أحداث سبتمبر .. البحث عن المنتصر

الكاتب : الحسام   المشاهدات : 550   الردود : 1    ‏2002-09-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-09-17
  1. الحسام

    الحسام عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-09-22
    المشاركات:
    982
    الإعجاب :
    0


    أحداث سبتمبر .. البحث عن المنتصر

    سعيد ثابت سعيد (جريدة الصحوة )

    كل العالم انقلب رأسا على عقب يحلل ويفلسف تطورات الأوضاع بعد مرور عام على أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة ، وأجدني منساقا كغيري للدخول في هذه المعمعة التعبيرية منطلقا من سؤال سبق أن طرحه عليّ أحد الزملاء الصحفيين عما إذا كانت أمريكا قد انتصرت على الإرهاب بعد عام من وقوع الهجوم الإرهابي على مدينتي واشنطن ونيويورك، وينبغي هنا ملاحظة أني لا اقف في مربع المؤيد أو المعارض بقدر ما أقف في مربع المتفهم لما جرى، فالولايات المتحدة تعرضت لهجوم قاس وعنيف استهدف في المقام الأول هيبتها وعنفوانها الاقتصادي والعسكري، لكنها سرعان ما استفاقت بعد الضربة، وتحركت لحماية مصالحها، وحماية مواطنيها، بصورة أثارت إعجابي كمواطن عربي محبط من أنظمته التي إذا أصيبت بكارثة أو مصيبة تقضي ثلاث أرباع عمرها المتبقي في الندب والبكاء، ولطم الخدود، والوقوف على الأطلال، ومن ثم فإن ما ينبغي أن تستفيد منه أمتنا اليوم من الحياة الأمريكية كيف تحوّل مصائبها إلى مكاسب، وكيف تتعامل مع الكوارث بعقل استراتيجي، وقدرة على التعايش مع الطورئ، والسرعة الواعية لاحتواء الانتكاسة، بل ومحاولة نقلها إلى طور متقدم، لتصبح استفاقة إيجابية، تتعزز قوتها، على عكس من كان يريد تحويلها إلى نهاية للقوة الأمريكية.


    دوران في حلقة مفرغة

    من الصعوبة جدا القول اليوم ونحن على أعتاب العام الثاني من تلك الأحداث المأساوية إن أمريكا ستنتصر في حربها التي تصفها أنها ضد الإرهاب، لأسباب كثيرة منها، أن هذه الحرب الجديدة التي تخوضها ليست شبيهة بالحروب السابقة التي خاضتها في الماضي البعيد والقريب، فهي حرب ضد أهداف عسكرية غير مرئية، وأفراد أفضل تعبير على هويتهم أنهم أشباح، والمجال التي تجري فيها المعارك بين الطرفين ليست مناطق حيوية استراتيجية بل تتداخل فيها الاستراتيجي وغيرها، وهي حرب بين طرفين ليس بينهما أي تكافؤ، فطرف يقوم على هياكل مؤسسية و يمتلك كل أنواع القوة والسلطة والتأثير والتقنية، بينما الطرف الآخر مجرد مجموعات عنقودية سرية، منزرعة أو منبثة في أرجاء الأرض، ليس لها هوية محددة، أو مناطق معينة، ولا تمتلك جيوش تقليدية، يمكن رصد تحركاتها، وضربها في المكان والزمان الذي يريد الطرف الآخر، إنما هي مجموعات لديها قدرة فائقة في التحرك السريع، والضرب الخاطف، دون مراعاة لأي اعتبارات، سياسية أو ديبلوماسية أو مصلحية، ثم التخفي، بطريقة توقع الطرف الأمريكي في مطبات محرجة مع القوى والدول العالمية، وفي الوقت الذي تقوم القوات الأمريكية في حربها على ما تصفها بالإرهاب على دعم لوجيستي، ومصادر تمويل، وسلاح متطور ومكلف، فإن الطرف الآخر الذي يمكن تسميته بالطرف الشبح لا يحتاج إلى كل ذلك، فهو يعتمد على المهارة في استخدام إمكانات خصمه وأسلحته للإضرار به، مستفيدا من أهم خاصية يمتلكها، تتمثل بعنصر التخفي الفائق، وضبابية الملامح والهوية رغم أنه يتبنى الإسلام في الغالب، لكن هذا التبني إذا جاز اعتباره هوية يوقع خصمه الأمريكي في مأزق محرج للغاية، بتصويره كعدو لدين أكثر من مليار إنسان في الكوكب الأرضي، ويتمتع الطرف الشبح الذي تسميه واشنطن بالإرهابي بخاصية أخرى تتيح له التحرك بفعالية، وهي عدم احتياجه للنفير العام وتجيش الأنصار، والتعبئة الإعلامية المعنوية، كما تفعل الجيوش المحاربة، ومنها جيش الولايات المتحدة، وتقوم استراتيجية الطرف الشبح في العمل المعادي للأمريكان، على خلايا صغيرة ومحدودة ونوعية، تقوم بضربات خاطفة، مخلفة أكبر قدر من الأضرار، وتدمير مواقع تكاد تكون حيوية، ومصيرية لهيبة القوة الأولى في العالم، وبالتالي تعطيل حركة هذه القوة، وتوتير الحالة الأمنية الداخلية في مجتمعها، وإنهاكه بأكبر قدر من العمليات الصغيرة والمؤثرة، وإرباك استقراره، وإدخاله في دوامة البحث المتواصل عن الخصم غير المعروف، معتمدا على معلومات لن تكتمل بسبب طبيعة الخصم القادر دائما على استبدال جلده، وتغيير تحركاته، والمدرك طبيعة ما يريد، أما القوة الأمريكية ستظل تعلن في كل مرة أنها نجحت في تحقيق انتصار هنا أو هناك على أفراد أو مجموعات من أعدائها الإرهابيين، غير المحددين الملامح، لكنها أيضا في كل مرة تستفيق على ضربة مباغتة صاعقة مدمرة، بعد ظنها أنها اجتثت منابع أعدائها، ولنا أدلة كثيرة منذ بداية الحرب بين الطرفين عام 96م في المملكة العربية السعودية ثم تفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام ثم في الهجوم على المدمرة كول، وفي نيويورك وواشنطن، ونلاحظ أنه في الوقت الذي يكون الرد الأمريكي عنيفا وقاسيا على أعدائها الذين تسميهم بالإرهابيين، يجيء الرد نوعيا وأكثر عنفا وإضرارا على مصالح الولايات المتحدة ماديا ومعنويا من هؤلاء، فتوغل القوات الأمريكية في المزيد من العمليات والخطوات الرامية لاجتثاث خصومها المفترضين، فتوسع عملياتها لتشمل بعد ذلك كل أقطار الكوكب الأرضي بهدف إزالة خصمها، وتدمير مواقعه، واجتثتاث مصالحه، وهو هدف جنوني غير واقعي، ومستحيل التحقيق، بسبب أنه يضاعف من عملية استنزاف الإمكانات الأمريكية، ويتقاطع مع مصالح قوى دولية أخرى، قد ترى فيه عملية إضعاف وتحجيم نفوذ لمصالحها في مناطق تحسبها حكرا عليها، وإذا كانت القوى الأوروبية والغربية وغيرهما قد تغاضت عقب أحداث سبتمبر عن الهستيريا الأمريكية والتصريحات المستفزة مراعاة للحالة التي كانت تمر بها الأخيرة في تلك الفترة، فإن ذلك لا يعني التغاضي عنها إلى الأبد، كما أن هدف توسيع الحرب في كل مكان لتدمير مواقع العدو مستحيل لأن العدو أصلا ليس لديه مواقع معلومة، ولا مصالح أو ثروات محددة يمكن إضراره بها، وكلما أعلنت واشنطن نجاحها في كسب الحرب، واقتلاع العناصر الإرهابية، تجدد تلك المجموعات نفسها بأشكال وخطط مغايرة لما مضى في حربها، وتباغتها بعمليات غير متوقعة، مستفيدة من الشروط والأوضاع التي تفرزها السياسة الأمريكية في المنطقة وخاصة فيما يتعلق بانحيازها المطلق إلى جانب عدوان الاحتلال الإسرائيلي مما يبرر في نظرها أعمالها تلك، وهي ظروف سياسية مازومة، في المنطقة، وأوضاع اقتصادية واجتماعية تكاد تكون الولايات المتحدة كقوة رأسمالية مهيمنة شريكة أولى في صناعتها، فلا تجد تلك المجموعات الشبحية المعادية لواشنطن إلا استغلال تلك الظروف للقيام بأعمال تصفها بالانتقامية، متسلحة بكثير من الأيدلوجية المغذية لمشاعر كراهية الاستعلاء الأمريكي، والغطرسة العسكرية، والتعاطي الإذلالي التي تمارسه واشنطن مع حلفائها.

    ولذلك فإني أزعم أن هذه الحرب لن تتوقف عن الدوران ولن تنتهي عند نقطة تتميز بوجود طرف منتصر وطرف مهزوم، وإن كانت عملية ديمومة الكر والفر بين طرفين غير متكافئين ومتباينين في العمل العسكري ستفضي بالطبع حسب تصوري إلى استنزاف القوة التقليدية القائمة على مؤسسات وهياكل وقواعد محددة وعلى أرض معلومة.

    صحيح أن الولايات المتحدة حاولت ولا تزال اتخاذ عدد من الإجراءات المحددة الهادفة إلى تجميد نشاط وتحرك تلك المجموعات، وشل قدرتها على القيام بعمليات متلاحقة، والسعي لتوفير أرضية راسخة تتوفر فيها متطلبات أمنية وعسكرية وسياسية في معظم دول العالم، بيد أني اشك أنها تستطيع الاستمرار في ضمان نجاحها في طمر المجموعات المعادية في رمال مخططاتها.

    فالمشكلة أن الإرهاب لا يثمر إلا إرهابا مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه، ومن ثم فإن الإرهاب الذي يمارسه القوي يدفع بالضرورة من يعتقد انه مظلوم ومقهور إلى أن لا تصبح لحياته ووجوده هدف كتحقيق حياة آمنة أو معيشة كريمة بقدر ما تصبح أهدافه مختزلة في زوال من أوجد الألم والظلم ، ورفع سيف القهر المسلط على رأسه بأي وسيلة وبأي ثمن كان.


    انقلاب جذري في المصالح

    ولكن ماذا عن العلاقات العربية الأمريكية في ظل هذه الحمى الهستيرية ضد محاربة أشباح، وهل ستتضرر في حال أوغلت واشنطن في ممارسة ضغوطها على حلفائها بالمنطقة، للتنازل عما يراه هؤلاء أنها مرتكزات مشروعية حكمهم، سؤال يلح اليوم بقوة مع تسارع الاستعدادات لضرب العراق، وتسرب أنباء أن بغداد مجرد هدف تكتيكي، بينما الهدف الاستراتيجي هو السعودية، وأن الجائزة الكبرى هي مصر؟

    والحقيقة أن إشكالية العلاقات العربية الأمريكية أنها لا تقوم وفق مرجعية متقاربة من الطرفين ، إضافة إلى أنها تقوم اليوم على قاعدة عقد اتفاقات أمنية مع الدول العربية لضمان الوصول إلى الأهداف الاستراتيجية الأميركية الثلاثة ضمان أمن الدولة العبرية الصهيونية وحماية مصالحها النفطية في المنطقة ، وضمان تدخلها السريع فيها كلما استشعرت بوجود أي توجه لتقوية الدول العربية بإثارة الصراعات البينية ومنع الوحدة العربية، وجعل كل مجالات التعاون الأخرى تابعة للبعد الأمني.

    ولا شك أن أحداث 11 سبتمبر أفرزت تغييرا ملموسا وتحولا استراتيجيا للسياسة الأمريكية في المنطقة لخصها زبينغو برزنسكي في سبع نقاط هي:

    إن الحرب على الإرهاب هي حرب متعددة الوجوه، وسوف تؤدي إلى فتح أكثر من جبهة.

    على الولايات المتحدة أن لا تحصر تعريفها للعدو في شخص أسامة بن لا دن أو في تنظيمه، وألا تجعل أمر القبض عليه قضيتها المحورية.

    لا بد من التمييز بين الدول التي قد يرى أهل القرار أنها تأوي الإرهاب؛ فمنها من يدعمه ومنها من يأويه، ومنها من يتجاهله، فإن عادينا جمعاء اتسع نطاق أعداء الولايات المتحدة وتعسر على هذه الأخيرة أمر إدارة المعركة.

    إن الحرب ليست حربا دينية ضد الإسلام،وينبغي التفريق بين الأصولية الإسلامية وبين الإرهاب.

    للغوص في أعماق أي حرب شاملة وطويلة في أفغانستان آثارها السلبية بالنسبة للولايات المتحدة.

    على المجتمع الأمريكي أن يعيد تنظيمه من أجل الاستعداد لتحمل الضربات جديدة مماثلة لاعتداءات 11 سبتمبر.

    لا بد من إعادة النظر في الرؤيا السياسية للولايات المتحدة من خلال تفهم متطلبات المجتمع الدولي ومن خلال البحث عن أسباب الخطأ.

    وهي سياسات باعتقادي ليست جديدة تماما، ولكنها ربما تكون صورة محسنة لركائز السياسة الأمريكية في المنطقة التي تقوم على مبدأ" الدولة المارقة" وهو مبدأ عرفه الباحث السياسي الأمريكي ستيفن زونس في مقال له نشر في أيار مايو1997 بأنها الدول التي لها قوة عسكرية لا يستهان بها وتعمل على تقويتها إلا أنها لا تتناغم مع الأنظمة العالمية.، ويرى زونس أن الأسس التي تستند إليها العلاقات السياسية الأمريكية تتلخص في التالي :

    قبول نظرية أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للدول الحليفة ذات أساس خارجي دائما.

    الإصرار على الحلول العسكرية حتى وان كان أساس المشاكل اقتصادي أو اجتماعي.

    اعتبار الإرهاب هو المشكل الأساسي بدلا من التوجه إلى حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المنتجة له.

    استعمال أسلحة الدمار الشامل النووية أو الكيماوية كعنصر تهديد دائم.

    وعلى الرغم من تلك التوصيات إذا صح هذا التعبير فإن الإدارة الأمريكية لم تستفد تماما منها في تعاطيها مع الأحداث الراهنة، كما أن المشكلة الرئيسية التي تواجه الأمريكيين في التعامل مع ملف العلاقات العربية هي النظر إلى هذه العلاقات من طرف واحد بينما ثمة قوى دولية لاعبة في المسرح السياسي كدول الاتحاد الأوروبي والصين لا تنظر بنفس المنظار الأمريكي مع ذات الدول المعادية لسياسات الولايات المتحدة.

    وقد راحت الإدارة الأمريكية موغلة في التهديد وإثارة العداء لتطال لأول مرة حلفاءها الاستراتيجيين في المنطقة، والتلويح بعصا تقسيم بعض الأقطار العربية، من خلال التسريبات الإعلامية في بعض صحفها، بهدف اللعب على أعصاب حلفائها، للحصول على مزيد من التنازلات التي قد تهدد وجود تلك الأنظمة، وتفقدها مشروعية بقائها في الحكم، ومهما قيل إن تلك التهديدات مجرد أوراق ضغط فإن وصول العلاقات إلى تلك النقطة واللعب بملف إعادة تقسيم المنطقة، ورسم خريطة جديدة، يعد مؤشر خطير يهدد بالفعل مستقبل العلاقات العربية الأمريكية، ويضعها على حافة السيف! ويفضي على إنتاج مزيد من حالات التوتر والعنف، ويضاعف من قاعدة خصوم أمريكا مستفيدين من ذلك الخطاب أو التوجه، ويعتبره أدلة إضافية على عدم مراعاة أمريكا لمصالح العرب ولا حتى حلفائها من الأنظمة.

    ثمة حالة قلق وترقب قاتل في الأوساط السياسية العربية وصناع القرار في الأنظمة العربية، مع تصعيد نبرة التهديدات ضد العراق، والنفخ بضرورة إسقاط نظام بغداد، وتبديله بواسطة قوات المارينز، وهي سنة لو أقرها العرب، فستكون جارية في كل قطر عربي، في حالة رفض نظامه للاستجابة للمطالب الأمريكية، وخاصة تلك التي المطالب التي تتساوى مع إلغاء السيادة على الأرض والثروات والقرار السياسي، واعتبار أن كل تغيير للأوضاع من الداخل غير شرعي إلا إذا باركته الولايات المتحدة، وتم تنفيذه والتخطيط له في دوائر الاستخبارات الأمريكية.

    ويبدو أن الولايات المتحدة تضع ملف العلاقات العربية الأمريكية في كف الريح والإحراق كلما أمعنت في استغلال حلفائها بدول الخليج خاصة، والإمعان في إحراج الأنظمة أمام شعوبها فيما يتعلق بالإرهاب الإسرائيلي المستمر ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وممارسة ابتزازها من خلال التلويح بعدد من الملفات الأمنية، والجرأة على إيذاء مصالح العرب في بلادها من خلال تجميد المؤسسات الخيرية ومنع المستثمرين من الاستفادة من أموالهم وأرصدتهم، ووضع المزيد من العوائق في طريق لتعاون الانسيابي بين الأقطار العربية وواشنطن، وسد كل الطرقات لهذا التعاون، وحصره في طريق واحد يتمثل بالجانب الأمني والاستخباري، واختزال مشكلات الوطن العربي في الإرهاب والتطرف، واعتباره جوهر تلك المشكلات، ورفض الاعتراف أن التطرف والإرهاب ليس حكرا على العرب وحدهم، بل هي ظاهرة كونية وبشرية، وأنه مجرد أحد تجليات تلك المشاكل وعرض لها، لكن ثمة مشاكل لا بد أن تلتفت واشنطن لها وتتفهمها، باعتبار أن كثيرا منها صنعتها هي ذاتها، ورعتها وغذتها، وأسهمت في تضخمها، من خلال السياسات الخاطئة والمستفزة لمشاعر الشعوب، والمهينة للأنظمة المتحالفة معها، والانحياز السافر والمطلق إلى صف الاحتلال الصهيوني، وإغراق السوق العربية بثقافة الكابوي القائمة على شرعنة العنف والقتل والنهب والجنس والمخدرات وأخذ الحقوق بعيدا عن إدارة الدولة، وممارسة النهب المنظم والمستمر لثروات الأمة دون اعتماد المصالح المتبادلة والمتكافئة حتى في حدها الأدنى، باعتبار أن لا تكافؤ بين قوتين.

    العلاقات العربية الأمريكية مستقبلا لن تكون كما كانت في الماضي باعتقادي، وسيصبح النظام الصالح أمريكيا هو ذلك الذي يقدم مصالح الخارج الأمريكي على كل ثوابت ومقدسات ومصالح الشعب في الداخل، ومن ثم سيكرس هذا الوضع حالة الاحتقانات والصراع الأهلي بين الشعوب الطامحة بالتفات أنظمتها إليها، ومراعاة همومها، وبين أنظمة خائفة على بقائها في السلطة، ومهددة صباح مساء بالإسقاط والاستبدال أمريكيا، وخاضعة للابتزاز اليومي تكون مجرد أقسام شرطة لدى القائد العسكري الأمريكي القابع في واشنطن.

    أما عن الحريات والديمقراطية، وما يكرره الأميركيون اليوم عن ثباتهم في الدفاع عن هذه المبادئ فإنه لا يبدو هذا التوجه السياسي الذي قلت أنه أعلن عنه في واشنطن هو جديد بالفعل، بل أصبح في اعتقادي قديما ومن مخلفات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أما هذه المرحلة التي أصبح البعض يطلق عليها مرحلة ما بعد غزوة مانهاتن و تجاوزت بعيدا ما يسمي بالحالة المكارثية في أمريكا أيام الصراع القطبي بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي، ليصبح التوجه الأمريكي الواقعي الراهن هو التضحية بكل المقدسات والمبادئ الأمريكية كالديمقراطية والحريات الشخصية وحقوق الإنسان في مقابل تحقيق أمن أمريكا، وتضخم الهاجس الأمني، ليبتلع كل التوجهات القائمة على تلك المبادئ، وتبدى ذلك بوضوح منذ استحداث وزارة خاصة بالأمن في داخل واشنطن، وعدم مراعاة القيم المتمثلة باحترام أحكام القضاء، في حال كانت الأجهزة الاستخبارية الأمريكية ترى غير ما ذهب إليه القضاء، واعتقال المشتبه بهم للأيام واشهر دون محاكمات، ومن ثم فإنها باعتقادي لن تتورع عن ضرب كل القيم الديمقراطية على الحائط في الدول الأخرى، ما دام ذلك يحقق هدفها الاستراتيجي في إزالة العدو الشبح المتمثل بالإرهابيين.

    الفكر السياسي الجديد

    وبالعكس فإن ما نلمسه ونرصده في اتجاهات تيارات الفكر السياسي الأمريكي داخل مؤسسات صناعة القرار الأمريكي وخاصة في وسط اليمين المتصهين هو تكريس سياسة التدخل في الشئون الداخلية للدول، واعتبار البعد الأمني هو المحدد الأول إن لم يكن الوحيد في العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية، والاستهانة بكل المعاهدات والمواثيق الدولية.

    وبدا هذا الاستخفاف الأمريكي بكل المعاهدات والمواثيق الدولية وتجاوز المؤسسات الأممية من خلال عدد من الخطوات التي أقدمت عليها إدارة الرئيس بوش الابن منها رفض معاهدة كيوتو التي تحدّ نفث ثاني أكسيد الكربون في الفضاء ورفض توقيع المعاهدة الخاصة بإنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة جرائم الحرب خوفا من تطال قواتها العسكرية وإدانة أعمالها التي تقوم بها خارج أراضيها وخاصة في فيتنام وبلاد البلقان ودول أمريكا اللاتينية، ورفضها الاقتراحات الخاصة بالتسوية حول الأبحاث الجرثومية والبيولوجية، و سعى لبناء الدرع الصاروخي لحماية أمريكا من صواريخ الدول المارقة بحسب التعبير الأمريكي وإلغاء التزامها بمعاهدة سالت 2 التي كانت عامل استقرار بين القطبين منذ توقيعها في عام72 ، والعمل على إدخال أبعادا جديدة في عملية هيكلة وتجديد بناء القوات الأمريكية تتمثل في عسكرة الفضاء، وهو مصادم لكل الاتفاقات الدولية، مما يعني أن الإدارة الأمريكية مستمرة في إعلاء شأن البعد العسكري وجعل كل ماعداه مجرد تابع أو متغير يتحكم به العنصر العسكري والأمني الثابت وعلى الرغم أن غالب تلك الإجراءات تم اتخاذها قبل الأحداث فإنه لم يمنع من وقوع الإدارة في قلب العاصفة، وتهز وضعها السياسي والأمني، وتضع كل خططها في دائرة الشك من جدواها.، ومن ثم فإن ثمة توقعات كبيرة لدى العديد من المراقبين أن عملية التدخلات العسكرية والسياسية والثقافية الأمريكية بحق الدول والشعوب في العالم سيشهد تصاعدا مخيفا من خلال المعطيات القائمة في الساحة الدولية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط،، مما سيوسع مساحة الكراهية والعداء ضد التوجهات الأمريكية ليس في الأوساط العربية والإسلامية فحسب بل سيمتد كما هو حاصل راهنا وبدا تعبيريا في مؤتمر دربان لدى شعوب العالم ومنظماته ومؤسساته وجمعياته المدنية، الأمر الذي يجعل من السلام العالمي في وضع هش.<

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-09-17
  3. سياف

    سياف عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-07-23
    المشاركات:
    478
    الإعجاب :
    0

    إرفعوا مقال الحسام للأهمية... هووووووب...

    [​IMG]




     

مشاركة هذه الصفحة