كتب زعماء وقادة المسلمين إلى من تحداهم من أعدائهم

الكاتب : أبوخالد المنصور   المشاهدات : 624   الردود : 0    ‏2007-04-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-24
  1. أبوخالد المنصور

    أبوخالد المنصور عضو

    التسجيل :
    ‏2007-03-26
    المشاركات:
    4
    الإعجاب :
    0
    أحمد علي صالح الظرافي
    بسم الله الرحمن الرحيم
    في تاريخنا الإسلامي الزاهر كتب ورسائل خالدة لا تزال حاضرة في الوجدان العربي الإسلامي حتى اليوم ، ليس لقوة كلماتها وعباراتها ، ولا لأسلوبها البلاغي الراقي – وإن كانت كذلك - وإنما لما تجسده من قوة إرادة وشجاعة الأمراء والقادة العرب المسلمين الذين صاغوا تلك الكتب والرسائل ، أو خطتها أناملهم الكريمة ، وما كان لهم من هيبة في قلوب الأعداء بحيث أصبح هؤلاء الأعداء يرتعبون من كتبهم ورسائلهم ويحسبون لها ألف حساب فما بالك بسيوفهم وجيوشهم . وهكذا فإن تلك الرسائل هي خير شاهد وأصدق برهان على ما بلغته الدولة الإسلامية من قوة وعنفوان ، وما وصل إليه المسلمون من عز ليس فقط في عصر الخلفاء الراشدين وإنما أيضا في العصور اللاحقة وطالما كان الكتاب والسنة هما دستور المسلمين ونبراس حياتهم حكاما ومحكومين .

    وفيمايلي بعض من تلك الكتب والرسائل مع مقدمة موجزة لربطها بمناسبتها وسياقها التاريخي .

    قومٌ يحبون الموت
    بعد القضاء على المرتدين والمتنبئين الكذابين في جزيرة العرب صدرت أوامر الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لخالد بن الوليد رضي الله عنه بالمسير إلى العراق لفتحها ونشر الإسلام في أنحائها . فقاد خالد الجيش وسار من نصر إلى نصر وألحق بالفرس سلسلة من الهزائم المتوالية ، وتوجت فتوحاته الظافرة بفتح الحيرة سنة 12هـ والتي أنسحب منها الفرس ولاذوا بالفرار إلى المدائن . ومن هناك بعث خالد بن الوليد إلى زعماء أهل فارس يخيرهم بين ثلاث خلال : الإسلام أو الجزية أو الحرب . فمكثوا يتشاورون فيما بينهم – وكانوا حينئذ في مخاض عسير ولم يكونوا قد أتفقوا على ملك يتولى أمرهم - ولما أبطأوا عليه ولم يحددوا موقفهم من تلك الخلال الثلاث ، ولم يردوا على الكتاب بعث إليهم بكتابٍ آخر ، يتهجم فيه عليهم ، وكان كتابا مزلزلا في معناه ، وفي مبناه ، فقد قال فيه : " ... أما بعد فالحمد لله الذي فض خدمتكم ، وفرق جمعكم ، وخالف بين كلمتكم ، واوهن باسكم وسلب ملككم ، فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلى بالرّهن واعتقدوا مني الذمة واجبوا إليّ الجزية فإن لم تفعلوا فوالله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كحبكم الحياة " .

    ولما قرأ رؤساء أهل فارس ( المرازبة ) هذا الكتاب أصابهم الفزع ووجدوا أنفسهم في موقف عصيب فلاشك أن خالد بن الوليد ، القائد العربي الذي فل حدهم وقهر جيوشهم وقتل خيار قادتهم سينفذ تهديده لهم وسيغزوهم في عقر دارهم وسيستنزلهم من عروشهم وقصورهم إن لم يبادروا بدفع الجزية كما أمرهم . غير أن القدر أمهلهم ، إذ أن خالد بن الوليد أضطر إلى مغادرة الحيرة والتوجه على رأس نصف الجيش إلى الشام لنجدة المسلمين ولقيادة معركتهم الفاصلة مع الروم في اليرموك وترك مهمة الفتح في العراق للمثنى بن حارثة الشيباني والذي بقي مرابطا في الحيرة على رأس نصف الجيش الآخر .

    رعاة الدجاج والخنازير
    ولما علم رؤساء الفرس بارتحال خالد شعروا بزوال الكابوس الذين كان جاثما فوق صدورهم وتنفسوا الصعداء ، ثم أنهم أجمعوا أمرهم من جديد وعينوا شهر برس ملكا عليهم وليتولى مهمة الحرب ضد المسلمين واستعادة الأراضي والمدن الذي سبق أن استولى عليها المسلمون ، وقد وجد شهر برس أن الفرصة مواتية للانتقام من المسلمين واستئصال شأفتهم من العراق ، لأنهم صاروا قلة ، ولرحيل خالد بن الوليد ، القائد الكبير الذي كان سببا في هزائمهم ونكباتهم السابقة ، والذي لم تهزمه جحافلهم الجرارة رغم تفوقها العددي والمادي الكبير في معركة قط .

    وما لبث شهر برس أن حشد جيشا قوامه عشرة آلاف مقاتل لحرب المسلمين وأختار له قائده الكبير هرمز وجعل على رأسه فيلا ضخما لإرهاب المسلمين . ويبدو أن كسرى كان واثقا كل الثقة من الانتصار واكتساح جيش المسلمين القليل العدد والعدة ، ولذا فقد بعث إلى المثنى كتابا قبيحا يسخر فيه من المسلمين ويستهين بهم وبحربهم – على عادة غرور ملوك الفرس وقادتهم في استخفافهم بالعرب – قال كسرى في كتابه : " ... إني بعثت إليكم جندا من وحش أهل فارس، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلكم إلا بهم "
    فبعث إليه المثنى بن حارثة ردا على كتابه بكتابٍ – نفهم من خلاله مدى عظمة وحنكة هذا القائد العربي الكبير الذي تخرج من نفس المدرسة التي تخرج منها خالد بن الوليد ألا وهي مدرسة الإسلام – فقد قال فيه المثنى لكسرى: " ...إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك وخير لنا ، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عند الله وعند الناس الملوك . وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم ، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير " .

    ولما قرأ كسرى هذا الرد البليغ أفحم ، وكان وقعه على نفسه وعلى نفوس مستشاريه الفرس أشد من هزائمهم السابقة . وفي بابل كان الجيشان الفارسي والإسلامي على موعد حيث دارت بينهما هناك معركة ضارية أبلى فيها المسلمون أحسن البلاء ، وأحاط المثنى وبعض من معه بالفيل الضخم وأمكنهم الله منه فأردوه قتيلا وبذلك صفا لهم المجال فأعملوا السيف في جيش الفرس قبل أن ينهزم هذا الجيش ويلوذ بالفرار وجعل فرسان المسلمين يتعقبونه ويقتلون منه حتى بلغوا أبواب المدائن– عاصمة الفرس وبيت ملكهم – وصدقت نبوءة المثنى ، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير .


    وفاء بغدر خير من غدر بغدر
    وفي سنة 37هـ وفي أثناء حرب صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما حاول قسطنطين الثاني قيصر الروم - المعروف بعداوته الشديدة للمسلمين – استغلال حالة الفرقة والانقسام بين المسلمين ، فأخذ يفكر في غزو الشام – وكان في حالة هدنة مع معاوية بن أبي سفيان ، وفي أيدي كل طرفٍ منهما رهائن للطرف الآخر ضمانا للوفاء - فألغى قيصر تلك الهدنة من جانب واحد وغدر بمعاوية وقام قبحه الله بقتل رهائن المسلمين الذين كانوا تحت يده وسار على رأس جيشه لغزو الشام عازما إعادتها إلى حظيرة الدولة البيزنطية ، وكانت الشام بقرة حلوبا وشيئا عزيزا فقده الروم – لدرجة أن هرقل بكى عندما غادرها مجبرا بعد هزائم جيشه فيها - وكان القيصر الجديد على استعداد أن يفعل أي شيء لاستعادتها .

    وما لبث معاوية بن أبي سفيان أن علم بالفعل المشين الذي فعله القيصر قسطنطين وما زم عليه من غزو الشام ، فغضب غضبا شديدا ، واشتد الأمر عليه ، بيد أنه لم يفقد صفة الحلم التي أمتاز بها ، إذ أنه لم يأمر بقتل الرهائن الذين تحت يده للقيصر ، ولم يمسهم بسوء ، بل أنه خلى سبيلهم واستفتح المسلمون بذلك عليهم ، وقالوا :" وفاء بغدر خير من غدر بغدر " وجعل معاوية غضبه منصبا على قيصر ، وبعث إليه بكتاب شديد اللهجة قوي العبارة قال فيه " ... والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأ صالحن صاحبي و لأكونن مقدمته إليك فلأجعلن القسطنطينية البحراء حممة سوداء ولانتزعنك من الملك انتزاع الأصطفلينة ولأردنك إريسا ( فلاحا ) من الأراراسة ترعى الدوابل "
    توقف القيصر عند هذا الكتاب وأرهبه ما فيه من تهديد شديد ، ووعيد أكيد فانسحب وعاد إلى بلاده وأحجم عن عزمه في غزو الشام وكفى الله المؤمنين القتال بكتاب , وأي كتاب ؟

    جيش أوله عندك وآخره عندي
    ومضى معاوية إلى رحمة الله وجاء بنو مروان من بعده ، وفي عهدهم زادت الدولة الإسلامية قوة إلى قوتها ومساحة إلى مساحتها ، وأمتدت من سور الصين العظيم شرقا إلى جبال البرينية غربا ، ومع بني مروان جاء الحجاج بن يوسف الذي أزال من طريقهم كل المناوئين ووطد لهم العراقين وفارس وبلاد الترك والديلم وأجزاء من الهند وكانت هيبته تملأ الأفاق ، ولم يكن أحد يجرؤ أن يناله بكلمة واحدة ، وعندما تجرأ الشاعر العديل بن الفرخ العجلي وهجاه ضاقت عليه الأرض بما رحبت وتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه ، ولم يجد مكانا يأوي إليه من عيون الحجاج التي كانت تترصده أينما حل سوى بلاد الروم حيث لجأ إلى قيصر الروم عدو المسلمين فأمنه القيصر ووفر له الحماية ، ولما انزاح كابوس الحجاج عن ذلك الشاعر وطاب مقامه في بلاد الروم – وكان الحجاج قد توقف عن ملاحقته احتقارا لشأنه - قال أبياتا من الشعر تعبر عن ما صار إليه من عز ومنعة وعن استحالة الوصول إليه من قبل الحجاج نظرا لبعده الشاسع عنه ونظرا لقوة الدولة البيزنطية التي أصبح ينعم بظلها ، ويتمتع بحمايتها ، وكان مما قاله هذا البيت :
    ودون يد الحجاج من أن تنالني بساطٌ لأيدي اليعملات عريضُ
    فترامى الشعر إلى مسمع الحجاج بن يوسف فاستفزه هذا التحدي استفزازا شديدا ، وأظلمت الدنيا من حوله ، وقام من فوره وكتب إلى قيصر الروم كتاب حربٍ جاء فيه " والله لتبعثنَّ به أو لأ غزينك خيلا يكون أولها عندك وآخرها عندي "
    وكان الحجاج إذا قال فعل وكان قيصر يدرك ذلك جيدا ، ولذا فقد بادر - وهو ليس راض - ببعث ذلك الشاعر إلى الحجاج ، فأدخل عليه ذليلا ترتعد فرائصه من الخوف ، ولما مثل بين يديه باشره الحجاج بالقول : أنت القائل : ودون يد الحجاج من أن تنالني ..فكيف رأيت ؟ أمكن الله منك ؟ بيد أن الشاعر رغم خوفه كان حاضر البديهة ، ولذا فقد أسرع بالقول يمتدح الحجاج:
    فلوكنت في سلمى أجا وشعابها لكان لحجاجٍ عليّ دليـلُ
    خليــل أميـر المؤمنين وسيفـه لكل إمامٍ مصطفى وخليلُ
    وكان الحجاج رغم بطشه يحب الأذكياء ولذلك عفا عنه ولم يمسه بسوء . عاملا بالمثل العربي الشهير خير العفو العفو عند المقدرة .

    الجواب ما تراه لا ما تسمعه
    انتهت دولة الأمويين سنة 132هـ بعد خدمات عظيمة قدمتها للإسلام والمسلمين ، وقامت الدولة العباسية على أنقاضها ، والملك لله يؤتيه من يشاء ، وقد اتسم موقف الدولة العباسية – في المائة السنة الأولى من وجودها - بنفس الصلابة مع الروم البيزنطيين ، بل إن هارون الرشيد وبعد سلسلة الهزائم التي ألحقهم بها أجبر ملكتهم ريني على دفع الجزية ، فكانت تورد سنويا سبعين الف دينار ذهبية إلى بيت مال المسلمين ، ولم يكن ذلك سهلا على كبراء الروم وشعروا أن ذلك عار عليهم وإذلال لهم ، وقام نقفور فأطاح بالملكة وجلس على العرش بدلا عنها ودشن ذلك المغرور عهده بنقض الهدنة واعلان الحرب على المسلمين وبعث بكتاب حادٍ إلى هارون الرشيد جاء فيه : " ... أما بعد : فإن الملكة التي كانت قبلي كانت أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من اموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك "

    ولما قرأ هارون الرشيد هذا الكتاب غلى الدم في عروقه ، وانتفخت أوداجه من شدة الغضب ، لدرجة أفزعت كل من حوله فوجموا ووقفوا بجانبه كالصم البكم ، واستعجم الرأي على وزيره الفضل بن الربيع – وهو اللبيب الحاذق النبيه - فكان أن أخذ الرشيد ذلك الكتاب وكتب على ظهره بيده : " من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، قد قرأت كتابك يابن الكافرة والجواب ماتراه لا ماتسمعه " وأعقب ذلك الكتاب بالتحرك من فوره على رأس جيشه لغزو بلاد الروم وحاصر مدينة هرقلة – المدينة التي ينتمي إليها نقفور - حصارا شديدا أضطر معه نقفور - الذي كان قبل عدة أيام فقط يهدد ويتوعد - أن يستجدي الصلح والموادعة من الرشيد والتزم بخراج يدفعه إليه كل عام . وعلى ذلك أنسحب الرشيد وعاد بجيشه إلى الرقة ولم يكد يصل إليها حتى بلغه نقض نقفور للعهد مرة اخرى فتحرك الرشيد على رأس الجيش من جديد ، ورغم عامل الثلوج والمطر والبرد الشديد الذي عول عليهما نقفور فإن ذلك لم يثن الرشيد ، وتمكن بعون الله وتوفيقه من إخضاعه مرة اخرى واجبره على دفع الجزية وهو صاغر ذليل ، وتبخر كل ماكان منه من تهديد ووعيد .

    ولا كتب إلا المشرفية والقنا
    نترك الآن المشرق وننتقل إلى المغرب والأندلس ، وللمسلمين فيهما بطولات وصولات وجولات لاتقل عن بطولات إخوانهم في المشرق وفيهما حدثت هذه القصة.
    ففي عام 478هـ سقطت مدينة طليطلة المنيعة - قلب الأندلس وإحدى حواضره الكبرى - سقطت بيد الفونسو السادس ملك قشاله ( الأذفونش ) وبسقوطها وجد ملوك الطوائف المنقسمين على أنفسهم بعد زوال الخلافة الأموية في الأندلس – أن الخطر عظيم وأن الخطب جسيم ، وأنه يتعذر عليهم مواجهة الفونسو السادس ، الذي كان قد عظم أمره وقويت شوكته وأصبح يهدد بابتلاعهم واستئصال كلمة الإسلام من الأندلس ، وما لبث أولئك الملوك المذعورين أن أجمعوا أمرهم وبعثوا يطلبون النجدة من إخوانهم أهل عدوة المغرب وبالتحديد من أمير المسلمين يوسف بن تاشفين زعيم دولة المرابطين القوية في المغرب وما كان لمثل هذا الأمير المجاهد الشجاع أن يخذل إخوانه الأندلسيين في مثل هذا الموقف الحرج ، ولذا فقد قبل على الفور بالتدخل .
    وبينما كان هذا الأمير اللمتوني الهمام يعد العدة لعبور مضيق جبل طارق وصل إليه كتاب من الفونسو زعيم حروب الاسترداد في الأندلس ضد المسلمين يهدده فيه بأنه سيرميه هو وجيشه في البحر إن هو عبر المضيق إليهم فرد العجوز المحنك يوسف بن تاشفين على الفونسو على ظهر الكتاب بهذه الكلمات: " أما بعد فإن الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بإذنك، والسلام على من أتبع الهدى . ثم أردف ذلك ببيت لأبي الطيب المتنبي :
    ولا كتب إلا المشرفية والقنا ولا رسل إلا بالخميس العرمرم
    وأسرع بعد ذلك في عبور المضيق على رأس جيشه فاستقبله ملوك الطوائف وعلى رأسهم المعتمد بن عباد خير استقبال وساروا معا لملاقاة جيش نقفور الذي كان قد حشد جيشا من سائر ممالك الشمال النصرنية يفوق جيش المسلمين عددا وعدة إضافة إلى المتطوعين الذين تقاطروا من مختلف دول أوروبا لقتال المسلمين تحت راية الصليب المقدس . وفي رجب سنة 479هـ التقى الجيشان في سهل الزلاقة شمالي بطليموس ودارت بينهما معركة من أكبر المعارك في تاريخ المغرب والأندلس تسمى في كتب التاريخ " معركة الزلاقة " وفيها أطبق جيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين على جيش الفونسو ومن معه وأعملوا السيف فيه وأصيب الفونسو ذاته بطعنةٍ نجلاء في فخذه سدده له أحد أبطال المرابطين وما لبث غير يسير حتى لاذ بالفرار بعد أن نجا بأعجوبة ، وترك جيشه يتعرض لإبادة شامله في قلب المعركة ، ولم يغادر الساحة منه سوى بضع مئات وهم الذين فروا مع ملكهم أو تحصنوا بشعاف الجبال أو اختفوا في الأحراش والغابات . وبهذه المعركة عاد للمسلمين في الأندلس نوع من القوة وثبت الإسلام حوالي مائة وخمسين سنة في كثير من المدن والمعاقل . إلى أن جاء الموحدون فحلوا محل المرابطين في حماية الأندلس والذب عن الإسلام فيه . ولكن أين الأندلس اليوم .
    كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامرُ

    شتان ما بين ماضٍ وحاضر
    وبعد فهذه ستة كتب – وهي غيض من فيض - من كتب القادة والزعماء المسلمين إلى نظرائهم من القادة والزعماء حينما كان المسلمون مسلمين حقا يتمثلون تعاليم ومبادىء دينهم ويعيشونها واقعا ، وليس مجرد شعائر وطقوس لاقيمة لها كما يراد للإسلام أن يكون اليوم ، ولذا تجد الفرق شاسعا بين حاضر هذه الأمة وماضيها وبقدر شعورنا بالفخر ونحن نقرأ عن تلك الكتب التي خطتها أنامل أسلافنا من الأمراء والقادة العظام بقدر شعورنا بالخزي والخيبة والصدمة ونحن نقرأ أو نسمع عن كتب زعمائنا في الوقت الحاضر ولسنا بحاجة للاستشهاد بأي منها لأنها في جملتها لا تعبر سوى عن الاستسلام والجبن والخنوع وتبعية المسود للسيد ولا تحمل أي قدر من العزة والكرامة والسبب هو غياب الوازع الديني والدافع الإيماني من حياتهم وكونهم يطلبون العزة من غير المكان الذي يجب أن تطلب منه . وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال : " كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام ومتى أردنا العزة في غيره أذلنا الله "

    المراجع
    - محمد حميد الله ، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ، دار النفائس ، بيروت ، ط 4 ، 1403هـ - 1983م
    - محمد رضا ، أبوبكر الصديق أو الخلفاء الراشدين ، دارالكتب العلمية ، بيروت ، طبعة منقحة باشراف عبد الحميد الأحدب .
    - ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، مطبعة ليدن ، 1902م
    - جلال الدين السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، دار القلم بيروت ، ط 1 ، 1406هـ - 1986م
    - أحمد العبادي دكتور ، في تاريخ المغرب والأندلس ، دار الهضة العربية ، بيروت ، بدون تاريخ أورقم طبعة .



    رجاء نشر هذا المقال في القسم المناسب
     

مشاركة هذه الصفحة