تابع شرح الحديث ثلان من كن فيه

الكاتب : الريشاني   المشاهدات : 586   الردود : 1    ‏2007-04-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-28
  1. الريشاني

    الريشاني عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-12-31
    المشاركات:
    377
    الإعجاب :
    0
    ثانيا: مراتب المحبة :
    وأما مراتبها ـ كما ذكرها ابن القيم وابن أبي العز ـ فهي عشرة([1])؛ وهي كالتالي :
    أولها: العلاقة: وهي تعلق القلب بالمحبوب .
    والثانية: الإرادة: وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له .
    والثالثة: الصبابة: وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه كانصباب الماء في الحدور.
    والربعة الغرام: وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم لملازمته.
    والخامسة: المودة والود: وهي صفو المحبة وخالصها ولبها .
    والسادسة: الشغف: وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب .
    والسابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف منه على صاحبه منه, ولكن لا يوصف به الرب تعالى، ولا العبد في محبة ربه – والسبب لأن العشق محبة مع شهوة([2]).
    والثامنة: التيمم: وهو بمعنى التعبد .
    والتاسعة: التعبد: قال ابن القيم في روضة المحبين([3]): وأما التعبد فهو غاية الحب وغاية الذل يقال : عبده الحب ، أي ذلَّلـه ، وطريق معبد بالأقدام
    أي: مذلل. وكذلك المحب قد ذلَّلـه الحب ووطأه، ولا تصلح هذه المرتبة لأحد غير الله عز وجل، ولا يغفر الله سبحانه لمن أشرك في عبادته، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمحبة العبودية، هي أشرف أنواع المحبة , وهي خالص حق الله على عباده .
    والعاشرة: الخلة: وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه .
    قال الطحاوي: وقيل في ترتيبها غير ذلك، وهذا الترتيب تقريب حسن، يعرف حسنه بالتأمل في معانيه. واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص([4]).
    وإن النبي ﷺ قد ثبت له أعلى مراتب المحبة وهي الخلة، كما ورد عن جُنْدَب قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ الله تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلك، إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا»([5]).
    وأيضا ما روى أبو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ الله عَنْ النَّبِيِّrقَالَ: «لَوْ كُنْتُ
    مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، خَلِيلًا وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ الله»([6]).
    فيتضح من هذين الحديثين أن صفة الخلة ثبتت للنبي r .




    * * *



    ثالثا: أهمية محبة الله ومنزلتها
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
    منزلة المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بدونها أبدا واصليها، وتبوءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة: أن المرء مع من أحب , فيالها من نعمة على المحبين سابغة([7]).
    وقال أيضـا : إن محبة الله سبحانه ، والأنس به ، والشوق إلى لقائه ،


    والرضى به وعنه، أصل الدين وأصل أعماله وإرادته...ومحبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]([8]).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله فهو مشرك، ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله([9]).
    وقال أيضا: ولهذا كان أهل التوحيد والإخلاص أكمل حبا لله من المشركين الذين يحبون غيره، الذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه([10]).
    وقال ابن القيم: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم([11]).
    وقد جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي


    غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ([12]).
    ومن هذا يجب أن نعلم أن محبة الله تعالى أعلا درجات العبودية له سبحانه، فيقدمها على جميع المحاب من والد، وولد، وزوجة، وصديق، وجاه، ومال، وغيرها، فيعبد الله تعالى محباً له، هذه المحبة التي تتطلب الذل والخضوع والطاعة والانقياد له سبحانه، ويظهر هذا على تعبده له جل وعلا في صلاته وصيامه، وإنفاقه، وحجه وعمرته،ودعائه واستغاثته، وبره وإحسانه، ومعاملاته كلها .
    وعليه فلا يجوز أن يساوي محبة غيره بمحبته جل وعلا بل هذا من الشرك به سبحانه، كما سبق نقله عن الأئمة امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165] .
    * * *


    رابعا: المحبة على طرفين
    إن المحبة على طرفين: طرف محبة العبد لربه، وطرف محبة الرب لعبده .
    قال ابن القيم: وجميع طرق الأدلة – عقلا ونقلا وفطرة وقياسا واعتبارا وذوقا ووجدا – تدل على إثبات محبة العبد لربه، والرب لعبده .
    الأدلة على محبة العبد لربه :
    قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165].
    فأخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم، لذا قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165].
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له .
    وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 97-98] .
    ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم .
    وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].


    وهي تسمى آية المحبة .
    قال أبو سليمان الداراني: لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله لها محنة: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
    وقال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ4﴾ [المائدة: 54].
    فقد أثبتت المحبة من طرفين؛ محبة العبد لله، ومحبة الله للعبد .
    وجاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ»([13]).
    فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله، وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه .
    وأيضا : عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ: ﴿ö قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، فَلَمَّا رَجَعُوا


    ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ r، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ r: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ»([14]).
    وأيضاً عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَأَهْلِي، وَمِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ» قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله r إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ» قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ([15]).
    فتبين من هذا أن العبد يجب عليه أن يحب ربه على ما جاء في النصوص السابقة، ويسأل ربه أن يبلغه إياها، ويعمل من أجل الحصول عليها مرسخاً لها في قلبه، مجاهداً لنفسه حتى لا يزيغ عنها حال فتور أو ضعف .
    ولذا جاءت النصوص القرآنية والنبوية في الذين يحبهم الله تعالى، وينالون هذه الدرجة العاليَة فإليك بعضاً منها :
    قال تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].
    وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146].
    وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
    وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ


    بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4].
    وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ التوبة: 7 ] .
    وقوله في ضد ذلك :
    قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [ البقرة: 205].
    وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64].
    وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [ آل عمران: 140].
    وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36].
    وكذلك جاء في السنة كثير من النصوص أن أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا، وأن الله يحب كذا كذا، كقوله: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى الله مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ»([16]).
    وأيضاً عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ؛ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»([17]).
    وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا


    رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله r: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام»([18]).
    أيضاً عن أبي هريرةَ قَالَ رَسُولُ الله r: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([19]).
    وأيضاً إن النبي r قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه»([20]).
    أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r «إِنَّ الله قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ


    عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»([21]).
    وعنه أيضاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ؛ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ الله يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ»([22]).
    وغيرها نصوص كثيرة تدل على ثبوت الحب من الطرفين، وفيما مضى من الأحاديث يستدل على صفة المحبة لله عز وجل، فنثبتها له كما أثبتها رسول الله r على الوجه اللائق به جل وعلا من غير تحريف لها ولا تعطيل لمعناها ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل لها.



    * * *




    خامساً: الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى
    هناك كثير من الأعمال التي تجلب محبة الله تعالى، فمنها ما يأتي :
    1- الإيمان القوي: الإيمان القوي، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([23]).
    2- أداء الفرائض، جاء في الصحيح: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»([24]).
    وأن يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة، ففي صحيح البخاري عن عَبْدِ الله بن مسعود قَال َ: سَأَلْتُ النَّبِيَّr: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِِ؟ قَال َ: الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا([25]).
    وكذا صلاة الليل، قال رَسُول الله r: «أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى الله صَلاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»([26]) وفي رواية أبي داود


    قال r: «وَإِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلائِكَة ِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ مَعَ الرَّجُل ِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى»([27]).
    3- التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»([28]).
    4- الإكثار من أعمال البر، وخاصة في مواسم الخيرات؛ مثل رمضان وعشر ذي الحجة، فإن الأجر فيها مضاعف، والأعمال فيها أحب إلى الله، فعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَال َ: قَالَ رَسُولُ الله r: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله ؟ قَال َ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله إِلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»([29]).
    5- أن يداوم على فعل الطاعات ولو كانت تلك الطاعات قليلة في نظره، ففي الحديث: «وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ»([30]).
    وفي رواية مسلم: «وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ، وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍr إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ»([31]).
    6- دوام ذكره على كل حال؛ باللسان والقلب، والعمل والحال .كما في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»([32]).
    ولقد أمر الله به في القرآن في مواضع عديدة :
    مثل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [سورة الأحزاب:41-42]. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].
    وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ
    كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45].
    فعلى المسلم أن يختار من الأذكار ما هو أفضل وأبلغ في المعاني، مثل ما ورد عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَال َ: قَالَ رَسُولُ الله r: «أَحَبُّ الْكَلامِ إِلَى الله أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلا إِلَهَ إِلاّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ»([33]).
    ومثل ما ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَال َ: قَالَ رَسُولُ الله r: «أَلا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى اللهِِ؟ قُلْت ُ: يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى الله، فَقَال َ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ»([34]).
    ومن المستحسن أن يحافظ على الأذكار في الصباح والمساء، وعند دخول المسجد وخروجه، وعند دخول البيت وخروجه، وعند الأكل والشرب، وهكذا في كل ما ورد من الأحوال.
    7- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به. وإن من أعظم الذكر قراءة كتابه تعالى، فلا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم؛ فعن عثمان – رضي الله عنه – عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»([35]).
    وأيضاً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ قَالُوا : يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ الله


    وَخَاصَّتُه«ُ([36]).
    ومن المستحسن أن يكون له حزب يومي من تلاوة القرآن، فلا يدعه في أي من الأحوال وأي من الظروف .
    8- إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى .كما أثر عن السلف :
    «من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه». وذكر في الحديث الذي بين أيدينا: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».
    9- مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، فمن عرف الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، أحب الله لا محالة. ولذلك أثنى الله لعباده أنهم يتفكرون في خلق الله كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190- 191].
    10- مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة، فإنها داعية إلى محبته. كما قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
    وأيضاً: ﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34] .
    11- انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى كما ذكر تعالى في صفات المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2].


    12- الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه. كما قال تعالى لنبيه: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 1-6] .
    وقال في صفات المؤمنين: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17-18] .
    13- الحرص كل الحرص على متابعة الرسول r، يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:31].
    14- أن يحب رسول الله r ففي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ r: مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ الله ؟ قَال َ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟» قَال َ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاةٍ وَلا صَوْمٍ وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَه ُ، قَال َ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»([37]).
    15- وأن يحب كذلك أصحابه وآله فإن ذلك يجلب محبة الله تعالى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَال َ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله r فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ، فَقَال َ: «أَيْنَ لُكَعُ» ثَلاثًا، ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِي فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ r بِيَدِهِ هَكَذَا فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا ، فَالْتَزَمَهُ فَقَال : « اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ


    يُحِبُّهُ». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا قَالَ رَسُولُ الله r مَا قَالَ([38]). ولكن ليكن ذلك بدون غلو بأن يوصلهم إلى منزلة رسول الله r، أو يفضلهم عليه .
    16- وأن يحب كذلك أحباب الله وأوليائه، فتحبهم وتحب الخير لهم، وتتمنى لهم الخير وتدعو لهم، وتقول في دعائك: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر:10] وعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّr: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ الله تَعَالَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ ؟ قَال َ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ الله عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَالله إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُور ٍ، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاس ُ، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاس ُ. وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62]»([39]).
    17- مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر ؛ لأن الإنسان يكون على دين خليله كما جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ


    أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِطُ وَقَالَ مُؤَمَّلٌ مَنْ يُخَالِلُ»([40]).
    أيضاً عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَة«ً([41]).
    18- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16].
    19- الحرص كل الحرص على متابعة الرسول r، يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: 31].
    20- صلة الرحم وبر الوالدين خاصة، ففي حديث ابن مسعود قال: سَأَلْتُ رَسُولَ الله r قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ٌ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله»، فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ الله r وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي ([42])ِ.
    21- الجهاد في سبيل الله بمراتبه وأنواعه، ففي تتمة حديث ابن مسعود السابق قَالَ ابن مسعود: ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَال َ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله». وفي صحيح


    مسلم وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهr: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ»([43]).
    22-أن يكون في استعداد تام للقاء الله عز وجل في كل حين حيث يؤدي كل ما يجب عليه من حقوق ربه وحقوق الآدميين، فمن يكون كذلك فهو المستعد للقاء الله عز وجل وهو قد أحبه الله سبحانه وتعالى قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:110] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»([44]).
    وفي حديث أبي ذر عَن النَّبِيِّrقَال َ: «ثَلاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللهُ وَثَلاثَةٌ يُبْغِضُهُمْ الله ُ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ الله ُ: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا؛ فَسَأَلَهُمْ بِالله، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا؛ لا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلاّ اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاه ُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ ، وَالثَّلاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمْ اللهُ : الشَّيْخُ الزَّانِي ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ ، وَالْغَنِيُّ


    الظَّلُومُ»([45]).
    23- ومن أعظم ما يجلب محبة الله تعالى ونختم به، الدعوة إلى دينه وشرعه، وإرشاد الناس إلى أخلاقه وفضائله، والعمل بتعاليمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعظم المحبوبين خليله عليه الصلاة والسلام، ولم يخلف إرثا أعظم من هذا الإرث، فمن اقتدى به عليه الصلاة والسلام فقد تدرج في الوصول إلى محبة الله تعالى .
    وبعد: فمحبة الله غالية والطريق إليها سهل وميسور، فعلى العبد أن يتقي الله وأن يختار من الأعمال والأقوال والأخلاق ما يحببه إلى الله ويقربه إليه فإن في ذلك السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أحبه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وكان من أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .



    * * *

    __________________
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-04-28
  3. الريشاني

    الريشاني عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-12-31
    المشاركات:
    377
    الإعجاب :
    0
    ثانيا: مراتب المحبة :
    وأما مراتبها ـ كما ذكرها ابن القيم وابن أبي العز ـ فهي عشرة([1])؛ وهي كالتالي :
    أولها: العلاقة: وهي تعلق القلب بالمحبوب .
    والثانية: الإرادة: وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له .
    والثالثة: الصبابة: وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه كانصباب الماء في الحدور.
    والربعة الغرام: وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم لملازمته.
    والخامسة: المودة والود: وهي صفو المحبة وخالصها ولبها .
    والسادسة: الشغف: وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب .
    والسابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف منه على صاحبه منه, ولكن لا يوصف به الرب تعالى، ولا العبد في محبة ربه – والسبب لأن العشق محبة مع شهوة([2]).
    والثامنة: التيمم: وهو بمعنى التعبد .
    والتاسعة: التعبد: قال ابن القيم في روضة المحبين([3]): وأما التعبد فهو غاية الحب وغاية الذل يقال : عبده الحب ، أي ذلَّلـه ، وطريق معبد بالأقدام
    أي: مذلل. وكذلك المحب قد ذلَّلـه الحب ووطأه، ولا تصلح هذه المرتبة لأحد غير الله عز وجل، ولا يغفر الله سبحانه لمن أشرك في عبادته، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمحبة العبودية، هي أشرف أنواع المحبة , وهي خالص حق الله على عباده .
    والعاشرة: الخلة: وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه .
    قال الطحاوي: وقيل في ترتيبها غير ذلك، وهذا الترتيب تقريب حسن، يعرف حسنه بالتأمل في معانيه. واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص([4]).
    وإن النبي ﷺ قد ثبت له أعلى مراتب المحبة وهي الخلة، كما ورد عن جُنْدَب قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ الله تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلك، إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا»([5]).
    وأيضا ما روى أبو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ الله عَنْ النَّبِيِّrقَالَ: «لَوْ كُنْتُ
    مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، خَلِيلًا وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ الله»([6]).
    فيتضح من هذين الحديثين أن صفة الخلة ثبتت للنبي r .




    * * *



    ثالثا: أهمية محبة الله ومنزلتها
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
    منزلة المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بدونها أبدا واصليها، وتبوءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة: أن المرء مع من أحب , فيالها من نعمة على المحبين سابغة([7]).
    وقال أيضـا : إن محبة الله سبحانه ، والأنس به ، والشوق إلى لقائه ،


    والرضى به وعنه، أصل الدين وأصل أعماله وإرادته...ومحبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]([8]).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله فهو مشرك، ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله([9]).
    وقال أيضا: ولهذا كان أهل التوحيد والإخلاص أكمل حبا لله من المشركين الذين يحبون غيره، الذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه([10]).
    وقال ابن القيم: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم([11]).
    وقد جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي


    غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ([12]).
    ومن هذا يجب أن نعلم أن محبة الله تعالى أعلا درجات العبودية له سبحانه، فيقدمها على جميع المحاب من والد، وولد، وزوجة، وصديق، وجاه، ومال، وغيرها، فيعبد الله تعالى محباً له، هذه المحبة التي تتطلب الذل والخضوع والطاعة والانقياد له سبحانه، ويظهر هذا على تعبده له جل وعلا في صلاته وصيامه، وإنفاقه، وحجه وعمرته،ودعائه واستغاثته، وبره وإحسانه، ومعاملاته كلها .
    وعليه فلا يجوز أن يساوي محبة غيره بمحبته جل وعلا بل هذا من الشرك به سبحانه، كما سبق نقله عن الأئمة امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165] .
    * * *


    رابعا: المحبة على طرفين
    إن المحبة على طرفين: طرف محبة العبد لربه، وطرف محبة الرب لعبده .
    قال ابن القيم: وجميع طرق الأدلة – عقلا ونقلا وفطرة وقياسا واعتبارا وذوقا ووجدا – تدل على إثبات محبة العبد لربه، والرب لعبده .
    الأدلة على محبة العبد لربه :
    قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165].
    فأخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم، لذا قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165].
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له .
    وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 97-98] .
    ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم .
    وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].


    وهي تسمى آية المحبة .
    قال أبو سليمان الداراني: لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله لها محنة: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
    وقال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ4﴾ [المائدة: 54].
    فقد أثبتت المحبة من طرفين؛ محبة العبد لله، ومحبة الله للعبد .
    وجاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ»([13]).
    فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله، وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه .
    وأيضا : عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ: ﴿ö قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، فَلَمَّا رَجَعُوا


    ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ r، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ r: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ»([14]).
    وأيضاً عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَأَهْلِي، وَمِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ» قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله r إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ» قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ([15]).
    فتبين من هذا أن العبد يجب عليه أن يحب ربه على ما جاء في النصوص السابقة، ويسأل ربه أن يبلغه إياها، ويعمل من أجل الحصول عليها مرسخاً لها في قلبه، مجاهداً لنفسه حتى لا يزيغ عنها حال فتور أو ضعف .
    ولذا جاءت النصوص القرآنية والنبوية في الذين يحبهم الله تعالى، وينالون هذه الدرجة العاليَة فإليك بعضاً منها :
    قال تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].
    وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146].
    وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
    وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ


    بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4].
    وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ التوبة: 7 ] .
    وقوله في ضد ذلك :
    قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [ البقرة: 205].
    وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64].
    وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [ آل عمران: 140].
    وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36].
    وكذلك جاء في السنة كثير من النصوص أن أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا، وأن الله يحب كذا كذا، كقوله: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى الله مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ»([16]).
    وأيضاً عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ؛ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»([17]).
    وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا


    رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله r: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام»([18]).
    أيضاً عن أبي هريرةَ قَالَ رَسُولُ الله r: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([19]).
    وأيضاً إن النبي r قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه»([20]).
    أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r «إِنَّ الله قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ


    عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»([21]).
    وعنه أيضاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ؛ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ الله يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ»([22]).
    وغيرها نصوص كثيرة تدل على ثبوت الحب من الطرفين، وفيما مضى من الأحاديث يستدل على صفة المحبة لله عز وجل، فنثبتها له كما أثبتها رسول الله r على الوجه اللائق به جل وعلا من غير تحريف لها ولا تعطيل لمعناها ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل لها.



    * * *




    خامساً: الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى
    هناك كثير من الأعمال التي تجلب محبة الله تعالى، فمنها ما يأتي :
    1- الإيمان القوي: الإيمان القوي، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([23]).
    2- أداء الفرائض، جاء في الصحيح: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»([24]).
    وأن يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة، ففي صحيح البخاري عن عَبْدِ الله بن مسعود قَال َ: سَأَلْتُ النَّبِيَّr: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِِ؟ قَال َ: الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا([25]).
    وكذا صلاة الليل، قال رَسُول الله r: «أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى الله صَلاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»([26]) وفي رواية أبي داود


    قال r: «وَإِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلائِكَة ِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ مَعَ الرَّجُل ِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى»([27]).
    3- التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله r: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»([28]).
    4- الإكثار من أعمال البر، وخاصة في مواسم الخيرات؛ مثل رمضان وعشر ذي الحجة، فإن الأجر فيها مضاعف، والأعمال فيها أحب إلى الله، فعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَال َ: قَالَ رَسُولُ الله r: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله ؟ قَال َ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله إِلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»([29]).
    5- أن يداوم على فعل الطاعات ولو كانت تلك الطاعات قليلة في نظره، ففي الحديث: «وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ»([30]).
    وفي رواية مسلم: «وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ، وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍr إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ»([31]).
    6- دوام ذكره على كل حال؛ باللسان والقلب، والعمل والحال .كما في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»([32]).
    ولقد أمر الله به في القرآن في مواضع عديدة :
    مثل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [سورة الأحزاب:41-42]. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].
    وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ
    كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45].
    فعلى المسلم أن يختار من الأذكار ما هو أفضل وأبلغ في المعاني، مثل ما ورد عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَال َ: قَالَ رَسُولُ الله r: «أَحَبُّ الْكَلامِ إِلَى الله أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلا إِلَهَ إِلاّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ»([33]).
    ومثل ما ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَال َ: قَالَ رَسُولُ الله r: «أَلا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى اللهِِ؟ قُلْت ُ: يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى الله، فَقَال َ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ»([34]).
    ومن المستحسن أن يحافظ على الأذكار في الصباح والمساء، وعند دخول المسجد وخروجه، وعند دخول البيت وخروجه، وعند الأكل والشرب، وهكذا في كل ما ورد من الأحوال.
    7- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به. وإن من أعظم الذكر قراءة كتابه تعالى، فلا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم؛ فعن عثمان – رضي الله عنه – عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»([35]).
    وأيضاً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ قَالُوا : يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ الله


    وَخَاصَّتُه«ُ([36]).
    ومن المستحسن أن يكون له حزب يومي من تلاوة القرآن، فلا يدعه في أي من الأحوال وأي من الظروف .
    8- إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى .كما أثر عن السلف :
    «من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه». وذكر في الحديث الذي بين أيدينا: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».
    9- مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، فمن عرف الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، أحب الله لا محالة. ولذلك أثنى الله لعباده أنهم يتفكرون في خلق الله كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190- 191].
    10- مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة، فإنها داعية إلى محبته. كما قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
    وأيضاً: ﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34] .
    11- انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى كما ذكر تعالى في صفات المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2].


    12- الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه. كما قال تعالى لنبيه: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 1-6] .
    وقال في صفات المؤمنين: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17-18] .
    13- الحرص كل الحرص على متابعة الرسول r، يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:31].
    14- أن يحب رسول الله r ففي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ r: مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ الله ؟ قَال َ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟» قَال َ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاةٍ وَلا صَوْمٍ وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَه ُ، قَال َ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»([37]).
    15- وأن يحب كذلك أصحابه وآله فإن ذلك يجلب محبة الله تعالى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَال َ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله r فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ، فَقَال َ: «أَيْنَ لُكَعُ» ثَلاثًا، ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِي فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ r بِيَدِهِ هَكَذَا فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا ، فَالْتَزَمَهُ فَقَال : « اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ


    يُحِبُّهُ». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا قَالَ رَسُولُ الله r مَا قَالَ([38]). ولكن ليكن ذلك بدون غلو بأن يوصلهم إلى منزلة رسول الله r، أو يفضلهم عليه .
    16- وأن يحب كذلك أحباب الله وأوليائه، فتحبهم وتحب الخير لهم، وتتمنى لهم الخير وتدعو لهم، وتقول في دعائك: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر:10] وعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّr: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ الله تَعَالَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ ؟ قَال َ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ الله عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَالله إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُور ٍ، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاس ُ، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاس ُ. وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62]»([39]).
    17- مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر ؛ لأن الإنسان يكون على دين خليله كما جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ


    أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِطُ وَقَالَ مُؤَمَّلٌ مَنْ يُخَالِلُ»([40]).
    أيضاً عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَة«ً([41]).
    18- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16].
    19- الحرص كل الحرص على متابعة الرسول r، يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: 31].
    20- صلة الرحم وبر الوالدين خاصة، ففي حديث ابن مسعود قال: سَأَلْتُ رَسُولَ الله r قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ٌ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله»، فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ الله r وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي ([42])ِ.
    21- الجهاد في سبيل الله بمراتبه وأنواعه، ففي تتمة حديث ابن مسعود السابق قَالَ ابن مسعود: ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَال َ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله». وفي صحيح


    مسلم وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهr: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ»([43]).
    22-أن يكون في استعداد تام للقاء الله عز وجل في كل حين حيث يؤدي كل ما يجب عليه من حقوق ربه وحقوق الآدميين، فمن يكون كذلك فهو المستعد للقاء الله عز وجل وهو قد أحبه الله سبحانه وتعالى قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:110] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»([44]).
    وفي حديث أبي ذر عَن النَّبِيِّrقَال َ: «ثَلاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللهُ وَثَلاثَةٌ يُبْغِضُهُمْ الله ُ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ الله ُ: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا؛ فَسَأَلَهُمْ بِالله، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا؛ لا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلاّ اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاه ُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ ، وَالثَّلاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمْ اللهُ : الشَّيْخُ الزَّانِي ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ ، وَالْغَنِيُّ


    الظَّلُومُ»([45]).
    23- ومن أعظم ما يجلب محبة الله تعالى ونختم به، الدعوة إلى دينه وشرعه، وإرشاد الناس إلى أخلاقه وفضائله، والعمل بتعاليمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعظم المحبوبين خليله عليه الصلاة والسلام، ولم يخلف إرثا أعظم من هذا الإرث، فمن اقتدى به عليه الصلاة والسلام فقد تدرج في الوصول إلى محبة الله تعالى .
    وبعد: فمحبة الله غالية والطريق إليها سهل وميسور، فعلى العبد أن يتقي الله وأن يختار من الأعمال والأقوال والأخلاق ما يحببه إلى الله ويقربه إليه فإن في ذلك السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أحبه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وكان من أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .



    * * *

    __________________
     

مشاركة هذه الصفحة