الحكومة اليمنية الجديدة.. سياسة التغيير وتغيير السياسة

الكاتب : saleh mubarak   المشاهدات : 478   الردود : 0    ‏2007-04-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-17
  1. saleh mubarak

    saleh mubarak عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-26
    المشاركات:
    153
    الإعجاب :
    0
    الحكومة اليمنية الجديدة.. سياسة التغيير وتغيير السياسة
    تشكيل فتعديل في اقل من اربع وعشرين ساعة:

    بعد كل قرار يتخذه الرئيس صالح يُعلن حزبه مفاجأته وعدم علمه به وانه لم يُستشر في الامر، وان الرئيس لم يرجع الي مؤسسات حزبه للتداول واخذ راي قيادات الحزب، ربما يظن الحزب الحاكم ـ وبعض الظن اثم ـ ان من حقه كبح جماح الرئيس فيما يتخذه من قرارات او علي الاقل مشاركته في السياسات التي ينتهجها، وهو بذلك يحاول ايجاد مسوغ لحديثه المكرور عن دولة المؤسسات وانتهاء عهد الفردية واحتكار السلطة في ظل ديمقراطية المؤتمر، بيد ان قرارات الرئيس وكثرة مفاجآته لا تُسعف الحزب الحاكم او تتيح له فرصة خلق الارضية التي يروم الاتكاء عليها فيما يذهب اليه، حتي الآن لم يفهم المؤتمر ـ وربما لا يريد ان يفهم ـ ان فترة ثلاثين سنة من حكم الرئيس اهلته ومنحته الحق في اتخاذ القرارات المصيرية دون الرجوع الي مؤسسات الحزب او الدولة التي يحكمها جميعاً، ولهذا يبدو المؤتمر في كل مرة وكانه آخر من يعلم، لكنه بالتأكيد يعلم ان مؤسسات اخري هي اقرب للرئيس من مؤسساته تمارس تأثيراً قوياً علي قراراته، تلك المؤسسات غير المعلنة الاكثر التصاقاً بالرئيس والاشد قرباً منه من مؤسسات الحزب او مؤسسات النظام الحاكم المرتكزة علي الشرعية الدستورية والممارسة الديمقراطية المعمدة بالعملية الانتخابية مُتهمة بادارة البلاد وصناعة السياسات وتوجيه النظام وفقاً لمصالحها الخاصة بعيداً عن السياسات الرسمية المعلنة، لكن وبصرف النظر عما يقال لا يمكننا مجاراة اصحاب هذا الراي الي الحد الذي نُقلل فيه من تاثير الحزب الحاكم في صناعة القرار السياسي اليمني، فالمقربون من شخص الرئيس ـ صانع القرار الاول ـ هم في الاغلب قيادات مؤثرة داخل الحزب الحاكم نفسه، وهؤلاء يمارسون نفوذهم الحزبي عبر مؤسسة الرئاسة لا مؤسسات الحزب، وهي الصورة النمطية المعمول بها في معظم انظمة الحكم العربية الرئاسية.

    حكومة جديدة وملفات قديمة

    في اول لقاء صحافي له قال رئيس الوزراء المكلف علي محمد مجور نحن جنود لفخامة الرئيس، وبالطبع فان ذلك لا يعني ان من سبقوه لم يكونوا جنوداً للرئيس، غير ان الفارق هنا يكمن في ان السابقين خذلوه في معركة الاصلاحات ومحاربة الفساد في حين ان القادمين الجدد ربما يتوقعون نجاحهم في تلك المعركة.
    والحقيقة ان احدي اكثر مشاكلنا في هذا البلد هي تنافس الجميع في ان يكونوا جنوداً للرئيس لا جنوداً للوطن، هذه القاعدة ارساها احد المسؤولين في انتخابات الرئاسة الماضية حينما اعلن علي الملأ انه لا يشرفه البقاء في منصبه كمحافظ في حال لم يكن الرئيس صالح موجوداً علي راس السلطة.
    علي كل حال تم الاعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة التي لم تكن جديدة بما فيه الكفاية وفضلت الابقاء علي اغلب ما هو موجود، لكن وفي اقل من اربع وعشرين ساعة تغيرت مواقع بعض الوزراء علي قاعدة كلام الليل يمحوه النهار، ولا غرابة فالعشوائية والتخبط سيدا الموقف في كل حكومات المؤتمر، ومنذ الانتخابات الرئاسية الماضية التي اجريت في العشرين من ايلول (سبتمبر) 2006م يُعد هذا التشكيل الحكومي هو التعديل الثاني لحكومة المؤتمر الشعبي العام، وكلا التعديلين تأخرا عن موعدهما وعكسا طبيعة الضغوط الخارجية التي تواجهها البلاد لتحقيق خطوات عملية وحقيقية في قضايا الاصلاح ومكافحة الفساد، وقد جاء التشكيل الجديد لحكومة المؤتمر متزامناً مع بعض الاجراءات التي اعلن عنها الحزب الحاكم لتاكيد جديته في المضي علي طريق الاصلاحات، من ذلك الانتهاء من عملية اختيار اعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي جاءت مُخيبة للآمال كما هو متوقع، ومن ذلك ايضاً دعوة الحزب الحاكم شركاء العمل السياسي في اللقاء المشترك للعودة الي طاولة الحوار، بالاضافة الي مسارعة المؤتمر لانهاء خلافاته السابقة مع احد ابرز قياداته القبلية والاجتماعية الشيخ حسين بن عبد الله الاحمر، وكان المؤتمر يحاول بذلك ان يقود عملية مصالحة شاملة داخل البلاد يستثني منها جماعة الحوثيين الذين ما زالوا يواجهون النظام في جبال صعدة حتي الساعة. الملفات التي ستقف حيالها الحكومة الجديدة هي نفسها التي كانت امام الحكومة السابقة والتي قبلها، اصلاح الاوضاع الاقتصادية بكل تشعباتها، طمأنة الخارج بوجود توجهات حقيقية للبدء في تنفيذ الاصلاحات المطلوبة وبالاخص في مجال مكافحة الفساد، اما الملف الامني المتعلق بمكافحة الارهاب والتعاون الدولي في هذا الجانب فربما هو الملف الاكثر نجاحاً في برامج حكومات المؤتمر المتعاقبة، وسيكون من ضمن اولويات الحكومة الجديدة ـ حسبما هو متوقع ـ العمل علي انجاح البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية، لكن مراقبين سياسيين يتوقعون نفس النتيجة التي وصلت اليها حكومة باجمال السابقة، والسبب من وجهة نظرهم ان السلطة الحقيقية وقرار التغيير لا تمتلكها اي من هذه الحكومات التي ينحصر دورها في تنفيذ السياسات فقط لا في رسمها، ويضيف هؤلاء ان النظام يلعب علي وتر تغيير الوجوه لا السياسات في محاولة منه لاقناع المانحين الدوليين بصدقية توجهاته الاصلاحية.

    دور الضغوط الخارجية

    في اول تعديل وزاري (سابق) علي حكومة المؤتمر الشعبي العام ادخل الرئيس صالح بعض الوجوه الجديدة الي التشكيل الجديد (مثل وزير المالية) في الوقت الذي ابقي علي رئيس الوزراء (عبد القادر باجمال) الذي اُضيف اليه منصب امين عام المؤتمر (الحزب الحاكم) في وقت سابق (في المؤتمر العام السابع للحزب الحاكم المنعقد في منتصف كانون الاول (ديسمبر) 2005م ليتحول بذلك الي الرجل الاقوي داخل حزب المؤتمر ـ بعد الرئيس صالح ـ وليكون ذلك بمثابة اعلان عن مدي تمسك الرئيس به، ويبدو ان نجاح الحكومة اليمنية في عقد مؤتمر للمانحين اواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2006م في العاصمة لندن وحصولها علي تعهدات مالية بـ(5.7) مليار دولار للبدء في تاهيل اليمن اقتصادياً للحاق بركب دول مجلس التعاون الخليجي اعطي مبرراً لاستمرار باجمال في رئاسة الحكومة علي الاقل من وجهة نظر يمنية بحتة، لكن مجموعة الدول المانحة لم يقنعها اداء تلك الحكومة وتركت المجال لسيل من التقارير الدولية التي انتقدت بشدة النظام اليمني وخصوصاً فشله في محاربة الفساد، وذهبت التقارير الدولية الصادرة عن مراكز ابحاث قريبة عادة من صانعي القرار في دولها الي ابعد من ذلك بكثير حينما وصفت نظام صنعاء بانه يستخدم الديمقراطية كوسيلة لشرعنة نفسه، وان اليمن خرجت من الانتخابات الرئاسية الماضية كدولة سلطوية تعددية اكثر منها دولة تسير نحو الديمقراطية، الي جانب ذلك فقد مارست الدول المانحة بما فيها دول الخليج شكلاً آخر من الضغوط علي النظام الحاكم حينما قررت تاجيل انعقاد مؤتمر اكتشاف فرص الاستثمار في اليمن مرتين متتاليتين، وما اشيع حول التاجيل ـ آنذاك ـ هو اعطاء الفرصة لمشاركة اكبر قدر من شركات الاستثمار في المؤتمر، بالاضافة الي منح المزيد من الوقت للمعنيين للاعداد الجيد للمؤتمر. بيد ان ما يمكن قراءته من ذلك التاجيل المتكرر هو وجود رغبة ملحة لدي المانحين باجراء تعديلات علي الحكومة اليمنية وهذا بالفعل ما تناقلته بعض المصادر الصحافية حيث اكدت ان بعض الدول المانحة اشترطت تغيير رئيس الوزراء لضمان الوفاء بتعهداتها المالية لليمن.
    ويجدر التنويه هنا الي ان اليمن ـ وتحت الضغوط الخارجية ـ استجابت في وقت سابق لمطالب المانحين في ضرورة تشكيل هيئة وطنية مستقلة لمحاربة الفساد بعد ان فقد المجتمع الدولي ثقته بالمؤسسات الرسمية، كما اُجبرت اليمن علي الانضمام الي مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية التي تهدف الي رفع مستوي الشفافية في ايرادات الدولة من صناعات استخراج النفط والغاز والمعادن، وكان مؤتمر المانحين في لندن اشترط علي الحكومة اليمنية الانضمام الي هذه المبادرة ورفع تقارير دورية عن ايرادات ومصروفات الحكومة اليمنية في هذا الجانب، ومؤخراً قدمت الحكومة اليمنية تنازلاً جديداً تمثل في موافقتها علي ادخال تعديل جديد في قانون الجمعيات يمنح مشروعية واحقية ان تتواصل المنظمات (المحلية) مع الجهات الداعمة لنشاطها، كما يمكن للجمعيات تلقي الدعم الكامل من اي جهة ترغب. وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية اليمني الذي اعلن عن التعديل الجديد لم ينس ان يحذر الجمعيات والمنظمات من خطر التدخلات الحزبية في الداخل بعدما اصبح التدخل الخارجي مشروعاً بنص القانون، حيث اكد علي ان العمل الحزبي يُفسد العمل المدني وينقل اليه الامراض الحزبية.

    الدعم والتعديل

    من الاهمية بمكان التنبيه هنا الي امر ضروري ومهم وهو ان الضغوط الخارجية التي مورست علي النظام اليمني لم تكن تهدف الي اضعافه بقدر ما هدفت الي حمايته، ذلك ان التوجهات الدولية الجديدة في المنطقة العربية تقوم علي اساس الحفاظ علي الدول الفاشلة وحمايتها من الانهيار خوفاً من سقوطها بين يدي قوي جديدة ربما لا تتعاون مع القوي الدولية في الحفاظ علي مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وفي هذا السياق تذكر بعض التقارير الدولية ان الحكومات الاجنبية تميل الي تفعيل عملية الدفع بالاصلاحات في اليمن والقيام بمبادرات التمويل دون ممارسة ضغوط قوية علي النظام خوفاً من تراجعه عن دعمه لمحاربة التهديدات الارهابية ضد الغرب، فالامن يبقي الهدف الرئيسي للعديد من الدول المانحة وبالاخص الولايات المتحدة التي تقدر قيمة الاستقرار اكثر من التنافس الديمقراطي.
    وما نود الاشارة اليه في هذا السياق هو ان تعهدات مالية كبيرة التزمت بها الدول المانحة لليمن سبقت عملية التعديل او التشكيل الحكومي الجديد، فالولايات المتحدة رفعت سقف الدعم السنوي لليمن الي 45 مليون دولار، وبالمثل فعلت فرنسا والمانيا والاتحاد الاوروبي، كما ان اجتماع الممولين للجمهورية اليمنية المنعقد في 28 آذار (مارس) الماضي (الصناديق الخليجية) دعم اليمن بمبلغ 156 مليون دولار.
    وهكذا نستطيع القول ان تلك المساعدات والدعم المقدم لليمن من قبل المانحين الدوليين ارتبطت جميعها بشرط اجراء تغيير حكومي جديد استهدف هذه المرة شخص رئيس الوزراء اكثر من استهدافه للحكومة ذاتها بدليل ان التغيير في التشكيلة الوزارية كان طفيفاً جداً.

    الحوار مع المعارضة

    خروج باجمال من رئاسة الحكومة وتفرغه لمسؤوليات الحزب الحاكم ربما يعني في احد مضامينه الابقاء علي عملية الحوار السياسي القائمة اليوم بين السلطة والمعارضة في اطار الاحزاب السياسية فقط بعيداً عن السلطة الحاكمة هذا من جهة، ومن جهة اخري فان عوامل نجاح عملية الحوار بين المؤتمر واللقاء المشترك تصبح اوفر حظاً من ذي قبل بتفرغ امين عام المؤتمر لادارة حزبه بعيداً عن مشاغل السلطة وقوة تاثيرها علي مجريات الحوار بالرغم من ارتفاع اصوات من داخل المؤتمر تحاول تعكير اجواء الوفاق التي سادت بين طرفي الحوار مؤخرا، هنالك توقعات بان تؤدي صراعات الاجنحة داخل المؤتمر الي افشال حواره مع المعارضة لاظهار امين عام الحزب في موقف العاجز كمقدمة للتخلص منه مثلما حدث مع الامين العام السابق الدكتور عبد الكريم الارياني، فهذا الاخير كان رئيساً لحكومة المؤتمر ومن ثم اُقيل من منصبه ليتفرغ كأمين عام للحزب، وانتهي به المطاف ليكون مستشاراً سياسياً لرئيس الجمهورية ليقضي بقية عمره في الظل، وفي هذا السياق من المرجح ان تكون قضية الحوار بين المؤتمر واللقاء المشترك آخر مهمات باجمال السياسية قبل ان ينتقل الي طابور من سبقوه، اما الحكومة الجديدة فستعمل علي تهدئة خاطر المانحين الي حين ولن تكون الحكومة الاخيرة للحزب الحاكم الذي يُعد لمؤتمر مانحين جديد في العام 2009م يتزامن مع عملية انتخابية (نيابية) جديدة سيحاول استثمارها كما فعل مع الانتخابات الماضية، غير ان فرص نجاحه هذه المرة تبدو ضئيلة بالنظر الي الاداء الضعيف لحكومته وفشلها اللامحدود في محاربة الفساد.
     

مشاركة هذه الصفحة