الفضائيات العربية‏..‏ والمال الضائع

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 413   الردود : 0    ‏2002-09-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-09-20
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    [​IMG]


    لم أكن أتصور أن عدد القنوات الفضائية العربية قد وصل في آخر التقديرات إلي‏140‏ قناة‏..‏ وان العرب أنفقوا خلال عشر سنوات فقط ستة بلايين دولار علي هذه القنوات إلي‏30‏ مليار جنيه مصري‏,‏ وأن هذه القنوات تنوعت في مواقفها واهدافها ومصادر تمويلها من بين الحكومات والأفراد‏..‏ واذا كان من بين هذه القنوات ما هو واضح ومعروف الهوي والهوية فإن منها ايضا ماهو غامض تماما في أهدافه ومكوناته ودوره ومصادر تمويله‏..‏ ولأن السماء الان اصبحت حقا للجميع‏..‏ ولانه لاتوجد حدوا لهذا الفضاء الفسيح انطلقت القنوات الفضائية العربية‏,‏ بعضها من العواصم العربية‏,‏ والبعض الاخر من عواصم أجنبية‏..‏ رغم هذا التوسع الرهيب في عدد القنوات‏..‏ ورغم البلايين التي أنفقها العرب سواء كانوا حكومات او افرادا بقي امامنا سؤال مهم‏:‏ ماذا اضافت القنوات الفضائية العربية لمصادر القوة العربية؟
    ان الشيء المؤكد ان قدرات الدول والشعوب لم تعد مقصورة فقط علي ماتملك من الجيوش والعتاد الحربي والقوة العسكرية‏..‏ ولم تعد مجرد قوة اقتصادية بلهاء لاهدف لها ولا أمان ولاغاية‏..‏ كما انها ليست مجرد ثقل سياسي صنعته حركة التاريخ والأحداث في زمن مضي ولم يتبق منه غير ظلال الذكري‏..‏ ينطبق هذا علي دول وشعوب كثيرة‏..‏ حيث تتجسد الان علي سبيل المثال القوة الاقتصادية في المانيا او اليابان ولكنها قوة عاجزة علي المستوي العسكري والسياسي لأسباب حسمتها نهاية الحرب العالمية الثانية‏,‏ ومازالت تمثل قيدا عنيفا علي الدولتين‏..‏

    وهذا أيضا ينطبق علي انجلترا كقوة سياسية غاربة كل مابقي لديها شيء من الماضي البعيد‏..‏ وهو ايضا ينطبق علي روسيا اخر مابقي من قوة عظمي كانت حتي وقت قريب يعمل لها الجميع الف حساب وكانت تسمي الاتحاد السوفيتي‏..‏ ولكنها ايضا دخلت طوابير الذكري‏.‏
    وهنا يبقي امامنا النموذج الأوحد للقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية متجسدا في امريكا وهي بكل المقاييس صاحبة الكلمة الاولي في كل هذه المجالات‏..‏ فهي القوة الضاربة عسكريا وهي المتحكم في سياسة العالم وهي الاقتصاد القادر علي توجيه حركة الاقتصاد العالمي في كل مجالاته تقريبا‏.‏

    واذا كانت هذه هي جوانب القوة بمفهومها التقليدي متجسدة في السياسة والجيوش والاقتصاد فإن هناك ميزانا جديدا للقوي لايقل في خطورته عن هذه الجوانب التقليدية‏,‏ وهي القوة الاعلامية‏..‏ ولاشك ان هذه القوة لاتنبع من فراغ‏,‏ لأنها تحتاج الي مساندة اقتصادية وتكنولوجية متقدمة‏..‏ كما انها تحتاج الي دعم سياسي دائم‏..‏ ولهذا فإنها تقف الان وبقوة الي جوار التفوق العسكري‏..‏ فإذا كانت المعارك تدور بين الدبابات والطائرات فهناك معارك لاتقل في ضراوتها عن ذلك‏,‏ وهي معارك الفضائيات والاعلام بكل وسائله الحديثة ابتداء بالبشر وانتهاء بما تملكه الشعوب من وسائل التفوق الإعلامي علي كل مستوياته‏.‏ انها معارك فكر وعقل وهوية‏.‏
    وعلي ضوء هذه المقاييس يمكن ان ندرك ان العالم العربي يملك قدرات عسكرية لم تختبر في ربع القرن الاخير‏..‏ وللأسف الشديد ان جزءا كبيرا منها ضاع في معارك بين الاهل والاشقاء وأابناء العقيدة الواحدة ابتداء وانتهاءبحرب الخليج بحرب ايران ــ العراق‏..‏ والبعض الاخر كان سلاحا داخليا امام انقسامات دينية او طائفية كما حدث في لبنان والجزائر والسودان‏,‏ وفي جانب آخر وقفت القوة الاقتصادية العربية مجسدة في الموارد الطبيعية وعلي رأسها البترول ولم يكن للعرب في أي وقت قريب دور واضح في حركة الانتاج الصناعي او الزراعي العالمي طوال نصف قرن من الزمان‏..‏ وفي ظل تهميش القدرات العسكرية وعدم وجود قوة انتاجية غاب الدور العسكري والاقتصادي للعرب كقوة ومن هنا جاء تهميش الدور السياسي في ظل توازنات سياسية كان من الصعب جدا ان يكون العرب لاعبا اساسيا فيها‏.‏

    ولهذا كان البديل عن غياب القوة العسكرية والسياسية لحد ما البحث عن مصادر قوة اخري ربما تعوض غياب مصادرها الاخري فكانت المحاولة العربية لامتلاك قوة اعلامية ضاربة تجسدت بصورة واضحة في السنوات الاخيرة في هذا الكم الهائل من الفضائيات العربية‏.‏ نشأت الفضائيات العربية من خلال منهجين مختلفين هما‏:‏
    ‏*‏ قنوات فضائية مملوكة للحكومات واختارت هذه الفضائيات في البداية ان تكون صوتا مدافعا عن سياسة الحكومة التي تبنتها‏,‏ ثم سمحت بهامش من الحرية لتغطية بعض الحاسبات مع حكومات اخري‏,‏ ثم كانت المرحلة الثالثة بهامش وهمي من الحرية للمواطنين لايتجاوز حدود امتصاص الغضب ولايصل الي خنادق المعارضة‏,‏ وقد سعت هذه الفضائيات الحكومية الي اغراق الساحة كلها بألوان من الغناء والمسلسلات والفوازير وسباق الخيول والجمال والصقور والديوك والماعز‏..‏ وفتحت سماواتها لتغطية اخبار اصحاب القرار في كل المواقع‏..‏ واصبحت متحدثا رسميا باسم السلطة‏.‏

    ‏*‏ قنوات فضائية خاصة دخلت لعبة الفضائيات وخلفها دوافع كثيرة‏..‏ كان بعضها يحمل اهدافا سياسية او دينية‏,‏ والبعض الآخر كان يسعي لإغراق الوقت بالسطحيات من الغناء والمسلسلات المترجمة ولامانع من بعض التجاوزات في العري او الهزل‏..‏ او التفاهات‏..‏ في الجانب الاول من هذه الفضائيات ظهرت أهداف سياسية لنشر فكر او ترويج سلوكيات وفي الجانب الثاني تسطيح بقيمة الوقت والزمن وكلاهما ــ الفكر المشوه والسطحية ــ كان علي حساب نمو وتطور واستنارة العقل العربي‏.‏
    ومابين القنوات الحكومية والخاصة ظهرت فضائيات اخري غير معروفة الهوية فلاهي تحمل شعار دولة‏..‏ ولاهي تحمل اسم شخص او مؤسسة‏..‏وهذه القنوات مجهولة النسب مازالت تمثل لغزا امام المشاهد العربي خاصة انها في أحيان كثيرة ترتكب جرائم فادحة ضد هذه الأمة شعوبا وحكومات‏,‏ كما ان مصادر تمويلها وتوجهاتها غير واضحة المعالم وان كانت في الفترة الاخيرة قد أوضحت بوضوح عن وجهها القبيح ومنها قناة الجزيرة وعندما تقدم هذه القناة اخيرا فيلما مفبركا عن اعتراف اعضاء القاعدة بصوت بن لادن بقيامهم بعملية‏11‏ سبتمبر وفي الذكري الاولي للحدث فإن ذلك يطرح اكثر من سؤال‏:‏ ما هو الهدف من ذلك ولمصلحة من؟‏..‏ ولماذا حدث ذلك في هذا التوقيت بالذات لقد لعبت قناة الجزيرة دورا مشبوها في الفترة الاخيرة كشف الكثير عن عوراتها امام المشاهد العربي‏.‏ ولقد كان من الممكن ان تقوم الفضائيات العربية بدور كبير في خدمة قضايانا علي المستوي الداخلي والخارجي‏..‏ كان من الممكن ان تكون منابر للرأي الحر الواعي البناء لأبناء وشعوب هذه الامة وان تكون صوتا يعكس رأيها وفكرها ودينها الحقيقي‏,‏ بعيدا عن التشدد والتطرف والهمجية‏..‏

    وكان من الممكن ايضا في ظل تراجع الدور السياسي والاقتصادي والعسكري للقوة العربية ان يكون الاعلام العربي صاحب دور ورسالة في هذه المواجهة العصيبة‏..‏ وبدلا من ان توجه هذه الفضائيات سياستها في ظل تنسيق وتكامل مع بعضها البعض‏..‏ دخلت في دائرة من الصراع الاعمي والمنافسة الساذجة علي المزيد من التفاهات والسطحية‏..‏ وفي ظل غياب التنسيق الاعلامي في الأهداف والغايات ضاع جهد هذه الفضائيات وتلاشي امام عدم الوعي والدراسة وتحديد الاهداف‏.‏ ولم يمنع ذلك للإنصاف ان تكون هناك بعض البرامج الجادة والعميقة في هذه الفضائيات وان كانت لم تتجاوز حدود الجهد الفردي‏.‏
    ولقد تسابقت هذه الفضائيات في انتاج الفن الهابط وانحصرت اهدافها في تقديم اغنيات مكررة راقصة تشاهدها في وقت واحد تقريبا علي كل القنوات‏..‏ ولم يعد غريبا ان تجد اغنية هابطة تذاع علي خمس قنوات فضائية عربية في وقت واحد‏..‏ والسبب في ذلك ان ساعات الارسال طويلة والمتاح من الاعمال حتي الهابطة منها لايكفي‏..‏ وهنا كان السباق علي الفن الهابط ومن هنا ساعدت هذه الفضائيات علي إفساد الذوق العام‏..‏ ولم يتوقف هذا السباق عند الغناء الهابط ولكن دخل الي مناطق اخري لفرض السيطرة علي مابقي من الفنون الجميلة كالافلام والمسلسلات‏..‏ ولأنها قليلة ونادرة دارت حولها مضاربات كثيرة‏..‏ وبدلا من ان تتجه جهود هذه الفضائيات الي انتاج فنون جيدة وهادفة فإنها اكتفت بالرقص طوال اربع وعشرين ساعة‏.‏

    ولم يكن إفساد الذوق العام هو النتيجة الوحيدة للسباق المحموم بين الفضائيات العربية ولكنها حاولت ان تخلق جوا من الصراع الأعمي تحت دعاوي الحوار بالصراخ وسقطت قنوات كثيرة في معارك سياسية أفسدت اخر مابقي من خيوط التواصل والمودة بين الشعوب العربية‏..‏ وفي أحيان كثيرة كانت هناك اهداف مرسومة لبعض هذه القنوات حتي تكون عامل تشرذم وتشتت علي المستوي الرسمي والشعبي في وقت واحد‏..‏ وبدلا من ان تكون منابر للرأي والحوار ارتفعت درجة الصراخ والضجيج وغاب الهدف والرسالة‏.‏
    وكان من نتيجة ندرة الكفاءات الاعلامية الجيدة ان بدأ الصراع بين هذه الفضائيات لسرقة الكوادر الفنية من بعضها البعض‏..‏ وكان أسوأ مافي هذا السباق تسخير كوادر اعلامية قادرة وقديرة لتحقيق اهداف سيئة ومشبوهة بدأت بتسطيح العقل العربي وانتهت بتهميش قضاياه الحقيقية امام برامج ومسلسلات واغان اضاعت المال والجهد والعمر والرسالة‏.‏

    والشيء الغريب ان الفضائيات العربية تقريبا تخاطب مشاهدا واحد هو المشاهد العربي‏..‏ وتقدم له نفس الجرعة‏..‏ وبنفس الاسلوب وجميعها تدور حول فن هابط‏..‏ او حواريات ممجوجة‏..‏ أودين مشوه او جرعات سياسية مكثفة تخدم طرفا من الاطراف سواء كان ذلك واضحا أو من خلف ستار‏..‏ وكان ينبغي ان تضع الفضائيات العربية امامها هدفا آخر غير المشاهد العربي وهو المشاهد الاجنبي ولعل هذا مابدأته مصر من خلال قنواتها الاخبارية‏,‏ باللغات الاجنبية في الفترة الاخيرة‏.‏
    ومن هنا نقول ان الفضائيات العربية كانت ومازالت مشروعا قوميا وحضاريالايمكن التقليل من خطورته خاصة في ظل معركة حضارية نواجهها مع الاعلام الصهيوني بكل امكانياته البشرية والمادية والفكرية‏..‏ كما ان القنوات العربية شاركت بدور كبير في طرح وجهة النظر العربية سواء امام شعوبها او امام العالم خاصة في تلك اللحظات الحاسمة في تاريخ هذه الامة‏..‏ وقبثل هذا فإن هذه القنوات يمكن ان تتحول الي رصيد ضخم يضاف للقوة العربية في ظل ضغوط كثيرة تتعرض لها هذه الأمة سياسيا واقتصاديا وعسكريا‏.‏ واذا افترضنا ان عشر سنوات من تجربة هذه الفضائيات كانت للتجارب واستيعاب الدروس والخبرات فقد جاء الوقت لتوحيدالجهود وتنسيق الاهداف والخطط‏..‏ ولاداعي لأن يكون كل نشاط هذه الفضائيات موجها لغسيل مخ الشعوب او تبرير سياسات الحكام واصحاب القرار او نشر اخبار واعلانات‏..‏

    يجب ان تتجه اهداف هذه الفضائيات لمواجهة اعلام ضار يحاربنا‏..‏ وجهل قديم يحاصرنا‏..‏ وفكر مشوه يهدد ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا‏..‏ ولهذا يجب ان يجلس الجميع علي مائدة واحدة بلاصراع والحساسيات ولا اهداف مشبوهة لكي يناقشوا بأمانة مستقبل هذه الفضائيات لأنها سلاح خطير في وقت عز فيه السلاح الحقيقي لأنها بما تقدمه الان تدخل في نطاق المال الضائع‏.

    فاروق جويدة
     

مشاركة هذه الصفحة