجِدَ دائماً. وإذا كان العقل هو الشيء الذي وُجِدَ دائماً، وهو كذلك في زعمه، فلا بدَّ مِنْ أنْ تكون المادة مِنْ خَلْق عقل أزلي الوجود". لقد اتَّخَذَ الوجود الأزلي للعقل "مسلَّمَةً"، مع أنَّ "المنطق" يدعوه إلى أنْ يقيم الدليل أوَّلاً على "الوجود الأزلي للعقل"، فالأدلَّة التي لدينا، ولدى العِلْم، تُثْبِت أنَّ "العقل" لا وجود له إلا إذا وُجِدَ "الدماغ" في الكائن البشري الحي، وضِمْنَ "المجتمع البشري"، فلا "عقل" لـ "الحمار"، أو "شجرة التفاح"، أو "القمر"، أو "الشمس"، أو "الجزيء"، أو "الذرَّة"، أو "البروتون". "العقل" ليس "مادِّيَّاً" في "ماهيَّته"، فهو "المُنْتَج اللا مادي" لـ "مُنْتَج مادي" هو "دماغ الكائن البشري في تفاعُلِهِ مع العالَم المادي الخارجي"، فـ "المادة المُفَكِّرة"، ومنها دماغ مدحت حافظ إبراهيم نفسه، لم تأتِ إلا مِنَ "المادة غير المُفَكِّرة"، في دليلٍ آخر على أنَّ الشيء لا يتحوَّل إلا إلى نقيضه. على أنَّ هذه "المادة غير المُفكِّرة والتي تحوَّلت إلى مادة مُفكِّرة" ليست "حجراً"، مثلاً، حتى يتحدَّانا الكاتب أنْ نُحوِّله إلى "مادة مُفكِّرة". إنَّها مادة ذات تكوين محدَّد، وذات خواصٍ محدَّدة، وُجِدَت في مكان محدَّد، وفي زمان محدَّد، واستوفَت لتحوُّلِها إلى "مادة مُفكِّرة" شروطاً طبيعية محدَّدة. ولو كان الأمر بغير هذا "التحديد" لتحوَّل كل شيء إلى أي شيء!

    الكاتب يرى، ونحن نؤيِّده كل التأييد في ذلك، أنَّ "النخلة" موجودة في "النواة" بـ "القوَّة"، وكأنَّه يريد أنْ يقول لنا: "لا تدهشوا إذا رأيتم النخلة تَخْرُج مِنْ نواتها، فهي ما كان لها أنْ تَظْهر إلا لأنَّها موجودة في نواتها بالقوَّة". ونحن نقول له: "المادة المُفَكِّرة كانت موجودة، بالقوَّة، في المادة غير المُفَكِّرة، فلا تدهش".

    الكاتب يتوسَّع في شرح ظاهرة "الليل والنهار"، التي لا تنطوي على أي معنى مُدْهِش إلا في بصر وبصيرة مَنْ يعتقد بأنَّ "الأرض ليست بجسم كروي، يدور حول نفسه دورة كاملة كل 24 ساعة"، وبأنَّ "الشمس هي التي تدور، كل يوم، دورة نصف دائرية في سماء أرضٍ تشبه "القُرْص"، الذي هو قطعة مستديرة مبسوطة".

    فلو جِئتَ بـ "جسم كروي"، مُظْلِم، يدور حول محوره، أمام مصباح مضيء في غرفة مُظْلِمَة، فهل ترى "ما يُدْهِش" في ظاهرة "الليل والنهار" هُنا؟! إنَّكَ ترى، في هذا "الجسم الكروي"، ليس "تعاقُب" الليل والنهار فحسب، وإنَّما "تزامنهما". إذا كان مِنْ أمرٍ مُدْهِش في هذه الحال فهذا الأمر إنَّما هو أنْ "لا نرى التعاقُب أو التزامن"، وأنْ "لا نرى النور، أو الظلام، يتدرَّجَ في زيادته أو نقصانه".

    "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ". الآية 5 مِنْ سورة "الزمر". الكاتب، هنا، اسْتَلَّ "سيف التأويل" مِنْ غمده، فجاء في تأويله: "التكوير هو اللف. يُقال كار العمامة، أو كوَّرها، على رأسه. ولا شكَّ في أنَّ الليل والنهار يشبهان في تتابعهما أكوار العمامة. فالأرض كالرأس، والظلام والضياء يشابهان أكوار العمامة. وهذه الآية تُشير إلى كروية الأرض، وإلى دورانها حول نفسها، فنصف الأرض المواجِه للشمس يكون فيه نهار، فإذا ما دارت الأرض وأصبح هذا النصف مختفياً عن الشمس أصبح فيه ليل. وهكذا يتتابع الليل والنهار بدوران الأرض حول نفسها مرَّة كل يوم. التكوير معناه اللف والدوران. غير أنَّ له معنى آخر نقف عليه إذا ما عَلِمْنا أنَّ الاسم مِنْ فعل كوَّر هو كرة. وفي هذه الآية نفي لاعتقاد خاطئ ساد قديماً وعند نزول القرآن وهو الاعتقاد بأنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض. وكما نرى في الآية فليس مِنْ وجود لهذا الاعتقاد الخاطئ".

    جاء في تفسير ابن كثير: "يُكَوِّر اللَّيْل عَلَى النَّهَار وَيُكَوِّر النَّهَار عَلَى اللَّيْل"، أَيْ سَخَّرَهُمَا يَجْرِيَانِ مُتَعَاقِبَيْنِ لا يَفْتُرَانِ، كُلِّ مِنْهُمَا يَطْلُب الآخَر طَلَبًا حَثِيثًا، كَقَوْلِهِ "يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حَثِيثًا". هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالسُّدِّي وَغَيْرهمْ. يتضح مِنْ ذلك أنَّ معنى "يُكَوِّر اللَّيْل عَلَى النَّهَار وَيُكَوِّر النَّهَار عَلَى اللَّيْل" هو "سَخَّرَهُمَا يَجْرِيَانِ مُتَعَاقِبَيْنِ". ولو قُلْت "كوَّر الكرة" فمعنى ذلك "دَحْرَجَ الكرة". إنَّ في "التكوير" معنى "الحركة"، كِـ "دَحْرَج"، و"جرى". وهذا المعنى نراه أيضاً في قول "كَوَّرَ العِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ"، أي "لفَّها"، أو "أدارها".

    أمَّا قَوْل الكاتب إنَّ "الاسم مِنْ فعل كوَّر هو كرة" فينطوي على "خطأ لغوي تاريخي"؛ ذلكَ لأنَّ الفعل "كوَّرَ"، بمعنى "جَعَلَ الشيءَ كروي الشكل"، لم يَظْهَر في اللغة العربية إلا بَعْدَ وقت طويل مِنْ نزول القرآن، فحتى انتهاء نزول القرآن ظلَّ هذا الفعل محتفظاً بمعانيه القديمة التي ليس مِنْ بينها معنى "جَعَلَ الشيءَ كروياً". "العِمَامَةَ" إنَّما كلمة وَرَدَت في "مثال لغوي"، فأنتَ تستطيع أنْ تُكَوِّرَ شريطاً مِنَ القماش على جسم ليس بـ "كروي" أو "مستدير". تستطيع، مثلاً، أنْ تُكَوِّرَهُ على جسم "مُرَبَّع" أو "مستطيل". والكاتب نفسه يقول: "التكوير هو لف الشيء على الشيء على سبيل التتابع". وهذا يعني أنَّكَ تستطيع أنْ تُكَوِّر شريط قماش، مثلاً، على شيء، قد يكون "الرأس"، أو قد يكون شيئاً "مُرَبَّع"، أو "مستطيل" الشكل. وهذا يعني، أيضاً، أنَّ معنى "التكوير" لا يُسْتَمَدُّ، حصراً، مِنْ مثال "تكوير العمامة على الرأس"، فليس كل "تكوير" يعني أنْ نَلُفَّ شيئاً على "الرأس"، أو على ما يشبهه في الشكل الهندسي مِنْ أشياء.

    لنتصوَّر "الليل" و"النهار" على أنَّهما "غشاءان". ولنتصوَّر "الأرض" على أنَّها "جسم مسطَّح". نستطيع الآن أنْ نأتي بـ "غشاء الليل"، وأنْ نَلفَّهُ على هذا "الجسم المسطَّح" كما نَلفُّ أكوار العمامة. لقد كَوَّرْنا الليل، غشاءً بَعْدَ غشاء، على هذا "الجسم المسطَّح"، الذي هو "الأرض". ومع لَفِّ مزيدٍ مِنْ "أغشية الليل" على "الأرض المسطَّحة" يزداد الظلام كثافةً. الغشاء الأوَّل مِنَ الليل لا يمحو كل "الضياء"، أو "النهار"، فنظلُّ نُكَوِّر أغشية الليل على "الأرض المسطَّحة"، غشاءً بَعْدَ غشاء، حتى نمحو تماماً "الضياء"، أو "النهار". هذا الذي قُلْناهُ في "تكوير الليل على النهار" يصح قوله، أيضاً، في "تكوير النهار على الليل".

    لقد رأى الكاتب في "وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى" ما ينفي الاعتقاد الخاطئ بـ "حركة الشمس مِنَ الشرق إلى الغرب". ولكن كيف يُفَسِّرُ لنا الكاتب اقتران ذِكْر "الشمس" بذِكْر "القمر" في هذه الآية؟!

    إنَّ القمر يجري، يومياً، في سماء الأرض. وجريانه اليومي هذا إنَّما هو جريان "حقيقي" و"فعلي". وغنيٌّ عن البيان أنَّ هذا "الاقتران" يعني أنَّ "جريان الشمس" مُماثِلٌ لـ "جريان القمر". أمَّا "كُلٌّ يجري لأجلٍ مُسمَّى" فمعناه، بالتالي، في شأن "الحركة اليومية للشمس"، أنَّ الشمس تطلع، فتجري في "القبَّة السماوية" نهاراً، لأجلٍ مُسمَّى، أي حتى تغرب، وتختفي في ما وراء الأُفق.

    "تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ". مِنَ الآية 27 مِنْ سورة "آل عمران". في العلاقة الحقيقية الواقعية بين "الليل" و"النهار"، نقف على معاني "التلازُم"، و"التزامُن"، و"التعاقُب"، و"التداخُل"، و"التمازُج"، و"التخالُط". فـ "الليل" و"النهار" متلازِمان متزامِنان في الكرة الأرضية، فدائماً يكون نهار في أحد نصفيها، ويكون ليل في نصفها الآخر. ودائماً، يعقب كلاهما الآخر في كلا النصفين. ودائماً، يقصر كلاهما في كلا النصفين فيطول الآخر، ويطول كلاهما فيقصر الآخر. ودائماً، نرى "تدرُّجاً"، صاعداً أو هابطاً، في كثافة الظلام في الليل، والضياء في النهار. إنَّ "ولوج" الليل في النهار هو دخوله فيه، ففي فصل الشتاء يطول الليل ويقصر النهار. وتفسير ذلك في الآية هو أنَّ الله يُدْخِلُ بعضاً مِنَ الليل في النهار، فيقصر النهار، بالتالي، ويطول الليل. وفي فصل الصيف، يُدْخِلُ بعضاً مِنَ النهار في الليل فيقصر الليل، بالتالي، ويطول النهار. ولستُ أرى مِنْ مانعٍ في فهم هذا "الولوج" على أنَّه المُنْتِج لظاهرة "التدرُّج، الصاعد أو الهابط، في كثافة الظلام في الليل، والضياء في النهار". كاتِبُنا يؤيِّد، ونحن نؤيِّد معه، الجزالة في لفظ "الإيلاج"، أو "الإدخال".

    "حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ". مِنَ الآية 24 مِنْ سورة يونس. في هذه الآية وَرَدَ حرف "أو" في عبارة "ليلاً أو نهاراً".

    الكاتب رأى في الآية معنى "الوجود المتزامِن" لليل والنهار على الكرة الأرضية. وأحسب أنَّ حرف "و"، وليس حرف "أو"، هو الحرف الذي لو وَرَدَ في العبارة لَرَأيْنا فيها هذا المعنى.

    والكاتب، بَعْدَ تفسيره لـ "الأمر الإلهي" المذكور في هذه الآية على أنَّه الأمر بزوال الحياة الدنيا، قال: "عبارة ليلاً ونهاراً تدلُّ على أنَّ هذا الأمر الإلهي سيجيء ليلاً ونهاراً، أي في وقت يكون نهار في أحد نصفي الكرة الأرضية، ويكون ليل في نصفها الآخر"!

    في تفسيره، أو في تدليسه اللغوي، قام الكاتب، أوَّلاً، بتحويل حرف "أو" إلى حرف "و"، وكأنَّ الحرفان معناهما واحد!

    والشرح الحقيقي للآية هو الآتي: "حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأرْض زُخْرُفهَا"، أَيْ زِينَتهَا الْفَانِيَة، "وَازَّيَّنَتْ"، أَيْ حَسُنَتْ بِمَا خَرَجَ فِي رُبَاهَا مِنْ زُهُور نَضِرَة مُخْتَلِفَة الأشْكَال وَالألْوَان، "وَظَنَّ أَهْلهَا" الَّذِينَ زَرَعُوهَا وَغَرَسُوهَا "أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا"، أَيْ عَلَى حَصَادهَا. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهَا صَاعِقَة، أَوْ رِيح شَدِيدَة بَارِدَة، فَأَيْبَسَتْ أَوْرَاقهَا، وَأَتْلَفَتْ ثِمَارهَا. وَلِهَذَا قَالَ "أَتَاهَا أَمْرنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا"، أَيْ يَابِسًا بَعْد الْخُضْرَة وَالنَّضَارَة، "كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ"، أَيْ كَأَنَّهَا مَا كَانَتْ حِينًا قَبْل ذَلِكَ. وَقَالَ قَتَادَة: "كَأَنْ لَمْ تَغْنَ"، أي كَأَنْ لَمْ تُنَعَّم. وَهَكَذَا الأُمُور بَعْد زَوَالهَا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ. يتضح مِنْ ذلك المعنى الحقيقي لذاك "الأمر الإلهي"، ويتضح، أيضاً، أنَّ هذا الأمر قد يجيء في الليل أو (وليس "و") النهار.

    هل مِنْ "إشارة علمية" في "آيات قرآنية" إلى "غزو الفضاء" و "وصول الإنسان إلى القمر وهبوطه على سطحه"؟ أجل، هناك "إشارة" لم يُوَفَّق في "اكتشافها" غير مدحت حافظ إبراهيم وأمثاله مِِمَّنْ توفَّروا على اكتشاف أمثلة مِنَ "الإعجاز العلمي".

    "وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ". الآيتان 18 و19 مِنْ سورة "الانشقاق". في الآية 18 يُقْسِم الله بـ "القمر إذا استوى وكَمُل"، أي يُقْسِم بـ "البَدْرِ". وفي الآية 19، يأتي جواب القَسَم، الذي فيه يقول الله "لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ". و"الطَبَقُ"، لغةً، هو الحال أو المنزلة.

    فلنَتْرُك الكاتب يكتشف، عَبْرَ "فنِّ التأويل"، في الآيتين "إشارة علمية" إلى "غزو الفضاء"، و"الوصول إلى القمر".

    يرى الكاتب في مجيء الآية "وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ" قَبْلَ الآية "لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ" خير دليل على أنَّ عبارة "طبق عن طبق" تعني "غزو الفضاء" و"هبوط الإنسان على سطح القمر"، ففيها إشارة إلى "طبقات الغلاف الجوَّي للأرض" والتي ينبغي للإنسان اختراقها مٍِنْ أجل الوصول إلى القمر، أو إلى "المركبة الفضائية التي في داخلها مركبة أُخرى"، أو إلى "الصاروخ الفضائي المؤلَّف مِنْ طبقات عِدَّة"، فـ "روَّاد الفضاء ركبوا فعلاً طبقاً عن طبق".

    أمَّا معنى "انتقال الناس مِنْ حالٍ إلى حال، أو مِنْ منزلةٍ إلى منزلة"، بصرف النظر عن المعنى الملموس لهذا الانتقال، فما عاد يستهوي الكاتب في "عصر الفضاء".

    لقد اتَّخَذَ الكاتب لفظي "القمر" و"تَرْكَبُنَّ" دليلاً ما بَعْدَهُ دليل على أنَّ في الآيتين "إشارة علمية" إلى "غزو الفضاء" و"هبوط الإنسان على سطح القمر"، ضارباً صفحاً عن الشيئين الآخرين اللذين أقْسَمَ بهما الله قَبْلَ أنْ يقسم بـ "البَدْر"، وهي "الشفق"، و"الليل وما وسق".

    ولَمْ يُحِطْنا الكاتب عِلْماً بالسبب الذي يَجْعَل ممكناً قيام علاقة بين "اتِّساق" القمر و"غزو الفضاء". وإنِّي أجهلُ السبب الذي منع الكاتب مِنْ أنْ يكتشف في الآيتين "إشارة علمية" إلى "الباص المؤلَّف مِنْ طبقتين"، فيقول في شرحه إنَّ الله يُقْسِمُ بـ "الشفق" وبـ "الليل وما وسق" وبـ "القمر إذا اتَّسق" لتَرْكَبُنَّ أيُّها الناس بَعْدَ مئات السنين مِنْ نزول القرآن "الباص المؤلَّف مِنْ طبقتين".

    في تبيانه وشرحه لأصول وقواعد "التفسير العلمي للقرآن" التي ينبغي له ولغيره مراعاتها والاستمساك بها تحدَّثَ عن "ضرورة مراعاة معاني المفردات كما كانت في اللغة إبَّان نزول الوحي"، و"ضرورة ألا يَخْرُجَ اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية"، فهل راعى هو معاني المفردة "طبق" كما كانت في اللغة إبَّان نزول الوحي، وهل التزم، في تفسيره للآيتين، ألا يَخْرُجَ اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز "إلا بقرينة كافية"؟! وهل في هذه الطريقة في "التفسير" يَبْلُغ الغاية التي أراد وهي، بحسب قوله، "القراءة الجديدة للقرآن التي تتجاوز قيود التفسير اللغوي البحت"؟!

    "أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ". الآيتان 3 و4 مِنْ سورة "القيامة". في هاتين الآيتين يؤكِّد الله قدرته، قائلاً إنَّه قادِرٌ، يوم القيامة، ليس على جَمْعِ عظام الإنسان الكبيرة فحسب وإنَّما على أنْ يُعيد عظام الأصابع في يديِّ الإنسان كما كانت، فالقادِر على أنْ يُعيد هذه العظام الصغيرة (عظام أصابع اليد) كما كانت لن يعجزَ عن جَمْع عظام الإنسان الكبيرة.

    وفي تفسير آخر أنَّ الله يستطيع أنْ يجعل بنان الإنسان (أي أصابع يديه ورجليه) كخُفِّ البعير أو حافِر الحمار.

    الكاتب تجاوز هذا التفسير وما شابهه، مكتشفاً "إشارة علمية" إلى "البصمة". وقال شارحاً: "ثَبُتَ أنَّ البصمة لا يمكن أنْ تتطابق وتتماثل حتى في التوائم التي أصلها مِنْ بويضة ملقَّحة واحدة. البنان يتكوَّن في الجنين في الشهر الرابع. وتظل البصمة ثابتة، ومُمَيِّزة له طوال حياته، ويمكن أنْ تتقارَب بصمتان في الشكل، ولكنهما لا تتطابقان البتَّة. لقد تحدَّى الله الكافرين بمقدرته على تسوية البنان، أي على جَعْل بصمات كل البشر متطابقة متماثِلة".

    إنَّ "البصمة" هي أثر الختم بالأصابع، أي علامات الأصابع. وليس مِنْ بصمة تُطابق بصمة حتى في أصابع اليد الواحدة. إنَّنا لا نرى في الآيتين "إشارة علمية" إلى "البصمة".

    ومع ذلك، لا بأس مِنْ أنْ نوضِّح للكاتب أنَّ "عدم تطابُق البصمات" ليس بالأمر المحيِّر للألباب، فليس مِنْ شيءٍ يُطابِق شيئاً في هذا الوجود، فمهما ظَهَرَ لنا شيئان على أنَّهما متماثِلان فلا بدَّ لهما مِنْ أنْ يختلفا في جانب أو ناحية ما، فكل شيء في الوجود يَعْدِلُ "البصمة" في خواصِّه وصفاته الفردية. حتى هذا "الجزيء مِنَ الماء" لا يُطابِق أي جزيء آخر مِنَ الماء.

    "تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ". الآية 4 مِنْ سورة "المعارج". "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ". الآية 2 مِنْ سورة "سبأ". "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ". الآية 14 مِنْ سورة "الحجر". "يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ". الآية 5 مِنْ سورة "السجدة".

    كلمات "تَعْرُجُ (إليه)"، "يَعْرُجُ (فيها، أو إليه)"، "يَعْرُجُونَ (فيه)"، الوارِدة في الآيات الأربع رأى فيها الكاتب "إشارة علمية" إلى أنَّ السير في الفضاء، وكما أوضحَت ذلك نظريات آينشتاين، لا يكون في "خطوط مستقيمة"، وإنَّما في "خطوط منحنية"، فقال في هذا الصدد: "إنَّ لفظ عرج يعني أنَّ الصعود في السماء، أو الفضاء، لا يكون إلا في خطوط منحنية. وقد أثبت العِلْم الحديث أنَّ الفضاء الكوني لا يعرف الخط المستقيم، وأنَّ كل جسم يعبر الفضاء الكوني (أو حتى الضوء) يسير في فلك متعرِّج، فكيف عرف النبي الأُمي تلك الحقيقة منذ 14 قرناً. إنَّه الوحي الصادق بلا ريب".

    وفي "التفاسير" جاء الآتي: أمْرُ الله يَتَنَزَّل مِنْ أَعْلَى السَّمَاوَات إِلَى أَقْصَى تُخُوم الأرْض السَّابِعَة. والله يُخْبِر عَنْ قُوَّة كُفْر المشركين وَعِنَادهمْ وَمُكَابَرَتهمْ لِلْحَقِّ أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ لَهُمْ بَابًا مِنْ السَّمَاء فَجَعَلُوا يَصْعَدُونَ فِيهِ لما صَدَّقُوا بِذَلِكَ. المراد في عبارة "فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة" هو أنَّ المَسَافَة مَا بَيْن الْعَرْش الإلهي، أو السَّمَاء السابعة التي فِيهَا اللَّه، وأَسْفَل السَّافِلِينَ، وَهُوَ قَرَار الأرْض السَّابِعَة، تعدل مَسِيرَة خَمْسِينَ أَلْف سَنَة. هَذَا اِرْتِفَاع الْعَرْش عَنْ الأرض السَّابِعَة. على أنَّ أمْر الله يقطع هذه المسافة، على كبرها، في طرفة عين.

    في كل "التفاسير" ليس مِنْ معنى للفظ "يَعْرُجُ (في، أو إلى)" غير "يَصْعَدُ (في، أو إلى)". و"الصعود"، هنا، ليس فيه ما يُشير إلى أنَّه مِنْ قبيل "السير في خطوط منحنية". وكل معاجم اللغة العربية لا تتضمن ما يُشير إلى أنَّ لفظ "يَعْرُجُ (في، أو إلى)" يعني "السير، صعوداً، في خطوط منحنية".

    على أنَّ كل ذلك لم يردع الكاتب عن أنْ يُدْخِلَ في هذا الفعل (يَعْرُج) والمتعدِّي بحرف "في"، أو بحرف "إلى"، معنى "السير في خطوط منحنية". "الملائكة" و"الروح" تَصْعَدُ إلى الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (أرضية). ونحن نعرف أنَّ "الملائكة" و"الروح"، بحسب "الوصف"، أو "التعريف" الديني لها، ليست بـ "أجسام مادِّيَّة" حتى تتأثَّر، في أثناء صعوده في السماء، أو الفضاء، بـ "حقول الجاذبيَّة الكونيَّة"، وتُكْرَهُ، بالتالي، على السير في "خطوط منحنية"، فآينشتاين لم يَقُلْ قط بسير "الأرواح"، أو ما يشابهها مِنَ "الكائنات اللا مادِّيَّة"، في "خطوط منحنية".

    والكاتب لم يوضِّح لنا سرُّ، أو سبب، هذا الفَرْق في "المعادِل الأرضي" لـ "اليوم الإلهي"، فتارة يكون هذا "المعادِل" 50 ألف سنة (أرضية) وطوراً يكون 1000 سنة "مِمَّا تَعُدُّون، أي بحسب حساب الزمن عند البشر.

    وأحسبُ أنَّ "الأمر الإلهي" هو وحده المُسْتَثْنى، فهو في نزوله، أو هبوطه، يقطع هذه المسافة، على كبرها، في "طرفة عين". أمَّا صعود النبي، ومعه "الروح"، أي "جبريل"، إلى السماء، في ليلة "الإسراء والمعراج"، فلم يكن في "طرفة عين". لقد استغرق هذا الصعود مِنَ "اليوم الإلهي" ما يَعْدِل بضع ساعات أرضية، أو ليلة واحدة. لقد استغرق، مثلاً، ثانية واحدة، أو دقيقة واحدة، مِنَ "اليوم الإلهي".

    الكاتب فَهِم "الخطوط المنحنية" التي يسير فيها "الجسم"، أو "الجسيم"، في الفضاء على أنَّها "نفيٌ مطلق" لـ "الخطوط المستقيمة"، جاهلاً، أو متجاهلاً، بالتالي، العلاقة الجدلية بين "الانحناء" و"الاستقامة" في خطوط السير في الفضاء، فـ "الخط المنحني" فيه شيء مِنَ "الاستقامة"، و"الخط المستقيم" فيه شيء مِنَ "الانحناء"، فليس مِنْ "انحناء مطلق"، وليس مِنْ "استقامة مطلقة". إنَّ "محيط الدائرة" يتألَّف مِنْ آلاف، وملايين، "الخطوط المستقيمة"، وإنَّ "الخط الأكثر استقامة في الكون" ينطوي على شيء مِنَ "الانحناء". إنَّ "الجسم"، أو "الجسيم"، لا يسير في الفضاء في "خطٍّ منحنٍ" إلا وهو يسير في "خط مستقيم"، فالسير في الفضاء إنَّما يشبه في "استقامته" و"انحنائه" سير الإنسان في "خطٍّ مستقيم" ضِمْنَ "خطِّ الاستواء".

    "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ". الآية 125 مِنْ سورة "الأنعام".

    جاء في "التفاسير": هذا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِقَلْبِ هَذَا الْكَافِر فِي شِدَّة ضِيقه عَنْ وُصُول الإِيمَان إِلَيْهِ. فَمَثَلُ هذا الكافر، في اِمْتِنَاعه مِنْ قَبُول الإيمَان، وَضِيقه عَنْ وُصُوله إِلَيْهِ، مَثَل اِمْتِنَاعه عَنْ الصُّعُود إِلَى السَّمَاء وَعَجْزه عَنْهُ؛ لأنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعه وَطَاقَته. والله يَجْعَل صَدْر الكافر ضيِّقاً، وحرجاً، أي شديد الضيق.

    أمَّا مدحت حافظ إبراهيم فقال في شرح الآية: "إنَّ فيها إشارة إلى صعود الإنسان في السماء. يوم سمع الناس هذه الآية اعتبروا الصعود في السماء ضرباً مِنَ الخيال، وأنَّ القرآن قصد الصعود مجازاً. هذه الآية تُعْتَبَر نبوءة تحقَّقت في حياة الناس. صحَّة التشبيه، هنا، تكمن في حقيقة أنَّ الارتفاع في الجو يسبِّب ضيقاً في التنفُّس، وشعوراً بالاختناق، يزدادان مع ازدياد الارتفاع في الجو".

    وفي المعاجم اللغوية جاء: "صَعَّدَ النَّفَسَ"، أي أَخْرَجَهُ بِصُعُوبَةٍ. كل البشر القدماء كانوا يعرفون ما يعني "الصعود إلى قمَّة جبل". كلهم كانوا يعرفون، ويعانون، "عاقبة هذا الصعود"، وهي "الشعور بالاختناق"، فصعود جبلٍ يسبِّب ضيقاً في التنفس. وسبب هذا الضيق هو نقص الأوكسجين وتناقص ضغط الهواء في المناطق المرتفعة. وكل البشر القدماء كانوا يحلمون بالصعود إلى السماء، وفي الوصول إلى القمر. وليس مِنَ الصعوبة بمكان أنْ يتصوَّر هؤلاء البشر أنَّ شعورهم بالاختناق سيكون أشد لو هُم تجاوزوا في صعودهم "قمَّة الجبل".

    .. وعند الكتور السيد الجميلي

    الدكتور السيد الجميلي، هو، أيضاً، مِنَ المتوفِّرين على اكتشاف (واختراع) تلك "الإشارات العلمية والكونية". إنَّه يؤمِن بأنَّ مِنَ "الدخان" خُلِقَت "السماوات السَبْع"، وبأنَّ "السماء الدنيا"، أي السماء الأقرب إلى "الأرض"، قد زُيِّنَت بـ "مصابيح". ولكنَّه يعود إلى الأستاذ محمد اسماعيل إبراهيم ليفهمَ منه "حقيقة" السماوات السَبْع. الأستاذ يقول شارحاً: "العِلْمُ يقول إنَّ الدخان هو السُحُب الكونية، أو المجرَّات التي فيها نشأت السماء والأرض. والسماوات السَبْع هي، بحسب الأقوال الأكثر قبولاً ومنطقيَّةً، الكواكب السبعة السيَّارة المعروفة".

    هذا الأستاذ هو مِنْ ضحايا "لعبة التأويل"، فهو، أوَّلاً، ضحَّى بـ "عقله"، ثمَّ تحوَّل هو ذاته إلى "ضحيَّة"، ثمَّ أنْتَجَ في غيره ضحايا جُدُدٌ وكُثْرُ. لقد فسَّرَ، أو قَبِلَ تفسير، السماوات السَبْع جميعاً على أنَّها "الكواكب السبعة السيَّارة المعروفة"، ضارباً صفحاً عن تلك "المصابيح" التي بها زُيِّنَت "السماء الدنيا" فحسب، فإذا كانت السماوات السَبْع جميعاً هي سَبْعَة كواكب فحسب مِنْ كواكب الشمس، فما هو، في هذه الحال، معنى تلك "المصابيح"؟!

    الأستاذ لم يكن يَعْرِف، عند إدلائه بهذا الرأي السديد، أنَّ كواكب الشمس أكثر مِنْ سَبْعَة كواكب. وكان عليه مع اكتشاف كل كوكب جديد أنْ يزيد عدد السماوات، فاكتشاف "الكوكب الثامن" كان يجب أنْ يحمله على القول بـ "ثماني سماوات"، واكتشاف "العاشِر" كان يجب أنْ يحمله على القول بـ "عَشْر سماوات"!

    هل كان هذا الأستاذ يجهل أنَّ الشمس وكواكبها جميعاً هي جزء مِنْ مجرَّتنا "درب التبانة"، وأنَّ مجرَّتنا ليست واحدة مِنْ مليارات المجرَّات فحسب، وإنَّما واحدة مِنْ عدد لا يُحصى مِنْ مجرَّات الكون؟! هل فَقَدَ عَقْلَهُ حتى يسعى في إقناعنا بأنَّ السماوات السَبْع جميعاً لا تتعدَّى، في حجمها وسعتها ومكوِّناتها، جزءاً مِنَ "المجموعة الشمسية"؟! هل نقتنع بـ "رأيه السديد" هذا فَنَنْظُر، بالتالي، إلى مجرَّتنا، وإلى سائر مجرَّات الكون، على أنَّها أشياء لا تقع في داخل السماوات السَبْع، وإنَّما في خارجها، وبعيداً عنها؟! هذا هو المصير الذي يستحقَّهُ كل مُكْتَشِفٍ لـ "إشارة علمية أو كونية" في بعض الآيات القرآنية.

    الدكتور السيد الجميلي أصْدَر سنة 1986 كتاباً بعنوان "الإعجاز العلمي في القرآن"، معيداً طباعته سنة 1996. في حديثه عن "الرتق" و"الفتق"، أوضح أنَّ "خَلْقَ الكون" بدأ في داخِل ما يُسَمِّيه "السديم". في هذا "السديم" كانت "الأرض" و"السماء" ملتصقتين، أي كانتا "رتقاً". هذا "السديم"، بحسب تصوُّره الكوزمولوجي المتناقض في "المنطق"، كان مؤلَّفَاً مِنْ "غاز الهيدروجين". هذا الغاز تعرَّضَ لسلسلة مِنَ "الانفجارات الذاتية"، فترتَّب، حتماً، على هذه "الانفجارات الذاتية" انفصال السماء عن الأرض، أي أنَّ "الرتق" تحوَّلَ إلى "فتق".

    هذه أقوال ما نَزَّلَ العِلْمُ بها مِنْ سلطان. ومع ذلك، نرغبُ في سؤاله عن معنى عبارة "كانت الأرض والسماء ملتصقتين قَبْلَ انفصال السماء عن الأرض". أليس هذا "الالتصاق" معناه "التصاق شيء بشيء"؟! أليس معناه أنَّ "الخَلْقَ" بدأ مع وجود "الأرض"، ولكنْ في حالٍ مِنْ هذا "الالتصاق"، أي بدأ مع وجود الأرض وهي ملتصقة بالسماء؟! أليس معناه أنَّ "الخَلْقَ" لا يعدو كونه "إزالة هذا الالتصاق"، أي فصل السماء عن الأرض؟!

    إنَّ "الأرض"، أي كوكب الأرض، لم تكن قد وُجِدَت عند وقوع "الانفجار الكوني الكبير" Big Bang. الأرض وُجِدَت قَبْلَ نحو 5 مليارات سنة، بينما الكون وُجِدَ، بحسب نظرية "الانفجار الكبير"، قَبْلَ نحو 20 مليار سنة، أي أنَّ "الأرض"، عند "الخَلْق"، لم تكن "ملتصقة" بالسماء. ثمَّ ما هي هذه "الأرض" حتى يُقال إنَّها كانت "ملتصقة" بالسماء؟! إنَّها شيء لا يُذْكَر مقارَنَةً بالكون. إنَّها "قطرة متناهية في الصِغَر" في بحر الكون الواسع.

    "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ". الآية 7 مِنْ سورة "هود". الدكتور يعود إلى قول للشيخ الصابوني جاء فيه: "الله خَلَقَ السماوات والأرض في مقدار ستَّة أيام مِنْ أيام الدنيا. وفي هذا حثٌّ على التأنِّي في الأمور، فالله القادر على خَلْق الكون بلمح البصر خَلَقَهُ في ستَّة أيام".

    الدكتور يرى في الآية دليلاً على أنَّ "العرش" و"الماء" كانا "مخلوقين قَبْلَ السماوات والأرض"، فَقَبْلَ خَلْق الكون، كان "الماء"، وكان فوقه "عرش الله". ولكنَّ الدكتور سرعان ما نسي قول الشيخ الصابوني، و"الحكمة الإلهية" الكامنة في خَلْقِ السماوات والأرض في مقدار ستَّة أيام مِنْ أيام الدنيا، فقال: "ولكن أيام الله لا يَعْلَم مداها إلا هو وحده.. عملية تبريد الأرض (بَعْدَ انفصالها عن الشمس) استغرقت ملايين السنين. وهذه الملايين مِنَ السنين هي جزء مِنَ الأيام الستَّة، التي فيها خَلَقَ الله السماوات والأرض". فهل فهمتم شيئاً؟! أهي ستَّة أيام مِنْ أيام الدنيا، أم ملايين السنين مِنَ السنوات الأرضية؟! إذا كانت "أيام الله" لا يَعْلَم مداها إلا هو وحده، فما معنى ".. في يوم كان مقداره ألف سنة مِمَّا تعدُّون"، و".. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة"؟! إذا كانت "عملية تبريد الأرض" قد استغرقت ملايين السنين، وإذا كانت هذه الملايين مِنَ السنين جزءاً مِنْ أيام الخَلْق الستَّة، فهل انتهت هذه الأيام الستَّة؟ ومتى انتهت؟ هل نفهم "خَلْقَ السماوات والأرض" على أنَّه عملية "قد انتهت (منذ زمن بعيد) أم نفهمه على أنَّه عملية لم تنتهِ بَعْد؟!

    نَعْلَم أنَّ الدكتور يبحث عن حلٍّ لمشكلة هي أنَّ "عملية تبريد الأرض"، والتي كانت جزءاً مِنْ عملية أوسع هي "عملية خَلْقِ الأرض"، قد استغرقت ملايين السنين، بينما "الجدول الزمني" للخَلْق، كما هو وارِد في آيات قرآنية، يُخالِف ذلك، فـ "عملية تبريد الأرض" ينبغي لها، بحسب هذا "الجدول الزمني"، أنْ تستغرق زمناً يقل عن "ستَّة أيام مِنْ أيام الدنيا"، أو عن "ستَّة آلاف سنة مِنَ السنوات الأرضية"، أو عن "300 ألف سنة مِنَ السنوات الأرضية". إذا استغرق "الخَلْق" ستَّة أيام مِنْ أيام الدنيا فهذا معناه (أو يجب أنْ يكون معناه) أنَّ "الفَرْقَ في أعمار" كل المخلوقات يجب ألا يزيد عن ستَّة أيام، فالشمس، مثلاً، ومهما كان مقدار عمرها، يجب ألا يزيد "فَرْقُ العُمْر" بينها وبين الأرض عن ستَّة أيام. وليس لهذا "الفَرْق" مِنْ أساس علمي.

    وهذا "الفَرْق في أعمار المخلوقات جميعاً"، يجب ألا يزيد عن ستَّة آلاف سنة أرضية إذا كان "الخَلْق" قد استغرق ستَّة آلاف سنة أرضية، ويجب ألا يزيد عن 300 ألف سنة أرضية إذا كان "الخَلْق" قد استغرق 300 ألف سنة أرضية. وليس لهذا "الفَرْق" أو ذاك مِنْ أساس علمي، فالشمس، مثلاً، ومهما أطال الله عمرها، ستظل، دائماً، أكبر مِنَ الأرض عُمْراً بخمسة مليارات سنة تقريباً.

    الدكتور اكتشف، أيضاً، أنَّ "العرش" و"الماء" كانا "مخلوقين قَبْلَ السماوات والأرض"، فَقَبْلَ خَلْق الكون، كان "الماء"، وكان فوقه "عرش الله". ما معنى هذا؟! هل معناه أنَّ "العرش" مخلوق؟! وهل معناه أنَّ "العرش" قد خُلِقَ قَبْلَ خَلْقِ السماوات والأرض، أي قَبْلَ خَلْقِ الكون؟! وما معنى "كان عرشه فوق الماء"؟! ثمَّ ما هو هذا "الماء"، الذي كان فوقه العرش، والذي خُلِقَ قَبْلَ خَلْقِ السماوات والأرض؟! ومتى خُلِقَ هذا "الماء"؟! ما معنى هذه "المراحِل": كان الله، ثمَّ خَلَقَ الله "الماء"، وخَلَقَ "عرشه" فوق هذا "الماء"، ثمَّ خَلَقَ "السماوات والأرض وما بينهما" في ستَّة أيام؟!

    "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ". الآية 5 مِنْ سورة "الزمر". في هذه الآية ليس مِنْ "إشارة واضحة" إلى "كروية الأرض". فانْظُروا كيف يستخلص الدكتور "كروية" الأرض مِنَ الآية. يقول: "كروية الأرض، حقيقة أشار إليها القرآن. فالآية معناها يغشى الليل على النهار، ويغشى النهار على الليل، وكأنَّه يَلِفُّ الليل على النهار (والنهار على الليل) لفَّ اللباس على اللابِس. والمنقول عن قتادة أنَّ تكوير الليل على النهار معناه تغشيته إيَّاه حتى يُذْهِبَ ضوءه، ويغشى النهار على الليل فيُذْهِبَ ظلمته. وقال أبو عبيدة: وأصل التكوير اللف والجمع، ومنه كوَّر العمامة". هذا هو كل الشرح والتفسير والتعليل!

    إنَّكَ تستطيع لفَّ شيء على شيء لفَّ اللباس على اللابس، فهل هذا معناه أنَّ "اللابِس" يجب أنْ يكون "كروي الشكل"؟! إنَّكَ تستطيع لفَّ القماش على جسم "غير كروي". على "كِتابٍ"، أو على "قُرْصٍ"، مثلاً.

    إنَّ تكوير الليل على النهار، والنهار على الليل، لا يعني أنَّ الأرض "كروية"، فهذا التكوير ممكن في "الأرض المسطَّحة"، التي تشبه "قُرصاً". وقول قتادة، في تكوير الليل على النهار، معناه أنَّ الليل يشبه قطعة قماش داكنة اللون، نلفُّها، مرَّات عدة، على ما يشبه "قُرْصاً مضيئاً"، فـ "يعتم القرص شيئاً فشياً". وتكوير النهار على الليل هو العملية المعاكسة.

    "وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ". الآية 4 مِنْ سورة "التكوير". هنا، نرى الدكتور يجنح لـ "التدليس (والغش) اللغوي" حتى يكتشف لنا "إشارة قرآنية" إلى "وسائل المواصلات الحديثة"، كمثل "السيَّارة"، و"القطار"، و"الطائرة".

    معنى هذه الآية عنده أنَّ يوماً سيأتي تتعطَّل فيه "العِشَار"، ويُسْتَغْنى عنها بالطائرات والقطارات والسيَّارات، وغيرها مِنْ وسائل المواصلات الحديثة.

    نريدُ مِنَ الدكتور أنْ يَشْرَحَ لنا أوَّلاً معنى لفظ "عِشَار"، ففي معاجم اللغة العربية عَثَرْنا على لفظ "عُشْراء"، ومعناه الناقة التي مضى على حَمْلِها عشرة أشهر. أمَّا في "تفاسير القرآن" فَعَثَرْنا على الآتي: الْعِشَار مِنْ الإبِل َهِيَ خِيَارهَا وَالْحَوَامِل مِنْهَا الَّتِي قَدْ وَصَلَتْ فِي حَمْلهَا إِلَى الشَّهْر الْعَاشِر. وَاحِدَتهَا "عُشَرَاء" وَلا يَزَال ذَلِكَ اِسْمهَا حَتَّى تَضَع. وَقَدْ قِيلَ فِي الْعِشَار إِنَّهَا السَّحَاب تُعَطَّل عَنْ الْمَسِير بَيْن السَّمَاء وَالأرْض لِخَرَابِ الدُّنْيَا. وَقِيلَ إِنَّهَا الأرْض الَّتِي تُعْشَر. وَقِيلَ إِنَّهَا الدِّيَار الَّتِي كَانَتْ تُسْكَن تَعَطَّلَتْ لِذَهَابِ أَهْلهَا.

    ليشرح لنا الدكتور أوَّلاً معنى "عِشَار". أهي مِنْ تلك "الأبل"؟ أهي تلك "السحاب"؟ أهي تلك "الأرض"؟ أهي تلك "الديار"؟

    الدكتور فضَّلَ أنْ يمضي قُدُماً في تدليسه اللغوي، فضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ الآية قد ذُكِرَت في سياق التعداد القرآني لعلاماتٍ مِنْ علامات "يوم القيامة"، التي منها: العِشار التي عُطِّلت، والوحوش التي حُشِرت، والبحار التي سُجِّرت، والنفوس التي زُوِّجت، والْمَوْءُودَةُ التي سُئِلت بأي ذنب قُتِلَت، والصحف التي نُشِرت، والسماء التي كُشِطت، والجحيم التي سُعِّرت، والجنَّة التي أُزْلِفت. فهل "السيَّارة"، و"القطار"، و"الطائرة"، مِنْ علامات "يوم القيامة"؟!

    وعلى هذا النسق مِنَ "الإعجاز العلمي"، نرى "الطائرات الحربية الحديثة" في الآيات "والمُرسلات عُرفاً. فالعاصفات عصفاً. والناشرات نشراً. فالفارقات فرقاً. فالمُلقيات ذِكراً. عُذراً أو نُذراً. إنَّما تُوعدون لواقع".

    ونرى "الألغام" و"الغوَّاصات" في الآية "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

    ونرى "القنبلة النووية" في الآية "إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

    ونرى "الراديو"، و"التلغراف"، و"التلفزيون"، و"الموبايل"، في الآية "وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ".

    "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ". الآية 19 مِنْ سورة "الروم". في هذه الآية مِنْ "منطق التطوُّر" في "العالَم الواقعي" ما يستأهل تركيزاً للتفكير فيها، فـ "الضدَّان"، هنا، وهما "الحي" و"الميِّت"، نراهما في علاقتهما الصحيحة، فَمِنَ "الموت" تَخْرُجُ "حياة"، ومِنَ "الحياة" يَخْرُجُ "موت". وخروج هذا مِنْ ذاك، وذاك مِنْ هذا، إنَّما هو جزء مِنْ حقيقة موضوعية أوْسَع نطاقاً، هي حقيقة "وحدة وصراع الأضداد".

    وكان ينبغي لـ "المفسِّرين" أنْ يُظْهِروا مِنْ "عُمْق الفهم" ما يليق بهذه الآية، ولكنَّهم عجزوا عن ذلك، أو قصَّروا فيه، فجاء تفسيرهم لها بما يتَّفِق مع "المنطق الصوري"، ويتعارَض مع "المنطق الدياليكتيكي"، فالشيء، بحسب تفسيرهم للآية، لا يُنْتِجُ إلا ذاته، فـ "الحياة" تُنْتِجُ "الحياة"، و"الموت" يُنْتِجُ "الموت"!

    وتفسيرهم هذا إنَّما عَكَسَ عجزهم عن "التمييز النسبي" لـ "الحياة" مِنَ "الموت"، فجاءوا بأمثلة لا تفيد إلا في تأكيد أنَّ "الحي لا يَخْرُج مِنَ الميِّت"، وأنَّ "الميِّت لا يَخْرُج مِنَ الحي". ومِنْ هذه الأمثلة التي جاء بها الدكتور، أو نقلها عن غيره، مثال "إخراج البيض مِنَ الدجاج، والدجاج مِنَ البيض"، ومثال "إخراج الإنسان مِنَ النطفة، والنطفة مِنَ الإنسان".

    إنَّ "البيض" ليس بـ "الميِّت" حتى نقول بخروج "الحي"، وهو "الدجاج"، منه. و"النطفة" ليست بـ "الميِّت" حتى نقول بخروج "الحي"، وهو "الإنسان"، منها. إنَّ "الحي" يشمل "الدجاج" و"البيض" معاً، ويشمل "الإنسان" و"النطفة" معاً، ففي كلا المثالين ليس مِنْ معنى لـ "التضاد"، الذي صوَّرتهُ الآية خير تصوير.




     

مشاركة هذه الصفحة