عبدالوهاب راوح : الخطاب الجهادي أشد تطرفاً من التكفيري - مقابلة مع صحيفة 22 مايو اليمنية

الكاتب : جونفييه   المشاهدات : 748   الردود : 0    ‏2007-04-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-24
  1. جونفييه

    جونفييه عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-24
    المشاركات:
    2
    الإعجاب :
    0

    http://mayonews.net/ad/showdetails.php?id=5010


    راوح : الخطاب الجهادي أشد تطرفاً من التكفيري
    الجمعة, 20-إبريل-2007
    عدن - فيصل الصوفي -
    لن اسطر تقديماً لهذا الحوار سوى القول إني طرحت أمام الاستاذ الدكتور عبدالوهاب راوح رئيس جامعة عدن قضيتين: الأولى تتعلق بالتغيير في المجتمع ودور التعليم والمتعلمين في احداث هذا التغيير الذي ازعم انه لم يحدث رغم كثرة المؤسسات والمتعلمين..وتساءلت عن الاسباب.. والاخرى هي قضية التطرف والارهاب.. في نهاية الحوار مع هذا الاكاديمي والمثقف الضخم الذي لا يستغني عنه شعبه تعلمت الكثير.. واعتقد ان الذين سيقرأونه سيتعلمون منه أكثر.

    < فيصل الصوفي: قبل عقود عندما كنا نتحدث عن مشكلاتنا والظواهر السلبية كنا نعزي ذلك الى الأمية وقلة المتعلمين .. الآن لدينا آلاف المدارس وثماني جامعات حكومية واصبح اكثر من ثلثي الذكور متعلمين ونصف النساء هن من المتعلمات.. مع ذلك مازلنا نعاني نفس المشكلات والظواهر.. كيف تفسر ذلك؟ اعني لماذا لم نتغير ولم نتمكن من إحداث تغيير عميق في مجتمعنا؟
    < الدكتور - عبدالوهاب راوح: أولاً ارحب بصحيفة «22مايو» وإدارتها المتميزة وسعيد جداً ان تنشر هذه المقابلة على صفحات هذه الصحيفة الوطنية والجادة.. واجابتي على هذا السؤال العميق الذي تناول العلاقة بين الثقافة والتعليم من ناحية وما يترتب على هذا المدخل المعرفي من تغيير في سلوك الافراد والمجتمع والامة.. وأود الاشارة ان حقيقة ارتباط التغيير بالتعليم قضية بدهية مسلم بها.. التربية والتعليم من شأنهما احداث تحول فكري وسلوكي على صعيد الفرد ومستقبلاً على صعيد الامة، ولكن ارجو ان تدرك ان التعليم وحده ليس المحرك الرئيس او الوحيد للسلوك ، فإلى جانب التعليم تأتي الثقافة او بقدر ما يأتي التعليم بمعيارية يحتكم اليها الانسان في سلوكه ونشاطاته وتحديد علاقاته مع الآخرين هناك ايضاً مدخل آخر يتمثل بالمعيارية الثقافية، والثقافة هي الغطاء الشامل والمرجع الذي من شأنه ان يؤثر في التعليم، بحيث ان التعليم يصل الى الانسان عبر القناة والشبكة الثقافية، فالثقافة هي الشبكة الحائل بين الانسان ومحيطه، وبقدر استحكام هذه الشبكة يكون تأثيرها في مدخلات الانسان ومخرجاته في ذات الوقت، بمعنى انها الوسيط المعرفي والسلوكي والمعياري الحائل بين الانسان ومحيطه، بها يستقبل وبها يرسل، وبمعنى اوضح ان تعامله مع القيم و مختلف الانشطة وبيئته و مكوناتها يأتي عبر هذه الشبكة الثقافية سلباً وايجاباً .. اذاً لاشك ان التعليم يضيء وينير ويحدث تعديلاً وتغييراً، لكنه احياناً يعمل في اطار شبكة كبيرة ومتاهة واسعة من المعايير الثقافية، وبالتالي فإن جهده يحتاج الى وقت طويل والى عدم استبطاء النتائج. والشعوب التي تحولت وتغيرت نحو الافضل لم يحدث لها ذلك خلال سنوات او جيل، فنحن بحاجة الى تراكم عبر اجيال فلا نستبطئ النتائج.
    واذا نظرنا الى حالة مجتمعنا كما كان عليه قبل الثورة وما صار اليه بعد ذلك سنلاحظ ان النشاط العام والعلاقات العامة في مجتمعنا قبل ثلاثين سنة تختلف عما هو الحال اليوم، فقد حدث تغيير بالطبع، لكنه لم يصل الى مستوى الثقافة العامة لكي يتمكن من زحزحة المعيار الثقافي ويحل محله.. اقول: لا ينبغي ان نستبطئ النتائج وعلينا ان نثق ان التعليم ستأتي ثمرته اليوم او غداً مع التذكير ان هذا التعليم ما يزال يعمل في محيط ثقافة هي بحاجة للمراجعة.
    وينبغي ملاحظة قضية مهمة وهي ان الثقافة لا تستسلم الا لثقافة.
    < قلت الثقافة لا تستسلم الا لثقافة.. كيف؟
    - خذ القات مثلاً.. انه ثقافة.. والذي يحركه هي المعايير الثقافية ، فعلى صعيد منتج القات قد يكون المحرك هو العامل الاقتصادي وعلى صعيد المستهلك المحرك ثقافي مثلاً وليس اقتصادياً.. بمعنى اوضح ان ثقافة القات مستحكمة، يدل على هذا اننا نتناوله في كل المناسبات الدينية والاجتماعية في المآتم وفي حفلات الزواج، فهل نتوقع ان التعليم يستطيع زحزحة ثقافة القات هذه.. ليس هناك ما يبشر ان التعليم في المستقبل القريب سينهي ثقافة القات .. لاشك انه سيتمكن من ذلك بعد مضي وقت طويل، او بعد اكثر من جيل، وهو يعمل ذلك اليوم ولكن ببطء شديد.
    < التعليم او التعلم يعني تغييراً ايجابياً في السلوك .. ونحن نتعلم وفي الوقت ذاته سلوكنا تجاه بعض الظواهر لم يتغير قد تكون المشكلة في التعليم ذاته.
    - شكراً على هذا التعقيب.. ولاحظ: انني كمتعلم اكتسب معايير من شأنها احداث تغيير في السلوك لكن عليك ان تدرك انني عضو في المجتمع أسعى الى تحقيق الزمالة الاجتماعية مع مجتمعي، وهذه الزمالة لن تحقق الآن اندماجي في منظومته المعيارية الثقافية.. لذلك تلاحظ ان مثقفين يتناولون القات لتحقيق هذه الزمالة، وهناك من ينفق على القات انفاقاً مبالغاً فيه تحت تأثير الثقافة الاجتماعية.. قد يكون الوضع المالي لشخص غير مساعد لاقامة حفلة فيها كثير من الترف، لكنه يضطر الى ذلك لكي يجاري التيار الثقافي احتراماً لقواعد الزمالة الاجتماعية، فليس كل الذين يتعاملون مع ثقافة القات مثلاً مقتنعين بها ، فأحدهم قد يلجأ الى ذلك لمسايرة ما هو عام وليس عن قناعة .. اعرف احدهم **** القات ليل نهار وعندما زوج ابنه اشترى قاتاً بمليون .. قناعة الفرد اذا لم تترجم الى قناعات مع الآخرين يحبط.. لذلك يضطر الى مجاراة التيار الثقافي احتراماً لقواعد الزمالة الاجتماعية مع المجتمع.
    < يعني انك تُغلِّب المدخل الثقافي في التأثير في السلوك اكثر من المدخل التعليمي؟
    - المدخل الثقافي عام والمدخل التعليمي خاص.. وانا اغلب المدخل الثقافي..
    < في قضية اخرى يا دكتور.. هناك نخب معروفة في الماضي القريب استطاعت ان تبث افكاراً جديدة وغيرت في مجتمعاتها، وفي النخب الحاكمة رغم انها كانت تعيش في ظل انظمة استبدادية بينما نحن لم نستطع ذلك في ظل الديمقراطية وحرية الفكر والرأي والتعبير.. طبعاً التعلل بقصر الفترة غير مقنع.. لابد ان هناك سبباً آخر.. مشكلة من نوع ما.. إما كسل او قلة شجاعة او..
    < التغيير يتم على اكتاف القلة.. لكن اي تغيير تعني؟ التغيير الذي يأتي على اكتاف القلة يكون في مختلف الانشطة.. لكن المساحة التي يحدثها التغيير والاستجابة التي يحدثها هذا التغيير الذي يأتي على اكتاف القلة تحتاج الى وقت.. وهذه القلة قد تصاب بالاحباط في البداية.. حتى اذا ما حدث التغيير او انتشر في الوسط العام او تحول الى ثقافة لدى العامة هنا يتحول الى معيار..
    واتفق معك ان التغيير بدايته فردية او يأتي من قبل النخب او القلة او الرواد في المجتمع، لكن التغيير لا يصبح أداة تغيير في المجتمع الا حينما يستقل عن القلة ويصبح شائعاً او قاعدة وثقافة عامة لدى افراد المجتمع، هنا يتحول التغيير الى اداة تغيير في المجتمع ويصبح ثقافة عامة.. خذ مثلاً: العلم لا يتحول الى ثقافة او معيار الا عندما يصبح ثقافة .. العلم يبدأ في اروقة الجامعات والمراكز العلمية وفي زوايا القلة المختصين والمهتمين، لكنه لا يتحول الى سلوك اجتماعي وسلوك ثقافي ومعيار عام الا عندما ينزل الى العامة ويصبح مظهراً عاماً.. وللتبسيط اقول: خذ الاتيكيت كمثال، فهو يبدأ في فنادق ذات الخمسة نجوم ثم ينزل الى الموائد والاوساط العامة، بدأ فردياً وبمرور الوقت ينتقل الى البيت ثم يتوسع الى بيوت العامة وما ان يتم ذلك حتى يكون الفندق قد جدد في الاتيكيت او انشأ تقاليد جديدة في فنون الموائد.. وخذ مثلاً آخر.. الجاذبية بدايتها كانت مع نيوتن وكانت من الاهتمامات الخاصة بعلماء الفيزياء.. اليوم تلاميذ المرحلة الاساسية يعرفون ماذا تعني الجاذبية.. يعرف ان سقوط الاجسام نحو الاسفل سببه الجاذبية.. وهنا اصبحت القضية معيارية ثقافية عامة بين ما كانت في البداية محدودة.. قضية ثقافة تنظيم النسل والصحة الانجابية كانت في البداية محصورة بالعلماء المختصين وبدوائر معرفية خاصة او بأفراد محدودي العدد .. الآن المرأة الامية في الريف لديها هذا النوع من الثقافة.
    < هناك سؤال يشغل كثيرين.. الكتاب والمثقفون يحسنون شرح المشكلات المختلفة ويقدمون تفسيرات حول اسبابها ونتائجها السلبية .. لكن هناك صعوبة واضحة من حيث تقديم افكار او حلول لها.. المعارضة تتحدث عن مشكلات وتقول السلطة لا تحسن شيئاً..وهي خاطئة بشأنها في الاجراء او القرار الفلاني او السياسة الفلانية مع ذلك لا تساعد السلطة بأية فكرة او لا تقدم أي افكار جديدة.. هذا العجز هل مرده الى اننا لم نتعلم التفكير.. قصور في نظام التعليم مثلاً؟
    - هذا سؤال جوهري وهام.. يشير الى الفجوة القائمة بينما نقول وعدم احداثه ردود افعال او افعال على الواقع.. واضح اننا نجيد الشكوى ولا نوجد المعالجات التي تقلل الشكوى.. نلعن الظلام ولا نضيء شمعة - للاسف - ان تعامل الانسان مع هذه القضايا يحدث تحت تأثيرات ذاتية اكثر من التأثيرات الموضوعية.. المعارضة مثلاً تمارس الفعل السياسي غالباً اكثر من ممارستها الفعل الوطني.. قد اكون قاسياً في هذا الحكم لكن ارجو ادراك اننا احياناً نلعب بالاوراق السياسية اكثر من تقديم افكار تفيد المجتمع والتجربة السياسية والديمقراطية.. في قضية الفتنة الدامية غير المبررة في بعض مناطق صعدة تجد ان خطاب المعارضة وهي تدرك ان خطاب قادة الفتنة يتعارض - جملة وتفصيلاً- مع الدستور والمؤسسات الدستورية ، يتعارض مع كل مقومات الشرعية ومبادئ الثورة والنظام الجمهوري، تدرك انه خطاب يروج لثقافة التخلف، ومع ذلك فإن خطاب المعارضة حيال ذلك يداهن ويتناول ما هو يومي من باب النكاية بالسياسة العامة.. اي الوطنية في خطاب المعارضة تجاه خطاب قادة الفتنة المعلن الذي يتعارض مع الديمقراطية ويدعو الى ثقافة البطنين وإعادة اليمن الى ما قبل النظام الجمهوري؟
    الكلمة مسؤولية.. واذا غابت المسؤولية تحول الخطاب الى مزايدة.. وللكلمة سوقها واذا لم يكن سوقها سوق الحقائق والفعل الايجابي والتأثير الاجتماعي فإنها تسقط في التالي.. الكلمة في هذه الحالة دالة على قائلها اكثر مما تدل على موضوعها.. فخطاب المعارضة تجاه فتنة صعدة غالباً ما يعبر عن خلفية المعارضة ونواياها المضمرة اكثر مما هو معبر عن هذه الحقيقة الدامية وغير المبررة في صعدة والمحافظة السبتمبرية والوحدوية.
    < فوق غياب المعارضة في ساحة الافكار الجيدة والخطاب الرشيد، هناك غياب للمثقفين المنتمين للمؤتمر الشعبي العام وهم اكثرية المثقفين في البلاد، فهم صامتون لا يشاركون في تحريك الحراك الثقافي والسياسي ولا يقدمون افكاراً للجمهور وللسلطة.. اين دورهم؟
    - فئة المثقفين او النخبة مأمول منها قيادة عملية التغيير، وملاحظ ان داخل هذه النخبة المثقف العضوي المرتبط بواقعه، وايضاً داخلها المثقف المعزول عن محيطه، مثقف يتعامل مع كتابه ومع حقله العملي..فليس كل منتمٍ الى جماعة حملة الاقلام مثقفاً يحمل هماً عاماً، والمثقفون المنتمون للمؤتمر الشعبي العام او بعضهم شأنهم شأن بقية المثقفين ، فلا اقول: إن المؤتمر - كلاً وتفصيلاً - يحمل هذا الهم، فهناك كوادر متميزة داخل المؤتمر تتعامل بفعالية ولها تأثير وانتاجية في مجال الشأن العام وهناك كوادر حاملة وناقلة لرسائل اكثر مما هي منتجة كالمحاضر في الجامعة.. المنتجون قلة، وحاملو الرسائل اكثرية..
    < في مشكلة الارهاب.. بعد هذا الذي حدث في عالمنا العربي هل يصح القول: اننا لا نزال بحاجة لتعريف ما هو الارهاب؟
    - هذا يشبه حكاية قديمة.. فقد كانت روما تحترق بينما كانت جماعة الحل والعقد منهمكة في خلاف حول قضية فكرية.. الآن البلدان تحترق والشغل الشاغل لبعض الدوائر هو هل هذا ارهاب أم لا.. الارهاب واضح، لكن التعريف من اصعب الامور في مجالات المناهج العلمية ، كما هو معروف، فالتعريفات احياناً تكون معقدة لكن بدلاً من الانشغال بالبحث في تعريف الارهاب يمكن اللجوء الى تحديد صفات ومواصفات الارهاب.. فالتعريف الجامع المانع - كما يقول المناطقة - مرفوض.. ويصعب الوصول الى تعريف للارهاب بسبب اختلاف مصدره واختلافات حول المنهج او منهجية وتعريف ما قد تستقر عليه دائرة ما قد ترفضه دوائر اخرى تحت مبررات او تأثيرات سياسية.. اعتقد انه مضيعة للوقت لو قررنا انتظار مجيء تعريف للارهاب.. تعريف مصطلح الارهاب لن يتم اي اتفاق بشأنه .. هذا المصطلح لن يتحدد ولن يتم اجماع دولي بشأنه، فلا نتوقع ان يظهر غداً او بعد غد في المستقبل القريب او المنظور.. المؤسسات الدولية لم تحسم حتى الآن قضية مفهوم الارهاب، وكذلك الامر بالنسبة لموقف الدوائر الفكرية من الارهاب ، لذلك اقول: ان الارهاب ينبغي النظر اليه بوصفه ممارسة مدمرة في الواقع وان لا ينشغل المجتمع الدولي في تعريف الارهاب.
    الارهاب اليوم يتجلى في نشاط تدميري لا يمكن تبريره.. احدهم يقتل ابرياء بلا مبرر سوى الاضرار بطرف ثالث على علاقة بهؤلاء الابرياء هو ارهاب.. هناك عنف مفهوم ومبرر ومقبول كالدفاع عن السيادة والمقاومة الوطنية ضد الاحتلال .. هذه كلها وسائل مقبولة وتقرها التشريعات الدولية.. لكن ان يأتي احدهم ويفجر نفسه عبر حزام ناسف في سوق شعبي مكتظ بالمارة والباعة أو يقدم على عملية انتحارية بسيارة مفخخة وسط شارع او تجمع عام مستهدفاً ابرياء.. فهذا هو الارهاب.. وان لم يكن هذا هو الارهاب بعينه اعطني تبريراً يتقبله العقل والمنطق والدين لهذا السلوك..
    < عن اسباب الارهاب يقول سياسيون ومثقفون ورجال دين : إن السبب هو ان مجتمعاتنا يعاني فيها الشباب من الفقر والبطالة وفقد الامل. بالنسبة لي ولكثيرين هذا تفسير غير صحيح والشواهد لا تدعمه .. فعلى سبيل المثال اسامة بن لادن الذي يقود اكبر التنظيمات الارهابية معروف عنه انه احد كبار الاثرياء.. الارهابيون ينفذون عملياتهم الانتحارية بأحزمة ناسفة تكلفتها اكثر من الف دولار او بسيارة مفخخة تكلفتها عشرون او ثلاثون الف دولار.. عمليات ارهابية في الاردن مثلاً استخدم الارهابيون في اعدادها وتنفيذها اكثر من 60 الف دولار.. فهل الارهاب الذي يستمد قوته من هذه الاموال مرده الى الارهابيين هم اناس متضررون من الفقر؟ لابد يا سيدي ان هناك سبباً او اسباباً أخرى غير الفقر؟ قد تكون اسباباً مردها الى الدين الذي نتدين به او ثقافتنا او اساليب التعبئة.. او التنشئة أو اسلوب التربية. كيف ترى الامر أنت؟
    < انا اتفق معك في جزئية .. الظروف الاجتماعية كالفقر والبطالة والشعور بالاحباط لا تعد مدخلاً مقبولاً لتبرير التطرف او الارهاب.. هذه تبريرات غير مقبولة في هذا الامر.. لكن دعني اقل: ان من المحتمل ان يكون الفقر سبباً للارهاب ولكن الفقر ليس هو سبباً مباشراً للارهاب بل سبباً مساعداً او غير مباشر.
    وهذه قناعتي منذ وقت مبكر وهي أن الرحم الذي يتشكل فيه خطاب الارهاب ، خطاب التطرف خطاب التعصب هو رحم الفكرة التي تستهدف نفسية معينة تلتقي هذه الذات مع هذا الخطاب فيتولد الانفجار..
    يا أخي الكريم السلفية بدأت تنعزل عن المجتمع المباشر وترتبط بفئة معينة هي فئة الصحابة.. قطعوا صلتهم بالحاضر بالحضارة الاسلامية كلها، وارتبطوا بجماعة الصحابة.. نحن نزكي هذا ونشكرهم عليه.. فالصحابة قدوة وموضع تقدير واحترام المسلمين ،ولكن لا يترتب على احترامنا لهذه الفئة ان نلغي تجربة الحضارة الاسلامية ونلغي حاضرنا او نصادر حاضرنا.. عاشوا «السلفية» في هذا الجو وسموا انفسهم باسماء الصحابة.. ابو قتادة.. ابو حفص.. ابتدع نوعاً من الخيال ليعيش اجواء هذا الصحابي او ذاك، لا يمنع ان يتقمص شخصية الصحابي فهذا سلوك حميد.. لكن يجب ان لا يترتب على تقمص شخصية الصحابي الغاء الآخرين المحيطين به، ان يلغي المجتمع والاعراف والعادات والتشريعات وما استقر عليه المجتمع من نظم وقواعد ومعايير وما استقرت عليه الأمة من تشريعات ومبادئ وقيم. لا يلغي هذا كله، وهذه هي الخطورة التي حدثت، من حيث انهم ارتبطوا وجدانياً بحياة فئة معينة وانسلخوا عملياً عن محيطهم بكل ما يحمله هذا المحيط من قيم ومثل ومبادئ ومؤسسات.. اذاً لاحظ المرض ولا حظ العرض.. الارتباط بفئة معينة هذا هو المرض الخيالي الوجداني الذي ترتب عليه وجود عرض وهو الانعزال التام عن المحيط العام بكل ما في هذا المحيط من قيم عليا.. الى هنا الخطوة الاولى المرضية بدأت حيث تدرج المرض.. فما دام المحيط العام مرفوضاً انطلق الى خطوة تالية في التعامل مع المحيط المرفوض، شعار هذه الخطوة البراء والولاء.. هذا الشعار او اللافتة الكبيرة التي يعمل تحتها السلفيون، وبالتالي لمن يكون الولاء ولمن يكون البراء، فتحدد الولاء عندهم في دائرة ضيقة وتوزع البراء على دائرة واسعة.. يبدأون بالتبروء من الاسرة، الاب، الأم، الاخ وبعدها من البيت ثم من المجتمع ثم البراء من العالم، وقد اعجبني ما قاله مرة الاستاذ الدكتور رضوان السيد حينما اشار الى ان هؤلاء الجماعة ضيقوا دائرة الولاء بحيث تقتصر عليهم وحدهم ومن ينتمي اليهم في هذا الخطاب والممارسة ووسعوا دائرة البراء بدءاً من البيت وانتهاء بالعالم .. وانا حسب تتبعي لتجربتهم اجد انهم بدأوا بدعوة الناس الى الشريعة وانتهوا باخراج الناس من الشريعة! وبعد ان اخرجوا الناس من الشريعة انطلقوا الى الخطوة التالية بعد خطوة البراء والولاء، وهذه الخطوة هي «الجهاد».. فما ان حددوا علاقتهم بالمجتمع انها علاقة براء سعوا الى تغييره او تعديله بمجاهدته.. بمعنى ان العقيدة الجهادية هي نهاية مربوط ما توصل اليه الفكر المتطرف...ابتداءً بالانعزال عن المجتمع ليتوثق بتكفيره وينتهي بجهاده.
    < حسناً.. هذا الفكر في الاخير اوصل الى الارهاب.. كيف تحل هذه المشكلة من وجهة نظرك؟
    - الفكر لا يقمع من خارج الفكر..
    < الارهاب يتخد شكلاً مادياً، قوة مادية؟
    - كما اشرت قبل قليل ان العملية بدأت ببراء من المجتمع وانتهت بمعاداته أو مجاهدته.. والآن الفكر الجهادي صار له ادبيات ومفكرون ومنظرون وابحاث ومؤلفات، خطاب جهادي يدعو الى جهاد المجتمع، وهذا الخطاب اشد تطرفاً من الخطاب التكفيري.. فهذا الاخير هو المنطقة الوسطى، فهو يكفر المجتمع ولكنه لا يدعو الى جهاده.. فالمجتمع عنده كافر لكن لا يجاهده، بينما الفكر الجهادي هو آخر محطة من محطات الخطاب المتطرف.. طيب هل هذا الخطاب وراءه سياسة؟ احياناً قدلا تكون وراءه سياسة، فأسامة بن لادن مثلاً ليس لديه مطالب شخصية او سياسية بل له خطاب مرضي لذاته، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، بدأ خطابه بالمطالبة بخروج «النصارى» من «جزيرة العرب» وليس في خطابه أي مقولات قومية أو مقولات تتعلق بفلسطين، لم ترد في خطاب القاعدة هذه القضايا، ولو تأملت في الخطاب المرتبط بهجوم 11 سبتمبر 2001م لن تجد في هذا الخطاب الذي يفسر الحدث اي اشارة الى قضية فلسطين او الصراع العربي الاسرائيلي، قضيتهم هي خروج «النصارى» من «جزيرة العرب».
    < اعود الى التذكير بالسؤال المتعلق بالحل.. الارهاب اصبح خطراً.. اكتوت بناره مصر وبلادنا والسعودية والعراق وغيرها في هذا الاسبوع لاحظت ما حدث في الجزائر والدار البيضاء؟
    - اود ان اشير الى ان العنف غير مجد في التعامل مع هذه الفئات، فالعنف لا يولد الا العنف.. مرضية يصعب معالجتها بالقمع وسأضرب لذلك مثالاً: عبدالناصر وجماعة الاخوان المسلمين في مصر، اتخذ كل الوسائل بحقها فهل انتهت تجربة جماعة الاخوان في مصر؟ بالطبع لا، بل صارت الجماعة هي الرحم الذي خرجت منه الجماعات التابعة.. الفكر لا يقاوم الا بفكر.. وانا مع مبدأ الحوار حيال هذه الجماعات.. ونهج الحوار هذا اعتمده فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح مع الفئة المتطرفة فكرياً ادراكاً منه ان الحوار هو الوسيلة الاسلم والانجع لتغيير قناعات وسلوك هذه الفئة، اذ ان آلية أو وسيلة القمع تكبت ولكنها تبقي النار مخبوءة تحت الرماد، وكثير من التجارب التي زكاها التاريخ اثبتت ان الفكر لا يقمع بشيء من خارجه، بل يقمع بفكر مضاد.. حركة الخوارج انتهت تاريخياً وهي لم تنته من خلال قمع مورس ضدها، بل انتهى فكرها بفكر آخر، وهذه الجماعات المتطرفة الموجودة اليوم هي نوع من المرض الذي اصاب الامة العربية والاسلامية في فترات طويلة من تاريخها.. فكرة الخوارج ظهرت في مواجهة رجل بوزن الامام علي بن ابي طالب، وهو رجل محترم بالاجماع.. فهل كانت مزاعمهم التي بنوا عليها خروجهم عليه ومحاربتهم له صحيحة؟ لم يكن فيه اي من تلك الادعاءات ومع ذلك خرجوا على الحاكم «الامام علي» ، وخوارج اليوم حين يدعون الى الخروج عن الحاكم يبررون دعوتهم هذه بادعاءات ومزاعم لاتقل سخفاً وضعفاً عما قاله الخوارج في «علي» .. وانا يا اخي مع قناعتك بان هؤلاء يعانون حالات مرضية في عقولهم ويبحثون لهم بعد ذلك عن مبررات خارجية كالفقر وغيره..
    < سأعود الى محور التغيير والتعليم.. ما الدور الذي تقوم به الجامعة في التنمية والتغيير داخل المجتمع؟
    - الجامعة مؤثر تغيير، وفي ظل الحرية الاكاديمية التي تتمتع بها الجامعة اليمنية اليوم- اقول غير متردد -إن الجامعة تحمل رسالتها التنويرية المعرفية والتنموية والتغييرية.. وهذه الرسالة نابعة من وحي ما تمليه عليها وظيفتها.. كانت جامعة عدن في فترة من الفترات تحمل رسالة الدولة.. مؤسسة تنشر خطاب «الحاكم» او المؤسسة الحاكمة.. بينما هي اليوم في اطار التعددية السياسية تعمل بحرية كاملة في اطار الحرية السياسية والفكرية الاجتماعية المكفولة دستورياً، فالحاكم اليوم يصل الى الحكم عن طريق الأمة من خلال صندوق الانتخابات، وليس بحاجة الى الاستعانة بجامعة لكي يصل الى الحكم اويبقى فيه.. الجامعة مستقلة كون الحاكم في اليمن يأتي عبر آليات الديمقراطية .. على عكس ما يحدث في بلدان عربية اخرى.. حيث تجد ان الجامعة تحمل اسم خطاب «الحاكم» وتحمل اسماء تدل على ذلك كناصر والفاتح.
    نظام الحكم في بلادنا ليس ايديولوجياً وبالتالي هو ليس بحاجة الى جامعة تحمل ايديولوجيته او تنشرها.. خطاب ديمقراطي حر ومستقل وبالتالي الايديولوجي ليس لها وجود او حضور في فكر الحاكم وبالتالي ليس لها حضور او فاعلية في الجامعة .
     

مشاركة هذه الصفحة