مناقشة فضيلة الشيخ فيصل المولوي لفتوى فضيلة الشيخ الجبرين.. تعالوا نتعلم أدب العلماء من العلماء

الكاتب : متسائل جديد   المشاهدات : 816   الردود : 0    ‏2007-04-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-10
  1. متسائل جديد

    متسائل جديد عضو

    التسجيل :
    ‏2005-04-02
    المشاركات:
    173
    الإعجاب :
    0
    مناقشة فتوى الشيخ عبد الله الجبرين

    قرأت بألم كبير فتوى شيخنا الحبيب عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حول حزب الله، فالشيخ من كبار العلماء، وقد شاب في طلب العلم والتعليم. وفتواه عادة ينتظرها ويتأثّر بها الكثيرون وأنا منهم. لكنّه في هذه الفتوى فاجأ الناس بغير ما يعرفونه عنه من التمحيص والتدقيق والتحقيق، وأجاب على سؤال لم يعرض الواقع على حقيقته حتى تكون الفتوى جواباً على أمر حاصل، فجاء الجواب بعيداً كلّ البعد عن الواقع الحالي، وألقي به في قلب المعركة الواقعة بيننا وبين العدو الصهيوني، التي يمارس فيها حزب الله دوراً محورياً. ومن هنا كانت صدمة الكثيرين من محبي الشيخ وتلامذته. وقبل مناقشة هذه الفتوى موضوعياً أحببت الإشارة إلى خبث السؤال من خلال هذه التساؤلات:

    1- لو جاء السؤال هكذا: هل يجوز نصرة حزب الله الشيعي في معركته ضدّ العدو الصهيوني الذي أعلن الحرب على لبنان وقتل حوالي ألف شهيد وجرح الآلاف وشرّد مئات الألوف ودمّر البنية التحتية للبنان من الطرق والجسور والمطار ومحطات الكهرباء وغيرها. ومن بين الذين أصابهم القتل والجرح والتشريد ألوف من أهل السنّة ومن المسيحيين فضلاً عن مئات الألوف من الشيعة.
    لو كان السؤال يشرح هذا الواقع المعروف، هل نتصوّر أن يكون الجواب نفسه؟
    أكاد أجزم بالعكس، وسيأتي دليل ذلك فيما بعد.

    2- لو جاء السؤال الثاني هكذا: يخوض حزب الله الشيعي في جنوبي لبنان حرباً ضدّ العدو الصهيوني، ويعيش معه عشرات الألوف من أهل السنّة الذين يتعرّضون- مع إخوانهم الشيعة- للاعتداءات الإسرائيلية المستمرّة، ويريدون أن يقاتلوا دفاعاً عن أنفسهم وبيوتهم، ولا يمكنهم ذلك إلاّ إذا انضمّوا تحت إمرة حزب الله الشيعي باعتباره قائداً لعمليات المقاومة. فهل يجوز لهم أن يقاتلوا إسرائيل تحت قيادة حزب الله، أو بالتنسيق معه، أو يسعهم أن يستسلموا أمام الصهاينة، أم ينسحبون من المواجهة؟
    لو كان السؤال معبراً عن هذا الواقع، هل نتصوّر أن يكون الجواب نفسه؟
    أكاد أجزم بالعكس، وسيأتي دليل ذلك فيما بعد.

    بعد هذه التساؤلات أنتقل إلى المناقشة الموضوعية للفتوى، وأحصر كلامي في ثلاث مسائل:
    المسألة الأولى: هل الشيعة مسلمون؟
    1- اتّفق الجمهور الأكبر من العلماء في الماضي والحاضر أنّ الشيعة الاثني عشرية مسلمون من أهل القبلة، لأنّهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجّون البيت. لم يخالف في ذلك أحد من العلماء المحققين الذين يعتدّ بهم. حتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أشدّ العلماء نقداً لهم، لم يخرجهم من الملّة، بل اعتبرهم من الفرق الإسلامية الثلاث وسبعين التي أشار إليها الحديث: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) . لكن ذكر أنّ أقوالهم المشتهرة عنهم فيها مخالفات غليظة للكتاب والسنّة ، (وأنّ هذه المخالفات سوّغت لإمامين من أهل السنّة هما يوسف بن اسباط وعبد الله بن المبارك أن يعتبراهم من الفرق الضالة)، أما ابن تيمية نفسه فهو يقول أنه [لا يحكم على طائفة معيّنة بأنها من الفرق الضالة الإثنين والسبعين، وأنّ الجزم بذلك لا بدّ له من دليل، وأنّ الله تعالى حرّم القول عليه بلا علم: (قل: إنما حرّم ربّي الفواحش... وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (الأعراف: 33)]. وكان حريصاً على إنصافهم وعدم ظلمهم لأنّ الظلم حرام مطلقاً. ومن ذلك أنه يقول: (والرافضة فيهم من هو متعبّد متورّع زاهد)، (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً) .

    بناءً على ذلك وجدنا الشيعة الإثني عشرية على مدار التاريخ يحجّون مع الناس إلى بيت الله الحرام، باعتبار أنهم مسلمون، ولم ينكر ذلك أحد من العلماء فيما نعلم، كما يدخلون مساجد أهل السنّة والجماعة ويصلّون فيها، ويدخل أهل السنّة مساجدهم ويصلّون فيها، وقد اعتبر الأزهر مذهبهم الفقهي خامس المذاهب الأربعة. وكان قد ظهر على لسان بعض علمائهم القول بتحريف القرآن، لكن جمهور محققيهم أنكر ذلك، وقد عقد في طهران منذ سنوات مؤتمر واسع أجمع فيه علماؤهم على إنكار هذا القول. وهم يعتمدون القرآن الكريم الموجود بين أيدي المسلمين جميعاً، في معاهدهم الشرعية ومساجدهم ويتعبّدون بقراءته في صلواتهم، ويقيمون المسابقات العالمية بين الشباب على حفظه، كما يشتركون في المسابقات التي يقوم بها إخوانهم المسلمون.

    2- وإذا كان الشيعة مسلمين، فلهم علينا جميع حقوق الأخوّة ومنها النصرة. يقول ابن تيمية رحمه الله: (جعل الله عباده المؤمنين، بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا) (آل عمران:3)، وقال تعالى: (إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) (الأنعام:159).. فكيف يجوز مع هذا لأمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم أن تتفرّق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة، ويعادي طائفة أخرى، بالظنّ والهوى بلا برهان من الله تعالى... فهذا فعل أهل البدع... وأما أهل السنّة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله... وإنما الواجب أن يكون المسلمون يداً واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفّره، وقد يكون الصواب معه، وهو الموافق للكتاب والسنّة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كلّ من أخطأ يكون كافراً أو فاسقاً...)، ويقول: (.. فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان... ومن كان فيه إيمان وفجور، أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بسبب الذنوب والمعاصي... وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشرّ وفجور، وطاعة ومعصية، وسنّة وبدعة، استحقّ من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحقّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشرّ...)، ولذلك فإنّ (الواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين، أن يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم..) .
    ولا يناقض ذلك ما اشتهر عن ابن تيمية أنه دعا إلى قتال الشيعة في كسروان، وقوله: (إنّ قتالهم أولى من قتال الأرمن) فذلك مبني على ما وصل إليه من معلومات أنّ الشيعة يقاتلون مع الصليبيين الفرنجة ضدّ المماليك، وقد ثبت فيما بعد أنّ الشيعة كانوا يخوضون حرباً قاسية ضدّ الصليبيين في مدينة صور.

    المسألة الثانية: وصف الواقع
    المسلمون اليوم يخوضون معركة شرسة ضدّ الصهيونية العالمية هي في حقيقتها امتداد للحرب التي أعلنها اليهود منذ بعثة محمّد عليه الصلاة والسلام، مع فارق هام وهو أنهم في هذه المرحلة من مراحل الصراع يفوزون بتعاطف العالم كلّه، وبدعم كامل من الولايات المتّحدة الأمريكية. وفي المقابل يدخل المسلمون المعركة وهم ممزقون إلى عشرات الدول الضعيفة، بعضها متردد وبعضها متخاذل وبعضها يساعد العدو ضدّ إخوانه المسلمين. ولم يبق في الميدان إلاّ الشعب الفلسطيني الأعزل، وقد تآمر العالم ضدّه لمنعه من التحرر والتسلّح، لكنّه أصرّ على المقاومة بالصدور العارية، وصنع بعض السلاح البدائي من خلال إمكاناته الضئيلة، فاستطاع الصمود الذي أذهل العالم، وطرد الصهاينة من غزّة بدون أي تنازلات، ولا يزال يعاني من الاحتلال الاستيطاني في سائر أراضي فلسطين، فضلاً عن الحصار المضروب على غزّة براً وبحراً وجواً.

    في المقابل، وخارج الأرض الفلسطينية، كان العدوّ الصهيوني قد اجتاح لبنان عام 1982، فنشأت المقاومة اللبنانية، وأخرجته من بيروت ثمّ من صيدا خلال مدّة قصيرة، وبقي في الجنوب اللبناني، مما أدى إلى استمرار المقاومة سنوات طويلة. ولأنّ الجنوب تسكنه أكثرية شيعية تقدّر بمئات الألوف، مع أقلية سنيّة تبلغ عشرات الألوف وأقلية مسيحية تماثلها، فقد نمت المقاومة الإسلامية الشيعية، خاصة بعد أن حصلت على تأييد قوي من جمهورية إيران الإسلامية ومن سوريا، واستطاعت أن تنشىء مجموعات منظمة مدربة مجهزة قاتلت العدو في حرب عصابات أدّت إلى طرده من لبنان عام 2000، وتحقّق لأول مرّة نصر عسكري للمسلمين على الصهاينة، وشهد العالم كلّه ذلك، وعاد إخواننا في الجنوب من الشيعة والسنّة والمسيحيين إلى بلداتهم وقراهم وفرحوا بتحريرها من رجس الصهاينة. وبقيت المقاومة الإسلامية الشيعيّة على سلاحها لأنّ الكيان الصهيوني لا يزال يحتلّ مزارع شبعا اللبنانية، ولا يزال يعتقل بعض الأسرى اللبنانيين. وكانت المناوشات تحصل من وقت لآخر بين الطرفين، حتى قامت حركة حماس في غزّة بأسر جندي إسرائيلي وقتل اثنين بعد مواجهة عسكرية ناجحة، فردّت إسرائيل باجتياح غزّة وقتل وجرح المئات وتدمير البيوت بحجّة استرجاع الجندي الصهيوني، فما كان من المقاومة الإسلامية اللبنانية إلاّ أن خاضت عملية عسكرية ناجحة أدّت إلى أسر جنديين وقتل ثمانية انتصاراً للفلسطينيين ولتخفيف الضغط الصهيوني عنهم، وردّت إسرائيل أيضاً باجتياح لبنان وقتل المئات وجرح الآلاف وتدمير البنية التحتية. وظهرت بعض الأصوات في لبنان وفي بعض البلاد العربية تلوم حزب الله وتعتبره المسؤول عما حصل من قتل وتدمير.
    في هذه الظروف ظهرت الفتوى حول حزب الله وجواز نصرته والدعاء له والانضواء تحت قيادته.

    المسألة الثالثة: مناقشة الفتوى
    1- هل يجوز نصرة حزب الله؟
    حزب الله يخوض اليوم المعركة ضدّ العدوّ الصهيوني. وهو في هذه المعركة انضمّ إلى أهل السنّة والجماعة الذين يخوضون المعركة ضدّ هذا العدو في فلسطين، فأصبح المسلمون سنّة وشيعة صفّاً واحداً ضدّ الصهاينة. ومن المعروف أنّ التعاون الكامل قائم بين حزب الله الشيعي وبين المقاومة الإسلامية في فلسطين بما فيها حماس والجهاد وكتائب الأقصى وسائر المنظمات، وكلّها من الناحية المذهبية سنية. فالسؤال ليس مطروحاً حول جواز نصرة مذهب الشيعة ضدّ أهل السنّة والجماعة، ولو كان كذلك لكان الجواب صحيحاً من وجهة نظرنا. لكنّه مطروح حول جواز نصرة الشيعة في معركتهم ضدّ العدو الصهيوني، وهي معركة الأمّة كلّها، فلا يمكن أن يكون الجواب إلاّ بجواز هذه النصرة، وربما كان الأصحّ وجوبها، وذلك:

    أ‌- لأنّ المعركة ضدّ العدو الصهيوني هي معركة الإسلام كلّه، ومعركة الأمّة كلّها بمسلميها ومسيحييها، ونحن نطالب الشيعة بدخولها امتثالاً لأمر الله، حتى إذا دخلوها تخلينا عنهم؟ لا يمكن أن يكون هذا الموقف مقبولاً في العقل ولا في الشرع ولا في ميزان المروءة والخلق.

    ب‌- ولأنّ الشيعة معتدى عليهم ومظلومون، فالعدوّ هو الذي اجتاح أرضهم ودمّر مدنهم وقتل شيوخهم ونساءهم، والمسلم دائماً مع المظلوم ولو كان غير مسلم، وضدّ الظالم ولو كان مسلماً، والرسول صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ على يده). ولا يقال إنّ حزب الله هو البادئ عندما أسر جنديين إسرائيليين، فإنّ الصهاينة هم الذين بدأوا بالعدوان علينا عندما احتلوا فلسطين، وهم الذين أخذوا الأسرى الفلسطينيين واللبنانين قبل ذلك.

    ج‌- ولأنّ الشيعة والسنّة في جنوبي لبنان ومعهم أبناء الطوائف الأخرى يخوضون معركة واحدة ضدّ العدوّ الصهيوني، فعدم جواز نصرة حزب الله معناه تسليم إخواننا هناك -ومنهم السنّة- إلى العدوّ الصهيوني، وهذا قطعاً منهيّ عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه).

    د‌- ولأنّ الله تعالى أمرنا بصريح قرآنه فقال: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلاّ على قوم بينكم وبينهم ميثاق) (الأنفال: 72). وإخوانكم اللبنانيون سنّة وشيعة يستنصرونكم ضدّ العدوّ الصهيوني، ويأملون أن لا تخذلوهم، ولستم معذورين إن تخليتم عنهم، إلاّ إذا كان بينكم وبين العدوّ الصهيوني ميثاق لا نعلم به، ونعوذ بالله تعالى من ذلك، ونجلّكم عن هذا الموقع الكريه، الذي قد تقع به بعض الأنظمة، لكن لا يمكن أن ينساق إليه العلماء.

    2- هل يجوز الانضواء تحت إمرتهم؟
    إنّ الانضواء تحت إمرة حزب الله الشيعي بالمطلق، أو في نصرة المذهب أمر غير مطروح أصلاً. والجواب عنه بالنسبة لأهل السنّة والجماعة واضح لا يحتاج إلى فتوى. أما الانضواء تحت إمرتهم في قتال العدوّ الصهيوني، فهو المقصود بالسؤال. وهو أصلاً ما يفعله الكثير من شباب السنّة في الجنوب اللبناني الذين يريدون القتال دفاعاً عن أنفسهم وقراهم ولا يستطيعون ذلك في الظروف الحالية إلاّ تحت قيادة المقاومة وحزب الله. وأظنّ أنّ الجواب بجواز ذلك ، وقد صرّح به الفقهاء، وقام به المسلمون فعلاً:

    أ‌- جمهور الفقهاء يصرّحون بجواز الغزو مع أمير جيش ولو كان جائراً أو ظالماً أو فاسقاً، وذلك لأنّ ترك الجهاد معه سوف يفضي إلى ظهور الكفار على المسلمين .
    وقد ذكر إبن قدامة في المغني تحت عنوان (ويغزى مع كلّ برّ وفاجر):
    (أرأيتم لو أنّ الناس كلّهم قعدوا كما قعدتم، من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟). ويعلل الأمر بقوله: (ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد، وظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم، وفيه فساد عظيم).

    ويستدلّ إبن قدامة بحديثين عن أبي داود:
    الأول: عن أنس، ونصّه: (ثلاث من أصل الإيمان: الكفّ عمّن قال: لا إله إلاّ الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل. والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار).
    والثاني: عن أبي هريرة ونصّه: (الجهاد واجب مع كلّ أمير، براً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كلّ مسلم، براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر).

    ومع أنّ الحديث الأول ضعيف لأن راويه عن أنس هو زيد بن أبي نشبة وهو مجهول. والحديث الثاني منقطع لأن راويه عن أبي هريرة مكحول. إلاّ أنّ أبا داود يتبنى في هذه المسألة رأي الجمهور، ويقول: قد تقدّم غير حديث يدلّ على الجهاد مع أئمة الجور. منها حديث عمران بن حصين: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحقّ، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)، وقال الخطابي في معالم السنن تعليقاً على هذا الحديث: (فيه بيان أنّ الجهاد لا ينقطع أبداً. وإذا كان معقولاً أن الأئمة كلّهم لا يتّفق أن يكونوا عدولاً، فقد دلّ هذا على أنّ جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب، وأنّ جورهم لا يسقط طاعتهم في الجهاد، وفيما أشبه ذلك من المعروف).

    وكان الإمام البخاري رحمه الله قد عنون في صحيحه باباً بعنوان: (الجهاد واجب مع البر والفاجر)، واعتمد فيه على حديث: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) وحديث: (البركة في نواصي الخيل) لأنّ المقصود بالخيل هنا ما يعدّ للغزو والجهاد، وهذا يعني أنّ الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وهذا لا يكون إلاّ مع كلّ أمير: بر أو فاجر.

    وظاهر كلام الفقهاء يتعلّق بغزو الأعداء في ديارهم، أما لو اعتدوا هم على بلاد المسلمين فالجهاد الدفاعي مع الأمير ولو كان جائراً أو ظالماً أو فاسقاً أوجب، من باب قياس الأولى، لأن غزو الأعداء في ديارهم لا يعدو أن يكون مستحباً أو فرض كفاية، أما الدفاع عن بلاد المسلمين فهو فرض عين كما هو معلوم. ومن المعروف أنّ الجور أو الظلم أو الفسق أو الفجور مسألة نسبية، وقد يكون الأمير ظالماً في نظر بعض المسلمين، وقد لا يكون كذلك في نظر غيرهم، لكن في جميع الأحوال يجب أن تبقى الأمّة موحّدة خلف قيادتها في مواجهة العدو الخارجي.

    ب‌- ولقد حصل في تاريخنا الإسلامي أن تولى السلطة حكام منحرفون، وقاتل المسلمون أعداءهم تحت قيادتهم. ومن أظهر الأمثلة على ذلك الدولة الفاطمية، التي كانت تعتنق المذهب الإسماعيلي، وهو مذهب قال بتكفيره الشيعة أنفسهم، ومع ذلك فقد وقعت في أيامهم معارك طاحنة ضدّ الصليبيين، قاتل فيها السنّة إلى جانب الشيعة الفاطميين بل تحت قيادتهم. وقد كان حاكم القدس يوم احتلال الصليبين لها ممثلاً للدولة الفاطمية في مصر، لكنه حصّن المدينة وقاتل الصليبيين واستشهد تحت رايته مئات الألوف من المسلمين من كلّ المذاهب، منهم علماء كبار من أهل السنّة. بل إنّ صلاح الدين الأيوبي فخر الإسلام والمسلمين كان وزيراً للدولة الفاطمية بمصر، وقاتل الصليبيين تحت رايتها يوم كان وزيراً وقائداً عسكرياً لتلك الدولة.
    هل من المعقول أن يدرك جمهور المسلمين من كلّ المذاهب فيما مضى أهمية الوحدة أمام العدو، فيتجاوزون خلافاتهم ويقاتلون معاً دون النظر إلى من يكون القائد، ويحققون النصر، بينما نقف اليوم ممزقين أمام العدو المحتلّ، تنخر فينا الفتن المذهبية والطائفية وتؤدي إلى هزيمتنا نفسياً قبل أن نهزم عسكرياً.

    3- هل يجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين؟
    من البديهي القول إنه إذا كان القصد الدعاء لهم بالنصر والتمكين ضدّ أهل السنّة والجماعة فهو لا يجوز، لأنّه يفترض وقوع المعركة بين فئتين من المسلمين، ولا يجوز أصلاً أن يقتتل المسلمون، وإذا وقع القتال بين فئتين منهم فالواجب محاولة الإصلاح بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فالواجب قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (الحجرات:9). ليس هناك أي قتال بين حزب الله وبين أية جماعة من أهل السنّة والجماعة، لا في لبنان ولا في غيره. بل هناك تعاون وثيق بينهم وبين حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. وهناك أيضاً تعاون وتنسيق بينهم وبين الجماعة الإسلامية في لبنان. ولا يجوز أن نحمّل حزب الله وزر ما يجري في العراق من فتنة مذهبية بين السنّة والشيعة، فهو ليس له وجود تنظيمي هناك، فضلاً عن أنّه استنكر علناً هذه الفتنة، ولم يصدر عنه أي تأييد لأي فئة شيعية متّهمة بذلك، والله تعالى يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (النجم: 38).

    أما إذا كان المقصود الدعاء لهم بالنصر والتمكين ضدّ العدو الصهيوني، وهذا هو المتبادر إلى الذهن لأنّهم الآن يخوضون معركة قاسية ضدّ هذا العدوّ، في هذه الحالة يبدو من المستغرب القول: إنه لا يجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين. لأنّ معركتهم هي معركة المسلمين جميعاً، وهم ينوبون عن الأمّة كلّها في الدفاع عن حياضها. وإذا كان الآخرون عاجزين لسبب أو آخر، فلا أقلّ من الدعاء لإخوانهم المقاتلين بالنصر والتمكين. إنّ قتال حزب الله الشيعي في جنوبي لبنان ضدّ العدو الصهيوني، هو جزء من معركة الإسلام والأمّة الإسلامية ضدّ الصهيونية في هذا العصر، وأي انتصار لهم يصبّ في مصلحة الأمّة كلّها، ويمهّد للانتصار الأكبر الذي سيتحقّق لها ضدّ الصهاينة إن شاء الله. وأي هزيمة لهم – لا سمح الله- تعتبر هزيمة للأمّة كلّها، وتؤخّر نصرها الموعود. فالدعاء لهم بالنصر والتمكين ضدّ العدو الصهيوني هو دعاء لانتصار الأمّة كلّها ضدّ اعدائها الصهاينة، ولذلك تلهج به ألسنة الملايين من المسلمين في كلّ بقاع الأرض، وفي مقدّمتهم علماؤهم.

    وحتى لو أردنا أن ننساق مع النظرة المذهبية الضيقة – وهو أمر مرفوض لكننا نشير إليه من باب المجادلة فقط- فإنّ حزب الله الشيعي أسدى إلى إخوانكم السنّة في جنوبي لبنان معروفاً كبيراً حين حرّر مناطقهم من الاحتلال الصهيوني، وهو الآن يساعدهم في صدّ العدوان عنهم. وجمهور العلماء في مثل هذه الحالة يعتبر الدعاء مستحباً لمن يسدي إليك معروفاً، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: (من صنع إليه معروف، فقال لفاعله جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء) ، وقوله: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) .

    قد يتوقّف بعض المسلمين في ذلك بحجّة أنه: (إذا انتصر حزب الله في معركته ضدّ اليهود فهو سيزداد قوّة ثمّ يتوجّه إلى أهل السنّة) وهذا في اعتقادي من تلبيس إبليس، لأنّ مواجهة المسلمين لليهود معركة قائمة منذ بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وهي مستمرّة حتى يتحقق النصر الكامل للمسلمين. وحزب الله الآن جزء من هذه المعركة. أما الخلاف بيننا وبين الشيعة فهو خلاف ضمن الصفّ الإسلامي، ومن الواجب شرعاً وعقلاً أن يتعاون أبناء الأمّة جميعاً ضدّ العدو الخارجي. وقد حصل في التاريخ أن تعاون أهل السنّة مع الشيعة في مواجهة الحملات الصليبية. أما في عصرنا الحاضر فإن التعاون قائم أيضاً بين السنّة والشيعة ضدّ العدو الصهيوني في لبنان وفلسطين، بينما الفتنة المذهبية في العراق تأكل الأخضر واليابس، وتمهّد لتقسيم العراق وإطالة أمد الاحتلال. فهل يريد البعض نقل النموذج العراقي إلى لبنان، وإشعال الفتنة الطائفية فيه لزيادة تمزيق الأمّة وتمكين الأعداء منها، أو أنّ الواجب الشرعي والوطني هو نقل النموذج اللبناني إلى العراق، لإطفاء الفتنة المذهبية المشتعلة ولإعادة توحيد العراق ومواجهة الاحتلال؟

    إذا انتصر حزب الله في معركته ضدّ اليهود فيجب أن يكون ذلك انتصاراً للأمّة كلّها، ولا شكّ أنّ حزب الله سيزداد قوّة بتحقيق هذا الانتصار، وقد يستفيد من هذه القوّة في تحقيق بعض المكاسب في التنافس السني الشيعي، لكن الشيعة وصلوا في الماضي إلى أكثر من هذه القوّة، ولم يؤدّ ذلك إلى تغيير المسار العام لهذه الأمّة، فليس من المعقول تحت ستار الخوف من احتمال، قد يقع وقد لا يقع، أن نأخذ موقفاً خاطئاً من أمر واقع. إنّ استخدام حزب الله والشيعة لقوّتهم ضدّ أهل السنّة لا يعدو أن يكون احتمالاً نظرياً (ونحن مطمئنون أنه لن يقع بإذن الله)، وإن رجّح البعض وقوعه فنحن نقول: أنّ ضرره قليل والأمّة قادرة على استيعابه كما حصل في الماضي. أما العدوان الصهيوني على أمّتنا فهو قائم ومستمرّ، وهو يمعن في القتل والتدمير، ويحظى بدعم الولايات المتّحدة والعالم الغربي، وهو خطر محدق على الإسلام والمسلمين، يشمل العقيدة كلّها أصولاً وفروعاً، ويشمل الشريعة كلّها، ويمتدّ ليشمل الأرض والعرض والثروات والأوطان. فهل يجوز التفرّق والتخاذل أمام هذا الخطر القائم خوفاً من خطر محتمل وهو أقلّ بكثير وحتى لو تحقّق فإنّ الامّة قادرة على استيعابه. ثمّ إذا كان مثل هذا الخطر محتمل الوقوع، فهل يجوز أن نصدر الفتاوى ونتّخذ من المواقف ما يساعد على وقوعه، أم يجب علينا جميعاً أن نتدارك هذا الأمر، بالتأكيد على ما يجمعنا مع إخواننا الشيعة كأمّة واحدة، وعلى توثيق عرى التعاون ضدّ العدو الصهيوني، وفي كلّ ما يحقق مصالح الأمّة ويحفظ وحدتها وكرامتها.

    يتّهم البعض هذه الفتوى أنها جاءت لتأييد النظام السعودي ضدّ حزب الله الشيعي، لكن من الواضح أنّ موقف النظام السعودي ليس في هذا الاتجاه، ولو أنه وصف عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في بيانه الأول أنها مغامرة، لكن هذا التحليل السياسي لم يكن ناتجاً عن موقف عقائدي تجاه الشيعة، ونحن نعلم جهود المملكة لتعزيز العلاقات السنية الشيعية في السعودية وفي لبنان، ومنها المبادرة السخية لمساعدة المنكوبين وأكثرهم كما هو معروف من الشيعة.

    إنني أتمنى أن تصل هذه الدراسة إلى شيخنا الحبيب عبد الله الجبرين، وأرجو أن أسمع منه جواباً يطمئن القلوب، ويعيدنا جميعاً إلى رحاب الأمّة الواحدة التي يتعامل أبناؤها بالعدل والإنصاف، ويواجهون أعداءهم صفاً واحداً كما أمر الله.

    ـــــــــــــــ
    منقووول من
    http://www.mawlawi.net/Kalimat.asp?cid=128
    وللتعرف على فضيلة الشيخ فيصل المولوي يرجع إلى
    http://www.mawlawi.net/AboutFM.asp
     

مشاركة هذه الصفحة