مقاربة للعلمانية

الكاتب : تركيةعبدالحفيظ   المشاهدات : 483   الردود : 0    ‏2007-04-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-20
  1. تركيةعبدالحفيظ

    تركيةعبدالحفيظ عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-19
    المشاركات:
    3
    الإعجاب :
    0
    مستفتح :
    مصطلح العلمانية من المصطلحات التي استخدمت كثيراً في عصرنا الحديث حيث اهتم به كبار المفكرين ,فعقدت المؤتمرات والندوات للبحث في مفهومه ، واحتدت المناقشات , واشتدت السجالات ، ودارت المعارك حول مدلولاته .وهو مثل مصطلحات أخرى كثيرة كالعولمة ,والحداثة وما بعد الحداثة وحتى ما بعد العلمانية أثارت الكثير من الجدل بين فريقين إحدهما منبهر ومتحمس ومشجع ومدافع ، والآخر منفعل ورافض ومهاجم وكلاهما متعصب لموقفه وإن تبادلا الأدوار ما بين الهجوم والدفاع . .
    والاقتراب من العلمانية يشبه إلى حد كبير محاولة الاقتراب من كوة مشتعلة تتقد شرراً حيث ارتبطت العلمانية بالمقدس الذي يخشى خوض غماره الكثير ....
    لذا سأحاول في هذه الورقة الالتزام بالموضوعية العلمية في طرح فكرة العلمانية ودورها في توظيف المعرفة العلمية لحل المشكلات اليومية دون الدخول في تشعبات الموضوع الكثيرة والشائقة . .

    ماهية العلمانية :
    هذه بعض التعريفات التي وضعها أهم المفكرون والمختصون وعلماء الاجتماع ، للتعريف بالعلمانية , وهي في مجملها تعريفات متباينة ومتشابهة ومختلفة:
    • يقول عبد الوهاب المسيري في كتابه العلمانية تحت المجهر بالإشتراك مع عزيز العظمة : " كلمة العلمانية هي ترجمة لكلمة " سيكولاريزم " Secularism الانجليزية ، وهي مشتقة من كلمة لاثينية " سيكولوم " Saeculum وتعني العالم أو الدنيا ، وتوضع في مقابل الكنيسة ، وقد استخدم مصطلح " سيكولار " Secular لاول مرة مع توقيع صلح وستفاليا ( عام 1648) الذي أنهى اتون الحروب الدينية المندلعة في أوروبا وظهور الدولة القومية الحديثة ( أي الدولة العلمانية ) مشيراً إلى " علمنة " ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسلطة الدولة المدنية " (المسيري ، 2004 ، 1 ) .
    • أما جون هوليك ، ( 1817 – 1906 ) فعرفها بأنها " الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض " (المسيري ، 2004 ، 1 )
    • أما حسن حنفي فقد عرفها بأنها " فصل الكنيسة عن الدولة كنتاج للتجربة التاريخية الغربية ،... ورؤية كاملة للكون تغطي كل مجالات الحياة وتزود الإنسان
    بمنظومة قيمية ومرجعية شاملة ، مما يعطيها قابلية للتطبيق على مستوى العالمي " (المسيري ، 2004 ، 1 )
    • في كتابه سقوط العلمانية يقول أنور الجندي عن العلمانية : " العلمانية كلمة ذات أكثر من مدلول وذات تاريخ طويل إن لفظ علمانية هو ترجمة للكلمة اللاتنية Secular ومعناها في اللغات الأوروبية " لا ديني" ( الجندي ، ط بلا :7 ) . ويعرفها أيضا بأنها " الدعوة إلى الاعتماد على الواقع الذي تدركه الحواس ، ونبذ كل ما لا تؤيده التجربة ، والتحرر من العقائد الغيبية التي هي عندهم ضرب من الأوهام ومن العواطف بكل ضروبها وطنية كانت أو دينية ، بزعم أنها تضلل صاحبها ، أو وتحول بينه وبين الوصول إلى أحكام موضوعية محايدة " ( الجندي ، ط بلا : 39 ) .
    • وعن ماهية العلمانية يقول سهيل فرح في كتابه : (العلمنة المعاصرة بين ديننا ودنيانا) : " إنها تعطي الأولية للعقل في تنظيم شؤون الدنيا والدولة وعلى المستوى السياسي تكفل الحرية وتصون مختلف الحقوق للجميع . وعلى العلاقة مع المقدس فإنها تضمن الحياد الكامل لها بل الاحترام لكل الأديان – بهذا المعنى فإن العلمنة موقف معرفي وروحي يأخذه الإنسان من دينه ودنياه من اجل الوصول الى الحقيقة فالعولمة موقف من الذات الإنسانية يتجاوز الخصوصية الدينية – الطائفية والاثنية من اجل الوصول الى المعرفة العلمية التي تحرص بشكل دائم ومتجدد على نشر الحقيقة المطابقة لوقائع الامور ولكونها ليست مرتبطة بفئة معينة دون اخرى او لحضارة اخرى فهي تفرض نفسها كموقف معرفي وبشكل متساو وحتمي على جميع البشر بلا استثناء ( فرح ، 1997 : 108 )
    • والعلماني في قاموس أكسفورد وهو ( ما ينتمي إلى هذا العلم لآني والمرئي ، أي عالم الحواس الخمس ) وهو (( ما يهتم بهذا العالم وحسب )) و ( ينتمي للحياة الدنيا وأمورها ) (العلوي ، 2004 : 5 )
    • وعرفت العلمانية في قاموس أكسفورد بأنها " العقيدة التي تذهب إلى إن الأخلاق لآبد أن تكون لصالح البشرفي هذه الحياة
    ( الدنيا ) ونستبعد كل الاعتبارات الأخرى المستمدة من الإيمان بالله أو الحياة الأخرى ( الآخرة ) و العلمنة هي صيغ الفنون والدراسات بصفة
    • علمانية غير مقدسة ووضع الأخلاق على أسس نفعية متجاوزة للأخلاق " (العلوي ، 2004: 9) .
    • ويعرف توماس فورد هلت العلمانية في معجمه (علم الاجتماع المعاصر)" باعتبارها منظومة متكاملة تحتوي على ميتافيزيقيا ، واضحة ورؤية شاملة للكون " (العلوي ، 2004: 9) .
    • ماكس فيبر عالم الاجتماع الالماني رأي ان العلمانية " باعتبارها رؤية شاملة ، تتحق عبر الزمان والمكان وتمتد لتشمل كل المجالات الإنسانية العامة والخاصة " (العلوي ، 2004: 9 ) .
    • تقول دائرة المعارف البريطانية مادة ( Secularism ) هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها" (الحوالي، 2004)
    • أما في المعجم الدولي الثالث الجديد فهي " اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألا تتدخل في الحكومة ( المرجع السابق ، 2 ) .
    • في كتابه الأسس الفلسفية للعلمانية يقول : عادل ظاهر إن العلماني (بكسر العين ) هو من يتخذ من المعرفة العلمية كما هي ممثلة في العلوم الطبيعية ، بخاصة ، نموذجا لكل أنواع المعرفة . انه يتبنى وجهة النظر الوضعية ، .... مما يعني عدم اعترافه بإمكان المعرفة الخلقية أو الدينية أو الميتافيزيقية لان القضايا المزعومة لأي منها لا يمكن إخضاعها حتى من حيث المبدأ لمعايير العلم " ( ظاهر ، 1998 ، 37 – 38 ) .
    • أما محمد مهدي شمس الدين يرى أن العلمانية هي فكرة أوروبية نشأت لحل مشكلة أوربية فرضتها معطيات ارتبطت بالتجمعات الأوربية في ظل شروط تاريخية معينة ..... وان المبررات النظرية للعلمانية التي استنبطها الفكر الأوربي من مجمل النظريات الفلسفية والاجتماعية – السياسية التي ظهرت بين الفلاسفة والمفكرين الاوربين منذ القرن السادس عشر – هذه المبررات لم يوجد في الإسلام ما يدعو إليها على الإطلاق " ( المرجع السابق : 90 – 91 ) .
    • المفكر نديم البيطار يرى أن " الفكرة العلمانية تعبر عن مذاهب إنسية تتناقض مع الرؤيا الدينية للإنسان والتاريخ والحل الذي تقدمه ثم تنقل هذا من عالم ما ورائي إلى هذا العالم. هذه الفكرة تعبر عادة عن أيديولوجية انقلابية تتحول إلى دين علماني " ( البيطار ، 2000، 63)
    • يقول محمد أركون عن انبثاق مصطلح العلمانية " حسب الاثيمولوجيا ( علم أصول الكلمات ) فإن كلمة Laicos اليونانية تعني الشعب ككل ما عدا رجال الدين ، أي بعيداً عن تدخلهم في حياته في لاثينية القرن الثالث عشر نجد ان Laicus تعني الحياة المدنية او النظامية ... وهكذا يحصل التمييز ما بين الشعب الذي يعيش حياته الخاصة بكل معطياتها وبين رجال الدين .

    • الذين يتدخلون في هذه الحياة من اجل ضبطها بطريقة ما " ( أركون ، 1998 ، 291 ) .
    • ويعرف أركون العلمنة بقوله : " العلمنة هي أكثر من مجرد التفريق البسيط بين الشؤون الروحية والشؤون الزمنية . إن تفريقا كهذا موجود عمليا في كل المجتمعات حتى عندما ينكر وجوده . ويحجب بواسطة المفردات الدينية " ( أركون ، 1987: 180 ) .
    • ويصفها أركون أيضا بأنها " أولا وقبل كل شئ إحدى مكتسبات وفتوح الروح البشرية " ( العلوي ، 2004 : 1 ) .
    • وفي "المؤسسات السياسية" يعرفها عبد الوهاب الكيالي بأنها " مفهوم سياسي اجتماعي نشأ إبان عصور التنوير والنهضة في أوروبا عارض ظاهرة سيطرة الكنسية على الدولة وهيمنتها على المجتمع وتنظيمها على أساس التنظيمات الدينية والطائفية . ويرى .... " إن من شأن الدين أن يعني بتنظيم العلاقة بين البشر وربهم ) ونادى بفصل الدين عن الدولة بتنظيم العلاقات الاجتماعية على أسس إنسانية تقوم على معاملة الفرد على انه مواطن ذو حقوق وواجبات وبالتالي إخضاع الحياة السياسية لإرادة البشر وممارستهم لحقوقهم وفقط ما يرون وما يحقق مصالحهم وسعادتهم الإنسانية " ( العلوي ، 2004 : 1 – 2 ) .
    • يعرفها محمد أحمد خلف الله بأنها : " حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية عن السلطة الدينية ، وليست فصل الدين عن الدولة ، ولا تمنع حركة الفصل هذه من أن تعمل السلطتان جنباً إلى جنب في الحياة.إن الواحدة منها لن تحل محل الأخرى أو تلعبها ، وإنما تعمل حرة مستقلة من غير أن تتأُثر بالأخرى أو تؤثر فيها " ( نفس المرجع ، 2004 ، 6 ) .
    • أما حسين أمين فيرى أن العلمانية " محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة وعن المسلمات الغيبية " ( المرجع نفسه ، 6 ) .


    نشأة العلمانية :
    وعن نشأة العلمانية تكاد تتفق آراء الجميع على أنها ولدت من رحم التجربة الغربية ونمت وترعرت في أحضان الغرب منذ عصر التنوير الذي مهد لها فكان كالطلق الذي يسبق عملية الولادة وكانت ولادة العلمانية في الغرب ولادة طبيعة وان كانت عسيرة ذات مخاض طويل . و أما في الشرق وخصوصا في عالمنا الغربي فإن ولادة العلمانية كانت فيصريه استخدم فيها الجراح الاوربي ادواته ومباضعه فكانت مولودة مشوهة لعدم فهم الشرق لمعنى العلمانية وتفسيرها تفسيرات يغلب عليها التعصب الأعمى , ورفضها رفضاً قاطعاً لأنها تمس الدين المقدس, وهناك من تبنى العلمانية الغربية التي لا تتمشى مع عاداته وتقاليده فتنكر لماضيه وتراثه بل وتبرأ من دينه معتقداً أن العلمانية هي الإلحاد . .
    وعن نشأتها يقول محمد أركون " لكي نتبع أصول ونشأة ما نسميه بالعلمنة فإنه ينبغي علينا رصد مجموعة من الوقائع والأحداث المتتالية التي جرت على أرضية المجتمعات البشرية ، ثم رصد العلاقات المتشابكة بين الشعب وطبقه رجال الدين" ( أركون ، 1998 ، 292 ) حيث ارتبطت نشأة العلمانية في الغرب " بمبررات فكرية وسيكولوجية وتاريخية لثورة رواد الإصلاح في الغرب على المؤسسة الدينية ثورة استهدفت تحرير الإنسان وتنمية المجتمع ... المسيحية مسؤولة عن نشأة ونجاح العلمنة في الحالة الغربية " (التميمي،2004 :1)
    فكانت العلمانية في الغرب تعني : تقسم الحياة ما يخص الله لله وما يخص قيصر لقيصر , كما ان مفهومها يتضمن الآتي:
    1. غياب تشريع دنيوي .
    2. ارتباط المسيحية بأنظمة الحكم للبابوية المستبدة والظالمة .
    3. إدعاء القساوسة ورجال الدين بتمثيل الله على الارض (التميمي،2004 :1) .وبذلك فإن العلمانية جاءت كثورة على النفوذ الديني للبابوية اشعل شرارتها عصر التنوير ومع تطور مسيرة العقلية الكونية اضحت العلوم الانسانية تحتل مكانتها الطبيعية في تأويل الظواهر الحياتية المتنوعة وكل علم انطلق من مفاهيمه ومصطلحاته ومناهجه الدنيوية المملوسة دخل التاريخ الحديث والمعاصر عصر التخصص وعلمنة الفكر والمؤسسة على حساب الايمان ، المؤسسة الدينية .. مع العصر الجديد بدأ التمايز ظاهراً بين انواع الوعي انساني حيال الظواهر المتنوعة والمتعددة المحيطة به . وترك انعكاسه على كل الميادين المعرفية . " ( فرح ، 1997 : – 19- 20 ) . والعلمانية بذلك هي المنهج العلمي في الحياة , الذي يجعل من العقلانية وسيلة المجتمعات للتحديث وفي نفس الوقت مؤشرات له.
    سمات وخصائص العلمانية :
    1.عقلية منهجية علمية حيث اعطت الأهمية القصوى لدور العقل بعد ان أضحت المسائل الدنيوية مسائل تجريبية – يجب على العقل العلمي أن يحلها بحسب امكاناته الخاصة المرتكزة على المنطق والمنهجية والنظرة العلمية للمعرفة" ( فرح ، 1997 : 66 ) .
    2.رفضها للجمود والتحجر والتعصب العرقي والديني ( ضاهر ، 1998 : 42 ) .
    3." فكرة الحياد الإيجابي للدولة بأجهزتها وأدواتها وممثليها ومؤسساتها إزاء الأديان والمذاهب الموجودة في مجتمع ما ، والمؤلفة لشعبه وبخاصة في المجتمعات التي تحوي اقليات دينية كبيرة ومؤثرة وفاعلة " ( العظم ، 1998 :9 ) .
    4.المساواة بين المواطنين امام القانون وفي الفرص والواجبات والحريات .
    5 .حرية الضمير والمعتقد (العظم ، 1998 : 9 ).

    نمط التفكير العربي والعلمانية :
    عرف الدكتور مصطفى التير نمط التفكير بأنه " الأنشطة الذهنية التي يوظفها الفرد لفهم ما يجري حوله من أحداث وظواهر ، وتسخير إمكانات البيئة المحيطة به لأغراض تخدم أهدافه . " ( التير ، 1992 : 68).
    ويشترط د. التير لحصول الفهم أو بلوغه توافر قدر من المعارف والخبرات وطبيعة هذه العملية تراكمية وترابطية وتنتقل بين الأفراد وبين الأجيال " (التير ، 1992: 68 ) ويرى أيضا أن نمط التفكير السائد في أي مجتمع وأي زمن يرتبط بنوع المعرفة السائدة في ذلك المجتمع فلو حصلت المعرفة السائدة في ذلك المجتمع باستخدام النهج العلمي كانت معرفة علمية ، اما إذا كانت بوسائل اخرى غير النهج العلمي تكون المعرفة حينئذ معارف غير علمية ، اما عن سبب سيادة نمط تفكيري معين فإنه يرجعه الى الأسلوب المتبع في التربية والتعليم الذين قد ارتبطا في مجتمعنا العربي بالمكانة الاجتماعية لحامل المعرفة نفسه وللمعرفة التراكمية نفسها حيث يتبوأ حامل المعرفة مكانة اجتماعية مرموقة وباقي العرب من خارج إطار المكانة الاجتماعية المتميزة يرون أن اصحاب المعرفة هم أصحاب الحلول النهائية التي يقبلونها كحقائق لا تقبل النقاش والإضافة " (التير ، 1992 : 70 ) مما أدى ذلك إلي اكتساب المعرفة التلقينية المعتمدة على الحفظ دون فهم واستيعاب ويؤدي كل ذلك الى :
    1. غياب الذات والتعبير عنها .
    2. غياب الرأي المخالف والنقد .
    3. السلبية والقبول بالواقع .
    4 .استخدام التفسير الغيبي في تحليل كثير من الامور .
    وبذلك كان المجتمع الشرقي والعربي خاصة متخلفاً لابتعاده عن النهج العلمي " فالغرب لم يتفوق على شرقنا بلون ناسه ولا بقوة عضلاته ولا بخصائص مناخه ، بل ان تفوقه الاساسي برز في العلم وتطبيقاته في الحياة . ( فرح ، 1997 : 16 ) . ويتساءل د. التير : لماذا يبدو العقل العربي متخلفاً من جانبه التجريبي ، وغارقاً في الاحلام ومرتاحاً مع الماضي ؟ ويجيب قائلاً : " محنة العقل العربي ذي الهوية اٌلإسلامية ليست في تعاليم الدين الاسلامي ومبادئه بقدر ما ترجع الى الكيفية التي ترجمت بها هذه المبادئ والتعاليم الى واقع معاش " (التير ، 1992: 77) .
    والإجابة التي وضعها د. التير عن سؤاله تقودني الى نقطة اخرى مهمة وهي العلمانية والإسلام . .
    العلمانية والإسلام :
    مرت قرابة خمس قرون , رزح الوطن العربي خلالها تحت نير الحكم العثماني الذي ادخل بلادنا العربية ظلمات حالكة , فتخلف عن ركب التقدم , والتطور الحاصل في اوروبا حينها , وما أن تخلصت من الترك حتى انقض عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي مما زاد في غياب روح الإبداع والابتكار ولم تظهر حركات تنويرية إلا بعد حملة نابليون على مصر وبجهود رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده والعقاد ومصطفى عبد الرازق ، وطه حسين وغيرهم داعين في كتاباتهم إلى التنوير الفكري ( الشيبي ، 2002 ، 166 : 167 ) .
    وقد أسهمت كتابات المعتزلة والجاحظ وابن حيان التوحيدي وابن المقفع والفارابي وابن رشد وابن خلدون وغيرهم .... في وضع اللبنات الأولى للتوفيق بين النزعة التجريبية والنزعة التجريدية الرياضية في فلسفة العلم . وفي تطور العديد من العلوم .... ومن فكر كل هؤلاء .... كانت تشع مواقف عقلانية علمية نقدية حيال كافة المسائل المتعلقة بشؤون ديننا ودنيانا ... الا ان التيار الدنيوي الأصولي كانت له الغلبة في هذا وكل التيارات والملل التي قلصت دور العقل العلمي في الفكر الإسلامي بدءاً من القرن الحادي عشر ميلادي حيث طغى على الذهن العربي الاسلامي ، التصورات اللاعقلانية واستمرت حتى يومنا هذا ( فرح ، 1997 ، 98 – 99 ).
    حيث رأوا في التفكير العلمي وهو علمنة التفكير , وفي علمنة وظائف الدولة وهو العلمنة السياسية , وفي علمنة الاجتماع و هو اعلانً للحرب على الإسلام والمسلمين ونعتوا كل مناد بالعلمانية او مرحب بها بالإلحاد ووصفوه بالكافر الملحد . واصبحت العلمانية " تمثل ذريعة وموضوعاً ايدلوجياً موجهاً لنقد إلحاد الغرب وماديته . كما انها عبارة عن اضفاء النزعة المادية السطحية على المجتمع عن طريق استيراد الالات والسيارات وكل وسائل الاستهلاك من هذا الغرب المنقود بالذات . ( أركون ، 1987 : 182 )
    ومع أن الإسلام دين علماني : فالعلمنة موجودة في القرآن وفي تجربة المدينة ، فقد كانت الدولة الاموية والعباسية علمانيتين لعبت فيها القوة العسكرية دورها في حفظ نظام الخلافة (أركون ، 1987 : 183 ) حيث كانت الدولة في خدمة الدين , واولياء الامر يسيرون دولتهم حسب منهج الدين , وما كان هذا ليحدث , لولا علمانية الاسلام . لأنه دين يجمع بين الدين والدنيا , فيه منهج الحياة الدنيا واضحاً , وكذلك منهج الحياة الأخرى , لذلك هناك من يرفض تعريف العلمانية بأنها فصل الدين عن الدولة مثل محمد عابد الجابري الذي يرى ان هذا المصطلح لا يلاءم الواقع العربي الإسلامي مقترحاً استبداله بفكرة الديمقراطية والعقلانية قاصدا بالديمقراطية " حفظ حقوق الأفراد والجماعات و"العقلانية " الممارسة السياسية الرشيدة (المسيري ، 2004 ، 1) ونجد رأيه يتفق مع رأي د.مصطفى التير باستخدامهما المشترك للعقلانية التي هي التفكير العلمي , وعندما نتأمل خصائص العلمانية نجد انها تتفق مع الرؤية الاسلامية كمنهج , حتى ان حرية المعتقد قد جاء بها الاسلام منذ قرون طويلة عندما نزلت سورة "الكافرون" لكم دينكم ولي دين , وهو ايضاً يرفض الغيبيات فما يعلم الغيب الا الله , وكذب المنجمون ولو صدقوا , وأ عمل لدنياك كأنك تعيش ابدا , واعمل لاخرتك كأنك تموت اليوم , وكل ذلك لهو دليل قاطع على ان الاسلام دين دنيوى ولا يمكن فصله عن الدولة , والدولة يمكن لها ان تكون دولة سيادة وقانون وتشريعات بدون التخلى عن الدين وقوله سبحانه وتعالى:"وامرهم شورى بينهم " لأكبر دليل على ان الشورى هي اساس قيام أي دولة , وبالتالي لا يمكن الفصل بين الدين والدولة في العالم الاسلامي , وقد يكون ممكناً ذلك في بعض المجتمعات المكونة من ملل ومذاهب وديانات مختلفة مما يستدعي قيام سياسة رشيدة تقوم على مبدأ الديمقراطية واعطاء الفرصة للجميع بدون تفرقة أو تمييز . .

    وفي الختام : اؤكد على مدى حاجتنا الفعلية لأن تكون طريقة تفكيرنا عقلانية تعتمد على المنهج العلمي الصرف الذي يؤكد على تطبيق منهجيات العلم والعقل ويبتعد عن التفسير الغيبي والتحليل الظني ، دون التهجم على الأديان أو التعرض لها .
    ولمن يرى في العلمانية تطرف وكفر أقول ما قاله د. سهيل فرح في كتابه " العلمنة المعاصرة بين ديننا ودنيانا " نحن بحاجة ماسة جداً الى علمنة تفكيرنا اولاً ومؤسساتتنا ثانياً ، فالعلمنة مكسب تاريخي جبار لكل البشر وهي سلام قوي الفعالية وبالذات لاؤلئك الذين يكافحون من اجل تحريرهم الحقيقي من الجهل والتخلف "(فرح : 1993 ، 35 )

    المراجــــع : :
    1• أركون ؛ محمد ، تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، بيروت : مركر الانماء القومي ، ط3 / 1998.
    2• أركون ؛ محمد الفكر الاسلامي قراءة علمية ، بيروت : مركز الانماء القومي ، 1987.
    3• التميمي ؛ عزيز ، جذور العلمانية في المجتمعات العربية : ورقة معدلة عن الأصل المنشور في كتاب ، www.ii_bt.com.
    4• التير ؛ مصطفى عمر ، مسيرة تحديث المجتمع الليبي : موائمة بين القديم والجديد ، بيررت : معهد الانماء العربي 1992.
    5• الحوالي ؛ سفر بن عبدالرحمن ، تعريف العلمانية ، محاضرة : موقع الدكتور سفر الحوالي , الشبكة العالمية للأنترنيت.
    6• الشبيني ؛ محمد ، صراع الثقافة العربية الاسلامية مع العولمة ، بيروت : دار العلم للملايين 2002.
    7• ضاهر ؛ فرح ، الأسس الفلسفية العلمانية ، بيروت : دار الساقي ، ط2 ، 1998.
    8• العظم ، صادق جلال ، العلمانية والمجتمع المدني ، القاهرة : مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الانسان ، 1998.
    9• العلوي ؛ مجتبي ، قراءة في كتاب العلمانية تحت المجهر ، www.annabaa.org .
    10• فرح ؛ سهيل ، العلمنة النعاصرة بين ديننا ودنيانا ، بيروت : المركز الثقافي العربي ، 1997.
    11• المسيري ؛ عبدالوهاب www.khama.com ، الشبكة العالمية للأنترنيت.2004.


     

مشاركة هذه الصفحة