المصارف الاسلامية مقال بقلم الدكتور يوسف

الكاتب : (شمردل)   المشاهدات : 2,039   الردود : 12    ‏2007-04-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-27
  1. (شمردل)

    (شمردل) قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2007-01-10
    المشاركات:
    9,005
    الإعجاب :
    0
    المصارف الإسلامية بين الواقع والطموح

    1. النشأة والتطور

    على الرغم من بعض التجارب البسيطة حول التمويل والأستثمار على اسس اسلامية التي بدأت في مصر وماليزيا في فترة الستينيات ، الا ان تجربة بنك دبي الأسلامي التي بادر بها الشيخ سعيد لوتاه وبتأييد ودعم من الحاكم السابق لأمارة دبي الشيخ راشد بن سعيد المكتوم رحمة الله تعتبر اول تجربة لمصرف اسلامي معاصر وتبعتها بقية المصارف والمؤسسات المالية الأخرى وتشير البيانات المتوفرة الى ان عدد المصارف الحالية يزيد على 70 مصرف في العالم تعمل اما في ظل نظام يفترض فيه ان يكون كله اسلامي كما هو معلن في دول كالسودان وباكستان وايران او في دول صدرت فيها قوانين استثنائية لهذه المصارف مع بقاء القوانين المصرفية الربوية كأصل كما هو الحال في الأمارات والكويت وماليزيا وغيرها من الدول التي تاسست فيها مصارف اسلامية وان كانت الممارسات الفعلية لكلا الصيغتين لاتختلف كثيرا نظرا لعمق تغلغل النظام الأقتصادي الربوي في هذه الدول لأسباب ليس هذا هو المجال لطرقها .

    وتشير بيانات عام 2002 الى ان 37.7 من هذه المصارف ( اي حوالي 26 مصرف) موجود في دول مجلس التعاون الخليجي تتبعها منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا التي فيها حوالي 31.9 % ( 22 مصرف) ثم تأتي بعد ذلك بقية دول الشرق الأوسط التي تمثل 21.7% ( 15 مصرف) ثم بعد ذلك افريقيا بنسبة 5.8 (4 مصارف) وبقية العالم بحوالي 2.9 % او مصرفين . هذا من حيث التوزيع الجغرافي ، اما من حيث الأصول فان نصيب الأسد من اصول هذه المصارف هو من دول مجلس التعاون التي كان نصيبها من اصول هذه المصارف لعام 2002 حوالي 77.7% ( حوالي 55.9 مليار دولار) تتبعها منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا بحوالي 13.5 % ( 9.7 ملياردولار) ثم دول الشرق الأوسط الأخرى بحوالي 8.6% (6.2 ملياردولار) . اما راس مال هذه المصارف فقد كان معدل نموه السنوي خلال الفترة 1990 -2002 حوالي 9.9 % ولقد حققت هذه المصارف كمجموعة معدلات جيده في ما يتعلق ببقية المؤشرات كاجمالي الودائع والأستثمارات والأصول والأيرادات والتي ليس هذا المجال هو للتفصيل فيها هنا [1].

    2. المرتكزات والأدوات

    ولكن مالذي يميز المصارف الأسلامية عن المصارف الحديثة التي تقوم على نظام الفائدة أو الربا ؟ وما مدى قربها او بعدها من النموذج الذي تطمح لتحقيقه ؟

    في البداية لابد من التأكيد بأن الوظيفة الأساسية للمصارف الأسلامية هي مشابهه لتلك في المصارف غير الأسلامية وتتمثل هذه الوظيفة في استلام المدخرات من اصحابها وتوجيهها الى استثمارات منتجة في الصناعة والتجارة والخدمات والزراعة وغيرها من النشاطات التي تساعد على تحقيق معدلات عالية للنمو الأقتصادي . غير ان قيام المصارف الأسلامية بهذه الوظيفة الرئيسية والأدوات التي تستخدمها والنتائج التي تتمخض عن هذه الأستثمارات خاصة في ما يتعلق بكفاءة استخدام الموارد وبعدالة توزيعها تختلف جذريا اذا ما قورنت بالمصارف الربوية .

    فالمصارف الأسلامية لاتتعامل بالربا

    تقوم المصارف الربوية بتقبل مدخرات الأفراد على اساس الفائدة الثابته التي يتعهد المصرف الربوي بموجبها باعادة المبلغ المودع مضافة اليه الفائدة (الربا) المتراكمة ومن ثم يقوم بتدوير هذه المدخرات الى المستثمرين ولكن بعائد اكبر من العائد الذي يدفعه للمودعين وهذا الفرق هو ما يكسبه المساهمون في المصرف كأرباح بعد اقتطاع المصاريف الأدارية . ويتضح من هذه الصيغة انه في ظل البنك الربوي يضمن كل من المودعين والمساهمين العائد السنوي من غير التعرض للمخاطر الأستثمارية التي تقع كلها على المستثمر الذي يتكفل باعادة القرض زائدا الفوائد سواء نجح مشروعه او خسر حتى ولو بذل كل جهده في تجنب الخسارة والا فان المصرف يقوم بالأستيلاء على الضمانات التي تركها المستثمر لدى المصرف مقابل حصوله على القرض. ولاشك ان تحميل المستثمرين كل المخاطرة الأستثمارية واعفاء المودعين والمساهمين منها لايساعد على استقرار النظام المالي لأنه يؤدي في كثير من الحالات الى فشل كثير من المشروعات ومن خلالها افلاس كثير من المصارف وهذا الأفلاس يؤدي بدوره الى انهيار كثير من هذه المصارف الأمر الذي يعود سلبا على المودعين كذلك وعلى الأقتصاد بأكمله . وبالتالي فان الأسلام يحرم هذا التعامل الربوي لأنه ظلم وذلك في قول الحق سبحانه وتعالى " ياايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا ان كنتم مؤمنين . فان لم تفعلوا فأاذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لاتظلمون ولاتظلمون . اما المصرف الأسلامي فانه يتلقى الودائع على اساس المضاربة وهي صيغة استثمارية وجدت عند العرب في الجاهلية ولكن نظرا لعدالتها فقد اقرها الأسلام وهي بأختصار كانت تعني اعطاء شخص ماله لشخص آخرليستثمره على اساس المشاركة في الربح والخسارة بنسبة محددة [2]. فاذا كان المبلغ المستثمر هو 100 دينار مثلا والنسبة المتفق عليها هي 50 -50 وانتهى الأستثماربربح قدر 10 دنانير فان راس المال يعود لصاحبه مضافة اليه 5 دنانير اي 50 % من الربح وياخذ المستثمربقية الربح (5 دنانير) مقابل عمله . اما اذا خسر المستثمر 20 دينار وبقي لديه 80 دينارفانه يعيدها الى صاحب راس المال الذي يتحمل كل خسارة رأس المال البالغة 20 دينار ويكون المستثمر قد خسر عمله خلال العام ولم يحصل على شيء . وفي الحالة الثالثة عندما تكون نتيجة الأستثمارهي لاربح ولاخسارة اي ان المستثمر يعيد ال 100 دينار الى صاحب المال وفي هذه الحالة تكون خسارة صاحب المال متمثله في عدم حصوله على عائد من الأستثمار بينما تكون خسارة المستثمر عمله الذي لم يتحقق منه عائد كذلك . هذه صيغة مبسط للمضاربة التي كانت تتم بين شخصين في الجاهلية واليوم تطبق في المصارف الأسلامية ويكون فيها ثلاث اطراف هم المودعون والمصرف والمستثمرون. فالمودعون يضعون ودائعهم الأستثمارية بكل انواعها على اساس المضاربه اي مشاركة المصرف الأسلامي في الربح والخسارة طبقا لنسبة محددة ويقوم المصرف الأسلامي بتدوير هذه الودائع الى المستثمرين مستخدما عدة ادوات اهمها المضاربة والمشاركة والأيجارة وبيع السلم والأستصناع والمرابحه وغيرها من الصيغ التي تتفق في نشرها للمخاطرة بين جميع الأطراف وان تفاوتت نسب المخاطرة من صيغة الى اخرى . وبما ان ادوات الأستثمار الأسلامي المذكوره اعلاه تتصف بتحميل جميع الأطراف جزء من المخاطرة الأستثمارية فانها بذلك تساعد على ايجاد نظاما ماليا مستقرا. فعندما يخسر بعض المستثمرون فان هذه الخساره يشارك في تحملها كل من المودعين والمساهمين مما يمنع من فشل المشروعات الأستثمارية كما ان هذه الصيغ تمنع من افلاس المصارف لأن تراجع الأصول في حالة خسائر المشروعات الأستثمارية يواكبه تراجع في الخصوم اي في قيمة الودائع والأرباح التي تتحقق للمودعين والمساهمين . وهذه الأدوات الأستثمارية ليست فقط اكثر عدالة واكثر مساهمة في استقرار النظام المالي كما ذكرنا وانما هي كذلك اكثر كفاءة في استغلال موارد المجتمع ، ذلك لأن المصارف الأسلامية تحرص على نجاح المشروعات لأنها تشترك في المخاطرة وبالتالي فانها تهتم بجدوى المشروع وربحيته بينما تكتفي المصارف الربوية بالحصول على الضمانات من مقترضيها لأن عائدها غير مرتبط بالمخاطرة .

    والمصارف الأسلامية تتجنب الغررالكثير (المراهنات /القمار)

    الغرر في اللغة يعني الخطر، وفي الاصطلاح الفقهي هو النشاط الذي تكون عاقبته مستورة أو غير معلومة[3]. وقد حرم الإسلام الغرر الكثير لأنه نوع من القمار أو الميسر الذي يحصل في التجارة مقارنة بالقمار الذي يعرفه الناس في المسابقات وبقية الألعاب كما يتضح من قول الحق سبحانه وتعالى )يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون([4] . ولكن هل يعني هذا إن الإسلام يحرَّم كل النشاطات التي تدخل فيها المخاطرة ؟ لو صح هذا القول لتغيرت الحياة كما نعرفها اليوم ولأصبحت حياة رتيبة ومملة، ولكن الإسلام كالعادة يضع القيود التي تحفظ الإنسان وتنمي قدراته وتجعل حياته في نمو دائم بدلاً من أن تكون في حالة فوضى دائمة. فأغلب النشاطات الاقتصادية التي يقوم بها الفرد فيها درجة من المخاطرة، وذلك لا بد لنا من التفرقة بين المخاطرة التي تعتبر جزءاً اساسيا من نسيج الحياة ولا بد منها لعمارة الأرض والتي أحلها الإسلام، وبين المخاطرة التي لا تعتبر ضرورية لقيام نشاط اقتصادي منتج، بل إنها تؤدي في أغلب الأحيان إلى انهيارات اقتصادية وهي المخاطرة التي ينهى عنها الأسلام وتصبح بالتالي مكروهة على اقل تقدير او محرمة بحسب درجة المفسدة الناتجة عنها .

    فالمُزارع والتاجر ومالك العقارات ومنتح السيارات وصائد الأسماك وغيرهم يقومون بنشاطاتهم الاقتصادية ويتحملون تكاليف الإنتاج وهم لا يعرفون السعر الذي سيبيعون به منتجاتهم، وما إذا كانوا سيحققون أرباحاً أم خسائر، وبالتالي فإنهم يأخذون مخاطرة ولكنها مخاطرة لا يمكن حسابها أو تقديرها بأي درجة من الدقة، ولا يمكن تجنبها، فمن غيرها لن تكون هناك تنمية ولا عمارة للأرض، وبالتالي فهي مخاطرة لا يحرمها الإسلام. وهناك نوع ثانٍ من أنواع المخاطرة وهي تلك التي يمكن تقديرها بشيء من الدقة باستخدام "مبدأ الأعدد الكبيرة" أو " قانون المتوسطات". فعلى سبيل المثال إذا كنتَ في التصدير والاستيراد فإنك تعلم بأن هناك احتمال أن تخسر شحنة بضاعة قمت باستيرادها من دولة أخرى إذا غرقت السفينة، أو إذا تمت مصادرتها في منطقة معارك أو إذا تلفت البضاعة خلال عملية النقل. وإذا كنتَ تقود سيارة فإنك تعلم كم هي مكلفة حوادث السير التي يمكن أن تحصل لك إذا لم تكن لديك بوليصة تأمين. وكذلك الحال فأنت تعلم كلفة إجراء عملية لمرض مفاجىء أو مرض مزمن لا قدر الله. هذا النوع الثاني من المخاطر يعرض الإنسان لتكاليف من غير عائد، وبالتالي فإن الفرد يحاول أن يحمي نفسه منها أو يقلل من آثارها السلبية من خلال صور التأمين المختلفة[5]. وعلى الرغم من اتفاق العلماء المسلمين على ضرورة التأمين ضد هذا النوع من المخاطر، إلا إنهم مختلفون على نوع التأمين، فمنهم من يعتقد أن التأمين التجاري الحالي كافياً، ومنهم من يعتقد أن التأمين الحالي لا بد أن يحل محله التأمين التعاوني الذي يخلوا من الربا والغرر الذي يشوب التأمين التجاري الحالي. ما يهمنا هنا هو أن هذا النوع الثاني من المخاطرة هو جزء من الحياة كذلك ولكنه قابل للحساب والتقدير وبالتالي لا بد من إيجاد صيغة لمعالجته وتقليل آثاره. أما النوع الثالث من أنواع المخاطرة والذي هو مجال تركيزنا هنا فهي المخاطرة التي لا تعتبر أساسية في التنمية ولا تضيف قيمة حقيقية إلى اقتصادنا، وإنما هي مخاطرة لذاتها والكسب لطرف فيها هو خسارة لطرف آخر، أي أن أخذ هذه المخاطرة لا ينشىء ثروة إضافية بل إنه يعيد توزيع الثروة الموجودة من الأكثرية إلى الأقلية الأكثر إطلاعاً على البيانات والمعلومات أو الأكثر تلاعبا بالقوانين كما تؤكد بذلك بيانات المضاربات في أسواق المال والعملة الأجنبية. هذا النوع من المخاطرة هو الذي يمكن اعتباره ، في راي هذا الباحث، نوعاً من القمار أو الميسر الذي يعود على المجتمع بتكاليف مالية واجتماعية باهضة . وهذا النوع من المخاطرة هو النوع الذي يسيطر للأسف على أسواق المال والعملات الأجنبية في وقتنا الحاضر، وقد كان سبباً رئيسياً في انهيارات أسواق المال في كل من شرق آسيا والمكسيك وبقية دول العالم في الثلاثين سنة الأخيرة[6].

    فهذه الصور المستحدثة من القمار وبعض آثارها المدمرة للاقتصاديات المعاصرة، هي تأكيد آخر على عدالة المنهج الإسلامي وعلى أبدية ثوابته وصدق الحق سبحانه وتعالى في قوله تعالى )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد([7]. كما وأن هذه الفوضى التي تحصل اليوم في أسواق المال هي التي حدت بكثير من المفكرين والمستثمرين إلى البحث عن صيغ استثمارية جديدة وبعيدة عن حمى أسواق المال وكوارثها، بل وأن هناك من أصبح يطالب بإعادة هيكلة أسواق المال الحالية، أو تغيير الـ DNA كما يقول أحد مؤسسي الشركات الاستثمارية الأمريكية الجديدة[8].

    والمصارف الأسلامية لاتتعامل بالمحرمات أو ما يؤدي اليها

    المصرف الأسلامي يسعى للكسب الحلال واستثمار اموال مودعيه من اجل الربح ولكن بثوابت اخلاقيه اي انه لايقوم بتمويل المشروعات التي تنتج سلعا او خدمات ضارة بالفرد او المجتمع كمصانع الخمور او ملاهي القمار او أفلام الجريمة والرذيلة أو المشروعات التي تلوث البيئة والمخدرات وغيرها من المحرمات [9]. وهنا مرة اخرى نرى كيف ان المجتمعات الغربية انغمست في توجيه مواردها في الغث والسمين من غير تمييز وها هي الآن تفيق على الآفات الأجتماعية والأقتصادية التي تمخضت عن هذا النوع من الأستثمارات واذا بنا نسمع في السنوات الأخيرة أصواتاً تنادي بالعودة إلى ما يسمى بالاستثمارات "الأخلاقية"، أي الاستثمارات التي تبتعد عن السلع والخدمات الضارة كالأسلحة الذرية وتلويث البيئة والتجارة في الجنس والسيجارة والمشاريع غير المنتجة، واستبدالها بمشاريع نافعة وذات عائد اجتماعي. وتشير البيانات المتوافرة إلى أن حجم هذه الاستثمارات " الأخلاقية" ارتفع من 40 مليار عام 1984 إلى أكثر من 2 تريليون عام 2001 وهذا مؤشر على تزايد أهمية هذا النمط من الاستثمارات[10] ومرة اخرى تتأكد عظمة هذا المنهج الرباني الذي حبانا الله به .

    والمصرف الأسلامي لايتجنب المحرمات فقط وانها يتجنب كذلك ما يؤدي الى هذه المحرمات سدا للذرائع وتأكيدا على الحلال وحفاظا على نعم الله . فمالك العقار من حقه ان يؤجر عقاره وان يكسب منه عائدا كان يؤجره سكنا عائليا او مقرا لجمعية تعاونية او يؤجره لمصرفا اسلاميا او مزرعة او مصنعا للنسيج او غيره من الأستخدامات الشرعية ولكنه لايمكن ان يؤجره لمصنعا للخمور او مصرفا ربويا او ملهى ليلي او ما شابهها من نشاطات محرمة شرعا وهكذا دواليك .

    3. العقبات والتحديات

    ولكن ما مدى قرب المصارف الأسلامية في الممارسة اليومية من المرتكزات والأدوات التي تحدثنا عنها في الجزء السابق ؟ ان اجابتنا على هذا التساؤل هي لاتتعدى الخواطر السريعة التي نقصد بها كالعادة تفتيح الآفاق حول هذا الموضوع . الحقيقة المره التي لابد من الأعتراف بها هي ان هناك فجوة كبيرة بين المباديء التي تعتمدها هذه المصارف وممارساتها الفعلية مما جعل اداؤها دون المتوقع بكثير سواء في ما يتعلق بتنمية العالم الأسلامي او بعلاج الفقر او بأظهار افضلية النموذج الأسلامي على النموذج الربوي او حتى في ما يتعلق بنمو فقه المعاملات . ولكن لماذا ياترى ؟

    لقد ذكرنا سابقا ان أهم ما يميز المصارف الأسلامية عن المصارف الربويةهو انها تشارك المستثمرين في الربح والخسارة اي انها لاتترك مخاطرة الأستثمارات تقع على المستثمرين وحدهم وقد ذكرنا كذلك ان ادوات الأستثمار التي تنطبق مع الشريعه هي متنوعة ومختلفة في درجة المخاطرة فيها ومن اهم هذه الأدوات المضاربة التي تحدثنا عنها سابقا والمشاركة التي يشارك فيها المصرف المستثمر ليس فقط في التمويل وانما كذلك في الأدارة وبالتالي فان العمود الفقري لأستثمارات المصرف الأسلامي هي المضاربة والمشاركة نظرا لما لهاتين الصيغتين من اثر على قيام مشروعات متنوعة وكبيرة ومؤدية الى التنمية . ولكننا لو تأملنا نصيب كل من المشاركة والمضاربة في استثمارات هذه المصارف فاننا سنجد انها منخفضة جدا مقارنة بالمرابحة . فعلى سبيل المثال تشير البيانات المتوفرة عن 10 من هذه المصارف ان متوسط نصيب كل من المضاربة والمشاركة خلال الفترة 1994-1996 هو 7% و 7% على التوالي بينما كان متوسط نصيب المرابحة من تمويل هذه المصارف هو 70% وبقية التمويل كان مقسما بين الأجارة (5%) وبقية الصيغ الأستثمارية (11%) . هذه ألأرقام تشير الى ان الجزء الأكبر من موارد المصارف يستثمر في المرابحه وهي وان كانت صيغة مقبولة شرعا عند اكثر العلماء الا انها صيغة لايتحمل بموجبها المصرف الأسلامي مخاطرة خاصة كما تطبق الآن في كثير من هذه المصارف مما يجعلها اقرب الى القرض الربوي . كما وان المرابحة ليست من وسائل الأستثمارالتي يمكن استخدامها في المشروعات الصناعية والزراعية وغيرها من المشروعات المنتجة التي تولد وظائف وتنوع الهيياكل الأنتاجية وبذلك تساهم في التنمية الفعلية وانما هي صيغة متاجرة كشراء السيارات وغيرها من السلع والخدمات . هذا الأحجام عن المشروعات ذات الربح والخسارة اي المضاربة والمشاركة له اسباب تتعلق بالمصارف وبالبيئة المحيطة بهذه المصارف . فالدخول في مشروعات صناعية وخدمية وزراعية على اساس الربح والخسارة يتطلب اعتماد هذه المصارف طاقات بشرية ذات مهارات عالية في دراسات الجدوى وفي القدرة على التمييز بين المشروعات من حيث ربحيتها ومخاطرتها واحتمالات نجاحها وفشلها وهذ المهارات ليس من السهل الحصول عليها خاصة في ظل اللوائح الحالية لأغلب المصارف الأسلامية التي لاتوفر الرواتب الكافية لكذا طاقات . ولكن هناك وجه آخر لأبتعاد المصارف الأسلامية عن الدخول في الشروعات الأستثمارية على اساس الربح والخسارة الا وهو انخفاض مستو ى القيم التي تحكم تصرفات المستثمرين . فالمصرف الأسلامي اذا اراد ان يمول استثمارات على اساس الربح والخسارة فانه لابد له من الأطلاع على حسابات الشركات التي يقوم بتمويلها لمتابعة اداء هذه الشركات ومعرفة ارباحها وخسائرها وطرق استثممارها غير ان واقع الشركات اليوم لايساعد على هذا نظرا لضعف الأمانة وتفشي الفساد . فكثير من هذه الشركات تحتفظ بأكثر من حساب اما لأظهار الخسارة حتى تتجنب الضرائب او لعدم رغبتها على اطلاع الآخرين على اداء هذه المؤسسات مما يجعل مهمة المصرف الأسلامي اكثر صعوبة ولاشك ان هذه المشكلة لاحل لها الا بتحلي مدراء المؤسسات بقيم عالية ذلك بالأضافة الى توفير البيانات والشفافية في اتخاذ القرارات على كل مستوى . هذا الأنخفاض في مستوى القيم في المجتمعات المعاصرة الأسلامية وغير الأسلامية يجعل المصارف الأسلامية تكون اقرب الى المصارف الربوية التي لاتقوم على المشاركة في الربح والخسارة وتغطي نفسها عادة بكثير من الضمانات التي تحصل عليها مقابل تقديمها للقروض الربوبة . هذا الأمر يجعل تطبيقات المصارف الأسلامية مشوهة حتى في صيغ الأستثمار غير الرئيسية كالمرابحة والأجارة . فالأصل في المرابحه ان المتعامل يحدد مواصفات السلعة ويتفق مع المصرف على السعرزائدا الربح وتاريخ التسديد وبعد ذلك يقوم المصرف بشراء السلعة اي انه يتملكها ومن ثم يقوم ببيعها على المتعامل ويكون مسؤولا عن اي عيب جوهري فيها لم يكن معلوما عند البيع وبالتالي فالمصرف يتعرض لمخاطرة ولايببع نقدا كما هو الحال في المصرف الربوي .بالأضافة الى ذلك لايحق للمصرف الأسلامي ان يزيد في ارباحه المحددة مسبقا في حالة تأخر المتعامل عن التسديد بينما يقوم المصرف الربوي بمضاعفة الفائده . اذن هذه هي المرابحة كما طرحها علماء الأمة مع اختلافات جزئية حول الزام او عدم الزام المتعامل بوعده للمصرف بشراء السلعة التي طلبها . غير ان الممارسة الفعلية في كثير من المصارف الأسلامية اليوم هي بعيدة عن النموذج المتوقع . فهذه المصارف تحاول تقليل المخاطرة حتى ان بعض لايتسلم السلعة وانما يقوم المتعامل باستلامها من التاجر مباشرة وهذا يعني ان الخاطرة التي تبرر ربح المصرف تتضاءل الى درجة انها تكاد تكون معدومة . اما في ما يتعلق بالتعامل مع تأخر المشتري عن تسديد قيمة السلعة فقد اقترح بعض العلماء ان تكون هناك غرامة ولكنها لاتذهب الى المصرف وانما توجه للعمل الخيري ولكن هناك من يعتقد ان بعض المصارف الأسلامية تدخل هذه الغرامة مسبقا في تحديد سعر السلعة حتى تحصل على تعويض عن تأخر الدفعة . هذه الممارسات تكاد ان تحول المرابحه الى قرض بفائده . اما الأجارة فهي صيغة اخرى من صيغ الأستثمار المستخدمة بكثرة من قبل الصارف الأسلامية والصيغة الشرعية لهذه الأداة الأستثمارية تتمثل في قيام المصرف الأسلامي بتأجير اصل انتاجي (شاحنة ، مطبعة ، ماكينة خياطة ، طائرة ، الخ ..) للمتعامل مع المصرف لفترة زمنية محددة بأيجار ثابت وبأمكان المتعامل شراء الأصل المستأجر مع نهاية مدة العقد ولكن بعقد منفصل يتم توقيعه عند الرغبة في الشراء . فبقاء هذا الأصل في ملكية المصرف يعني انه اذا تعرض هذا الأصل لأي تلف يكون المصرف مسؤولا عنه وهذا يعرضه للمخاطره غيران كثير من هذه المصارف تسعى لتقليل هذه المخاطرة من خلال تحميل المتعامل تكاليف تأمين الأصل المستأجر ذلك بالأضافة الى الأحتفاظ بضمانات او رهن بعض ممتلكات المستأجر وهذا يقلل من الخاطرة التي يتعرض لها المصرف ومرة اخرى يجعل في هذه الصيغة شبهة الربا .

    ولكن العقبات التي تعترض طريق المصارف الأسلامية لاتتوقف عند افراط هذه المصارف في استخدمام صيغ استثمارية ليست هي الأهم في الأدوات الأستثمارية الأسلامية واستخدامها بصور مبتورة بل ان هذه المصارف تعاني من اشكاليات اخرى لاتقل اهمية في تحديد درجة تطور هذه المصارف في السنوات القادمة .

    فهيئات الرقابة الشرعية التي يفترض فيها الأطلاع على مدى انسجام المعاملات اليومية للمصرف الأسلامي مع الثوابت الشرعية لازال دورها هامشي . فعلى الرغم من اخلاص وتقوى الكثيرين من اعضاء هذه الهيئات الرقابية الا أن قدرتهم على الزام مجالس الأدارة بقراراتهم وانزال هذه القرارات الى كافة الأقسام والفروع لازالت محدودة وذلك لأن كثير من اعضاء مجالس الأدارة والعاملين في هذه المصارف ليست لديهم المعارف الأساسية في فقه المعاملات او حتى في التحليل الأقتصادي المتعلق بعمل المصارف في اطار الضوابط الشرعية ، كما وان كثير من اعضاء هذه الهيئات الشرعية غير ملما بتفاصيل المعاملات المالية المعاصره كاسواق المال واسواق الصرف والمؤشرات بانواعها وادوات الأستثمار باشكالها مما يجعل قدرة هؤلاء الأعضاء في تأصيل السلوكيات الشرعية في عمل المصارف اليومي امر ليس سهلا وان كان ليس مستحيلا كذلك اذا وجدت الأرادة لدى مجالس ادارات هذه المصارف .

    ومن المعوقات الأخرى التي تعترض تقدم المصارف الأسلامية القوانين المصرفية السائده في الدول الأسلامية وغيرها وهي قوانين مؤسسة على التعامل الربوي اخذا وعطاء وبالتالي فان اغلب المصارف الأسلامية اليوم تعمل في ظل قوانين استثنائية مما يجعل تفاعلها مع النظام المصرفي والأقتصاد ككل كتفاعل ابناء المجتمع الذي تحكمه احكام الطواريء مع حكومتهم ومع بعضهم البعض. فعلى سبيل المثال عندما تصدر المصارف المركزية سندات استثمارية تستخدمها في التحكم بالسيولة الأقتصادية فان المصارف الأسلامية لايكون لها دور في بيع اوشراء هذه السندات لأنها ذات عائد ثابت اي ربوي . واذا اراد المصرف الأسلامي ان يقترض من المصرف المركزي عند الحاجة فانه لايستطيع لأن المصرف المركزي تقوم قروضه على ما يعرف بسعر الخصم وهو معدل الفائده الذي تدفعه المصارف الحديثه للأقتراض من المصرف المركزي . وكذلك الحال بالنسبة لنسبة الأحتياطي اي ما يحتفظ به المصرف التجاري من قيمة الودائع اما في خزينته او لدى المصرف الأمركزي كضمان ، فبينما تحصل المصارف الربوية على فوائد من هذه الأحتياطيات لدى المصرف المركزي فان هذه الأحتياطيات تمثل اموالا مجمدة وغير ذات عائد بالنسبة للمصرف الأسلامي الذي لايتعامل بالفائدة . هذه وغيرها من العقبات القانونية تحد من اداء المصارف الأسلامية حتى ولو وجدت استثناءات هنا وهناك لأن الحل العملي هو ان يكون النظام المصرفي منسجما مع ثوابت الشريعة الأسلامية والا فان اداء المصارف الأسلامية سيظل دون المستوى الأمثل بكثير .

    وهناك كذلك تباطؤ في حركة الأجتهاد من قبل المجامع الفقهية اما لأعتبارات سياسية او لعمق الفجوة بين من هو متمكن في العلوم المعاصرة ولكنه يفتقر الى الحد الأدنى من الثقافة الشرعية التي تحفظه من الشطط والخروج على ثوابت الشرع وبين علماء الشرع الذين ابتعدوا عن الحياة المعاصرة واكتفوا بالفقه المتراكم في الوقت الذي بقي المامهم بكثير من العلوم المعاصرة وبتفاصيلها محدودا مما جعلهم اقل قدرة او اذا شئت أكثر حذرا في اصدارالفتاوى اللازمة لأستيعاب هذه المستجدات لأن القاعدة الشرعية هي ان الحكم على الشيء جزء من تصوره وبما ان كثير من هؤلاء العلماء غير ملمين الماما تفصيليا بالمستجدات في الأقتصاد والمال وبفية العلوم فان كثير منهم ياخذ بالحيطة الزائدة التي وان كنا نقدرها الا انها قد تساعد على تباطؤ حركة الأحياء الأسلامي على كل صعيد بل والأخطرمن ذلك أنها قد تفتح الباب على مصراعية لمن لايملك ادوات الأجتهاك وهذا ما لانتمنى حدوثه .

    كذلك لابد من التذكير بان المودعين في هذه المصارف يتعرضون للمخاطره حالهم حال المساهمين وبالتالي فلا بد ان يكون لهم صوت في الجمعيات العمومية لهذه المصارف غير ان الواقع هو غير ذلك لأن المودعين يعاملون كالمودعين في المصارف الربوية الذين لاتتعرض اموالهم لأي مخاطرة ومن ثم فهم ليس لهم صوت في ادارة المصرف .

    وهناك كثير من العقبات التي تعترض طريق هذه المصارف التي لايتسع المجال هنا للتفصيل فيها منها ضعف تعاون هذه المصارف مع بعضها البعض خاصة في مايتعلق بالتعامل مع النقص او الفائض في السيولة وفي قيام المشروعات المشتركة وفي التفاوض مع الحكومات والموقف السلبي من قبل الحكومات الأسلامية من هذه المصارف خاصة دولا كالسعودية ومصر والمغرب وهي دولا اقليمية كبرى تحتاج للنظر بجدية في تأييد هذه المصارف والدفع بها الى الأمام نظرا لما يمكن ان تحققه هذه المصارف من دور تنموي فعال في المنطقة العربية والأسلامية .

    4. نظرة مستقبلية

    ان المصارف الأسلامية هي مؤسسات يعتمد ازدهارها على مستوى تشبع المجتمعات التي تعمل فيها بالقيم الأسلامية وقد بينا سابقا ان كون هذه المصارف تقوم على المشاركة في الربح والخسارة هو ما يحعلها اكثر عدلا من المصارف الربوية ولكن نفس هذا الشرط يجعلها اقل نجاحا اليوم نظرا لما تعانيه الأمة من ضعف في القيم على كل مستوى . فكما ذكرنا اذا كان المصرف يقدم قروضه على اساس المشاركة في الربح والخسارة فان ذلك يتطلب توفر حد ادنى من الثقة في ان مقترض الأموال سيكون صادقا وشفافا في سجلاته المتعلقة بأداء مؤسسته ولن يتحايل ويظهلرللمصرف حسابات مزوره تشير الى خسارته بينما هو يحقق ارباحا كل ذلك لتنجنب اعطاء المصرف نصيبه من الأرباح . غير ان هذا المستوى من الأمانة نادرا في هذا الزمن مما يفسر عدم اعتماد المصارف الأسلامية في الوقت الحاضر على مشروعات استثمارية مرتكزة على المشاركة في الربح والخسارة واستبدالها بمشروعات اغلبها مرابحات واجارة مما يجعل دورها التنموي دون اماكانياتها بكثير . لذلك فاننا نعتقد ان دور المصارف الأسلامية سيتوسع ويتعمق كلما كانت البيئة المؤسسية الأخرى كالأسرة والأعلام والتربية والقوانين المصرفية ووعي العاملين في المصارف والمتعاملين معها مدعما للمنظومة القيمية الأسلامية التي تجعل الفرد والمؤسسة يعملان على اساس الثقة والعدل لأن المنهج الذي ترتكز عليه هذه المصارف هو منهج رباني يزرع الر قابة الداخلية كأصل في سلوك الأنسان وكم هي اخفاقات الدول المعاصرة الناتجة عن غياب هذا النوع من الرقابة الداخلية نظرا لمحدودية تأثير الرقابة الخارجية في عالم اليوم .​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-04-27
  3. (شمردل)

    (شمردل) قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2007-01-10
    المشاركات:
    9,005
    الإعجاب :
    0
    المصارف الإسلامية بين الواقع والطموح

    1. النشأة والتطور

    على الرغم من بعض التجارب البسيطة حول التمويل والأستثمار على اسس اسلامية التي بدأت في مصر وماليزيا في فترة الستينيات ، الا ان تجربة بنك دبي الأسلامي التي بادر بها الشيخ سعيد لوتاه وبتأييد ودعم من الحاكم السابق لأمارة دبي الشيخ راشد بن سعيد المكتوم رحمة الله تعتبر اول تجربة لمصرف اسلامي معاصر وتبعتها بقية المصارف والمؤسسات المالية الأخرى وتشير البيانات المتوفرة الى ان عدد المصارف الحالية يزيد على 70 مصرف في العالم تعمل اما في ظل نظام يفترض فيه ان يكون كله اسلامي كما هو معلن في دول كالسودان وباكستان وايران او في دول صدرت فيها قوانين استثنائية لهذه المصارف مع بقاء القوانين المصرفية الربوية كأصل كما هو الحال في الأمارات والكويت وماليزيا وغيرها من الدول التي تاسست فيها مصارف اسلامية وان كانت الممارسات الفعلية لكلا الصيغتين لاتختلف كثيرا نظرا لعمق تغلغل النظام الأقتصادي الربوي في هذه الدول لأسباب ليس هذا هو المجال لطرقها .

    وتشير بيانات عام 2002 الى ان 37.7 من هذه المصارف ( اي حوالي 26 مصرف) موجود في دول مجلس التعاون الخليجي تتبعها منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا التي فيها حوالي 31.9 % ( 22 مصرف) ثم تأتي بعد ذلك بقية دول الشرق الأوسط التي تمثل 21.7% ( 15 مصرف) ثم بعد ذلك افريقيا بنسبة 5.8 (4 مصارف) وبقية العالم بحوالي 2.9 % او مصرفين . هذا من حيث التوزيع الجغرافي ، اما من حيث الأصول فان نصيب الأسد من اصول هذه المصارف هو من دول مجلس التعاون التي كان نصيبها من اصول هذه المصارف لعام 2002 حوالي 77.7% ( حوالي 55.9 مليار دولار) تتبعها منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا بحوالي 13.5 % ( 9.7 ملياردولار) ثم دول الشرق الأوسط الأخرى بحوالي 8.6% (6.2 ملياردولار) . اما راس مال هذه المصارف فقد كان معدل نموه السنوي خلال الفترة 1990 -2002 حوالي 9.9 % ولقد حققت هذه المصارف كمجموعة معدلات جيده في ما يتعلق ببقية المؤشرات كاجمالي الودائع والأستثمارات والأصول والأيرادات والتي ليس هذا المجال هو للتفصيل فيها هنا [1].

    2. المرتكزات والأدوات

    ولكن مالذي يميز المصارف الأسلامية عن المصارف الحديثة التي تقوم على نظام الفائدة أو الربا ؟ وما مدى قربها او بعدها من النموذج الذي تطمح لتحقيقه ؟

    في البداية لابد من التأكيد بأن الوظيفة الأساسية للمصارف الأسلامية هي مشابهه لتلك في المصارف غير الأسلامية وتتمثل هذه الوظيفة في استلام المدخرات من اصحابها وتوجيهها الى استثمارات منتجة في الصناعة والتجارة والخدمات والزراعة وغيرها من النشاطات التي تساعد على تحقيق معدلات عالية للنمو الأقتصادي . غير ان قيام المصارف الأسلامية بهذه الوظيفة الرئيسية والأدوات التي تستخدمها والنتائج التي تتمخض عن هذه الأستثمارات خاصة في ما يتعلق بكفاءة استخدام الموارد وبعدالة توزيعها تختلف جذريا اذا ما قورنت بالمصارف الربوية .

    فالمصارف الأسلامية لاتتعامل بالربا

    تقوم المصارف الربوية بتقبل مدخرات الأفراد على اساس الفائدة الثابته التي يتعهد المصرف الربوي بموجبها باعادة المبلغ المودع مضافة اليه الفائدة (الربا) المتراكمة ومن ثم يقوم بتدوير هذه المدخرات الى المستثمرين ولكن بعائد اكبر من العائد الذي يدفعه للمودعين وهذا الفرق هو ما يكسبه المساهمون في المصرف كأرباح بعد اقتطاع المصاريف الأدارية . ويتضح من هذه الصيغة انه في ظل البنك الربوي يضمن كل من المودعين والمساهمين العائد السنوي من غير التعرض للمخاطر الأستثمارية التي تقع كلها على المستثمر الذي يتكفل باعادة القرض زائدا الفوائد سواء نجح مشروعه او خسر حتى ولو بذل كل جهده في تجنب الخسارة والا فان المصرف يقوم بالأستيلاء على الضمانات التي تركها المستثمر لدى المصرف مقابل حصوله على القرض. ولاشك ان تحميل المستثمرين كل المخاطرة الأستثمارية واعفاء المودعين والمساهمين منها لايساعد على استقرار النظام المالي لأنه يؤدي في كثير من الحالات الى فشل كثير من المشروعات ومن خلالها افلاس كثير من المصارف وهذا الأفلاس يؤدي بدوره الى انهيار كثير من هذه المصارف الأمر الذي يعود سلبا على المودعين كذلك وعلى الأقتصاد بأكمله . وبالتالي فان الأسلام يحرم هذا التعامل الربوي لأنه ظلم وذلك في قول الحق سبحانه وتعالى " ياايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا ان كنتم مؤمنين . فان لم تفعلوا فأاذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لاتظلمون ولاتظلمون . اما المصرف الأسلامي فانه يتلقى الودائع على اساس المضاربة وهي صيغة استثمارية وجدت عند العرب في الجاهلية ولكن نظرا لعدالتها فقد اقرها الأسلام وهي بأختصار كانت تعني اعطاء شخص ماله لشخص آخرليستثمره على اساس المشاركة في الربح والخسارة بنسبة محددة [2]. فاذا كان المبلغ المستثمر هو 100 دينار مثلا والنسبة المتفق عليها هي 50 -50 وانتهى الأستثماربربح قدر 10 دنانير فان راس المال يعود لصاحبه مضافة اليه 5 دنانير اي 50 % من الربح وياخذ المستثمربقية الربح (5 دنانير) مقابل عمله . اما اذا خسر المستثمر 20 دينار وبقي لديه 80 دينارفانه يعيدها الى صاحب راس المال الذي يتحمل كل خسارة رأس المال البالغة 20 دينار ويكون المستثمر قد خسر عمله خلال العام ولم يحصل على شيء . وفي الحالة الثالثة عندما تكون نتيجة الأستثمارهي لاربح ولاخسارة اي ان المستثمر يعيد ال 100 دينار الى صاحب المال وفي هذه الحالة تكون خسارة صاحب المال متمثله في عدم حصوله على عائد من الأستثمار بينما تكون خسارة المستثمر عمله الذي لم يتحقق منه عائد كذلك . هذه صيغة مبسط للمضاربة التي كانت تتم بين شخصين في الجاهلية واليوم تطبق في المصارف الأسلامية ويكون فيها ثلاث اطراف هم المودعون والمصرف والمستثمرون. فالمودعون يضعون ودائعهم الأستثمارية بكل انواعها على اساس المضاربه اي مشاركة المصرف الأسلامي في الربح والخسارة طبقا لنسبة محددة ويقوم المصرف الأسلامي بتدوير هذه الودائع الى المستثمرين مستخدما عدة ادوات اهمها المضاربة والمشاركة والأيجارة وبيع السلم والأستصناع والمرابحه وغيرها من الصيغ التي تتفق في نشرها للمخاطرة بين جميع الأطراف وان تفاوتت نسب المخاطرة من صيغة الى اخرى . وبما ان ادوات الأستثمار الأسلامي المذكوره اعلاه تتصف بتحميل جميع الأطراف جزء من المخاطرة الأستثمارية فانها بذلك تساعد على ايجاد نظاما ماليا مستقرا. فعندما يخسر بعض المستثمرون فان هذه الخساره يشارك في تحملها كل من المودعين والمساهمين مما يمنع من فشل المشروعات الأستثمارية كما ان هذه الصيغ تمنع من افلاس المصارف لأن تراجع الأصول في حالة خسائر المشروعات الأستثمارية يواكبه تراجع في الخصوم اي في قيمة الودائع والأرباح التي تتحقق للمودعين والمساهمين . وهذه الأدوات الأستثمارية ليست فقط اكثر عدالة واكثر مساهمة في استقرار النظام المالي كما ذكرنا وانما هي كذلك اكثر كفاءة في استغلال موارد المجتمع ، ذلك لأن المصارف الأسلامية تحرص على نجاح المشروعات لأنها تشترك في المخاطرة وبالتالي فانها تهتم بجدوى المشروع وربحيته بينما تكتفي المصارف الربوية بالحصول على الضمانات من مقترضيها لأن عائدها غير مرتبط بالمخاطرة .

    والمصارف الأسلامية تتجنب الغررالكثير (المراهنات /القمار)

    الغرر في اللغة يعني الخطر، وفي الاصطلاح الفقهي هو النشاط الذي تكون عاقبته مستورة أو غير معلومة[3]. وقد حرم الإسلام الغرر الكثير لأنه نوع من القمار أو الميسر الذي يحصل في التجارة مقارنة بالقمار الذي يعرفه الناس في المسابقات وبقية الألعاب كما يتضح من قول الحق سبحانه وتعالى )يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون([4] . ولكن هل يعني هذا إن الإسلام يحرَّم كل النشاطات التي تدخل فيها المخاطرة ؟ لو صح هذا القول لتغيرت الحياة كما نعرفها اليوم ولأصبحت حياة رتيبة ومملة، ولكن الإسلام كالعادة يضع القيود التي تحفظ الإنسان وتنمي قدراته وتجعل حياته في نمو دائم بدلاً من أن تكون في حالة فوضى دائمة. فأغلب النشاطات الاقتصادية التي يقوم بها الفرد فيها درجة من المخاطرة، وذلك لا بد لنا من التفرقة بين المخاطرة التي تعتبر جزءاً اساسيا من نسيج الحياة ولا بد منها لعمارة الأرض والتي أحلها الإسلام، وبين المخاطرة التي لا تعتبر ضرورية لقيام نشاط اقتصادي منتج، بل إنها تؤدي في أغلب الأحيان إلى انهيارات اقتصادية وهي المخاطرة التي ينهى عنها الأسلام وتصبح بالتالي مكروهة على اقل تقدير او محرمة بحسب درجة المفسدة الناتجة عنها .

    فالمُزارع والتاجر ومالك العقارات ومنتح السيارات وصائد الأسماك وغيرهم يقومون بنشاطاتهم الاقتصادية ويتحملون تكاليف الإنتاج وهم لا يعرفون السعر الذي سيبيعون به منتجاتهم، وما إذا كانوا سيحققون أرباحاً أم خسائر، وبالتالي فإنهم يأخذون مخاطرة ولكنها مخاطرة لا يمكن حسابها أو تقديرها بأي درجة من الدقة، ولا يمكن تجنبها، فمن غيرها لن تكون هناك تنمية ولا عمارة للأرض، وبالتالي فهي مخاطرة لا يحرمها الإسلام. وهناك نوع ثانٍ من أنواع المخاطرة وهي تلك التي يمكن تقديرها بشيء من الدقة باستخدام "مبدأ الأعدد الكبيرة" أو " قانون المتوسطات". فعلى سبيل المثال إذا كنتَ في التصدير والاستيراد فإنك تعلم بأن هناك احتمال أن تخسر شحنة بضاعة قمت باستيرادها من دولة أخرى إذا غرقت السفينة، أو إذا تمت مصادرتها في منطقة معارك أو إذا تلفت البضاعة خلال عملية النقل. وإذا كنتَ تقود سيارة فإنك تعلم كم هي مكلفة حوادث السير التي يمكن أن تحصل لك إذا لم تكن لديك بوليصة تأمين. وكذلك الحال فأنت تعلم كلفة إجراء عملية لمرض مفاجىء أو مرض مزمن لا قدر الله. هذا النوع الثاني من المخاطر يعرض الإنسان لتكاليف من غير عائد، وبالتالي فإن الفرد يحاول أن يحمي نفسه منها أو يقلل من آثارها السلبية من خلال صور التأمين المختلفة[5]. وعلى الرغم من اتفاق العلماء المسلمين على ضرورة التأمين ضد هذا النوع من المخاطر، إلا إنهم مختلفون على نوع التأمين، فمنهم من يعتقد أن التأمين التجاري الحالي كافياً، ومنهم من يعتقد أن التأمين الحالي لا بد أن يحل محله التأمين التعاوني الذي يخلوا من الربا والغرر الذي يشوب التأمين التجاري الحالي. ما يهمنا هنا هو أن هذا النوع الثاني من المخاطرة هو جزء من الحياة كذلك ولكنه قابل للحساب والتقدير وبالتالي لا بد من إيجاد صيغة لمعالجته وتقليل آثاره. أما النوع الثالث من أنواع المخاطرة والذي هو مجال تركيزنا هنا فهي المخاطرة التي لا تعتبر أساسية في التنمية ولا تضيف قيمة حقيقية إلى اقتصادنا، وإنما هي مخاطرة لذاتها والكسب لطرف فيها هو خسارة لطرف آخر، أي أن أخذ هذه المخاطرة لا ينشىء ثروة إضافية بل إنه يعيد توزيع الثروة الموجودة من الأكثرية إلى الأقلية الأكثر إطلاعاً على البيانات والمعلومات أو الأكثر تلاعبا بالقوانين كما تؤكد بذلك بيانات المضاربات في أسواق المال والعملة الأجنبية. هذا النوع من المخاطرة هو الذي يمكن اعتباره ، في راي هذا الباحث، نوعاً من القمار أو الميسر الذي يعود على المجتمع بتكاليف مالية واجتماعية باهضة . وهذا النوع من المخاطرة هو النوع الذي يسيطر للأسف على أسواق المال والعملات الأجنبية في وقتنا الحاضر، وقد كان سبباً رئيسياً في انهيارات أسواق المال في كل من شرق آسيا والمكسيك وبقية دول العالم في الثلاثين سنة الأخيرة[6].

    فهذه الصور المستحدثة من القمار وبعض آثارها المدمرة للاقتصاديات المعاصرة، هي تأكيد آخر على عدالة المنهج الإسلامي وعلى أبدية ثوابته وصدق الحق سبحانه وتعالى في قوله تعالى )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد([7]. كما وأن هذه الفوضى التي تحصل اليوم في أسواق المال هي التي حدت بكثير من المفكرين والمستثمرين إلى البحث عن صيغ استثمارية جديدة وبعيدة عن حمى أسواق المال وكوارثها، بل وأن هناك من أصبح يطالب بإعادة هيكلة أسواق المال الحالية، أو تغيير الـ DNA كما يقول أحد مؤسسي الشركات الاستثمارية الأمريكية الجديدة[8].

    والمصارف الأسلامية لاتتعامل بالمحرمات أو ما يؤدي اليها

    المصرف الأسلامي يسعى للكسب الحلال واستثمار اموال مودعيه من اجل الربح ولكن بثوابت اخلاقيه اي انه لايقوم بتمويل المشروعات التي تنتج سلعا او خدمات ضارة بالفرد او المجتمع كمصانع الخمور او ملاهي القمار او أفلام الجريمة والرذيلة أو المشروعات التي تلوث البيئة والمخدرات وغيرها من المحرمات [9]. وهنا مرة اخرى نرى كيف ان المجتمعات الغربية انغمست في توجيه مواردها في الغث والسمين من غير تمييز وها هي الآن تفيق على الآفات الأجتماعية والأقتصادية التي تمخضت عن هذا النوع من الأستثمارات واذا بنا نسمع في السنوات الأخيرة أصواتاً تنادي بالعودة إلى ما يسمى بالاستثمارات "الأخلاقية"، أي الاستثمارات التي تبتعد عن السلع والخدمات الضارة كالأسلحة الذرية وتلويث البيئة والتجارة في الجنس والسيجارة والمشاريع غير المنتجة، واستبدالها بمشاريع نافعة وذات عائد اجتماعي. وتشير البيانات المتوافرة إلى أن حجم هذه الاستثمارات " الأخلاقية" ارتفع من 40 مليار عام 1984 إلى أكثر من 2 تريليون عام 2001 وهذا مؤشر على تزايد أهمية هذا النمط من الاستثمارات[10] ومرة اخرى تتأكد عظمة هذا المنهج الرباني الذي حبانا الله به .

    والمصرف الأسلامي لايتجنب المحرمات فقط وانها يتجنب كذلك ما يؤدي الى هذه المحرمات سدا للذرائع وتأكيدا على الحلال وحفاظا على نعم الله . فمالك العقار من حقه ان يؤجر عقاره وان يكسب منه عائدا كان يؤجره سكنا عائليا او مقرا لجمعية تعاونية او يؤجره لمصرفا اسلاميا او مزرعة او مصنعا للنسيج او غيره من الأستخدامات الشرعية ولكنه لايمكن ان يؤجره لمصنعا للخمور او مصرفا ربويا او ملهى ليلي او ما شابهها من نشاطات محرمة شرعا وهكذا دواليك .

    3. العقبات والتحديات

    ولكن ما مدى قرب المصارف الأسلامية في الممارسة اليومية من المرتكزات والأدوات التي تحدثنا عنها في الجزء السابق ؟ ان اجابتنا على هذا التساؤل هي لاتتعدى الخواطر السريعة التي نقصد بها كالعادة تفتيح الآفاق حول هذا الموضوع . الحقيقة المره التي لابد من الأعتراف بها هي ان هناك فجوة كبيرة بين المباديء التي تعتمدها هذه المصارف وممارساتها الفعلية مما جعل اداؤها دون المتوقع بكثير سواء في ما يتعلق بتنمية العالم الأسلامي او بعلاج الفقر او بأظهار افضلية النموذج الأسلامي على النموذج الربوي او حتى في ما يتعلق بنمو فقه المعاملات . ولكن لماذا ياترى ؟

    لقد ذكرنا سابقا ان أهم ما يميز المصارف الأسلامية عن المصارف الربويةهو انها تشارك المستثمرين في الربح والخسارة اي انها لاتترك مخاطرة الأستثمارات تقع على المستثمرين وحدهم وقد ذكرنا كذلك ان ادوات الأستثمار التي تنطبق مع الشريعه هي متنوعة ومختلفة في درجة المخاطرة فيها ومن اهم هذه الأدوات المضاربة التي تحدثنا عنها سابقا والمشاركة التي يشارك فيها المصرف المستثمر ليس فقط في التمويل وانما كذلك في الأدارة وبالتالي فان العمود الفقري لأستثمارات المصرف الأسلامي هي المضاربة والمشاركة نظرا لما لهاتين الصيغتين من اثر على قيام مشروعات متنوعة وكبيرة ومؤدية الى التنمية . ولكننا لو تأملنا نصيب كل من المشاركة والمضاربة في استثمارات هذه المصارف فاننا سنجد انها منخفضة جدا مقارنة بالمرابحة . فعلى سبيل المثال تشير البيانات المتوفرة عن 10 من هذه المصارف ان متوسط نصيب كل من المضاربة والمشاركة خلال الفترة 1994-1996 هو 7% و 7% على التوالي بينما كان متوسط نصيب المرابحة من تمويل هذه المصارف هو 70% وبقية التمويل كان مقسما بين الأجارة (5%) وبقية الصيغ الأستثمارية (11%) . هذه ألأرقام تشير الى ان الجزء الأكبر من موارد المصارف يستثمر في المرابحه وهي وان كانت صيغة مقبولة شرعا عند اكثر العلماء الا انها صيغة لايتحمل بموجبها المصرف الأسلامي مخاطرة خاصة كما تطبق الآن في كثير من هذه المصارف مما يجعلها اقرب الى القرض الربوي . كما وان المرابحة ليست من وسائل الأستثمارالتي يمكن استخدامها في المشروعات الصناعية والزراعية وغيرها من المشروعات المنتجة التي تولد وظائف وتنوع الهيياكل الأنتاجية وبذلك تساهم في التنمية الفعلية وانما هي صيغة متاجرة كشراء السيارات وغيرها من السلع والخدمات . هذا الأحجام عن المشروعات ذات الربح والخسارة اي المضاربة والمشاركة له اسباب تتعلق بالمصارف وبالبيئة المحيطة بهذه المصارف . فالدخول في مشروعات صناعية وخدمية وزراعية على اساس الربح والخسارة يتطلب اعتماد هذه المصارف طاقات بشرية ذات مهارات عالية في دراسات الجدوى وفي القدرة على التمييز بين المشروعات من حيث ربحيتها ومخاطرتها واحتمالات نجاحها وفشلها وهذ المهارات ليس من السهل الحصول عليها خاصة في ظل اللوائح الحالية لأغلب المصارف الأسلامية التي لاتوفر الرواتب الكافية لكذا طاقات . ولكن هناك وجه آخر لأبتعاد المصارف الأسلامية عن الدخول في الشروعات الأستثمارية على اساس الربح والخسارة الا وهو انخفاض مستو ى القيم التي تحكم تصرفات المستثمرين . فالمصرف الأسلامي اذا اراد ان يمول استثمارات على اساس الربح والخسارة فانه لابد له من الأطلاع على حسابات الشركات التي يقوم بتمويلها لمتابعة اداء هذه الشركات ومعرفة ارباحها وخسائرها وطرق استثممارها غير ان واقع الشركات اليوم لايساعد على هذا نظرا لضعف الأمانة وتفشي الفساد . فكثير من هذه الشركات تحتفظ بأكثر من حساب اما لأظهار الخسارة حتى تتجنب الضرائب او لعدم رغبتها على اطلاع الآخرين على اداء هذه المؤسسات مما يجعل مهمة المصرف الأسلامي اكثر صعوبة ولاشك ان هذه المشكلة لاحل لها الا بتحلي مدراء المؤسسات بقيم عالية ذلك بالأضافة الى توفير البيانات والشفافية في اتخاذ القرارات على كل مستوى . هذا الأنخفاض في مستوى القيم في المجتمعات المعاصرة الأسلامية وغير الأسلامية يجعل المصارف الأسلامية تكون اقرب الى المصارف الربوية التي لاتقوم على المشاركة في الربح والخسارة وتغطي نفسها عادة بكثير من الضمانات التي تحصل عليها مقابل تقديمها للقروض الربوبة . هذا الأمر يجعل تطبيقات المصارف الأسلامية مشوهة حتى في صيغ الأستثمار غير الرئيسية كالمرابحة والأجارة . فالأصل في المرابحه ان المتعامل يحدد مواصفات السلعة ويتفق مع المصرف على السعرزائدا الربح وتاريخ التسديد وبعد ذلك يقوم المصرف بشراء السلعة اي انه يتملكها ومن ثم يقوم ببيعها على المتعامل ويكون مسؤولا عن اي عيب جوهري فيها لم يكن معلوما عند البيع وبالتالي فالمصرف يتعرض لمخاطرة ولايببع نقدا كما هو الحال في المصرف الربوي .بالأضافة الى ذلك لايحق للمصرف الأسلامي ان يزيد في ارباحه المحددة مسبقا في حالة تأخر المتعامل عن التسديد بينما يقوم المصرف الربوي بمضاعفة الفائده . اذن هذه هي المرابحة كما طرحها علماء الأمة مع اختلافات جزئية حول الزام او عدم الزام المتعامل بوعده للمصرف بشراء السلعة التي طلبها . غير ان الممارسة الفعلية في كثير من المصارف الأسلامية اليوم هي بعيدة عن النموذج المتوقع . فهذه المصارف تحاول تقليل المخاطرة حتى ان بعض لايتسلم السلعة وانما يقوم المتعامل باستلامها من التاجر مباشرة وهذا يعني ان الخاطرة التي تبرر ربح المصرف تتضاءل الى درجة انها تكاد تكون معدومة . اما في ما يتعلق بالتعامل مع تأخر المشتري عن تسديد قيمة السلعة فقد اقترح بعض العلماء ان تكون هناك غرامة ولكنها لاتذهب الى المصرف وانما توجه للعمل الخيري ولكن هناك من يعتقد ان بعض المصارف الأسلامية تدخل هذه الغرامة مسبقا في تحديد سعر السلعة حتى تحصل على تعويض عن تأخر الدفعة . هذه الممارسات تكاد ان تحول المرابحه الى قرض بفائده . اما الأجارة فهي صيغة اخرى من صيغ الأستثمار المستخدمة بكثرة من قبل الصارف الأسلامية والصيغة الشرعية لهذه الأداة الأستثمارية تتمثل في قيام المصرف الأسلامي بتأجير اصل انتاجي (شاحنة ، مطبعة ، ماكينة خياطة ، طائرة ، الخ ..) للمتعامل مع المصرف لفترة زمنية محددة بأيجار ثابت وبأمكان المتعامل شراء الأصل المستأجر مع نهاية مدة العقد ولكن بعقد منفصل يتم توقيعه عند الرغبة في الشراء . فبقاء هذا الأصل في ملكية المصرف يعني انه اذا تعرض هذا الأصل لأي تلف يكون المصرف مسؤولا عنه وهذا يعرضه للمخاطره غيران كثير من هذه المصارف تسعى لتقليل هذه المخاطرة من خلال تحميل المتعامل تكاليف تأمين الأصل المستأجر ذلك بالأضافة الى الأحتفاظ بضمانات او رهن بعض ممتلكات المستأجر وهذا يقلل من الخاطرة التي يتعرض لها المصرف ومرة اخرى يجعل في هذه الصيغة شبهة الربا .

    ولكن العقبات التي تعترض طريق المصارف الأسلامية لاتتوقف عند افراط هذه المصارف في استخدمام صيغ استثمارية ليست هي الأهم في الأدوات الأستثمارية الأسلامية واستخدامها بصور مبتورة بل ان هذه المصارف تعاني من اشكاليات اخرى لاتقل اهمية في تحديد درجة تطور هذه المصارف في السنوات القادمة .

    فهيئات الرقابة الشرعية التي يفترض فيها الأطلاع على مدى انسجام المعاملات اليومية للمصرف الأسلامي مع الثوابت الشرعية لازال دورها هامشي . فعلى الرغم من اخلاص وتقوى الكثيرين من اعضاء هذه الهيئات الرقابية الا أن قدرتهم على الزام مجالس الأدارة بقراراتهم وانزال هذه القرارات الى كافة الأقسام والفروع لازالت محدودة وذلك لأن كثير من اعضاء مجالس الأدارة والعاملين في هذه المصارف ليست لديهم المعارف الأساسية في فقه المعاملات او حتى في التحليل الأقتصادي المتعلق بعمل المصارف في اطار الضوابط الشرعية ، كما وان كثير من اعضاء هذه الهيئات الشرعية غير ملما بتفاصيل المعاملات المالية المعاصره كاسواق المال واسواق الصرف والمؤشرات بانواعها وادوات الأستثمار باشكالها مما يجعل قدرة هؤلاء الأعضاء في تأصيل السلوكيات الشرعية في عمل المصارف اليومي امر ليس سهلا وان كان ليس مستحيلا كذلك اذا وجدت الأرادة لدى مجالس ادارات هذه المصارف .

    ومن المعوقات الأخرى التي تعترض تقدم المصارف الأسلامية القوانين المصرفية السائده في الدول الأسلامية وغيرها وهي قوانين مؤسسة على التعامل الربوي اخذا وعطاء وبالتالي فان اغلب المصارف الأسلامية اليوم تعمل في ظل قوانين استثنائية مما يجعل تفاعلها مع النظام المصرفي والأقتصاد ككل كتفاعل ابناء المجتمع الذي تحكمه احكام الطواريء مع حكومتهم ومع بعضهم البعض. فعلى سبيل المثال عندما تصدر المصارف المركزية سندات استثمارية تستخدمها في التحكم بالسيولة الأقتصادية فان المصارف الأسلامية لايكون لها دور في بيع اوشراء هذه السندات لأنها ذات عائد ثابت اي ربوي . واذا اراد المصرف الأسلامي ان يقترض من المصرف المركزي عند الحاجة فانه لايستطيع لأن المصرف المركزي تقوم قروضه على ما يعرف بسعر الخصم وهو معدل الفائده الذي تدفعه المصارف الحديثه للأقتراض من المصرف المركزي . وكذلك الحال بالنسبة لنسبة الأحتياطي اي ما يحتفظ به المصرف التجاري من قيمة الودائع اما في خزينته او لدى المصرف الأمركزي كضمان ، فبينما تحصل المصارف الربوية على فوائد من هذه الأحتياطيات لدى المصرف المركزي فان هذه الأحتياطيات تمثل اموالا مجمدة وغير ذات عائد بالنسبة للمصرف الأسلامي الذي لايتعامل بالفائدة . هذه وغيرها من العقبات القانونية تحد من اداء المصارف الأسلامية حتى ولو وجدت استثناءات هنا وهناك لأن الحل العملي هو ان يكون النظام المصرفي منسجما مع ثوابت الشريعة الأسلامية والا فان اداء المصارف الأسلامية سيظل دون المستوى الأمثل بكثير .

    وهناك كذلك تباطؤ في حركة الأجتهاد من قبل المجامع الفقهية اما لأعتبارات سياسية او لعمق الفجوة بين من هو متمكن في العلوم المعاصرة ولكنه يفتقر الى الحد الأدنى من الثقافة الشرعية التي تحفظه من الشطط والخروج على ثوابت الشرع وبين علماء الشرع الذين ابتعدوا عن الحياة المعاصرة واكتفوا بالفقه المتراكم في الوقت الذي بقي المامهم بكثير من العلوم المعاصرة وبتفاصيلها محدودا مما جعلهم اقل قدرة او اذا شئت أكثر حذرا في اصدارالفتاوى اللازمة لأستيعاب هذه المستجدات لأن القاعدة الشرعية هي ان الحكم على الشيء جزء من تصوره وبما ان كثير من هؤلاء العلماء غير ملمين الماما تفصيليا بالمستجدات في الأقتصاد والمال وبفية العلوم فان كثير منهم ياخذ بالحيطة الزائدة التي وان كنا نقدرها الا انها قد تساعد على تباطؤ حركة الأحياء الأسلامي على كل صعيد بل والأخطرمن ذلك أنها قد تفتح الباب على مصراعية لمن لايملك ادوات الأجتهاك وهذا ما لانتمنى حدوثه .

    كذلك لابد من التذكير بان المودعين في هذه المصارف يتعرضون للمخاطره حالهم حال المساهمين وبالتالي فلا بد ان يكون لهم صوت في الجمعيات العمومية لهذه المصارف غير ان الواقع هو غير ذلك لأن المودعين يعاملون كالمودعين في المصارف الربوية الذين لاتتعرض اموالهم لأي مخاطرة ومن ثم فهم ليس لهم صوت في ادارة المصرف .

    وهناك كثير من العقبات التي تعترض طريق هذه المصارف التي لايتسع المجال هنا للتفصيل فيها منها ضعف تعاون هذه المصارف مع بعضها البعض خاصة في مايتعلق بالتعامل مع النقص او الفائض في السيولة وفي قيام المشروعات المشتركة وفي التفاوض مع الحكومات والموقف السلبي من قبل الحكومات الأسلامية من هذه المصارف خاصة دولا كالسعودية ومصر والمغرب وهي دولا اقليمية كبرى تحتاج للنظر بجدية في تأييد هذه المصارف والدفع بها الى الأمام نظرا لما يمكن ان تحققه هذه المصارف من دور تنموي فعال في المنطقة العربية والأسلامية .

    4. نظرة مستقبلية

    ان المصارف الأسلامية هي مؤسسات يعتمد ازدهارها على مستوى تشبع المجتمعات التي تعمل فيها بالقيم الأسلامية وقد بينا سابقا ان كون هذه المصارف تقوم على المشاركة في الربح والخسارة هو ما يحعلها اكثر عدلا من المصارف الربوية ولكن نفس هذا الشرط يجعلها اقل نجاحا اليوم نظرا لما تعانيه الأمة من ضعف في القيم على كل مستوى . فكما ذكرنا اذا كان المصرف يقدم قروضه على اساس المشاركة في الربح والخسارة فان ذلك يتطلب توفر حد ادنى من الثقة في ان مقترض الأموال سيكون صادقا وشفافا في سجلاته المتعلقة بأداء مؤسسته ولن يتحايل ويظهلرللمصرف حسابات مزوره تشير الى خسارته بينما هو يحقق ارباحا كل ذلك لتنجنب اعطاء المصرف نصيبه من الأرباح . غير ان هذا المستوى من الأمانة نادرا في هذا الزمن مما يفسر عدم اعتماد المصارف الأسلامية في الوقت الحاضر على مشروعات استثمارية مرتكزة على المشاركة في الربح والخسارة واستبدالها بمشروعات اغلبها مرابحات واجارة مما يجعل دورها التنموي دون اماكانياتها بكثير . لذلك فاننا نعتقد ان دور المصارف الأسلامية سيتوسع ويتعمق كلما كانت البيئة المؤسسية الأخرى كالأسرة والأعلام والتربية والقوانين المصرفية ووعي العاملين في المصارف والمتعاملين معها مدعما للمنظومة القيمية الأسلامية التي تجعل الفرد والمؤسسة يعملان على اساس الثقة والعدل لأن المنهج الذي ترتكز عليه هذه المصارف هو منهج رباني يزرع الر قابة الداخلية كأصل في سلوك الأنسان وكم هي اخفاقات الدول المعاصرة الناتجة عن غياب هذا النوع من الرقابة الداخلية نظرا لمحدودية تأثير الرقابة الخارجية في عالم اليوم .​
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-04-27
  5. the best

    the best عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-11-16
    المشاركات:
    1,896
    الإعجاب :
    0
    شكرا على هذا الموضوع الرائع ...
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-04-27
  7. (شمردل)

    (شمردل) قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2007-01-10
    المشاركات:
    9,005
    الإعجاب :
    0
    شكرا لمرورك أخي الكريم the best
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-04-27
  9. الجوكر

    الجوكر مشرف الكمبيوتر والجوال مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-01-26
    المشاركات:
    54,688
    الإعجاب :
    8
    [​IMG]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-04-28
  11. (شمردل)

    (شمردل) قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2007-01-10
    المشاركات:
    9,005
    الإعجاب :
    0
    مشكور يالجوكر لمرورك :)
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-04-28
  13. الحقيقة الضائعة

    الحقيقة الضائعة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-02-26
    المشاركات:
    9,531
    الإعجاب :
    0
    موضوع يستحق المناقشة والاثراء ولنا عودة ان شاء الله :)
    شكرا شمردل على الايفاء :)
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-04-28
  15. (شمردل)

    (شمردل) قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2007-01-10
    المشاركات:
    9,005
    الإعجاب :
    0
    بانتظار مناقشتك استاذي الكريم :)
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-04-28
  17. (شمردل)

    (شمردل) قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2007-01-10
    المشاركات:
    9,005
    الإعجاب :
    0
    بانتظار مناقشتك استاذي الكريم :)
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-05-11
  19. الحقيقة الضائعة

    الحقيقة الضائعة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-02-26
    المشاركات:
    9,531
    الإعجاب :
    0
    قبل الدخول مباشرة في موضوع المصارف الاسلامية يتوجب اولا استعراض نبذة مبسطة حول الاقتصاد الاسلامي .. وشروط واسس قيامه .. وفلسفته الاقتصادية .. لكي يتم ايجاده على ارض الواقع .. وبشكل يمكنه من منافسة الانظمة الاقتصادية القائمة ... والتي لها تراكماتها المعرفية ....


    فضلا عن إن الإسلام يهتم بالجانب الاجتماعي أيضا فانه يتفرد بميزتين عن بقية الأديان " فالطابع الفريد للدين الإسلامي يتضح لنا جليا عن ملاحظة مسألتين لكل منهما فروعها وتفاصيلها وهاتان المسألتان هما أولا وجود كم كبير جدا من المبادئ والتوجيهات والتشريعات والأحكام التي تكون لا محالة نظاما اقتصاديا متميزا يعتبر إطار مكتملا يحيط بالسلوك الاقتصادي ويوجهه في اتجاه معين مرغوب فيه وثانيا وجود مقولات عديدة تمثل في مجموعها معطيات موضوعية تعين على فهم السلوك الاقتصادي للإفراد والجماعات

    وعليه ونتيجة لما سبق يمكن التوصل إلى إمكانية وجود نظام اقتصادي إسلامي , فحيث إن النظام الاقتصادي يتمثل في مجموعة من المبادئ يقوم عليها إطار خاص بتنظيم النشاط الاقتصادي والتي تقوم على وجهة نظر فلسفية خاصة بها تجاه هذا النشاط وتتفاعل لتشكل إطار هذا النشاط ويوجهه الى الطريق المرغوب فيه , بمعنى أخر فكل نظام اقتصادي يقوم بالعمل على تحقيق نتيجة مرغوبة ترتبط ارتباطا كبيرا بالفلسفة الأساسية للنظام وتتوقف عليها وعلى الأولويات الاجتماعية المختارة مثل زيادة الرفاه – ام عدالة التوزيع وحرية الفرد .... والتمنية الاقتصادية ام الحفاظ على المبادئ الأخلاقية.

    ولذلك فانه يتم تقييم أي نظام اقتصادي على أساس مدى توافق فلسفته الاقتصادية ومبادئه وأساليب عمله مع الفطرة الإنسانية من جهة ومدى كفاءته في تحقيق أولوياته التي يضعها نصب عينه من جهة أخرى,


    اولا : النظرة الفلسفية للاقتصاد الاسلامي :
    ويمكن تلخيص النظرة الفلسفية للنظام الاقتصادي الإسلامي من خلال النقاط التالية :

    1- أن الكون من ملك الله – جميع المملوكات والثروة والموارد تعد ملكا لله – وان الله ينظم تلك الأشياء بالأسلوب التي يرضيه ولذلك فجميع البشر ينبغي أن يتصرفوا في تلك الموارد ويكون لديهم في السلطة عليها فقط بقدر ما يطيعون من مشيئته وإرادته . فالمعنى المباشر للملكية هو أن حق الإنسان بالنسبة للأشياء يعتبر محدودا وغير مطلق.
    من الذي يحكم هذه الملكية في الواقع في ظل ضعف النفس البشرية؟ الإيمان؟؟؟ كيف يتم احترام وتطبيق ذلك دون رقابة قانونية في الواقع ؟ وبشكل خاص إذا تخلى الفرد عن معتقداته الدينية ...
    2- أن الله خلق الناس متساوون فجميعهم أحرارا , فالجميع متساوون في الحقوق والالتزامات.
    3- الإيمان بيوم الحساب اليوم الآخر , فهذا يوثر تأثيرا هاما ومباشرا على السلوك الاقتصادي لأنه يوسع الأفق الزمني لأية مجموعة من الأعمال أو أي قرار اقتصادي لأي اختيار للسلوك .. فهل يعمل جميع المسلمون للحياة الأخرى ...؟؟

    ثانيا: أما مكونات هذا النظام فتتمثل في المبادئ العامة
    1. أولها متضمنات مفهوم الملكية فما هو نوع الملكية التي يحوز عليها الناس ، أن الملكية التي يتمتع بها الإنسان تعد نوعا من ملكية الانتفاع وليست نوعا مطلقا من التملك الكامل , فإذا انتفى الانتفاع فلا وجود في الحق في الملكية وتقتصر هذه الملكية من جهة أخرى على حياة المالك فقط فالمالك ليس لدية الحق في تنظيم التصرف في ملكيته بعد موته " نظام الإرث " وهناك أشياء من أنواع معينه لا يمكن امتلاكها للأفراد في فترة الحياة ، الموارد الطبيعية و الملكية الخاصة ليست مطلقة .
    2. الحرية الاقتصادية فالناس كلهم أحرار في نشاطهم الاقتصادي ولكنه لا يسمح بممارسة أية قوة احتكارية ولو من خلال حجز المعلومات ، وقد حددت الشريعة بعض الممنوعات والمباحان وقواعد صيانة وحريات الناس وخصوصيتهم ليس فقط تجاه الآخرين وفيما بين بعضهم البعض إنما تجاه أولو الأمر" الحكومة" والقوه السياسة " آلا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم حرمة يومكم هذا ".
    3. وتمثل هذا المبدأ التوازن – التوسط والاعتدال- والبعد عن الإسراف وعن البخل الشديد ، فالاستهلاك ليست غاية بحد ذاته ، والتوازن أيضا يتضمن المعادلة والموازنة بين أشياء مثل الحرية والتنظيم الاجتماعي والحقوق والواجبات والحرص على المنفعة الشخصية والغيرية والإيثار والملكية الفردية والجماعية,
    4. ويتدخل مبدأ العدالة في جميع مراحل النشاط الاقتصادي حسبما يقتضيه النظام الإسلامي ، ففي الإنتاج تتطلب العدالة التقييم الملائم لعوامل الإنتاج والتحديد الملائم للإيراد الذي يصل إلى كل عنصر منها ، وتتطلب العدالة أيضا في تطبيق إجراءات معينة لإعادة توزيع الدخل ويتم ذلك عن طريق التحويلات الاجتماعية الإجبارية " الزكاة" والتحويلات الأخرى الاختيارية " التبرعات وأعمال البر والإحسان" حيث يقول محمد رسول الله : والله لا يؤمن( يكررها ثلاثا) من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم"

    ثالثا أسلوب العمل : وتتكون من قواعد العمل التي توثر على توجيه النشاط الاقتصادي وتحدد العلاقات الاقتصادية بين الناس في المجتمع , أولى تلك القواعد :
    1. الزكاة فهي واجب ديني معين يفرض عل حق الملكية من اجل تحقيق أغراض اجتماعية واقتصادية حددها القران , وتوجه إيراداتها على أوجه تم تحديدها في القران " إنما الصدقات .... " وتفرض على حق الملكية وليس على الدخل وحده ومعدلها 2.5% وهي حق للفقراء في أموال الأغنياء يتكرر كل عام ولا يترك لأية سلطه في الحق في إنقاصه أو حرمان أصحاب الحقوق منه " في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم"؟؟ سورة الذاريات اية رقم 51
    2. تحريم الربا " أية فائدة مادية تشترط على القرض" وتحريم الربا هو في جوهره رفض أي نوع من المعاملات الاقتصادية التي تلقي تبعة المخاطر كلية على احد الأطراف في حيث تضمن الكسب المؤكد للطرف الأخر , وقد تم شرحه بالتفصيل انفا.
    3. وتتعلق بالتمويل الإسلامي والذي يرتبط دائما بسوق السلع والخدمات تداولا وإنتاجا ويكون ذلك عن طريق المشاركات بأنواعها من شركة ومضاربة ومزارعه والبيوع بأنواعها من بيع لأجل وبيع التقسيط وبيع السلم .. والاجارات بأنواعها مثل الإجارة التشغيلية والمنتهية بالتمليك .... حيث تتميز قاعدة التمويل الإسلامي بأنها تتجنب أو تمنع كل تمويل لا يرتبط بإنتاج أو تداول السلع والخدمات , فتمنع إعادة جدولة الديون بأية زيادات فيها , كما تمنع خصم الديون بإنقاص مقاديرها بتقصير الأجل وتمنع التمويل العام الذي يقصد منه دعم الميزانية بصورة عامة دون إنتاج أو تداول سلع أو خدمات معينه. حيث وان هذه الممنوعات هي التي تودي إلى تراكمات في السوق المالية تجعها تتضخم كثيرا بحجمها عند المقارنة مع السوق الحقيقية لإنتاج السلع والخدمات وتداولها الأمر الذي يقلل من احتمال وقوع الأزمات المالية ويخفف من حدتها إذا وقعت :موريس اليه . كما أن التمويل الإسلامي يمر أيضا من خلال معيار أخلاقي يقوم على الامتناع عن تمويل جميع السلع والخدمات ذات الأضرار الاجتماعية والصحية والبيئية والدينية . فلا يمول انتاج او تداول الخمور ولا المخدرات ولا السجائر ولا أسلحة الدمار الشامل ......
    4. ويمثل الضمان الاجتماعي القاعدة الرابعة بمعناه الشامل ويتحقق ذلك بطريقتين أولا الزكاة تضمن حدا أدنى لمستوى المعيشة لجميع المقيمين في المجتمع الإسلامي وذلك الحد يتقرر ويتطور على ضوء درجة التطور الاقتصادي وأسلوب معيشة الناس وثانيا إذا كانت الزكاة غير كافية , فالدولة الإسلامية تستطيع أن تفرض وظائف مالية إضافية على الأغنياء , ويقوم على مبدأ احترام الإنسان وتكريمه والعدل والرحمة والنشاط الدءوب " من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا فانا وليه ..." حديث
    5. نظام الإرث الذي يودى بطريقة مستمرة مكينة ،ولكنها لا تثير الذعر والاستياء لأنها بطيئة وهادئة، الى إعادة توزيع الثروة وتقسيمها بين عدد من الأشخاص حسب قرابتهم إلى المورث ....
    6. دور الدولة في الاقتصاد فالدولة تدخل السوق باعتبارها منتجا ومالكا وموزعا للموارد الطبيعية وأيضا اعتبارها كمنظم لنشاط السوق ضمن مبادئ الحرية والأخلاق من خلال الحسبة


    أما التحليل الاقتصادي الإسلامي فقد بدأت إرهاصاته منذ وقت مبكر في التاريخ الإسلامي ومن أمثلة هذه الإرهاصات تحليل أبي يوسف أواخر القرن الهجري الثاني حوالي في أواخر القرن السابع الميلادي , لآثار الإنفاق الحكومي على البنية التحتية للزراعة فقد دعا هارون الرشيد خليفة المسلمين الإنفاق على إصلاح الأنهار وشق الترع والقنوات وتحسين الطرق الزراعية لنقل المحصول وإعادة هيكلة الضرائب الزراعية على" أراضي الخراج"
    حيث اقترح أيضا تغيير الأجر المحدد إلى نسبة من الإنتاج حيث انه ارأف بالزارع واعدل , واقل إثارة للمنازعة في حالة ضعف الإنتاج الفعلي بالإضافة إلى أن يشجع ويحفز المزارع على زيادة جهده الإنتاجي " أي بالمفهوم الحديث انه استطاع القضاء على مشكلة الأخطار المعنوية وعدم تماثل المعلومات باستخدام آليات الكشف المباشر. بالإضافة إلى انه قد بين بان هذا الإنفاق والإصلاح الضريبي سيؤديان إلى زيادة وتحسن الأحوال المعيشية للمزارعين والى زيادة الحصيلة الضريبية لان يشجع المزارع على مضاعفة جهده من جهة وييسر له مساعدات الإنتاج والتسويق من جهة أخرى من ماء للري وطرق لنقل الإنتاج فضلا عن زيادة المساحة المروية من الأراضي المزروعة.
    ومن أمثلة هذه التحليلات ما طرحه أبو حنيفة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري وتابعها ابن تيميه في أواخر القرن الثامن بخصوص ميل الأسعار إلى الارتفاع في حالة وجود أي نوع من أنواع القوة الاحتكارية.

    فمنهج التحليل الاقتصادي الاسلامي هو المنهج الذي يرى توافقا وتكاملا بين مصادر المعرفة والذي مصدره الوحي " القران والسنة" بالإضافة إلى المصدر الثاني والمتمثل بالملاحظة باعتبارها شكلا من أشكال التجربة واستخلاص النتائج , فالمصدر الأول يتضمن حقائق أساسية في فهم السلوك الاقتصادي منها حب الإكثار والتعظيم من المنافع ومنها ربط الترف بالفسوق وربط المحق بالربا وربط عدالة التوزيع بالتنمية وحساب المنافع والتكاليف ببعد زمني يشمل الحياة الدنيا والآخرة معا " تكلفة الفرصة البديلة" كما انه يمكن استشفاف وتحليل كثير من الظواهر باعترافه الواضح بالعوامل الثقافية والبيئية.

    للمزيد انظر " الاقتصاد الاسلامي علم ام وهم " منذر قحف واخرون ." دار الفكر ..

    وسيتم استعراض اسس التمويل الاسلامي في الجزء المشاركة القادمة ومن ثم سيتم التعرض للعمل المصرفي الاسلامي ..

    تحيـــــــــاتي للجميع
     

مشاركة هذه الصفحة