أربعون عاماً على عودة اليمن إلى ربوع النظام الجمهوري

الكاتب : الحسام   المشاهدات : 523   الردود : 0    ‏2002-09-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-09-29
  1. الحسام

    الحسام عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-09-22
    المشاركات:
    982
    الإعجاب :
    0



    أربعون عاماً على عودة اليمن إلى ربوع النظام الجمهوري

    "مارد الثورة" يغيب إلى الأبد من وسط العاصمة ويطويه النسيان

    ست دبابات أطاحت بالملك في ساعات والنظام الجديد ظل مضطرباً عقدين من الزمان


    صنعاء - خدمة قدس برس (25/9/02)
    (سعيد ثابت)

    أربعون عاما مرت منذ تحركت دبابة "المارد" لتقصف قصر الإمام البدر بن أحمد حميد الدين ملك اليمن المتوّج على عرشه قبل أقل من عشرة أيام، ليعلن الثوار مساء الخميس 26 أيلول (سبتمبر) 1962 ميلاد الجمهورية العربية اليمنية، ودفن النظام الملكي الإمامي، الذي ظل يحكم شمال اليمن لأكثر من تسعة قرون، ويفر الملك الجديد متخفيا بثياب نسائية، إلى خارج الحدود شمالا، وليدشن مع أنصاره وحلفائه الإقليميين حربا طويلة ضد العهد الجمهوري، استمرت سبع سنوات، وانتهت بالمصالحة الوطنية بين الجمهوريين والملكيين في النصف الأول من عام 1970.

    في مثل هذا اليوم من كل عام يحتفل اليمنيون بذكرى ثورتهم تلك التي وضعت أقدامهم على عتبة الحياة الإنسانية الحديثة، وخروجهم من كهوف التاريخ، واستطاعوا بها أن يتقدموا ليستأنفوا دورهم الذي شهدته بلاد العرب منذ أقدم العصور.

    لم يكن اليمنيون يتصورون أن النظام الملكي الإمامي الاستبدادي، الذي جثم على صدورهم كل هذا الزمان، سينجلي بكل سرعة، وفي أقل من عشر ساعات، لاسيما أن الإمام، وهذا هو منصبه الرسمي، بدلا عن منصب الملك، لأنه منصب ديني اعتمادا على المذهب الهادوي الزيدي، يمارس من خلاله أعماله السياسية، ثم يضفي عليها قداسة دينية، لا يحق لأي كان معارضتها، لأنه بذلك يعارض الدين ذاته، ولأن اليمنيين شعب متدين منذ القدم، فقد خضعوا للحكم الكهنوتي، واستسلموا لإرهاب وقمع إمامهم، ورضوا في ظل التجهيل والتجويع والعزلة أن يعيشوا قانعين راضين بما اختاره الله لهم من حكم مستبد، حتى تبلورت حركة إصلاح ثقافية وفكرية قادها شباب استطاع الخروج من سجنهم الكبير (اليمن)، وزيارة بعض الأقطار العربية، والاطلاع على بعض الكتابات لعلماء كبار، مثل محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي.

    وعرفت تلك الثلة أن ثمة عوالم غير عالمهم الذي يعيشونه، رغما عنهم، وأنها عوالم تموج بالحركة، والتغيير، والتطور، وليست كعالمهم الجامد المشلول الواقف في مربع القرون الوسطى أوروبيا، فأنشأ هؤلاء جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم أصبحت، حزبا سياسيا، أعلن عنه أولئك الرواد، في مدينة عدن (المستعمرة البريطانية)، باسم حزب الأحرار، بقيادة أبي الأحرار اليمنيين الشهيد محمد محمود الزبيري، ورفيقه أحمد محمد النعمان، ومعهما ثلة أبرزهم شيخ الأحرار عبد الله علي الحكيمي، لكن سرعان ما حظرته الإدارة الاستعمارية البريطانية، ليصبح الحزب الجمعية اليمنية الكبرى.


    فشل أول حركة دستورية عربية
    قادت الجمعية اليمنية الكبرى أول حركة انقلابية دستورية في الوطن العربي في شباط (فبراير) 1948 بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إذ أرسل مؤسس هذه الجماعة عددا من أفرادها إلى اليمن، على رأسهم الشيخ المجاهد الجزائري الفضيل الورتلاني، والمرحوم الدكتور أحمد فخري، المصري الجنسية، كما أرسل صهره المرحوم عبد الحكيم عابدين، لكن تلك الحركة فشلت، بعد تمكنها من الإطاحة بالملك الإمام يحي بن حميد الدين، واغتياله، لكن معظم الأقطار العربية الرازحة آنذاك بأنظمة شبيهة، حاصرت الحركة الدستورية اليمنية، وأفشلتها، وسمحت أقطار مجاورة للمعارضة الملكية الإمامية بقيادة نجل الإمام المقتول بالتحرك ارتداديا، واقتحام العاصمة صنعاء، ثم استباحتها، ونهبها، وقتل الأهالي في أبشع حركة دموية، ثم استطاعت تقديم قادة الحركة الدستورية اليمنية للسياف، الذي كان يسمى في اليمن (الوشاح)، وذهبت أول كوكبة متعلمة، هتكت قدسية النظام الكهنوتي في صنعاء، إلى عالم الغيب، ضحية هبتها الوطنية الأولى، التي كانت بمثابة الحجر الذي ألقى في ماء آسن، فأحدث هزة، ربما لم تحرك الأعماق بقوة، ولكن الدوائر التي ارتسمت على سطح الماء، أصبحت بمرور الزمن عامل تحريض وإثارة للقيام بخطوة أكثر تقدما. وبالفعل فبعد أربعة عشر عاما، تمكنت نخبة من العسكريين والمدنيين من الإطاحة بالنظام الإمامي.



    الساعات الأولى لبدايات الثورة كما يرويها رجالاتها
    يروي رجال الثورة تفاصيل الساعات التي سبقت قيام الثورة اليمنية بقولهم "بعد انتشار خبر موت الإمام أحمد بن يحي حميد الدين، وإعلانه رسميا في 19 أيلول( سبتمبر) 1962، وما إن تم دفن الإمام أحمد حتى بدأ التركيز في متابعة مواقف الإمام الجديد البدر محمد أحمد، نجل الإمام السابق، وعلى مدى أسبوع من عمر الإمامة القصيرة الأمد، حدثت تطورات كثيرة، كان أبرزها على صعيد السلطة، هو اتفاق العناصر الحسنية (نسبة إلى الجذر الهاشمي المنحدر من الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب)، التي كانت مناوئة للبدر، على الالتفاف حوله، وإظهار تأييدهم له كخليفة على اليمن بعد أبيه، وجره إلى الاتحاد مع بقية أسرة حميد الدين، الذين لم يعترفوا له حتى بولاية العهد.

    وكان من المفترض أن يقوم هذا الاتحاد على أساس تقاسم مراكز الحكم فيما بينهم، ووقوفهم صفا واحدا في مواجهة القوى الوطنية لضربها، والقضاء عليها. ولم يبق في حينه إلا أن يبعث الأمير الحسن برقية التأييد والمبايعة للإمام الجديد من منفاه في الولايات المتحدة، ثم يعود إلى البلاد مع بقية الأمراء، الذين كانوا في الخارج آنذاك.

    أما على الصعيد الشعبي فقد توافد الكثير من مشايخ القبائل إلى مدينة صنعاء، بهدف المبايعة للإمام الجديد، وقبل أن يتوجهوا إلى (دار البشائر) مقر الإمام، عقدوا اجتماعا موسعا تم فيه تحرير صيغة المبايعة، مشفوعة بمطالب عامة لبناء مدارس، ومستشفيات، وتحسين أحوال البلاد في مختلف المجالات.

    وقبل قيام الثورة بأربعة أيام توجه المشايخ إلى بيت حسن إبراهيم (وزير الخارجية)، الذي كان كلفه الإمام الجديد البدر بمهمة استقبال الناس، واستلام البيعة منهم. وما أن اكتمل وجود المشايخ في ديوان الاستقبال حتى بدأ وزير الخارجية يرحب بهم نيابة عن الإمام الجديد، ولما فرغ من ترحيبه أراد أن يستمع إلى المبايعة من الحاضرين، وكان يعتقد أنها لن تخرج عما هو مألوف، وهو التعبير عن الولاء المطلق، والخضوع التام، وافتداء الملك بالمال والنفس والولد، والتسليم به حاكما مصونا لا يرقى إليه الشك، معصوما من كل خطأ، ولكنه فوجئ بلهجة جديدة ومفاهيم متحررة، ارتجت لها أعصابه.

    فما إن بدا الشهيد علي عبد الله القوسي، ممثل المشايخ، المطالب حتى تغيرت ملامح وجه الوزير، وانتفخت أوداجه من الغضب، وبادر مقاطعا القوسي بقوله، من أين لك هذا الكلام العجيب؟ وهل كل المشايخ فقدوا صوابهم، ونسوا أن مثل هذه الأمور لا تعنيهم؟ وهل مسهم الجنون حتى يوافقوا على هذا؟ واتجه بنظره إلى كبار السن منهم، لكنهم أجمعوا على أن ما طرحه المتحدث هي مطالب الشعب بالإجماع، وفي الأخير وجه وزير الخارجية إنذارا إلى القوسي، بترك الحدة وقلة الأدب، وإلا فهو يعرف جزاء من يتطاول فيما هو حق لأسياده وحكامه، على حد رواية من كان حاضرا تلك اللحظات الحاسمة، وهكذا انتهت المقابلة، وذهب القوسي بعد هذا الموقف إلى القاضي عبد السلام صبرة، وأبدى استعداده لقتل وزير الخارجية، لكن القاضي صبرة، منعه، واختفى في صنعاء كإجراء احترازي".

    وبينما كان اليمنيون ينتظرون من الحاكم الجديد أن يحدد معالم حياة جديدة، في أول خطاب له بعد تربعه على عرش الإمامة، إذا به يؤكد سيره على ذات النهج، الذي سار عليه آباؤه وأجداده، وهدد بأنه سيضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه مناهضة الحكم الجديد، فأحدث الخطاب الجديد رد فعل واسع، وخاصة في أوساط العناصر الوطنية، وفي مقدمتها تنظيم الضباط الأحرار، الذي تم إنشاؤه بصورة سرية، تأثرا بتنظيم الضباط الأحرار المصري، مما أدى إلى التعجيل بتفجير الثورة.



    البحث عن قائد للثورة قبل دقائق من تفجيرها
    ولما كان تفجير الثورة يتطلب وجود شخصية عسكرية بارزة، عرض الزعيم حمود الجائفي، وهو من قيادات الثورة، الأمر على شخصيتين، أحدهما اعتذر، بتقديم أسباب لاعتذاره، واعتبر التعجيل بقيام الثورة، قد يقود إلى الخطأ، وربما يقود إلى الفشل، ومن ثم فإن الضرورة تقضي إعدادا كافيا لتفجير الثورة، وضرورة الانتظار حتى تكتمل عملية وجود جميع أفراد الأسرة الحاكمة في الداخل، وخاصة الأمير الحسن بن يحيى.

    ولما كان الموقف يتطلب السرعة، فقد تحولت الأنظار إلى شخصية ثانية، كانت هي الزعيم عبد الله السلال، الذي كان يشغل قائد الحرس الملكي، فتحفظ عدد من الضباط على اختياره، مما أحدث تأزما وقتيا في الموقف، لكن سرعان ما تم احتواء الموقف، وأوكل إلى القاضي عبد السلام صبرة، الاتصال بالسلال، وإبلاغه بما تم التوصل إليه، على أن يعود برد واضح في أقصر وقت، وبالفعل وافق الأخير شريطة أن يطلع على كل ما يوجد من الخطط والتجهيزات كما وكيفا.

    وفي الساعة الثالثة من بعد ظهر الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) فرضت حالة الطوارئ في الكلية الحربية، ومدرسة الأسلحة، وصدرت توجيهات من القيادة بوجود جميع الضباط، واستدعي من كانوا في منازلهم، ومنع خروج أي ضابط من الكلية إلا من كلف من القيادة العسكرية لتنظيم الضباط بمهمة، وانصرف الجميع للتأهب، على أن لا تفتح مستودعات الذخيرة إلا في وقت متأخر.

    وكان لا بد من التأكد أولا من خروج الإمام البدر، إلى ديوان المواجهة في قصر البشائر، وكلفت مجموعة من العناصر العسكرية، بمراقبة البدر. وفي الساعة الثامنة مساء، وبعد أن تحدد موعد التحرك في ليلة السادس والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1962 أمرت قيادة التنظيم العسكري بفتح مستودعات الذخائر والأسلحة الخفيفة وتوزيعها على الضباط، ونقل ذخائر الدبابات إلى المواقع المتفق عليها.

    وفي الساعة التاسعة مساء اجتمعت قيادة التنظيم في مقر الكلية الحربية، ومن ثم تم إصدار التوجيهات الأخيرة، في الوقت الذي كان الإمام الجديد يرأس اجتماعا لأركان حكومته في قصره، ويخضع لمراقبة دقيقة من أحد عناصر التنظيم في القصر، التي أوكل إليها اغتياله، عقب خروجه من الاجتماع، ومن ثم تتحرك القوات المستعدة في مداخل العاصمة، وتحددت الساعة العاشرة مساء موعدا للتحرك، واغتيال الإمام.

    ولما لم تسمع قيادة تنظيم الضباط طلقات الرصاص، في القصر، وهي الإشارة التي تؤكد أن المهمة الأولى في الخطة قد أنجزت، حتى الساعة العاشرة والربع، أرسلت أحد عناصر التنظيم، للتأكد من الوضع في القصر إلى منزل معتمد إدارة قصور الإمام، وكان منزله قريبا من قصر البشائر، وتأكد العنصر من أن الإمام أنهى الاجتماع وعاد إلى داره سالما، فعاد إلى قيادته ليبلغها تطورات الموقف، فتأكدت قيادة التنظيم من تعثر مهمة العنصر، وأصدرت أوامرها بالهجوم على قصر الإمام البدر في الساعة الحادية عشرة ليلا، وانطلق الثوار بجرأة عظيمة ليصنعوا يوما فاصلا في حياة اليمنيين".

    كانت القوة المعدة للهجوم على قصر البشائر تتكون من ست دبابات، ثم انضمت دبابة سابعة، بعد منتصف الليل، وإلى جانب تلك الدبابات عدد من السيارات المدرعة بأسلحتها، مهمتها حماية تحرك الدبابات في الهجوم.



    انقسام العالم العربي إلى محورين
    وتلخصت خطة الإطاحة بالحكم الملكي باقتحام قصر الإمام، واحتلال الإذاعة، ومحاصرة قصر السلاح، والقيام بحملة اعتقالات في أوساط أنصار النظام، والسيطرة على الهاتف ودوائر الأمن، وكل تلك التحركات جرت في إطار مدينة صنعاء، لكن الثوار أخفقوا في اعتقال أو قتل الحاكم الجديد، إذ تمكن هذا الأخير من الفرار بعد تخفيه بثياب نسائية، وخروجه من العاصمة، ومن ثم تجميع أنصاره، وإعلان حركة معارضة مسلحة لاستعادة العرش، مستفيدا من دعم بعض دول الجوار.

    وفي ظل التجاذبات الإقليمية يومئذ بين الرياض والقاهرة، فقد لجأ النظام الجمهوري الجديد طالبا المساعدة من نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر، فأمد الأخير صنعاء بأعداد من وحداته العسكرية، وأسلحته عبر ميناء الحديدة، في المقابل كانت الرياض قد أمدت أنصار العهد البائد بمختلف الأسلحة.

    وانقسم العالم العربي إزاء الوضع الجديد في اليمن إلى محورين، ودخلت صنعاء في نفق الحرب الأهلية المدمرة لتستمر سبع سنوات، وخاض الجيش اليمني والمصري معا حربا شرسة مع القوات الإمامية الملكية، المسنودة من الرياض ولندن وواشنطن وعمان، ولتتوقف مؤقتا الحرب بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وتوصل الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز إلى اتفاق يقضي بإيقاف الطرفين دعمهما لطرفي النزاع في صنعاء، سمي اتفاق الخرطوم، لكن اليمن الجمهوري أعلن رفضه الاتفاق، وبالفعل انسحبت القوات المصرية من اليمن في 10 تشرين أول ( أكتوبر) 1967.



    صنعاء تحت الحصار لسبعين يوما
    ظن الملكيون أن خروج الجيش المصري من اليمن سيساعد على سرعة إسقاط النظام الجمهوري، لاسيما أن فريقا داخل النظام استطاع إقالة المشير عبد الله السلال في الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وتشكيل حكومة مدنية، بقيادة القاضي عبد الرحمن الإرياني، ولذلك تحركت وحدات من قوات المعارضة، مستفيدة من التطورات الجديدة، لتحاصر العاصمة صنعاء في 27 تشرين ثاني (نوفمبر) 1967، وظلت صنعاء تحت الحصار والقصف لمدة سبعين يوما، أطلق عليها حرب السبعين يوما، لتواجه الثورة الجمهورية قدرها لوحدها. ونجح الثوار في كسر الحصار، ودحر المعارضين الملكيين، بعد إسقاط جبل عيبان الشهير المحيط بالعاصمة، في 6 شباط (فبراير) 1968.

    دخل النظام الجديد فترة استقرار نسبي، لكن سرعان ما انفجر صراع عنيف في صفوف وحدات القوات المسلحة بين فريقين، أول تبنى الخط القومي العربي في طبعته الماركسية، بينما الفريق الثاني تبنى الخط البعثي. وفي عمق الصراع كان ثمة مضمون طائفي اختبأ في المواجهة، توزع على من أطلقوا على أنفسهم بالشافعية، والآخر بالزيدية، وأطلق على تلك الأحداث المأساوية التي استمرت 24 ساعة اسم أحداث آب (أغسطس) 1968.

    كان النظام الجمهوري الذي أعلن عن ميلاده في السادس والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1962 يسعى لتحقيق استقرار ونهضة وحرية وتقدم للمواطن اليمني، لكنه واجه منذ اليوم الأول تحديات كانت أكبر من توقعاته، واستمرت المشكلات والاضطرابات الأمنية والسياسية والاقتصادية لأكثر من عقدين، وشهد فترات هدوء في ظل عهد الرئيس الحالي علي عبد الله صالح، ولا سيما خلال الفترة من 1982 وحتى 1989.

    ولم تكن لدى الثوار صورة واضحة لما يريدونه من الثورة، وبدا ذلك واضحا من التخبط في كتابة أهداف الثورة، ففي اليوم الأول أصدر الثوار بيانهم الشهير برقم واحد، وأذيع عبر الإذاعة. وقد توزعت الأهداف فيه على سبعة أهداف على الصعيد الداخلي، وخمسة أهداف في المجال القومي العربي، وأربعة أهداف في المجال الدولي.

    وعلى إثر دخول القوات المصرية إلى اليمن، وبروز الدعم العسكري للقاهرة، أصبحت الأهداف مختزلة بستة أهداف، على غرار أهداف ثورة 23 تموز(يوليو) المصرية.



    ماذا بقي من الثورة والجمهورية
    والآن وبعد أربعين عاما من قيام الجمهورية، هل استطاعت الثورة تحقيق أهدافها، وإنجاز مشروعها في التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وإنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، يستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف، ويرفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة؟.

    يرى بعض السياسيين أن الثورة نجحت إلى حد كبير في إنجاز معظم أهدافها، ولكن ثمة آخرين يرون غير ذلك، ويطرحون جملة من القضايا التي يعتقدون أنها لم تتحقق حتى الساعة، ولاسيما تلك المرتبطة بهموم المواطن المعيشية والسياسية والثقافية والتعليمية.

    ويذهب آخرون إلى أن من يطرح مقولة إنجاز الثورة لبرنامجها، ونجاحها في تحقيق كامل أهدافها يقع في إشكالية الطرح المضاد، الذي يزعم أن البلاد بحاجة إلى حركة تجديد للثورة، بعد أن شاخت، وأصابها الهرم، لا سيما أن "مارد" الثورة (الدبابة التي أطلقت القذيفة الأولى على قصر الملك) تم سحبها من وسط العاصمة، وجرى رميها في مكان مجهول، بعد أن ظلت رمز ذكرى للأجيال اليمنية التي لم تعايش ذلك الحدث، مما اعتبرها بعض المراقبين، خطوة على طريق محو ذاكرة الأجيال الجديدة للثورة الجمهورية التي وضعت حدا للنظام الوراثي الأسري، الذي ظل يحكم اليمن مئات السنين.

    وأصبح الحكم الوراثي طوال السنين التي أعقبت قيام الثورة مسبة، وصورة للظلم والاستبداد والتخلف والرجعية، لكن هل تراجعت هذه الصورة، وانزوت في زاوية مهجورة في وعي رواد الثورة الأوائل، الذين طواهم الموت، ولم يبق منهم إلا بضعة أفراد متقاعدين عن الفعل؟ وينظرون من حولهم في أقطار العرب، وقد عادت ثانية موضة توارث الحكم للأبناء، ويتساءلون بحسرة هل كان نضال حركات التحرر مجرد عبث؟.صنعاء ـ «البيان»:

     

مشاركة هذه الصفحة