أبعدتَ النجعة يا أبا معاذ....

الكاتب : الأموي   المشاهدات : 1,309   الردود : 24    ‏2007-04-29
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-29
  1. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    هذا رد علمي على أطروحات الشيخ العلامة سلمان بن فهد العودة الأخيرة حول ما يسميه الولاء الفطري، وقد كتب ونشر هذا الرد فضيلة الشيخ العلامة الدكتور عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف، فإلى الموضوع للاستفادة والاطلاع...

    علما أن المقال حديث صدر قبل أقل من شهر...


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

    الشيخ سلمان العودة حبيب إلينا، لكن الحق أحبّ إلينا منه...

    والشيخ سلمان له سابقته وكتبه وأشرطته التي انتفع بها الأكثرون ومنهم كاتب هذه السطور, ولا يزال أقوام كثيرون الآن يستفيدون من برامجه وأطروحاته، وللشيخ سلمان مراجعاته وتراجعاته في العصر الجديد.

    والمخالفون للشيخ سلمان بين إفراط وتفريط, فمنهم من قد أسقطه ورفضه في عهده القديم والجديد, وآخرون من مشايخ ودعاة فضلاء ما برحوا يعتذرون لأبي معاذ بدعوى أن له قدماً في الدعوة والعلم, وأن مراجعاته وتراجعاته لا تعدّ خللاً منهجياً ولا اضطراباً عقدياً...

    لكن مسلسل التراجعات وصل إلى اضطراب في تقرير عقيدة البراء , واختزالها بتأويلات تردّها نصوص الوحي وقواطع الشرع , كما في مقالته:- ( بين الولاء الإسلامي والفطري ) والمنشور في موقع الإسلام اليوم بتاريخ20/2/1428هـ. وخلاصة المقالة المذكورة مايلي:- هام الشيخُ سلمان في الحبّ الفطري ، أو ما أسماه ( الولاء الفطري ) وبالغ في إظهاره ( وتسويقه ) وتبريره, وجعل عداوةَ الكافرين – أو ما أسماه : موالاة غير المؤمنين – في المحاربين فقط , فتفوّه قائلاً :ـ ( كل الآيات التي جاءت تحرم موالاة غير المؤمنين فالمقصود بها المحاربون..), ثم ادّعى أن عداوة إبراهيم -عليه السلام- وبغضه لقومه من أجل أنهم عادوه و أبغضوه..

    وأسوق التعقيبات الآتية :ـ- شعار ( الولاء الفطري ) الذي رفعه الشيخ سلمان, وذكر أنه لا تناقض مع الولاء الإسلامي, بل إنه جعل الولاء الإسلامي متمماً للولاء الفطري كان عليه أن يجعل الولاء الشرعي هو الأصل الذي يحكم ويضبط الحب الفطري فلو حمله حبّ الوطن أوالعشيرة مثلاً على ترك واجب أو فعل محرم لكان هذا الحب الفطري مذموماً كما قال تعالى :- ( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )التوبة24 . فعلام المبالغة بـ ( الولاء الفطري ) وتهويله وأنه لا يناقض الولاء الإسلامي مطلقاً؟!

    - مع أن الشيخ سلمان من علماء الشريعة, ونشأ وعاش في بريدة القصيم , وفي ومحاضن الصحوة الإسلامية, واشتغل بالحديث, واستبان له مكر الكافرين وكيد المنافقين..مع ذلك كله فمقالته ( الحانية ) قد استحوذ عليها:ـ ( الفطرية العفوية مع الآخرين ) و( السلم ) و ( العلاقات الإنسانية ) و ( الحبّ المتبادل).. وفي المقابل فإن أستاذاً أديباً في إسكندرية مصر يكتب محاضرة بليغة عن الإسلام والعالمية ومنذ عدة عقود : فيقول د. محمد محمد حسين -رحمه الله- :- ( وقد جربنا الكلام عن الإنسانية والتسامح والسلام , وحقوق الإنسان في عصرنا, فوجدناه كلاماً يصنعه الأقوياء في وزارات الدعاية والإعلام , ليروج عند الضعفاء, فهو بضاعة معدة للتصدير الخارجي وليست معدة للاستهلاك الداخلي, لا يستفيد منها دائماً إلا القوي ,لأنها تساعده على تمكينه من استغلال الضعيف الذي يعيش تحت تخدير هذه الدعوات.. - إلى أن قال - الصراع عند المؤمنين خير في جملته, إن بدا جانب الضرر فيه أظهر للنظرة المتعجلة, وهو العامل الأساسي الذي يكمن وراء كل تقدم بشري وحضاري, فهو الذي يحمل الضعيف والمتخلف على أن يخلع أثواب الخمول والكسل، ويتحمّل تكاليف الجهاد والكفاح ليكون الأفضل والأعلى..) الإسلام والحضارة الغربية ص 192 , 194 .

    فتأمل ما كتبه الشيخ سلمان-سامحه الله- وبين ما حرره المفكر الأديب محمد محمد حسين -رحمه الله- . إن الإغراق في اختزال عداوة الغير, والانهماك في تحريك مشاعر الحبّ والسلم فحسب قد يفضي إلى حيلة نفسية حذّر منها ابن القيم بقوله :- ( إن النفس الأمارة بالسوء تُري صاحبها صورة الصدق وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم , وأنه يعرض نفسه للبلاء ما لايطيق , وأنه يصير غرضاً لسهام الطاعنين وأمثال ذلك من الشبه ) . الروح ص392 وإن من تحقيق العدل أن يقرر الحب وما يتفرع عنه من ولاء , وأن يقرر البغض وما يتفرع عنه من براء , كلّ ذلك بتوازن وقسط , فلا يطغى أحدهما على الآخر , فإذا كان الحبّ أصل كل فعل , فإن البغض أصل كل ترك , كما هو محرر مسطور في قاعدة المحبة لابن تيمية .

    - أطلق الشيخ سلمان أن قطع الصلات من سمات الضالين , مع أن الآية الكريمة التي ساقها تنقض هذا الإطلاق , حيث قال تعالى :- ( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ) البقرة27 , فالمراد الصلات التي أمر الله أن توصل , وليس كل صلة , كما هو ظاهر الآية , ولذا رجح ابن جرير أن المراد به صلة الأرحام , واختار بعضهم أن المراد به أعم من ذلك , فكل ما أمر الله بوصله وفعله فقطعوا وتركوا .

    - يخلط الشيخ سلمان بين حبّ الكافر , وبين معاملته بالبرّ والقسط , مع ثبوت الفرق بينهما , كما حققه القرافي في الفروق (3/15,14) , فلا يسوغ أن يقتصر على قوله تعالى : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِم ْ) الممتحنة8 , ويترك ما قبلها في أول السورة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ) الممتحنة 1 .

    - النصوص الشرعية والآثار الكثيرة في مسائل الولاء والبراء أكثر من أن تحصر، ومع أن الشيخ سلمان قرر شيئاً من الحق والصواب في تلك المقالة, إلا أن الانتقائية حاضرة في إيراد الأدلة أو الاستدلال عليها, ومن ذلك أنه ساق أثراً لابن عباس-رضي الله عنهما- إذ يقول :- ( لو قال لي فرعون بارك الله فيك لقلت : وفيك ).ومن العجب أن يقتصر على هذا الأثر دون سائر الآثار , ولاسيما وأن الشيخ سلمان لم يبين معنى هذا الأثر المتشابه , فمَن المقصود بفرعون هاهنا ؟ وهل يتصور أن فرعون موسى قد يدعو بهذا الدعاء ؟ وهل مقصود ابن عباس أن يدعو بالبركة والنماء والزيادة لفرعون ؟! وفي الأثر المشهور عن ابن عباس أنه قال :- ( من أحبّ في الله, وأبغض في الله, ووالى في الله, وعادى في الله, فإنما تُنال وَلاية الله بذلك, ولن يجد عبدٌ طعمَ الإيمان وإن كثر صلاته وصومه حتى يكون كذلك, وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً ) أخرجه ابن المبارك في الزهد . ومن الانتقائية في الاستدلال أنه جعل آية ( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..)الآية المجادلة22 في حق المحاربين, وظاهر الآية يدل على عموم الكفار, والعبرة بعموم اللفظ ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شأن هذه الآية :ـ ( فهذا التأييد بروح منه لكل من لم يحب أعداء الرسل وإن كانوا أقاربه, بل يحب من يؤمن بالرسل وإن كانوا أجانب, ويبغض من لم يؤمن بالرسل وإن كانوا أقارب , وهذه ملة إبراهيم ) الجواب الصحيح 1/256 .

    - ومن شناعات المقال ( كل الآيات التي جاءت تحرّم موالاة غير المؤمنين فالمقصود بها المحاربون..) فهذه العبارة هي ( الباقرة ), فلقد أوقع أبو معاذ نفسه في سقطة شنيعة, وجرأة فجة ومصادرة مرفوضة.. فمن الذي سبقك يا أبا معاذ إلى هذا التعميم والقطع بهذا الرأي؟! رحم الله زماناً قريباً كان العلماء ينتقدون بشدة من جعل موجب جهاد الكفار هو المحاربة وليس الكفر, فينقضون ذلك الرأي محتجين بقوله تعالى: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ .. ) الآية التوبة 29 . لكن أن يقال إن عداوة الكفار للمحاربين فقط , فهذا منقوض بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة, وآثار السلف, وتحقيقات أهل العلم. يقول العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- :- ( أن الله عقد الأخوة الإيمانية والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم, ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى ومجوس ومشركين وملحدين ومارقين وغيرهم ممن ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم, وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين, وكل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية فإنه تجب محبته وموالاته ونصرته, وكل من كان بخلاف ذلك فإنه يجب التقرّب إلى الله ببغضه ومعاداته وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة..) الفتاوى السعدية ص 98. ويلزم من مقالة الشيخ سلمان أن الكافر -غير الحربي- لا يُعادى ولا يُبغض ولا يجاهد ولا يُمتنع من التشبه به والسلام عليه.. إلى آخر اللوازم الشنيعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :- ( وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك, فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله, فيكون الحبّ لأوليائه والبغض لأعدائه ) مجموع الفتاوى 28/ 208 .

    - ختم الشيخ سلمان مقالته بتلك العثرة المكشوفة إذ ادّعى أن إبراهيم -عليه السلام- إنما أبغض وعادى لأجل أنهم عادوه وأبغضوه, ومفهوم ذلك أن إبراهيم -عليه السلام- لم يكن ليبغضهم أو يعاديهم لأجل كفرهم وشركهم, وهذا كلام متهافت يرده قول إبراهيم لقومه: ( وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) الممتحنة4 , فالعداوة قائمة حتى يؤمنوا بالله وحده وليس حتى يتركوا عداوته - كما جاء في المقالة – فليس مجرد مقايضة كما ظنه الشيخ سلمان .

    وأخيراً فأحسب أن للشيخ أبي معاذ من الدين والعقل والعلم ما يقتضي أن يراجع مقالته السالفة , وأن ينظر في هذا التعقيب ممن هو دونه .. فكل ابن آدم خطّاء , والحي لا تؤمن عليه الفتنة , فأسأل الله الكريم أن يلهمنا رشدنا .

    وما أجمل أن أورد هذه العبارةَ في نهاية هذه المقالة -التي سطّرها ابن تيمية- رحمه الله- قائلاً :- ( فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله -عز وجل- , فيكون حبّه لله ولما يحبه الله , وبغضه لله ولما يبغضه الله, وكذلك موالاته ومعاداته ) مجموع الفتاوى 10/ 601 أهـ
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-04-29
  3. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    اخي الفاضل الاموي

    هل مرت عليك مؤاخذات الشيخ أحمد بوادي على الشيخ سلمان العودة ؟؟
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-04-29
  5. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    أتقصد التي في منتدى أنا المسلم، وعلق عليها بعض الإخوة كالصمدي؟؟
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-04-29
  7. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    اعتقد انها في مدونته وفي الساحات اساسا

    ونقل بعضها الى انا المسلم وجرى بينه نقاش خاص مع رضا صمدي حولها ثبت لفتره وتابعت بعضه

     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-04-29
  9. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    واسمح لي أخي الأموي أن أضع مقال الشيخ العودة حتى يحكم عليه الآخرون عن بينة..

    بين الولاء الإسلامي والفطري

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة) متفق عليه،إن الناس كلهم يعرفون هذا القدر المشترك من العلاقات والمعاملات، ويمارسون علاقاتهم بطبيعة تامة وبعفوية فطرية، فالإسلام جاء لينظم هذه الشبكة من العلاقات الإنسانية لا ليحرم الناس منها، أو يقطعهم عنها، بل إن القرآن جعل من سمات الضالين أن يقطعوا الصلة، ولم يجعل أبد الصلة بالناس خطأ أو جرماً، يقول جل وعلا: "ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.."الآية، فحب القريب وحب الصديق وحب الزوجة وحب الوطن وحب القبيلة من الولاء الفطري العام، الذي لا يتناقض مع الولاء الإسلامي، والمسلمون الأوائل كانوا يتعاملون مع القضايا التعاملية بفطرية طبيعية، وبأريحية تامة، بعيداً عن العقد التي تلبس بها بعض المتأخرين، فصنعت خليطاً من المفاهيم المغلوطة التي تجنح إما إلى إفراط أو تفريط.
    إن المقصود بالولاء موالاة المؤمنين بالقرب منهم، ومحبتهم، والإخاء بينهم، والنصرة لهم، والتعاطف معهم، وبدون هذا المعنى لا يمكن أن نتصور أمة مسلمة؛ لأن وجود الأمة الإسلامية هو بوجود هذا العقد القلبي في الولاء بين أفراد هذه الأمة، يقول الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة"، ويقول سبحانه: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة.."، ويقول تبارك اسمه: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"، وانظر إلى معنى النصرة والتعاطف والولاء المعقود في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) متفق عليه، فهذا الولاء بين المؤمنين والبراء من أعدائهم من عناصر التوحيد، فالولاء معنى روحي قلبي بالحب والتعاطف والرحمة، ومعنى حياتي عملي بالمؤازرة والنصرة والمعرفة، والنصرة في الحق: الإعانة عليه، وفي الباطل: الردع عنه، ولذلك ورد في الحديث عن الظالم: (تأخذ فوق يديه)، فعقد الولاء عقد ديني لا عنصري، ومن سمات العقد الديني أنه يوجب ربط الولاء بالمبدأ الذي هو فوق الأشخاص، فإذا خالف الأشخاص هذا المبدأ كان أعظم الولاء في منعهم وردعهم، وليس تأييدهم على هذا الباطل أو مجاراتهم فيه.
    والبراء في الإسلام هو براءة من الشرك والكفر والظلم والعدوان والبغي، والبراءة ممن يقوم عليها أو يدعو إليها: "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين".
    إن معنى "البراءة" هو إخلاص الحب العقائدي لهذا الدين، دون أن يشترط في ذلك خلو القلب من الحب الفطري والعلاقات الإنسانية التي يتخللها نوع من الحب والمودة حتى مع غير المسلمين؛ لأن الأصل في العلاقات مع غير المحاربين: حسن التعامل وتبادل السلم، هذا من محكمات ما نص الله عليه، يقول الله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"، فذكر البر وهو الإحسان والعطاء، وذكر الإقساط وهو العدل، ليجمع المسلم بين المعاملة بالعدل وليخبر بأن اختلاف العقائد لا يبيح الظلم، وبين الإحسان وهو الفضل والعطاء والزيادة.
    والأمم المختلفة ليسوا على فئة واحدة تجاه المسلمين، وليسوا سواء من حيث القرب والبعد من هذا الدين أو من أهله، أو من حيث التطرف والاعتدال، أو من حيث الظلم والعدل، أو غيره، وحتى في العقائد يقول الله تعالى: "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون".
    إن المهم في قضية "البراءة" أن لا تحب غير المسلمين لعقيدتهم أو دينهم فتلك هي الباقرة التي تقوم على ركن البراءة بالنقض، فمعنى ذلك تقديم غير دين الإسلام عليه، وذلك لا يحصل من مسلم رضي بهذا الدين واعتنقه وأحبه، "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون"، القضية في هذه الآية لهؤلاء المحاربين الذين يحادون الله ورسوله ويحاربون أولياءه، وهذا ما صرح به الطبري وابن عطية وغيرهم.
    وكل الآيات التي جاءت تحرم موالاة غير المؤمنين فالمقصود بها المحاربون، كقوله تعالى:
    "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي.."الآية، فنهى سبحانه عن موالاتهم ما داموا محاربين أو إفشاء الأسرار الحربية لهم، لأنه في نفس السورة قال: "لا ينهاكم.."الآية.
    إن "الكره" إذًا هو كره الكافر وعقيدته وكره ظلمه وعدوانه والبراء من قادة الحروب والدماء والعدوان على الناس والأبرياء من المسلمين، والبراء من كل ممارسة ظالمة جائرة تزيد الظالم قوة والضعيف البريء ضعفاً، فالإسلام جاء لينصر المظلوم ويأخذ على يد الظالم.
    أما الولاء النسبي -إن صحت العبارة- كحب كافر لشخصه أو قرابته أو حسن معاملته أو صداقته فلا بأس به، وذلك نوع من الولاء الفطري الذي أباحه الإسلام ولم يقف ضده أو يحرمه، فالإسلام أمر بصحبة الأبوين المشركين بالمعروف، وأباح الزواج من الكتابيات مع أن الله قال عن العلاقة الزوجية: "وجعل بينكم مودة ورحمة"، والمودة هي الحب، وسيتبادل الزوجان معاني الحب والرحمة، بل قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: "إنك لا تهدي من أحببت" يعني: أبا طالب، فالنبي صلى الله عليه وسلم يحب أبا طالب، ولم يكن هذا الحب محرماً أو ناقضاً لمعنى الولاء الإسلامي الذي جاء به الإسلام وأرساه ليدل ذلك على مستوى رعاية الإسلام للمعاني النظرية عند المسلم وترسيخها.
    ذكر البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، لقلت: وفيك. لأن الخلق الإسلامي يحث على رد التحية بالمثل وجزاء الإحسان بالإحسان.
    يقول الله عن المؤمنين: "ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم.."الآية، فأثبت أن المؤمنين يحبونهم، وعاتب المؤمنين؛ لأنهم يعطون الحب أحداً لا يبادلهم هذا المعنى، ويتسامحون ويرحمون من يسومهم خطط الخسف والجور، ولم يكن الحب المتبادل مجالاً محرماً في الإسلام، فالعلاقات الفطرية المبنية على المسالمة والمسامحة والإخاء جاء الإسلام ليرسخها، ويستفيد منها لبث الدعوة والقدوة، لا ليقطعها وينافر أهلها العداء، أما قصة إبراهيم عليه السلام فيقول الله تعالى: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير"، فالآية واضحة في تبادل العداء "وبدا بيننا وبينكم العداوة"، ولم يأت إبراهيم عليه السلام إلى المشركين ابتداء ليبادلهم هذا العداء، بل جاء ليدعوهم إلى الإسلام والإخلاص، ولكن لما ناصبوه العداء والبغضاء كان واجباً طبيعياً أن يبادلهم ذلك حفاظاً على العقيدة التي يحملها من الانحسار والذوبان، "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه.."الآية، فلم يتبرأ إبراهيم من أبيه إلا بعد أن أشهر أبوه العداوة لهذا الدين، فخالف أصل العلاقة الطبيعية بين البشر التي حث عليها الإسلام المبنية على الرحمة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
    إن الأخلاق العفوية الفطرية معنى جاء الإسلام ليكمله ويرسخه ليجمع المسلم بين ولائه الطبيعي لقومه وذاته ووطنه.. الخ، وبين ولائه الأهم لعقيدته ودعوته، فكان الولاء الأخير متمماً للولاء الأول: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).


    salman@islamtoday.net
    د.سلمان بن فهد العودة
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-04-29
  11. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    وأنا تابعت بعضها حينذاك...

    وإن نقلت لنا كلام البوادي من مدونته حول هذا الموضوع إلى هنا، تكون مشكورا مأجورا إن شاء الله...
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-04-29
  13. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    الأخ هلوسة شكرا على الإضافة...
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-04-30
  15. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    هل تعتقد ان نقل كلام الشيخ احمد بوادي الى هنا وفي ظل وجود بعض العقول ال.... يفيد

    بالتاكيد انت تفهم قصدي
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-04-30
  17. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    هل تعتقد ان نقل كلام الشيخ احمد بوادي الى هنا وفي ظل وجود بعض العقول ال.... يفيد

    بالتاكيد انت تفهم قصدي
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-04-30
  19. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    هل تعتقد ان نقل كلام الشيخ احمد بوادي الى هنا وفي ظل وجود بعض العقول ال.... يفيد

    بالتاكيد انت تفهم قصدي
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة