العمامة.. بين المنافع والمطامع: المأساة الكبرى حين يرتدي شيوخ «البراغماتية» العمائم

الكاتب : ذو الثدية   المشاهدات : 523   الردود : 0    ‏2007-04-15
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-15
  1. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0
    العمامة.. بين المنافع والمطامع: المأساة الكبرى حين يرتدي شيوخ «البراغماتية» العمائم

    [​IMG]
    أحمد إدريس الطعان *

    لا بد من القول بأن الحال السلبية التي يتردى فيها بعض أهل العلم أو المنتسبين إليه، بالإضافة إلى كونها نتيجة للدنيوية المعششة في القلوب؛ فهي أيضاً انعكاس للحال الأخلاقية العامة التي تسود المجتمع اليوم، وفيها انحطاط شديد لقيمة الإنسان وإنسانيته وكرامته وحريته. فالملاحظ من خلال التعامل الاجتماعي أن المعيار اليوم في التعامل بين المسلمين ليس هو جوهر الإنسانية، وإنما هو اعتبارات ثانوية أخذت محل الصدارة والأولوية، فالإنسان يُكرَّم اليوم ويُحترم لمنصبه أو جاهه أو شهادته أو ثرائه، أما هويته الحقيقية وهي الإنسانية فمُغيَّبة جداً ومُهدَرة جداً.
    وهنا يحضرني موقف النبي (ص) حين مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ ذات يوم فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟! نعم، وإنْ كانت ليهودي، لكنها لإنسان يشترك معنا في جوهر الإنسانية وكرامتها، وهذا كاف لمنحه مستوى ما من مستويات التكريم والاحترام. إن مجتمعاتنا الإسلامية اليوم مريضة جداً، وكان المؤمل أن يكون للعلماء دور ريادي في المعالجة والإصلاح، لكن الذي حصل هو العكس، ففي حالات كثيرة وحقب ومراحل زمنية طويلة كان المنتسبون إلى العلم في كثير من الأحيان يُفرزون جراثيم تزيد من الوباء وأحياناً تبرر له، لأن القاعدة الشعبية العريضة تنظر لهم على أنهم هم القدوة والمثال الذي يُحتذى، فباب العدوى السلبية في هذه الحالة مفتوح على مصراعيه بين النموذج المريض والتابع المسكين. إن المسلم المسكين يحلم باليوم الذي لا يحتاج فيه الإنسان إلى واسطة حين يذهب إلى دائرة حكومية أو مشفى، ويحلم باليوم الذي يحصل فيه الإنسان المسلم على هويته ‘’إنسانيته’’ أين ما ذهب ويعامل بالإكرام والاحترام أياً كان حتى ولو كان زبالاً أو من هو في مستواه. نعم هنالك تراكمُ هائلٌ من الفساد، وهو نتاج عقود من الزمن في الدوائر الدينية، ويحتاج إلى أشبه بالخارقة حتى يتم تجاوزه وإصلاحه، يحتاج إلى شبكة من الطيبين المخلصين تتكاتف وتتعاون لإزاحة العناصر الضارة وتنظيف المؤسسة الدينية من تراكماتها الخاطئة، ومحاسبة المخطئين والمفسدين، إن الموظف اليوم يفعل ما يشاء بالمواطن الفقير يُهينه ويبتزه ويعرقل شؤونه من دون رقيب أو حسيب.
    ولذا لا بد من وقفة للمراجعة مع الذات، وأن نتخلص من النظرة النرجسية التي تحجبنا عن رؤية عثراتنا وأخطائنا، ولا بد من مواجهة الحقيقة بشجاعة، والأشخاص مهما كانوا كباراً وعظماء هم في النهاية بشر يصيبون ويخطئون، فما ينبغي أن تحجبنا عظمتهم وأبهتهم وقداستهم عن محاسبتهم ‘’ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا’’. على الأقل محاسبة فكرية وعلمية.
    لقد تحدثت عن أهمية القدوة كما عرضها لنا القرآن الكريم والسنة الشريفة وكما ارتسمت ملامحها في المنهج الإسلامي عموماً، وبينت أن القدوة الحسنة تصنع مجتمعاً حسناً، وأن القدوة الفاسدة تُنتج مجتمعاً فاسداً، وأن ما نراه من انهيار على المستوى القيمي في الغرب هو نتاج للنجومية الزائفة، فقلما نجد عالماً أو عبقرياً أو فيلسوفاً في التاريخ الغربي الحديث محمود السيرة، والسبب في ذلك هو انهيار المقدس بشكل عام، وانهيار النموذج المثالي المسيحي الذي كان من المفترض أن يوجه تيار القيم والأخلاق، وقد حلّ محله نموذجاً دنيوياً لا يقيم وزناً لأية غيبيات ولا يعترف بأية مطلقات قيمية أو ما ورائية، وكرّس على مدى قرون عديدة نسبية الأخلاق، ومادية الفكر، فكانت النتيجة على مستوى الحضارة حالة من الانفلات والتفكك والإباحية والضياع الاجتماعي والأسري سلوكياً وحالة من الإفلاس واليأس والقنوط والعدمية فكرياً. ولكن السؤال الأهم الذي حاول البحث أن يجيب عنه هو أين موقع النموذج الإسلامي في هذه الدوامة الحضارية اليوم؟ وما هو الدور الذي يمثله القدوة المسلم للإنسانية في أمسِّ حاجاتها وأحرج لحظاتها؟
    شيوخ البراغماتية
    لا شك أن لدينا في تراثنا وتاريخنا نماذج مشرّفة توجه مسيرة فكرنا، وتؤسس قواعد حياتنا، وقد سعى أعداء الخير دائماً إلى تشويه صورة هذه النماذج، والتعتيم عليها لأنها علامات حضارية تحفظ الوجود، وتنير الدروب. ولكن المأساة الكبرى حين يأتي التخريب من الداخل وباسم التعمير، ويرتدي شيوخ البراغماتية العمائم والجبب، ويتلوَّن الدين بألوان هذه العمائم، وبدلاً من أن تكون العمامة مَغرماً وتضحية ومسؤولية، تصبح مغنماً ومكسباً ومطية، وكل من طمع بوصل ليلى تسمى قيساً، وهيهات أن يغني الاسم عن المسمى. إن شيوخ البراغماتية أخطر على ديننا وحضارتنا ومستقبل أمتنا من مستشرقي أوربا ومبشريها، وأخطر من صنائعهم العلمانيون المزروعون فيما بيننا من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وذلك لأن المستشرقين والمبشرين قد بان إخفاقهم بعد أن انكشف الزيف، وزال ركام الباطل، والعلمانيون هم غراس أولئك يوشك أن تيبس وتجف كما يبس الأصل وجفّ، ولولا حال الأمة المتردي، ودعم الغرب المستبدّ، لما قامت لهم قائمة في بلادنا.
    لقد هدفت هذه المداخلات إلى الكشف عن خطورة الاستخدام النفعي للدين، والتقنع وراء مظاهر المقدس للوصول إلى مآرب شخصية، ومكاسب دنيوية، وحاول التذكير بالقدوة المرتكسة في الحداثة الغربية، والتي أثمرت ثماراً خبيثة على مستوى الحضارة البائسة اليوم، للتحذير من لون آخر أشد فتكاً منها في بلادنا وحضارتنا لأنه يرتدي ثوب الدين ويتستر بردائه. إنها صيحة نذير، وزفرة مكلوم، تبتغي آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، وإن أهم وصية أخرج منها في هذا البحث هي: تشكيل هيئة لعلماء المسلمين تكون مهمتها التعاون على البر والتقوى، والتشاور في القضايا الكبرى، والبت في المسائل المعضلة، وخصوصاً تلك التي تلتبس فيها السياسة بالدين، والتي تحتاج إلى موقف حازم متحرر من الإكراهات السياسية أو الشعبوية. قد يقال إن هذه الهيئة سوف يشترك فيها من لا ثقة فيه أيضاً، ومن لا يمكن إقصاؤه عنها، ونبقى في المشكلة ذاتها، وأقول: إن الناس سيعلمون أن ما يصدر عن الهيئة موضع ثقة، وما لا يصدر عنها موضع شك، ولو نجحنا في تشكيل مرجعية جماعية موثوقة للناس تعكّر على الأقل على شيوخ البراغماتية ، وتحرجهم حين يخرجون عنها لكان ذلك إنجازاً مهماً، بدلاً من المرجعيات المتعددة المتصارعة . والله تعالى أعلى وأعلم.

    * أستاذ في كلية الشريعة في دمشق​
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة