نصائح للسلفيين ..من العلامه ابن القيم حول التقليد والاتباع.........

الكاتب : ابو العتاهي   المشاهدات : 603   الردود : 0    ‏2007-04-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-09
  1. ابو العتاهي

    ابو العتاهي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-06
    المشاركات:
    193
    الإعجاب :
    0
    [ نصائح للسلفيين من العلامة ابن القيم حول التقليد والاتباع ...
    الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه
    أما بعد :
    فقد رأيت أن الحاجة ملحة للتنبيه على مسائل تتعلق بالاتباع الصحيح الذي يدعو إليه علماؤنا الأجلاء المعاصرون ومن سبقهم من سلفهم الصالح من العلماء الربانيين .
    وإنني على يقين بأن مفترق الطرق بين الدعوة السلفية المباركة ، وبين غيرها من الدعوات الحزبية أو الطائفية هو في اتباع الحجة ، والانقياد إلى الدليل ، والتحاكم إليه دون غيره من آراء الرجال ، ولهذا لم تكن الدعوة السلفية دعوة حزبية في يوم من الأيام ، بل هي دعوة للتمسك بشرع الله الكامل الذي كان عليه سلفنا الصالح ، وسلامة منهجها من الانحراف مقدم على سلامة من ينتمي إليها ؛ لأن المنهج قد عصمه الله تعالى ، وأما الأشخاص فغير معصومين ، ولهذا كان على كل من ينتمي إليها من طلبة العلم أن يتحروا أخذ العلم بدليله ، وأن يسعوا في بيان أحكام الشرع بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة كما قيل :
    العلم قال الله قال رسوله *** قال الصحابة ليس بالتمويه
    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة *** بين الرسول وبين رأي فقيه
    ولأجل هذه القاعدة العامة ، والتي يثبت عليها المنهج السلفي ، والتي يتميز بها السلفي من (الخلفي !)، ولأجل غيابها عن بعض طلبة العلم ممن ينتسب إلى هذه الدعوة المباركة ـ إما عمدا أو جهلا ـ ، رأيت ذكر بعض الإرشادات الهامة التي أرشد إليها علماء السنة حقا في هذا الأمر ، ومن بينهم علامة عصره وما بعده ، الإمام المجدد ابن قيم الجوزية ، من كتابه الماتع ( إعلام الموقعين ) ، لعل في طرحها تذكيرا للغافل ، وتعليما للجاهل ، بأبجديات ومسلمات الدعوة السلفية ، التي قد يتجاهلها البعض لحاجة في نفسه ، أو يدعو إلى إقصائها من حيث لا يشعر ، ثم ليرى كل من يدعي الاتباع الصحيح من طلبة العلم موقعه منها ليعرف بذلك صدقه في دعواه ؛ وهل هو من أهل الاتباع ، أو من أهل التقليد وإن كان في قالب الاتباع . وليتخذها أخواننا السلفيون حقا ميزانا للأقوال والأشخاص ، ولا يغتروا بدعاة التقليد وإن بهرجوه .
    والكلام لا تعلق له بالعامة الذين هم معذورون في تقليدهم ـ وإن كانوا غير معذورين في تقحمهم للدعوة ! ـ ، وإنما لمن تصدر للدعوة من طلبة العلم ممن يمكنه معرفة الأدلة.
    وقد استخلصت عناوين تتناسب مع كلام العلامة ابن القيم لأجل الإيضاح ، وحتى تستقر كقاعدة عند أهل الاتباع السلفيين حقا ، ثم أردفت كلام ابن القيم ببعض التعليقات التي تشير إلى أمور ينبغي الحذر منها ، وقد تعمدت عدم ذكر الصفحة حتى لا يكتفى بالمنقول ، لأن المرجو الرجوع إلى هذا الكتاب ليكون نبراسا لكل متبع ، فليس لي في هذه الكتابة شيء أدعيه لنفسي ، وإنما هو النقل لأجل التذكير ، فأقول وبالله التوفيق :
    1 / الفرق بين المتبع المهتدي والمقلد الجاهل الضال :
    قال رحمه الله تعالى : " فإنه لا يكون العبد مهتديا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله ، فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد ، وليس بمقلد ، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه ، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده " اهـ .
    التعليق :
    هذا من أنفس الفروق التي يستطيع المرء الحكم على كثير من الكتابات والمقالات هل هي صادرة عن منهج الاتباع ، أو منهج التقليد والاكتفاء بأقوال الرجال دون معرفة حججهم!.
    2 / صفة المتبع للأئمة السابقين والفرق بينه وبين المقلد :
    قال رحمه الله تعالى : " وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة ، وانقاد للدليل ، ولم يتخذ رجلا بعينه سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يجعله مختارا على الكتاب والسنة يعرضهما على قوله ، وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعا وإيهامه وتلبيسه ، بل هو مخالف للاتباع ، وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما ، كما فرقت الحقائق بينهما فإن الاتباع سلوك طريق المتبع والإتيان بمثل ما أتي به " اهـ .
    التعليق :
    فلا يكون على طريقة السلف من اكتفى بآراء الرجال دون اتباع منه للحجة والدليل .
    3 / المتبع حقا هو من يتعرف على الدليل ، ويقدم الحجة ، ويتحاكم إليها :
    قال رحمه الله تعالى : " فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به ، سواء من معرفة الدليل ، وتقديم الحجة ، وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت ، فهذا يكون متبعا لهم ، وأما مع إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم وسبيلهم ، ثم يدعي أنه مؤتم بهم ، فتلك أمانيهم ، ويقال لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" اهـ.
    التعليق :
    كثير هم من يعرضون عن الأصول وعن معرفة الدليل ، وتقديم الحجة ، وتحكيمها ، وهم مكتفون بسرد آراء من جعلوهم حجة على العباد ، ويدعون إلى الديانة بها .
    4 / الجمع بين فساد التقليد وبيان زلة العالم :
    قال رحمه الله : " والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله ، وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد ، وأن العالم قد يزل ولا بد ، إذ ليس بمعصوم ، فلا يجوز قبول كل ما يقوله ، وينزل قوله منزلة قول المعصوم ، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض ، وحرموه وذموا أهله ، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم ، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه ، وليس لهم تمييز بين ذلك ، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد ، فيحلون ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، ويشرعون ما لم يشرع ، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه " اهـ .
    التعليق :
    والأدهى من أخذهم الدين بالخطأ ؛ أنهم يريدون إلزام غيرهم بمنهج التقليد الذي يسيرون عليه! .
    5 / من يتبع زلة العالم عمدا أو جهلا فهو مفرط في أمر الله :
    قال رحمه الله تعالى : " ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها ، إذ لولا التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره ، فإذا عرف أنها زلة ، لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين ، فإنه اتباع للخطأ على عمد ، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه ، وكلاهما مفرط فيما أمر به "اهـ .
    التعليق :
    والعصمة من هذا التفريط هو عدم قبول قول لا حجة فيه أو عليه ، فكيف بمن يسعى دهره في الدعوة إلى هذا التفريط !.
    6 / لا يجوز للمرء أن يدين بقول لا يعرف دليله :
    قال رحمه الله : " قال أبو عمر : وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ ؛ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه " اهـ.
    التعليق :
    فانظر كم هم أولئك الذين يدينون بأقوال لا يعرفون أوجهها ، بل ويدعون إليها ـ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ـ ، والويل لك إن طالبتهم بالدليل على ما يدينون به .
    فاللهم غفرا .
    7 / نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يفتى بغير دليل :
    قال رحمه الله : " وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو والنصري ثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر أنه سمع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول : ( إن حديثكم شر الحديث ، إن كلامكم شر الكلام ، فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل قال فلان وقال فلان ، ويترك كتاب الله ، من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس) ، فهذا قول عمر لأفضل قرن على وجه الأرض فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه ...فالله المستعان . " اهـ .
    التعليق :
    صدق ـ رضي الله عنه ـ فلا تكاد تسمع في هذه الزمان من بعضهم إلا قال فلان وقال فلان ، ولا يدرى ما كتاب ولا سنة ، وأقول : فكيف لو أدرك ـ ابن القيم ـ ما أصبحنا فيه!.
    8 / تحريم الإفتاء بالتقليد ، وأن الحكم لا يثبت بغير حجة :
    قال رحمه الله : " ... ومن أفتى بفتيا بغير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه ، وقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود ، وفيه دليل على تحريم الإفتاء بالتقليد ، فإنه إفتاء بغير ثبت ، فإن الثبت الحجة التي يثبت بها الحكم باتفاق الناس " اهـ.
    التعليق :
    فالعجب ممن يريد إثبات الحكم وترويجه والدعوة إليه بلا حجة ؛ سوى أنه قاله فلان !.
    وإذا كان الإفتاء بغير حجة لا يجوز ، فما موقف من همه نشر هذا الذي لا يجوز دون التثبت من الحجة!!!.
    9 / معنى الاتباع والتقليد : قال رحمه الله : " وقال أبو عبد الله بن خواز منداد البصري المالكي التقليد معناه في الشرع : الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه وذلك ممنوع منه في الشريعة . والاتباع : ما ثبت عليه حجة ...والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع " اهـ.
    التعليق :
    قد انقلب هذا التعريف على البعض حتى أصبح الاتباع هو الرجوع إلا قول لا حجة فيه ، بل والعجيب أن البعض يمنع العمل بالمعنى الصحيح ، وينكره على أصحابه ! ، وإذا طالبته بالدليل كان ذلك أشد عليه من زهوق روحه ، ثم لا تسل عن حالك بعدها ، فهنالك تشرع في وجهك سيوف الباطل ، مع قلة النصير ! ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
    10 / في العمل بالتقليد والدعوة إليه مخالفة لمنهج السلف :
    قال رحمه الله : " .... قال أبو عمر : يقال لمن قال بالتقليد لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا ، فإن قال قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحصها ، والذي قلدته قد علم ذلك ، فقلدت من هو أعلم مني ، قيل له أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم ، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه ، فإن قال قلدته لأني أعلم أنه على صواب ، قيل له علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع ؟ فإن قال نعم أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل ، وإن قال قلدته لأنه أعلم مني ، قيل له فقلد كل من هو أعلم منك ، فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ، ولا تخص من قلدته ، إذ علتك فيه أنه أعلم منك ... على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح لقوة الدليل عليه " اهـ .
    التعليق :
    صدق ـ رحمه الله ـ فإن القول لا يصح لفضل قائله ، وإنما يصح لقوة الدليل عليه ، ولكن البعض يرى ويدين بصحة القول لفضل قائله ( فقط !). فالله المستعان .
    11 / قبس من كلام الأئمة في النهى عن تقليدهم :
    قال رحمه الله : " وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم ، وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة ، فقال الشافعي : " مثل الذي يطلب العلم بلا حجة ، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري ذكره البيهقي ... وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع فقال أبو داود سمعته يقول : الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد في التابعين مخير . وقال أيضا لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا ... وقال من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال ... وقال بشر بن الوليد قال أبو يوسف : لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا " اهـ .
    التعليق :
    من تمكن منه داء التقليد لم يعر اهتماما لذم الأئمة له ، فانظر كم هم الذين يقولون بمقال الأئمة ، ولا يعلمون دليلهم ولا من أين قالوه ؟!.
    12 / المقلد على خطر عظيم :
    قال رحمه الله : " ويقال هل تقول إذا أفتيت أو حكمت بقول من قلدته إن هذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وشرعه لعباده ولا دين له سواه ، أو تقول إن دين الله الذي شرعه لعباده خلافه ، أو تقول لا أدري ، ولا بد لك من قول من هذه الأقوال ، ولا سبيل لك إلى الأول قطعا ؛ فإن دين الله الذي لا دين له سواه لا تسوغ مخالفته ، وأقل درجات مخالفه أن يكون من الآثمين ، والثاني لا تدعيه ، فليس لك ملجأ إلا الثالث ، فيالله العجب ! كيف تستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتحلل وتحرم بأمر أحسن أحواله وأفضلها لا أدري ، فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة**وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم"اهـ .
    التعليق : ومع أنه لا يدري ، ويدري أنه لا يدري !؛ يصر على أن لا يدري ، وينشر ما لا يدري ، ويرمي وينبز من يريد أن يدري !.
    13 / بيان منهج الصحابة رضي الله عنهم في الفتيا ليتبين منهج من خالفهم :
    قال رحمه الله : " أنهم لم يفتوهم بآرائهم وإنما بلغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به ، فكان ما أفتوهم به هو الحكم وهو الحجة ، وقالوا لهم هذا عهد نبينا إلينا ، وهو عهدنا إليكم ، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل ، وهو الحكم ، فإن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحكم وهو دليل الحكم وكذلك القرآن ، وكان الناس إذ ذاك إنما يحرصون على معرفة ما قاله نبيهم وفعله وأمر به ، وإنما تبلغهم الصحابة ذلك ، فأين هذا من زمان إنما يحرص أشباه الناس فيه على ما قاله الآخر فالآخر ، ... حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرا لكلامهم ، وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم ، وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدم هجرا ورغبة عنه ، حتى إن كتبه لا تكاد تجد عندهم منها شيئا ، بحسب تقدم زمانه ".
    وقال رحمه الله تعالى : " وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئلوا عن مسالة يقولون قال الله كذا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ، أو فعل رسول الله كذا ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط ، فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور ، فلما طال العهد وبعد الناس من نور النبوة صار هذا عيبا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال الله وقال رسول الله ".
    التعليق :
    فهل من وقفة لندرك أين نحن من منهج الأولين ...؟.
    14 / إلحاق العيب بمن يعيب المطالبة بالدليل :
    وقال رحمه الله تعالى: " عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى وهذا العيب أولى بالعيب ، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل ، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيبا ، وهل ذكر قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوي ، وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به ، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها ؛ هذا وقوله وحده حجة ، فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأخذ به ، وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله ، وهيهات أن يسوغ بلا حجة ، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها ، فيقول قال الله كذا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا فيشفى السائل ويبلغ القائل ، وهذا كثير جدا في فتاويهم لمن تأملها ، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة ، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل ، ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أولا فقط ولا يذكر للجواب دليلا ولا مأخذا، ويعترف بقصوره وفضل من يفتى بالدليل ، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتى بالدليل وذمه ، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يدري ما حالهم في الفتاوي ...والله المستعان."اهـ.
    التعليق :وقد صدق ظنه رحمه الله ، فقد ظهرت طبقات ـ الله أعلم بحالهم ".
    15 / لا يجوز للمفتي أن يجيب بما يلقي الإشكال والحيرة :
    قال رحمه الله : " لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل ، وإلقاؤه في الإشكال والحيرة ، بل عليه أن يبين بيانا مزيلا للإشكال ، متضمنا لفصل الخطاب ، كافيا في حصول المقصود ، لا يحتاج معه إلى غيره ، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال يقسم بين الورثة على فرائض الله عز وجل وكتبه فلان ، وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال تصلي على حديث عائشة ، وإن كان هذا أعلم من الأول ، وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال أما أهل الإيثار فيخرجون المال كله ، وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه أو كما قال .وسئل آخر عن مسالة فقال فيها قولان ولم يزد " اهـ .
    التعليق :
    وهذا ربما يقع من البعض ـ وربما يكونون معذورين أحيانا ـ لكن العتب على من يرضى بذلك ، ويجعله حجة ، ويدين به ، بل ويتعبد بنشره والدعوة إليه !.
    16 / على المفتي ألا ينسب الحكم إلى الله ولا إلى رسوله إلا بنص قاطع :
    قال رحمه الله : " لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك ؛ مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته . وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه ، فليس له أن يشهد على الله ورسوله به ، ويغر الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله.
    قال غير واحد من السلف : ليحذر أحدكم أن يقول أحل الله كذا أو حرم الله كذا ، فيقول الله له كذبت ، لم أحل كذا ولم أحرمه ، وثبت في صحيح مسلم من حديث بريده بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وإذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله ، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك "اهـ .
    التعليق :
    وهذه قل أن يسلم منها أحد من طلبة العلم ـ إلا من عصمه الله تعالى ـ ، بل أحيانا يحكم البعض على ما اختلف فيه بأن ما عليه هو الحق الذي لم يحكم الله تعالى إلا به ، والأشد منه أن يعتقد من قلده ذلك ، وعندها تجد من التعصب الأعمى ما يندى له جبين الحق .
    17 / ليس للمفتي إطلاق الفتوى في مسألة فيها تفصيل :
    قال رحمه الله : " ليس للمفتي أن يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل ؛ إلا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع ، بل إذا كانت المسالة تحتاج إلى التفصيل استفصله ... فخطر المفتى عظيم ؛ فإنه موقع عن الله ورسوله ، زاعم أن الله أمر بكذا ، وحرم كذا أو أوجب كذا " اهـ .
    التعليق :
    قد يقع هذا من بعض العلماء أحيانا ـ وربما لهم عذر ـ لكن ما عذر من يتلقفها من طلبة العلم ثم هو بعد ذلك إما يفصل من عنده ، أو يعمم الحكم وهو قد يكون مقيدا ، أو ينسب للمفتي ـ بحسب فهمه ـ ما لا يقره المفتي نفسه لو عرضه عليه ، أو لا هذا ولا ذاك بل يكتفي بإيرادها من غير فهم المراد فيوقع الإشكال ، وإذا حاولت معرفة تفصيل الفتوى حتى لا يضل أقوام بالفهم الخاطئ لها ؛ فعبثا تحاول .
    وختاما :
    فهذه النصائح من إمام من أئمة الإسلام ، وشيخ من شيوخ الدعوة السلفية المباركة ، من تمسك بها ، وعمل بها نجا في دنياه وآخرته ، ومن نبذها عملا ـ وإن أقر بها نطقا ـ !؛ فقد فضح نفسه وجعل دينه عرضة للزيغ عن الطريق ، وليعلم أنه مستدرج مصروف عن التوفيق .

    اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، ونسألك كلمة الحق في الرضى والغضب ، ونسألك القصد في الفقر والغنى ، ونسألك نعيما لا ينفد ، ونسألك قرة عين لا تنقطع ، ونسألك الرضى بعد القضاء ، ونسألك برد العيش بعد الموت ، ونسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين .
    والحمد لله أولا وآخرا ، لا إله غيره ، ولا رب سواه .
     

مشاركة هذه الصفحة