حكم المشاركة بالوزارات في ظل انظمة غير اسلامية

الكاتب : أحمدالسقاف   المشاهدات : 566   الردود : 1    ‏2007-04-04
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-04-04
  1. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    الوزارة في اللغة: اختلف اشتقاق معنى الوزارة على ثلاثة أوجه:

    أحدها: أنه من الوِزر، وهو الثقل؛ لأنه يحمل عن رئيس الدولة أثقاله([1])، ومنه قوله تعالى: } وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا {([2])، أي أثقالاً من أمتعهم.

    الثاني: أنه مشتق من الأَزر، وهو؛ الظهر لأن الملك يقوى بوزيره، كقوة البدن بظهره([3]).

    الثالث: أنه مشتق من الوَزَر، وهو الملجأ، ومنه قوله تعالى: } كَلا لا وَزَرَ{([4])، أي لا ملجأ، فرئيس الدولة يلجأ إلى الوزير ومعونته([5]).

    وكلمة الوزير جامعة لهذه المعاني كلها، فالوزير عون على الأمور، وشريك في التدبير، وظهير في السياسة، وملجأ عند النازلة، وهذه المعاني هي ما تهدف إليه الدساتير في العالم([6]).

    الوزارة في اصطلاح النظم المعاصرة:

    الوزارة هي صاحبة السلطة الفعلية، والمهيمنة على إدارة شئون الدولة، وهي مسئولة عن جميع تصرفاتها أمام البرلمان، ولهذا فهي تعتبر المحور الذي يدور حوله النظام البرلماني([7]).

    وقد استعملت الدساتير العربية في هذا الخصوص ثلاثة مصطلحات وهي: السلطة التنفيذية، والحكومة، ومجلس الوزراء.

    واصطلاح السلطة التنفيذية هو أوسعها دلالة، إذ يشمل جميع العاملين في مهام التنفيذ في الدولة، أما الحكومة ومجلس الوزراء فهما مصطلحان متقاربان لا يختلفـان إلا فـي نواح محدودة أهمها([8]):

    1. أن مجلس الوزراء هو نظام برلماني لا يعرفه النظام الرياسي، ومن ثم فإن الاصطلاح الأدق في النظام الرياسي هو الحكومة، الذي يشمل رئيس الدولة ومعاونيه من الوزراء.

    2. أن اصطلاح الحكومة يطابق أو يخالف اصطلاح مجلس الوزراء، حسبما إذا كان رئيس الدولة يعتبر جزءاً من الحكومة أم لا، وما إذا كان من حقه أن يرأس مجلس الوزراء، ولكن الناظر إلى واقع الأنظمة العربية ودساتيرها يرى أن غالبيتها أخذت بنظام مجلس الوزراء.

    واصطلاح الوزارة في النظم المعاصرة على هذا النحو لا أراه يخالف الإسلام، بل الاختلاف الجوهري يأتي من خلال الشروط التي اشترطها الإسلام فيمن يتولون هذا المنصب([9])، وكذلك السياسة والمنهج الذي تسير عليه الوزارة ـ كما بينا ذلك سابقاً عند التفريق بين السلطة التشريعية في الإسلام والأنظمة المعاصرة ـ لاسيما وأن معظم الدساتير العربية تقول بجواز الجمع بين عضوية المجالس النيابية ومنصب الوزارة.

    الوزارة في الاصطلاح الشرعي:

    الوزارة هي أهم مناصب الدولة بعد الخلافة، يقول ابن خلدون في هذا المعنى:

    " الوزارة أم الخطط السلطانية والرتب الملوكية؛ لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة، فإن الوزارة مأخوذة إما من المؤازرة وهي المعاونة، أو من الوزر وهو الثقل، كأنه ـ الوزير ـ عمِل على مفاعلة الخليفة أوزاره وأثقاله، وهو راجع إلى المعاونة المطلقة "([10]).

    واصطلاح الوزارة معروف منذ فجر تاريخ الإنسانية، فكلمة وزير عرفت عند العرب قبل الفتوحات الإسلامية، إذ من المسلم به تاريخياً أن منصب الوزارة في حد ذاته أقدم من الإسلام، فقد ورد في القرآن على لسان موسى عليه السلام: } وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ~ هَارُونَ أَخِي {([11])، فلما جاء الإسلام أقر المنصب ووضع له شروطاً خاصة تميز بها، مما يؤكد أن هذا المنصب كان موجوداً منذ صدر الإسلام، ولم يعرفه المسلمون عن طريق الفرس، كما يحلو للبعض أن يقول بفارسية المنصب([12]).

    فمنصب الوزير كان موجوداً منذ صدر الإسلام، وإن لم يكن له مظاهره وأبهته، وذلك لبساطة الناس في ذلك الوقت، وبعدهم عن أبهة الملك([13]).

    وقد استعمل المسلون كلمة الوزارة، فعندما التقى المهاجرون والأنصار في السقيفة لاختيار خليفة رسول الله r قال أبو بكر الصديق t: " نحن الأمراء، وأنتم الوزراء "([14]).

    وهذا عمر بن الخطاب t كتب إلى أهل الكوفة: " إني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وجعلت عبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً "([15]).





    المطلب الثاني

    حكم المشاركة في الوزارة

    إن المسلم مخاطب بتحكيم شرع الله تعالى، فهو مخاطب بتنفيذ أوامر ربه ورسوله r والانقياد لهما دوماً؛ لقوله تعالى: } وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا {([16]).

    ولما كانت الأنظمة الحاكمة المعاصرة قد أقصت الشريعة الإسلامية كلياً أو جزئياً عن سدة الحكم، وعطلت مبادئها، واستبدلت بها دساتير وقوانين وضعية، أضحت المشاركة في الوزارة في ظل هذه الأنظمة محط نقاش بين الفقهاء والمفكرين المعاصرين، الذين انقسموا ما بين قائل بجوازها أصالة، وقائل بحرمتها أصالة كذلك، وقائل بجوازها استثناء من الأصل، وذلك نظراً لاختلافهم في منهج التغيير والإصلاح الموصل إلى قيام الدولة الإسلامية.

    فقد ثار الخلاف بين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية: فمنهم من رأى ضرورة مزاحمة الأنظمة في مكانتها، وعدم ترك الساحة خالية لهم تحقيقاً للمصالح ودفعاً للمفاسد.

    ومنهم من رأى ضرورة تكوين القاعدة الصلبة التي تعيش الإسلام في حياتها، وعدم الانجرار ومداهنة الأنظمة بمشاركتها في الحكم.

    فالمسألة فيها ثلاثة أقوال:

    القول الأول: إن الأصل في المشاركة في الوزارة الحرمة، وتزعم هذا القول الدكتور محمد أبو فارس([17])، وإليه ذهب الأستاذ أحمد المحمـود، والشيـخ محمـد

    قطب([18]).

    القول الثاني: إن المشاركة في الوزارة تجوز استثناءً من الأصل، وإليه ذهب والدكتور إسحاق الفرحان، والشيخ راشد الغنوشي، الشيخ سعيد حوى، والدكتور عبد الرحمن عبد الخالق، والدكتور عمر الأشقر، والشيخ محمد أحمد الراشد، والدكتور يوسف القرضاوي([19]).

    القول الثالث: إن المشاركة في الوزارة تجوز أصالة، وإليه ذهب الدكتور علي الصوا، وأستاذي الدكتور يونس الأسطل([20]).

    أدلة القول الأول:

    استدل أصحاب هذا القول بالقرآن الكريم والمعقول:

    أولاً: القرآن الكريم([21]):

    1. عموم النصوص الواردة في حق من يحكم بغير ما أنزل الله بالكفر، والظلم،

    والفسق: } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ {([22])، } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {([23])، } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {([24]).

    2. الحاكمية لله تعالى وحده، وليس لأحد أن ينازعه فيها، قال تعالى: } إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ {([25])، وقال سبحانه: } لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {([26]).

    3. نهى الله المؤمنين أن يحتكموا إلى شريعة غير شريعة الله، وجعل ذلك منافياً للإيمان حينما قال تعالى: } فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا {([27]).

    4. حذر الله سبحانه وتعالى المؤمنين من الركون إلى الذين ظلموا فقال: } وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ {([28]).

    والركون هو الميل اليسير، فلا يجوز للمسلم أن يكون هواه وميله مع الظالمين.

    5. المسلم مأمور بالكفر بكل طواغيت الأرض؛ لقوله عز وجل: } أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا {([29]).

    فكل من يحتكم إلى الطاغوت باختياره وإرادته، يعد كافراً خارجاً إلى ما وراء حائط الإسلام.

    هذه الأدلة وغيرها تُظهر جلياً أن الأصل عدم جواز المشاركة في الوزارة، في ظل أنظمة الحكم المعاصرة.

    ثانياً: المعقول([30]):

    1. المشاركة في الوزارة التي لا تحكم بما أنزل الله، تصبغ الأنظمة الجاهلية بالصبغة الشرعية، وتعطيها شهادة تزكية.

    2. عدم الثقة بالدعاة؛ لمشاركتهم في أنظمة ادعت الألوهية باغتصابها أخص خصائصها وهي الحاكمية، وهذا يجعل المشاركين في الوزارة يتقاسمون الكراهية، وعدم الثقة مع الأنظمة، فلا يُطمئن إليهم في مستقبل الأيام؛ لأنهم عاشوا مع هؤلاء في خندق واحد.

    3. إن المشاركة في الحكم فيه إطالة لعمر النظام الذي يحكم بغير ما أنزل الله.

    4. إن الأنظمة تعمل على استيعاب الحركات الإسلامية، وقد تستخدم وسيلة الترغيب بعد وسيلة الترهيب، وهذا أسلوب خبيث لتشويه الصورة والضغط من أجل التنازل عن المبادئ والقيم، فإن توصلوا إلى هذا الأمر، فقد نجحوا أيما نجاح في طمس معالم الحق والانحراف عن جادة الصواب.

    5. المشاركة في الحكومة يؤدي إلى إثارة البلبلة بين الدعاة، وزرع بذور الشك في نفوس أبناء الحركة الإسلامية وأصدقائها، وقد يؤدي إلى شق الجماعة، وتمزق الجبهة الداخلية لها.

    6. كثيرة هي المشاكل التي تواجه البلاد العربية والإسلامية، كالديون الباهظة، والتهديدات الأمنية من الدول المعادية، والأنظمة ليست قادرة على إيقافها أو حلها، وهي تتفاقم يوماً بعد يوم، وتتسع دائرتها، والمشاركة في الوزارة المكلفة بحل هذه المشاكل مع العلم المسبق بعدم القدرة على حلها، سيؤدي إلى إحراج المشاركين، وفقدهم لعز تاقه الدعاة.

    ونحن لا نختلف مع أصحاب هذا القول في أن الأصل في المشاركة الحظر، بيد أن الأمة تعيش في أوضاع استثنائية، تجعل من الصعب على العاملين للإسلام أن يبلغوا أهدافهم بإقامة حكم الإسلام بشكل مباشر، ويجدون أنفسهم في دائرة الخيارات والموازنات الصعبة والسلمية، التي تحقق الأهداف، وإن كان على أمد بعيد.

    ولما كان الفقه الإسلامي يمتاز بالمرونة والتعاطي الواقعي مع متطلبات العصر، ومستجدات المجتمع الإسلامي، كان القول بجواز المشاركة في الوزارة استثناء من الأصل، منبثقاً من القواعد والمقاصد الشرعية، التي تؤول إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد.

    أدلة القول الثاني:

    استدل القائلون بجواز المشاركة في الحكم استثناءاً من الأصل بما يأتي:

    1. مشاركة يوسف عليه السلام في الوزارة.

    2. موقف النجاشي.

    3. المصلحة.

    أولاً: مشاركة يوسف عليه السلام في الوزارة:

    تعرض القرآن الكريم لسيرة سيدنا يوسف عليه السلام في سورة خاصة، بينت أنه كان يعيش في ظل مجتمع جاهلي يستند في مبادئه وقيمه على عقيدة الشرك، وقد استمر هذا المجتمع على شركه حتى بعد يوسف عليه السلام قال تعالى: } فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ {([31]).

    وقد تعرض يوسف عليه السلام لمحاولة إغواء من قِبل امرأة العزيز، وكشرت له المحن عن أنيابها، حتى زُج به في غياهب السجن مظلوماً.

    غير أن يوسف عليه السلام لما وجد في نفسه القوة للقيام بأعباء الحكم، وتحمل المسئولية المترتبة عليه لتحقيق مصالح العباد، طلب أن يولى جانبـاً منـه قائـلاً:

    } اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ {([32]).

    وبذلك شارك يوسف عليه السلام في حكم لا يحكم بشريعة الله أساساً وسنداً.

    لم يجد يوسف عليه السلام تناقضاً بين المبدأ الذي يحمل رايته، وهو أن الحاكمية لله، وبين توليه الوزارة ليجعل المجتمع أقرب إلى المبدأ الذي يحمله، وليحاول إقرار هذا المبدأ في واقع الأمر([33]).

    فدل هذا على أن الشريعة الإسلامية فيها سعة ومرونة لمشاركة الدعاة في الوزارة التي لا تحكم بشريعة الله، لأجل تحقيق مصالح الأمة، وخدمة لدين الله تعالى.

    وقد استدل لفيف من العلماء المفسرين بقصة يوسف عليه السلام، وذهبوا إلى جواز تولي مناصب من يد سلطان جائر:

    فقد جاء في تفسير القرطبي ـ رحمه الله ـ: " قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز "([34]).

    وقال الألوسي ـ رحمه الله ـ في تفسيره: " وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جُهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً، وكان متعيناً لذلك "([35]).

    وجاء في تفسير النسفي ـ رحمه الله ـ: " قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان أعماله من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة

    الظلمة "([36]).

    وقال الشيخ سعيد حوى ـ رحمه الله ـ في تفسيره: " ففي عصرنا حيث يتحكم الكفر ويحكم، وحيث فرضت أنظمة كافرة على أقطار إسلامية، تجد بعض المسلمين يترددون في المشاركة أو في رفضها، ونجدهم يترددون في ترشيح أنفسهم لمناصب الدولة، والذي نفهمه من قصة يوسف عليه السلام أنه يستطيع المسلم أن يزكي نفسه في بعض المجالات، وأن يستلم منصباً من مناصب الدولة إن كان في ذلك خدمة لدين الله، أو مصلحة للمسلمين، أو منفعة عامة للخلق ولا يرافقها إثم، وكل ذلك بعد الموازنة بين الجيد والأجود، والعزيمة والرخصة، واختيار أخف الضررين وأهون الشرين "([37]).

    ثانياً: موقف النجاشي ـ رحمه الله ـ:

    النجاشي([38]) هو ملك الحبشة في زمن النبي r، لما توالت المحن والابتلاءات على الصحابة y أمرهم النبي r بالخروج إلى أرض الحبشة واصفاً إياها أنها أرض صدق، وملكها لا يظلم عنده أحد، فآواهم النجاشي، وتعهد بحمايتهم، وكان من ثمرات وجودهم على أرضه دخوله في الإسلام.

    فالنجاشي ـ رحمه الله ـ آمن بالنبي r ومات على ذلك، وقد صلى الرسول r عليه هو وأصحابه.

    والأدلة تترى في تقرير إيمان النجاشي منها:

    1. عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r حين مات النجاشي: " مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُواْ فَصَلُّواْ عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ"([39]).

    2. عن أبي هريرة t: أن رسول الله r نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: " اسْتَغْفِرُواْ لأَخِيكُمْ "([40]).

    3. عن أبي هريرة t: أن رسول الله r نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات "([41]).

    وجه الدلالة: تدل هذه الأحاديث على أن إسلام النجاشي كان واضحاً لدى النبي r، فهو يخبر أصحابه بموته في ذات اليوم الذي نعى النجاشيَّ فيه ربُّه، وهذا لا شك مصدره وحي، وينعت النجاشي بالصلاح " مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ "، وهذا دليل إيمانه، ويصلي عليه هو وأصحابه، ويخبرهم برابطة الأخوة بينهم والنجاشي " فَصَلُّواْ عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ "، ويأمرهم بالاستغفار له " اسْتَغْفِرُواْ لأَخِيكُمْ " وما كان ليستغفر النبي r وأصحابه y له لولا إيمانه بعد النهي عن الاستغفار للكافرين في قول الله تعالى: } مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ {([42]).

    هذا بالإضافة إلى كتاب النجاشي إلى النبي r، والذي يؤكد تماماً إسلامه، حيث قال في نص الرسالة: " وأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأصحابه، وأسلمت على يديه لله رب العالمين "([43]).

    وبعد المحاورة التي دارت بينه وبين جعفر بن أبي طالب t قال: " مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أُقبل نعليه "([44]).

    إلا أنه ومع إسلام النجاشي، كان يقود نظاماً يحكم بغير شريعة الله، إذ لم يكن بإمكانه تطبيق منهج الله، وأي محاولة كهذه من شأنها أن تقلب الموازين في اتجاه ضياع ملكه، وعدم استقرار المؤمنين في أرضه، وقد لاذوا به.

    يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، والنجاشي وأمثاله مع ذلك سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها "([45]).

    فثمة عقبات كانت تعترض النجاشي في طريقه، وقد اعترف ببعضها في رسالة وجهها إلى النبي r وهو يعلن إسلامه ومبايعته له حين قال: " فإني لا أملك إلا نفسي "([46]).

    وعندما أشار أمراء النجاشي عليه برد المسلمين إلى رسل قريش وأبى إلا بعد سماع كلامهم، وبعد أن أقر بأن ما جاءوا به حق قال الذين حضروا من عظماء الحبشة: " والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك "([47]).

    وفي موقف آخر لما سأل المسلمين عما يقولون في عيسى ابن مريم عليه السلام، فأخبره جعفر بن أبي طالب t واعترف بصدق ما جاء به، وقال: " ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العُوَيد " فتناخرت بطارقته([48]).

    بعد هذا العرض يتضح لنا أن النجاشي أصحمة، الذي آمن بالنبي r هو الذي استضاف صحابته المهاجرين إليه، وما زال يقوم على نظام لم يتمكن فيه من تطبيق شريعة الله، لكنـه كان حصناً نافعاً للمهاجرين المسلمين.

    والنبي r لم يأمره بالهجرة إليه، على الرغم من عرضه ذلك على رسول الله r وذلك في الرسالة التي تضمنت إرساله بستين رجلاً آمنوا من أهل الحبشة حتى قال: " وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقوله حق ".

    لكن النبي r مستنداً إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد اكتفى بأمنه، وحمايته للمسلمين.

    ثالثاً: دلالة المصلحة على جواز المشاركة في الوزارة:

    قبل أن أشرع في التكييف الفقهي للاستدلال بالمصلحة في جواز المشاركة في الحكم، أبدأ بمقدمة حول المصلحة:

    المصلحة في اللغة: الخير والصلاح، وهي نقيض الشر والفساد ([49]).

    أما شرعاً: فقد عرفها ابن عاشور بأنها: " وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائماً أو غالباً، للجمهور أو للآحاد "([50]).

    وعرفها الغزالي ـ رحمه الله ـ بأنها: " جلب منفعة، أو دفع مضرة "([51]).

    والناظر في الشريعة الإسلامية يرى أنها قائمة على جلب المصالح، ودرء المفاسد، وهذه حقيقة أكد عليها علماؤنا:

    يقول الشاطبي ـ رحمه الله ـ: " والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل "([52]).

    ويقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام ـ رحمه الله ـ: " الشريعة مصالح كلها، إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح "([53]).

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها "([54]).

    ويقول تلميذه ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة ومصالح كلها، وحكمة كلها "([55]).

    أقسام المصلحة:

    قسم الأصوليون المصلحة من حيث اعتبار الشرع وعدم اعتباره إلى ثلاثة أقسام([56]):

    المصالح المعتبرة: وهي ما شهد الشرع لاعتبارها، ويرجع حاصلها إلى القيـاس، وهو

    اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع؛ ومثاله: تحريم كل ما أسكر قياساً على الخمر الذي حرم لمصلحة حفظ العقل.

    المصالح الملغاة: وهي ما شهد الشرع لبطلانها، كإيجاب الصوم على الملك الذي واقع أهله في نهار رمضان، إذ العتق سهل عليه فلا ينزجر، والكفارة وضعت للزجر، فهذا لا خلاف في بطلانه لمخالفته النص، وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع.

    المصالح المرسلة: وهي ما لم يشهد الشرع باعتبارها أو إلغائها، وهذه هي المصالح المرسلة عند الأصوليين، مثل المصلحة التي اقتضت جمع القرآن، وتدوين الدواوين، وقتل الجماعة بالواحد.

    هذا وقد اختلف العلماء في حجية المصالح المرسلة، وما أذهب لترجيحه هو القول بحجيتها، لاسيما أن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد، والأخذ بالمصلحة المرسلة يتفق وطبيعة الشريعة والأساس الذي قامت عليه، وهذا ما صرح به كثير من العلماء كما أوردت آنفاً.

    التكييف الفقهي للاستدلال بالمصلحة على جواز المشاركة في الوزارة:

    المشاركة في الوزارة في ظل أنظمة الحكم المعاصرة ابتداءً تعد مفسدة، نظراً للأدلة الصريحة التي وضعتها في إطار الحظر، ومن هنا كان القول: إن الأصل في المشاركة الحرمة.

    والاشتراك في الحكم ليس من قبيل المصالح المرسلة؛ لأن النصوص الصريحة جاءت قاطعة في تأثيم المشارك في الحكم بغير ما أنزل الله، والاستدلال هاهنا عائد ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ: " إلى ترجيح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما"([57])...([58]).

    ولا شك أن المشاركة في الحكم في ظل الأنظمة المعاصرة، التي غيبت الشريعة عن السلطة، وأقامت حكم الطاغوت، ونازعت الله تعالى في حكمه، تميع قضية الحكم عند المسلم، وتوقعه في تناقض كبير، فهو مأمور بالكفر بالطاغوت، ومحاربة من حاد الله.

    وقد سيقت الأدلة في الدلالة على أن الأصل في المشاركة الحرمة، وذُكرت مفاسد المشاركة، إلا أن المشاركة في الحكم في بعض الأوقات والأحوال تحقق مصالح راجحة، ومنافع معتبرة للإسلام والمسلمين، يتعذر غالباً تحقيقها بغير ذلك.

    وإخضاع القضية لفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد يخرجها عن الأصل؛ لاعتبارات شرعية، بحيث يغطي هذا الفقه الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها المسلمون، من تغييب الحكم الإسلامي، وعبر النظر المصلحي يحتم الواجب الشرعي المشاركة في الوزارة، لتحقيق ما يمكن تحقيقه من الأهداف المنشودة بإقامة حكم الإسلام.

    ولا يعني الاستدلال بالمصلحة إباحة الوقوع في الحرام، فالحرام واقع لا محالة بإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم سواء في المشاركة أو عدمها، لكن ما قرره العلماء عن ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، وقاعدة الضرورة والاستطاعة، ومراعاة سنة التدرج يقتضي تقديم الحرام الذي يترافق مع تحقيق المصالح على الحرام الذي يفقدها.

    ومن هذه الاعتبارات الشرعية([59]):

    1. تقليل الشر والظلم مطلوب بقدر الاستطاعة:

    إن من استطاع أن يقلل من الظلم والشر والعدوان، ينبغي له أن يفعل إغاثة للملهوف، وإعانة للمظلوم، وتقوية للضعيف، وتضييقاً لدائرة الإثم والعدوان بقدر الإمكان، قال الله تعالى: } فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ {([60]).

    وقال النبي r: " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُواْ مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ "([61]).

    وقد رأينا النجاشي ملك الحبشة أسلم زمن الرسول r، ومع هذا لم يستطع أن يقيم حكم الإسلام في مملكته؛ لأنه لو فعل ذلك خلعه قومه، ولم ينكر عليه الرسول الكريم r.

    أما فلسفة: كل شيء أو لا شيء، فهي مرفوضة شرعاً وواقعاً.

    2. إرتكاب أخف الضررين:

    وهذا ما قرره الشرع من ارتكاب أخف الضررين أو أهون الشرين، دفعاً لأعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلاً لأعلاهما.

    ولهذا أجاز الفقهاء السكوت على المنكر مخافة أن يجر إنكاره إلى منكر أكبر منه، ويستدلون لذلك بقوله r لعائشة رضي الله عنها: " لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ؛ لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالأَرْضِ "([62])، فترك ما يراه واجباً خشية أن تثور فتنة من التغيير في بناء الكعبة، وهم لم ترسخ أقدامهم بالإسلام بعد.

    3. النزول من المثل الأعلى إلى الواقع:

    فقد نصب الشرع للمسلم مُثُلاً عُليا؛ ليرنو المسلم إليها بعينه، ويهفو إليها بقلبه، ويسعى إليها بحركته، ولكن الواقع كثيراً ما يغلبه، فيعجز عن الوصول إليها، فيضطر إلى النزول عنها إلى ما دونها تحت ضغط الضرورة، عملاً بالممكن الميسور بعد تعذر الصعود إلى المثال المعسور، ومن هنا تقررت القاعدة الشهيرة: الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة: المشقة تجلب التيسير، وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة: رفع الحرج.

    ومن قرأ القرآن واستقرأ السنة وجد ذلك واضحاً كل الوضوح، ولهذا نجد الفقهاء يجيزون للفرد المسلم وللمجتمع المسلم النزول للضرورة من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى، حتى لا تتعطل مصالح الخلق، ولا تضيع حقوقهم، ويذهب دينهم ودنياهم.

    مثال ذلك: إجازة شهادة الفاسق إذا لم يوجد العدل، الذي هو الأصل في الشهادة، وكذلك إجازة الجهاد مع البار الفاجر مع أن الأصل هو البار الصالح.

    ومن هنا فمن لم يستطع الوصول بالسلطة السياسية إلى تطبيق الشريعة، فلا مانع أن ينزل إلى حكم الواقع، ويرضى بالمشاركة مع غيره إن كان من وراء ذلك خير للأمة.

    4. سنة التدرج:

    والشرع الحنيف قد راعى هذه السنة، فتدرج مع المكلفين في فرض الفرائض، كما تدرج معهم في تحريم المحرمات رحمة بهم وتيسيراً عليهم.

    وقد لا يستطيع الإنسان ـ رغم طموحه ـ الوصول إلى أهدافه الكبيرة مرة واحدة، ولكنه قد يمكنه الوصول إلى شيء منها بعد شيء وفق قدراته وظروفه، فلا يرفض ذلك ولا يمنعه منه شرع ولا عرف ولا عقل، فقد اتفق العقلاء على أن ما لا يدرك جله لا يترك كله.

    والوصول إلى الحكم الإسلامي الكامل هدف كبير ولا ريب، ولكن قد يتعسر الوصول إليه دفعة واحدة، فما المانع أن يصل إلى بعضه من يستطيع الوصول ليتحقق الخير للأمة؟.

    وفي تاريخنا الإسلامي أمثلة ونماذج فيها أسوة حسنة:

    نجد ذلك في سيرة خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز t فقد أقام من معالم العدل، ونشر من معاني الخير ما لا ينساه التاريخ، ولكنه لم يستطع أن يفعل كل ما يريد، بدليل أنه لم يُعد الخلافة شورى ـ كما هو الأصل في الإسلام ـ ويخرجها من بني أمية.

    كما أنه فعل ما فعل متدرجاً بحكمة وأناة، حتى إن ابنه عبد الملك ـ وقد كان شاباً تقياً متحمساً ـ قال له يوماً: يا أبت! مالي أراك متباطئاً عن إنفاذ الأمور؟ فوالله ما أبالي أن تغلي بي وبك القدور في سبيل الله!.

    يريد الابن المتوقد حماسة، أن يعجل أبوه بالإصلاح المنشود، ولا يبالي بما يحدث بعد ذلك من عواقب ما دام ذلك في سبيل الله.

    فقال له الأب الحكيم: لا تعجل يا بني! فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين، ثم حرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق، فيدفعوه جملة، فيكون من وراء ذلك فتنة.

    ويمكن تلخيص المصالح المترتبة على المشاركة في الوزارة في النقاط التالية([63]):

    1. تتيح المشاركة في السلطة الفرصة أمام الكوادر الإسلامية للتأهل والتدريب على ممارسة الحكم، وصناعة القرار، والإحاطة بآليات إدارة السلطة وتعقيداتها، فالتوقعات شيء، والواقع والصعوبات شيء آخر، فالمشاركة السياسية توفر تجارب غنية للحركة الإسلامية في التعامل مع الواقع وتحسين أدائها.

    2. درء بعض المفاسد والمؤامرات والمكائد عن العاملين بالإسلام وأهله، والحركات العاملة بالإسلام.

    3. إعادة الثقة بالإسلام، وأنه دين قادر على تنظيم شئون الحياة الخاصة والعامة، ولا يكون ذلك إلا بما يقوم به المشاركون من تحقيق للعدل وإزهاق للباطل، كما وتشعر الأمة أن باستطاعة الإسلاميين تقديم شيء ملموس غير الشعارات والفتاوى وانتقاد السلطة، الأمر الذي يرسخ لإيمان الجماهير بها وبأهدافها، ويزيل الصورة المشوهة التي رسمها الإعلام السلطوي عن الإسلاميين.

    4. محاربة المراكز والمؤسسات التي تنشر الرذيلة والضلال، وزيادة المؤسسات الإسلامية التي تنشر الخير، وبذلك يكون الانفتاح المباشر والعلني أمام الجماهير المسلمة عبر برامج ونشاطات وإعلام الحركة الإسلامية.

    5. الاستفادة من هيبة السلطة لخدمة هذا الدين، والتحرك به في واقع الحياة، لأسلمة الحياة.

    أدلة القول الثالث:

    استدل القائلون بجواز المشاركة في الوزارة أصالة، بأدلة أوردوها خلال الرد على أدلة الفريقين القائلين بحرمة المشاركة، أو جوازها استثناءً من أصل الحرمة([64]):

    1. إن الأصل الذي انطلق منه الفريقان، حيث قالا بأن الجواز استثناء من أصل الحرمة للضرورة أو المصلحة ... إن هذا الأصل غير مسلَّم به.

    ذلك أن الأدلة التي يسوقانها لا تنهض للدلالة على أصل التحريم، إذ غـاية ما

    تدل عليه هي النهي عن الركون إلى الظالمين، أو تحريم الحكم بغير ما أنزل الله ... الخ.

    ولا تصلح تلك الأدلة متمسَّكاً لتحريم المشاركة بالوزارة؛ لأنها ليست واردة على محل الخلاف، إذ من يشارك بالوزارة من الدعاة المسلمين لا يقصد الركون إلى الظالم، ولا تحكيم غير شرع الله، إنما يهدف إلى تحقيق بعض المصالح العامة في ظل ظرف لا يملك فيه البدائل الأفضل.

    2. وإذا سلمنا بأن الأصل هو الحظر أو الحرمة، وأن المشاركة لا تجوز إلا للضرورة أو المصلحة، فإن حكم التحريم هذا ثابت بدلالة الظن، وهذه الدلالة تحتمل أكثر من معنى، فما الذي يمنع من تخصيص النصوص الظنية بالمصلحة الشرعية؟.

    3. إن المشاركة بالوزارة من مسائل السياسة الشرعية، وإن من مجالات السياسة الشرعية النظر فيما لا نص فيه، ومسألة المشاركة لم يرد فيها نص لا بالإثبات ولا بالنفي، وعليه فإن مبناها على المصالح، والفتوى فيها رهينة لما يغلب من المصالح والمفاسد تلك الغلبة التي تقرها الاجتهادات الجماعية لا الفردية.

    4. إذا وصل الأمر إلى حد تساوي مصالح المشاركة ومفاسدها، أو أن تربو المفسدة، فإن إخواننا الوزراء يمكنهم أن يستقيلوا ويعلنوا للأمة أسباب هذا الانسحاب.

    إن المشاركة هنا أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله، وقد ورد التكليف بالدعوة إلى الله بصورة مطلقة، فتكون المشاركة بهذا النظر أصلاً في الجواز أو الوجوب، وليس استثناءً.

    المناقشة:

    أولاً: مناقشة أدلة القائلين بجواز المشاركة في الوزارة استثناءً من الأصل:

    ناقش القائلون بأن الأصل في المشاركة الحرمة أدلة القائلين بجوازها استثناءً من الأصل بما يلي:

    أولاً: مناقشة الاستدلال بمشاركة يوسف عليه السلام بالوزارة:

    اعترض على هذا الدليل بالأدلة التالية:

    ‌أ. إن تصرف يوسف عليه السلام يقع تحت قاعدة شرع من قبلنا، والقول الذي لا خلاف فيه: أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إذا ورد في شرعنا ما يخالفه، والآيات القرآنية الكثيرة تحرم الحكم بغير ما أنزل الله وتكفر من يقترف هذه الجريمة([65]).

    وهذا باطل لوجوه([66]):

    الوجه الأول: أن شرعنا وشرع يوسف عليه السلام، بل شرائع الأنبياء جميعاً متفقة في تقرير حاكمية الله تبارك تعالى، فيوسف عليه السلام يقرر في مخاطبته للفتيين الذين دخلا معه السجن أن الحكم لله وحده: } إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ {([67]).

    ويتولى يوسف عليه السلام هذا المنصب، وهو يعلم أن للملك نظاماً وشريعة لا يستطيع أن يزيحها بين عشية وضحاها } مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ {([68]).

    فإذا كان فقه يوسف عليه السلام للحاكمية، هو نفس الفقه المقرر في شريعتنا، ومع ذلك تولى الوزارة، فإننا نجزم أن توليه الوزارة لم يناقض عقيدته في كون الحاكمية لله وحده، وأنه لم يكن مخطئاً عندما تسلم الوزارة؛ لأنه نبي معصوم.

    الوجه الثاني: ومما يدل على نفي الشبهة وإبطالها إخبار الحق تبارك وتعالى أن استلام يوسف عليه السلام الوزارة كان رحمة ونعمة، ولم يكن عذاباً ونقمة } قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ~ وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ{([69]).

    ويوسف عليه السلام يصرح بأن استلامه للحكم كان من نعم الله عليه، ولم يكن نقمة }رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ {([70]).

    ‌ب. إن القياس على حالة يوسف عليه السلام قياس باطل، ذلك أن يوسف عليه السلام حينما فوض الملك أمر تدبير المُلك له قد أصبح هو الحاكم الفعلي، يدير دفة الحكم، وتلاشت شخصية العزيز، بل أصبح هو العزيز بدليل قوله تعالى: } قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا {([71])، } فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ {([72])([73]).

    وهذا باطل لوجوه([74]):

    الوجه الأول: أن يوسف عليه السلام تولى المنصب الذي تولاه بإذن الملك وإرادته، يدلنا على هذا طلب يوسف عليه السلام من الملك أن يوليه } قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ{([75])، فالنص صريح أيضاً في أن يوسف عليه السلام قد طلب منصباً في دولة الملك، ولم يطلب أن يعزل الملك نفسه ليحل هو في مكانه.

    الوجه الثاني: أن الملك نفسه هو الذي استدعاه ليجعله من خاصته وأهل مشورته وكبار رجال دولته } وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي {([76]).

    يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذا النص: " أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي "([77]). وقد فعل عندما جعله في منصبه العزيز الذي يتولى خزائن الأرض.

    الوجه الثالث: النصوص القرآنية تدل على أن أقصى ما وصل إليه يوسف عليه السلام هو منصب عزيز مصر، ومنصب العزيز ليس هو منصب الملك كما يظنه بعض أهل العلم، فعزيز مصر قبل يوسف عليه السلام، كان هو الرجل الذي اشترى يوسف عليه السلام، وعاش يوسف عليه السلام في منزله الفترة الأولى من حياته في مصر، وهو الذي راودت زوجته يوسف عليه السلام عن نفسه بدلالة قوله تعالى: } وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ{([78])، أما الملك فهو الذي رأى الرؤيا } وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ{([79])، وهو الذي استدعى يوسف ليجعله من خاصته } وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي{([80]).

    وهذا الذي قررته هنا هو قول أهل العلم، يقول ابن كثير: " إن يوسف عليه السلام ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر، مكان الذي اشتراه من مصر زوج التـي راودته "([81]).

    ‌ج. إن مشاركة يوسف عليه السلام في هذا الحكم كان شيئاً خاصاً به، ولا يمكن الاقتداء به في ذلك.

    وأجيب عليه: بأن الخصوصية تحتاج إلى دليل، وعلى المدعي أن يثبت دعواه؛ لأن الأصل أن كل ما يذكر من سير الأنبياء وهديهم إنما يراد به التأسي والاقتداء([82])

    قال الله تعالى: } أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ {([83]).

    ثانياً: الاستدلال بموقف النجاشي ـ رحمه الله ـ:

    ‌أ. أن النجاشي الذي أسلم ونعاه النبي r كان حاكماً وملكاً، ولم يكن تحت وصاية أحد، بل هو الذي كان يتخذ الوزراء والأعيان والأعوان([84]).

    ويجاب على ذلك: لا شك أن النجاشي كان ملكاً، ولكن ذلك لا يعفيه من تطبيق الشريعة الإسلامية، بل يحمِّله مسئولية أكبر وأمانة أولى تجاه تنفيذها؛ لما يحتله من مكانة عالية يتولى فيها دفة الحكم، لكن النبي r لم يأمره بذلك أو يوجهه إلى التخلي عن الحكم والهجرة إليه، بل اكتفى بإسلامه وتوفير الأمن والحماية لأصحابه المسلمين، اعتماداً في ذلك على الموازنة بين المصالح والمفاسد.

    وكذلك لم يعتبره النبي r كافراً أو مذنباً لعدم تطبيقه الشريعة الإسلامية، وقد نزلت يومها كثير من أحكامها، بل إنه صلى عليه، وأمر صحابته بالاستغفار له.

    ‌ب. إن النجاشي الذي تعاطف مع المسلمين المهاجرين إليه وآواهم لم يسلم، وإن الذي أسلم هو النجاشي الذي أرسل الرسول r إليه قبل فتح مكة عندما أرسل الرسل إلى الملوك والحكام يدعوهم إلى الله تعالى([85]).

    وهذا لا يسلم به لوجوه:

    الوجه الأول: إن هناك نصوص كثيرة صرحت بأن النجاشي الذي رحب بصحابة رسول الله r y هو الذي أسلم، وصلى عليه النبي r عند وفاته ودعا له، وقد سقت الرسالة التي أرسلها النجاشي للنبي r وهو يعلن فيها إسلامه ومبايعته له ولابن عمه.

    وأورد ابن كثير قول النجاشي بعد سماعه لكلام جعفر بن أبي طالب t: " يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد هؤلاء على قول ابن مريم ولا وزن هذه، مرحباً

    بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به ابن مريم "([86]).

    الوجه الثاني: تصريح كبار أهل العلم بالحديث والتاريخ والتراجم الذين لا يشق لهم غبار بأن النجاشي الذي أسلم هو النجاشي الذي هاجر إليه الصحابة.

    فهذا ابن حجر رحمه الله ذكر في ترجمته: " أصحمة بن أبجر النجاشي، ملك الحبشة، واسمه بالعربية عطية، والنجاشي لقب له، أسلم على عهد رسول الله r ولم يهاجر إليه، وكان ردءاً للمسلمين نافعاً، وقصته مشهورة في المغازي في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، وأخرج أصحاب الصحاح والسنن قصة صلاته r عليه صلاة الغائب "([87]).

    ومن طالع ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية يجده يجزم في أكثر من موضع مثل ما جزم به ابن حجر([88]).

    الوجه الثالث: أن وفاة النجاشي وقعت بعد فتح خيبر وقبل فتح مكة، بل قبل أن يرسل الرسول r الرسل إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى، ففي صحيح مسلم تصريح بأن النجاشي الذي أرسل إليه الرسول r الرسالة لم يكن ذاك المسلم الذي هاجر إليه المسلمون " كتب رسول الله r إلى كسرى وإلى قيصر، وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي "([89]).

    يقول ابن كثير: " موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير، فإنه في صحيح مسلم أنه كتب إلى ملوك الآفاق كتب إلى النجاشي، وليس هو بالمسلم "([90]).

    ‌ج. إن الشعب الذي كان يحكمه النجاشي في هذه الفترة القصيرة جداً من حكمه

    بعد إسلامه كان شعباً يدين بالنصرانية، وليس فيه تشريعات تنظم شئون المجتمع والحكم، ولهذا كان يحكم بالقواعد العامة من العدل والمساواة ونحوها، وهذه مبادئ وقواعد إسلامية، بالإضافة إلى أنه لا يمكن تطبيق الإسلام على شعب نصراني علماً بأن الأحكام الشرعية لم تكتمل بعد، بخلاف الشعوب الإسلامية اليوم التواقة لحكم الإسلام، والذي تأباه الأنظمة والحكومات([91]).

    ويجاب عليه:

    لا نسلم خلو النصرانية من تشريعات تنظم حياتهم، فقد كانوا يحتكمون إلى تشريعات بني إسرائيل، والتي تخالف الكثير من مبادئ الإسلام وقواعده.

    وفي عهد النجاشي نزلت العديد من الأحكام الشرعية، ولا شك أنها لم تكتمل بعد، لكن ذلك لا يعد عذراً يبيح عدم تطبيقها.

    وإذا قلنا بعدم تطبيق الإسلام على شعب نصراني لأنه لا يحتكم إليه، فكذلك القول بعدم تطبيقه على شعب مسلم تسوقه أنظمة وحكومات لا تحتكم إلى الإسلام، إلا بعد انتزاع الحكم منها؛ وبالتالي تكون المشاركة لازمة لتحقيق ذلك.

    ثانياً: مناقشة أدلة القائلين بأن المشاركة في الوزارة تجوز أصالة:

    إن القول بأن المشاركة في الوزارة تجوز أصالة لا يسلم؛ لما فيه من إطلاق القول دون مستند شرعي، ويجدر بي أن أسجل رد أستاذي الدكتور مازن هنيه على هذا القول، حيث قال:

    1. إن خطاب الله بتطبيق الشريعة الإسلامية والالتزام بحكمه، متعلق بآحاد الأفراد ومجموعهم، فهو واجب يتعلق بالفرد، ويتعلق بالأمة بأسرها أيضاً، لذا فقد كان تطبيق الشريعة من قِبل الحاكم هو أعظم الواجبات المناطة به من قِبل الله تعالى، وأيضاً من أعظم الواجبات والأمانات التي يؤديها نيابة عن الأمة، فقد أسندت إليه الأمة القيام بهذه الأمانة التي كلفت بها من قبل الله تعالى.

    ومن هنا فإن ترك تطبيق حكم الله جريمة نكراء، لا يسأل عنها الحاكم فحسب! بل تسأل عنها الأمة بأسرها؛ لذا فإن الأصل في دور كل مسلم أن يعمل على تطبيق حكم الله في واقع الحياة بكل وسيلة مشروعة تحقق المصلحة، وتدرأ المفسدة.

    لذا فإن المشاركة في حكم لا يقيم شرع الله معصية وجريمة، لا يجوز الإقدام عليها.

    ولما كان ترك المشاركة في الحكم مفض إلى مفسدة خطيرة، ومفوت لمصلحة عظيمة جازت المشاركة استثناء من أصل التحريم.

    2. وأما دعوى ثبوت التحريم بالأدلة الظنية، فمردود بما ثبت من خلال هذه الرسالة، حيث ثبت وجوب تطبيق الشريعة والاحتكام إلى حكم الله بالأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وهذا الوجوب ـ كما قدمت آنفاً ـ لا يتعلق بالفرد فحسب، بل بالأمة بأسرها، فيصبح الجميع طرفاً في تطبيق الشريعة بوجه من الوجوه، ومن كان طرفاً في وجوب تطبيق الشريعة، لا يجوز أن يكون طرفاً في ترك تطبيقها، وهذا ثابت بالأدلة القواطع؛ وجواز المشاركة إنما هو استثناء من الأصل للمصلحة.

    ولو قيل: كيف تثبت الحرمة بالدليل القاطع ثم تستثني منه؟ فإن الجواب أن ما كان قطعياً يجوز الاستثناء منه بالدلائل القاطعة، والاستثناء هنا ثابت بالدلائل القاطعة، والمتمثل في المصلحة في حفظ الدين وحفظ مصالح الأمة، وما فيه حفظ لواحدة من المقاصد العامة يرتقي ليكون من أقوى الدلائل.

    3. إن الأساس الذي تقوم عليه السياسة الشرعية ملاحظة مصلحة الأمة، ودرء الفساد عنها تمسكاً بالأصول والثوابت، ومرونة في التطبيق والاجتهاد.

    فدعوى أن السياسة الشرعية تقوم على ما لا نص فيه لا تستقيم، بل هناك أصول ثوابت يجب التمسك بها ورعايتها من قِبل الحكام.

    وفي إطار هذه الفلسفة يتجلى القول بجواز المشاركة، فهو مرونة ووعي في الفهم والتطبيق، والاجتهاد لا ينفي الأصول ولا يلغيها، ولكن يستثنى منها ما فيه عظيم مصلحة يؤدي في المآل لرعاية هذه الأصول وتحقيقها على أكمل وجه.

    4. إن القول بالترجيح على أساس المصالح والمفاسد هو الأساس في القول القائل بالجواز استثناء من الأصل، ولو كان الأصل الجواز لكانت المصلحة ظاهرة، ولما وقع كل هذا الاختلاف، فمن المعلوم أن الأحكام المشروعة في أصلها لا نقيدها بالترجيح بين المصالح والمفاسد؛ لأن الأصل فيها الصلاح، ووقوع الفساد أمر محتمل لا يعول عليه، لذا لا نقيدها به إلا إذا ظهر دليل يدل عليه.

    5. مما لا شك فيه أن المشاركة إن كانت الدعوة إلى الله غايتها، فهي جائزة استثناء من أصل التحريم، وأما القول بأصل مشروعيتها لاشتمالها على الدعوة فلا يستقيم؛ لأن الأمر اشتمل على المصلحة المتمثلة بالدعوة من خلال المشاركة، وعلى المفسدة المتمثلة بترك تطبيق الشريعة.

    والموازنة بينهما لا تكون بالقول: إن الأصل جواز المشاركة لمصلحة الدعوة، وتحريمها إذا لم تطبق الشريعة، فهذا يفضي إلى الحرمة مطلقاً.

    ولكن الصواب أن يقال: إن عدم تطبيق الشريعة أمر محرم لا يجوز المشاركة فيه إلا إذا كان ذلك لمصلحة ".

    الترجيح:

    بعد عرض الأقوال يظهر أن ثمة اتفاق بين فريقين على أن الأصل في المشاركة في الوزارة هو التحريم، لكن القضية: هل تبقى الحرمة في المشاركة أصالة أم تجوز استثناءً؟، وكذلك يظهر اتفاق بين أحد هذين الفريقين والفريق الثالث على جواز المشاركة في الوزارة لكن الاختلاف في جوازها استثناءً أم أصالة.

    من خلال طرح الأدلة، ومناقشتنا لأدلة القائلين بحرمة المشاركة، أو جوازها أصالة يظهر ترجيحنا لجواز المشاركة في الوزارة استثناءاً من أصل الحرمة وفق ضوابط شرعية، وذلك للاعتبارات التالية:

    1. أن الأخذ بهذا الرأي فيه موازنة بين ثوابت الشريعة ومتغيرات العصر، وهذه هي سمة الفقه الإسلامي، ذلك أن الحرمة متحققة أصالة في المشاركة في الحكم، ولكن متغيرات العصر توقف العاملين للإسلام أمام موازنات قاسية ودقيقة، فتقتضي المصلحة الخروج من نطاق الأصل بجواز المشاركة استثناء استئناساً ببعض الأحداث التاريخية، وعملاً بالقواعد والمقاصد الشرعية من مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد، وارتكاب أخف الضررين، وقاعدة الضرورات تبيح المحذورات ورفع الحرج وغيرها.

    2. إن عزوف الإسلاميين عن خوض المعترك السياسي، وترك الساحة خالية لغيرهم، وتربع الأنظمة غير الإسلامية على سدة الحكم يعد تضارباً في المصالح والمقاصد الشرعية.

    3. التجارب الواقعية التي خاضتها الدعوة الإسلامية في بلدان تعطي هامشاً للحرية تثبت قدرة إخواننا الذين سبقونا بالإيمان على التأثير في مجريات الأمة، من حيث سن التشريعات، أو التوسع في افتتاح المؤسسات الاقتصادية والتعليمية، وغيرها والتي ساهمت في الارتقاء بمستوى الدعوة الإسلامية بصورة تدعو إلى الارتياح، ويكفينا أن نلقي نظرة على الساحة التركية أو الماليزية، أو اليمن والكويت([92]).

    والمتتبع لمسيرة الحركات الإسلامية يرى أنها تمضي وفق الفقه المثبت لجواز المشاركة عبر النظر المصلحي.

    فقد استجاب الإخوان المسلمون في مصر للمشاركة في حكومة الثوار عام 1952م، وشاركوا بالفعل في سوريا بقيادة الشيخ مصطفى السباعي، وكذلك شاركوا في الأردن.

    وفي تركيا شارك حزب الرفاه حتى وصل رئيسه نجم الدين أربكان لرئاسة الوزراء.

    وفي السودان شاركت الحركة الإسلامية عدة مرات.

    حتى أن الإخوان المسلمين في فلسطين لم يرفضوا مبدأ المشاركة في مجلس الوزراء الفلسطيني، بل كان رفضهم مبنياً على تقدير المصالح والمفاسد، خاصة أنهم يعيشون في مرحلة التحرر، ففي لقاء شخصي عقدته مع الشيخ أحمد ياسين مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس قال: " هدفنا تحرير الأرض والإنسان الفلسطيني، فإذا كانت المشاركة في الحكومة توصلنا إلى تحقيق أهدافنا رحبنا بها، ونحن لا نشارك في حكومة في ظل احتلال يدفع المشاركين إلى الاستسلام والتسليم ونزع السلاح ورفع الرايات البيضاء "([93]).

    فتاوى بعض العلماء:

    وفي هذه القضية وجدت فتاوى لعلمائنا الأبرار الذين أجازوا تولي الوظائف السياسية للأمراء والسلاطين الظلمة، إذا ترتب على توليها تحقيق مصالح راجحة، أو دفع مفاسد ملغاة، ومن هذه الفتاوى:

    فتوى عز الدين بن عبد السلام ـ رحمه الله ـ:

    من ذلك فتوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام، فقد قال ـ رحمه الله ـ: "ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولوا القضاء لمن يقدم مصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر: إنفاذ ذلك كله، جلباً للمصالح العامة ودفعاً للمفاسد الشاملة، إذ يبعد من رحمة الشرع ورعايته لمصالح العباد تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة؛ لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها ... "([94]).

    فتوى ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

    وسئل الشيخ ابن تيمية قدس الله روحه عن رجل متول ولايات ومقطع إقطاعات وعليهـا من الكلف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يسقط الظلم كله، ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره، وولي غيره، فإن الظلم لا يترك منه شيء، بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه، فيسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه، فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها، فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه، وقد عرفت نيته واجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه، أم عليه أن يرفع يده عـن هذه الولاية والإقطاع، وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم، بل يبقى ويزداد، فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم، فهل يطالب على ذلك أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله؟ أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادته؟ وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به، ورفع ما رفعه من الظلم، فهل الأولى له أن يوافق الرعية أم يرفع يده؟ والرعية تكره ذلك؛ لعلمها أن الظلم يبقى ويزداد برفع يده؟.

    فأجاب: الحمد لله، نعم إذا كان مجتهداً في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر، فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه، وقد يكون ذلك عليه واجباً إذا لم يقم به غيره قادراً عليه، فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب والحالة هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم([95]).




    المطلب الثالث

    ضوابط المشاركة في الوزارة

    1. أن تكون المشاركة وسيلة لتحقيق مصالح الإسلام والمسلمين، بحيث تكون مشاركة فعلية لا يخضع فيها الوزير المشارك خضوعاً تاماً لسلطة الحاكم وتنفيذ سياسته، بل يجب أن يملك صلاحيات تمكنه من تحقيق الأهداف التي بنيت عليها المشاركة ولو جزئياً.

    2. أن لا تكون المشاركة غاية بذاتها وهدفاً بعينها، بل هي مجرد وسيلة ينبغي تعميق النقاش حول الأمور التي يمكن تحقيقها، مع توضيح المصالح والمفاسد من خلال الوقائع والأمثلة، والموازنة على أساسها، وعدم الاكتفاء بترديد قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي لا يختلف على صحتها أحد، لاسيما وأن الموقف من المشاركة يختلف من شخص لشخص، ومن مكان لآخر بناء على تقدير المصلحة.

    3. ألا يكون الحكم موسوماً بالظلم والطغيان، معروفاً بالتعدي على حقوق الإنسان، فإن المطلوب من المسلم الملتزم بالنسبة إلى هذا الحكم أن يقاومه ويغيره بما أمكنه من وسيلة، ولو أن سيدنا يوسف عليه السلام طلب منه فرعون الذي علا في الأرض، وجعل أهلها شيعاً أن يجعله مكيناً في الأرض لرفض ذلك، ولم يسأله أن يجعله على خزائن أرض مصر، فقد كان ملك مصر في عهده غير فرعون في عهد موسى عليه السلام.

    ومن هنا لا يجوز للمسلم الملتزم ولا للجماعة المسلمة الملتزمة المشاركة في حكم دكتاتوري متسلط على رقاب الخلق، سواء كان حكم فرد مطلقاً، أم حكماً عسكرياً متعسفاً.

    إنما تكون المشاركة في حكم يقوم على الديمقراطية، ويحترم مقدرات البشر([96]).

    4. أن يكون له حق معارضة كل ما يخالف الإسلام مخالفة بينة، أو على الأقل التحفظ عليه، فالوزير قد يقيم العدل الممكن في وزارته، ولكن يطلب منه في مجلس الوزراء أن يوافق على قوانين أو اتفاقيات أو مشروعات مخالفة لقواطع الإسلام، فهنا يجب عليه أن يعترض أو يتحفظ بقدر نوع المخالفة وحجمها.

    وقد يضطر المسلم الملتزم أو الجماعة المسلمة إلى الانسحاب من الحكم في حال المخالفات الخطيرة التي لا يكفي فيها التحفظ والاعتراض([97]).

    5. ألا يخوض غمار هذا المعترك السياسي الدقيق والحساس إلا من رسخ دينـه، وقوي شأنه، وأيقن أن المهمة الوزارية وظيفة تكليفية لا تشريفية.

    6. تقويم المشاركة كل فترة زمنية بالنظر إلى الظروف الموضوعية والمتطلبات المرحلية والأوضاع المحلية والدولية ومدى ملاءمتها لتحقيق المصالح والأهداف المرجوة التي تجعلهم يمضون في طريقهم أو يضطرون للانسحاب.





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) ابن الأثير: النهاية غريب الحديث والأثر (5/178)، ابن منظور: لسان العرب (5/282)، الرازي: مختار الصحاح (1/299)، مادة: وزر.

    ([2]) سورة طه: من الآية (87).

    ([3]) الماوردي: قوانين الوزارة (ص: 61).

    ([4]) سورة القيامة: الآية (11).

    ([5]) ابن الأثير: النهاية غريب الحديث والأثر (5/179)، ابن منظور: لسان العرب (5/282)، الرازي: مختار الصحاح (1/299).

    ([6]) الماوردي: قوانين الوزارة (ص: 27).

    ([7]) ليلة: النظم السياسية الدولة والحكومة (ص: 637).

    ([8]) الطماوي: السلطات الثلاث (ص: 251- 253).

    ([9]) يمكن مراجعة الشروط المتطلبة فيمن يشغل منصب الوزارة التي اشترطها الفقهاء المسلمون، في كتاب: الأحكام السطانية لأبي يعلى (ص: 24)، قوانين الوزارة للماوردي (ص: 27- 32)، وكذلك الشروط التي اشترطتها الدساتير العربية في كتاب: السلطات الثلاث للطماوي (ص: 257- 259).

    ([10]) ابن خلدون: المقدمة (1/236).

    ([11]) سورة طه: الآيتان (29، 30).

    ([12]) حلمي: نظام الحكم في الإسلام ( ص: 297)، رسلان: قوانين الوزارة عند الماوردي (ص: 8)، ومن الذين قالوا بأن الوزارة فارسية الأصل: الدكتور حسن إبراهيم حسن، وعلي إبراهيم حسن في كتابهما النظم الإسلامية (ص: 113)، وكذلك الدكتور سليمان محمد الطماوي في كتابه السلطات الثلاث (ص: 415).

    ([13]) حلمي: نظام الحكم في الإسلام ( ص: 297).

    ([14]) أخرجه البخاري: الصحيح (باب قول النبي r: لو كنت متخذاً خليلاً 3/1341 ح 3467).

    ([15]) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك (4/308 حتى 257 هـ)، الطبري: التاريخ (2/531).

    ([16]) سورة الأحزاب: الآية (36).

    ([17]) فقد ألف الدكتور محمد أبو فارس كتاباً خاصاً رد فيه باستفاضة على القائلين بجواز المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية، إلا أنه على الرغم من إنكاره الشديد على القائلين بجواز المشاركة استثناء من الأصل بناء على تقدير المصالح والمفاسد ورده عليهم، قد أباحها للضرورة، أو ما يقوم مقامها إذا توافرت شروط ذلك، تماماً كإباحة أكل الميتة للمضطر أو الدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فقد قال تعالى بعد ذكره لهذه المحرمات: } فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ { (سورة المائدة: من الآية (3). وهذا هو معنى القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 37).

    ([18]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 40)، قطب: واقعنا المعاصر (ص: 509)، المحمود: الدعوة إلى الإسلام (ص: 243)، هذا ويمكن اعتبار القائلين بخطر المشاركة في المجالس النيابية، من المانعين من باب أولى المشاركة في المجالس الوزارية، لاسيما وأن الوزارة تمثل سلطة تنفيذية، حيث يخضع فيها المسلم للنظام الذي يحكم بغير شريعة الله، ويسعى لتنفيذ سياسته، بل والذود عنه في بعض الأحيان، وله اجتهاده فقط في حدود صلاحياته، بخلاف المجالس النيابية التي هي أقل شأناً، وشبهة الولاء فيها للحكومة التي تحكم بغير شريعة الله أخف، بحيث يتمتع فيها النائب بالحصانة البرلمانية التي تمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإطلاق.

    ([19]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 29)، التميمي: مشاركة الإسلاميين في السلطة (ص: 13)، حوى: الأساس في التفسير (5/2671)، الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (2/144)، عبد الخالق: مشروعية الدخول وقبول الولايات العامة في ظل الأنظمة المعاصرة (ص: 5)، القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/428)، المعايطة: التجربة السياسية للحركة الإسلامية في الأردن (ص: 118).

    ([20]) الأسطل: ميزان الترجيح في المصالح والمفاسد المتعارضة (ص: 200- 202).

    ([21]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة (ص: 17- 20)، الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 29- 32).

    ([22]) سورة المائدة: من الآية (44).

    ([23]) سورة المائدة: من الآية (45).

    ([24]) سورة المائدة: من الآية (47).

    ([25]) سورة يوسف: من الآية (40).

    ([26]) سورة القصص: من الآية (70).

    ([27]) سورة النساء: الآية (65).

    ([28]) سورة هود: الآية (113).

    ([29]) سورة النساء: الآية (60).

    ([30]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 20- 30)، الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 32).

    ([31]) سورة غافر: من الآية (34).

    ([32]) سورة يوسف: من الآية (55).

    ([33]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 63).

    ([34]) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (9/215).

    ([35]) الألوسي: روح المعاني (13/5).

    ([36]) النسفي: التفسير (2/194).

    ([37]) حوى: الأساس في التفسير (5/2671).

    ([38]) النجاشي لقب لكل من مَلَك الحبشة، ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة (5/112).

    ([39]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب فضائل الصحابة، باب موت النجاشي 3/1407 ح 3664).

    ([40]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد 1/446 ح 1263).

    ([41]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنازة أربعاً 1/447 ح 1268).

    ([42]) سورة التوبة: الآية (113).

    ([43]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/84)، الطبري: التاريخ (2/132).

    ([44]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/70).

    ([45]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (19/218- 219).

    ([46]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/84)، الطبري: التاريخ (2/132).

    ([47]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/73).

    ([48]) المرجع السابق (3/74).

    ([49]) ابن منظور: لسان العرب (2/517)، الرازي: مختار الصحاح (1/154)، الفيومي: المصباح المنير (ص: 345).

    ([50]) ابن عاشور: مقاصد الشريعة (ص: 203).

    ([51]) الغزالي: المستصفى (1/173).

    ([52]) الشاطبي: الموافقات (2/6).

    ([53]) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام (1/11).

    ([54]) ابن تيمية: تلخيص كتاب الاستغاثة (1/167).

    ([55]) ابن القيم: الطرق الحكمية (ص: 78).

    ([56]) الغزالي: المستصفى (1/172- 173)، ابن قدامة: روضة الناظر (1/169- 170)، ابن بدران: المدخل (1/293- 295)، زيدان: الوجيز في أصول الفقه (ص: 236- 242).

    ([57]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (20/48).

    ([58]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 88).

    ([59]) القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/428- 432).

    ([60]) سورة التغابن: من الآية (16).

    ([61]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله r 6/2658 ح 6858).

    ([62]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها 2/969 ح 1333).

    ([63]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 92- 94)، عبد الرزاق: مشاركة الإسلامين في السلطة الأسس الشرعية والمتطلبات السياسية (انترنت)، الترابي: الحركة الإسلامية في السودان (ص: 200- 201).

    ([64]) الأسطل: ميزان الترجيح في المصالح والمفاسد المتعارضة (ص: 200- 202).

    ([65]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 40).

    ([66]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 56- 59).

    ([67]) سورة يوسف: من الآية (40).

    ([68]) سورة يوسف: من الآية (76).

    ([69]) سورة يوسف: الآيتان (55، 56).

    ([70]) سورة يوسف: الآية (101).

    ([71]) سورة يوسف: من الآية (78).

    ([72]) سورة يوسف: من الآية (88).

    ([73]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 46- 47)، قطب: واقعنا المعاصر (ص: 509- 510).

    ([74]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 43- 46).

    ([75]) سورة يوسف: من الآية (55).

    ([76]) سورة يوسف: من الآية (54).

    ([77]) ابن كثير: البداية والنهاية (1/210).

    ([78]) سورة يوسف: من الآية (30).

    ([79]) سورة يوسف: من الآية (43).

    ([80]) سورة يوسف: من الآية (54).

    ([81]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (2/483).

    ([82]) مجموعة علماء: الإسلام والمشاركة في الحكم (ص: 32).

    ([83]) سورة الأنعام: من الآية (90).

    ([84]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 49).

    ([85]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 50).

    ([86]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/70)، وقال: " وهذا إسناد صحيح ".

    ([87]) ابن حجر: الإصابة (1/109).

    ([88]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 80- 81).

    ([89]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الجهاد، باب كتب النبي r إلى ملوك الكفار 3/1397 ح 1774).

    ([90]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/277).

    ([91]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 52- 53).

    ([92]) الأسطل: ميزان الترجيح في المصالح والمفاسد المتعارضة مع تطبيقات فقهية معاصرة (ص: 202).

    ([93]) لقاء شخصي عقدته مع الشيخ أحمد ياسين في زيارة لبيته بتاريخ (18/1/2004).

    ([94]) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام (1/73- 74).

    ([95]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (30/356- 357).

    ([96]) القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/432- 433).

    ([97]) القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/433).

    http://www.palestine-info.info/arabic/books/2006/musheer/mush14.htm
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-04-04
  3. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    الوزارة في اللغة: اختلف اشتقاق معنى الوزارة على ثلاثة أوجه:

    أحدها: أنه من الوِزر، وهو الثقل؛ لأنه يحمل عن رئيس الدولة أثقاله([1])، ومنه قوله تعالى: } وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا {([2])، أي أثقالاً من أمتعهم.

    الثاني: أنه مشتق من الأَزر، وهو؛ الظهر لأن الملك يقوى بوزيره، كقوة البدن بظهره([3]).

    الثالث: أنه مشتق من الوَزَر، وهو الملجأ، ومنه قوله تعالى: } كَلا لا وَزَرَ{([4])، أي لا ملجأ، فرئيس الدولة يلجأ إلى الوزير ومعونته([5]).

    وكلمة الوزير جامعة لهذه المعاني كلها، فالوزير عون على الأمور، وشريك في التدبير، وظهير في السياسة، وملجأ عند النازلة، وهذه المعاني هي ما تهدف إليه الدساتير في العالم([6]).

    الوزارة في اصطلاح النظم المعاصرة:

    الوزارة هي صاحبة السلطة الفعلية، والمهيمنة على إدارة شئون الدولة، وهي مسئولة عن جميع تصرفاتها أمام البرلمان، ولهذا فهي تعتبر المحور الذي يدور حوله النظام البرلماني([7]).

    وقد استعملت الدساتير العربية في هذا الخصوص ثلاثة مصطلحات وهي: السلطة التنفيذية، والحكومة، ومجلس الوزراء.

    واصطلاح السلطة التنفيذية هو أوسعها دلالة، إذ يشمل جميع العاملين في مهام التنفيذ في الدولة، أما الحكومة ومجلس الوزراء فهما مصطلحان متقاربان لا يختلفـان إلا فـي نواح محدودة أهمها([8]):

    1. أن مجلس الوزراء هو نظام برلماني لا يعرفه النظام الرياسي، ومن ثم فإن الاصطلاح الأدق في النظام الرياسي هو الحكومة، الذي يشمل رئيس الدولة ومعاونيه من الوزراء.

    2. أن اصطلاح الحكومة يطابق أو يخالف اصطلاح مجلس الوزراء، حسبما إذا كان رئيس الدولة يعتبر جزءاً من الحكومة أم لا، وما إذا كان من حقه أن يرأس مجلس الوزراء، ولكن الناظر إلى واقع الأنظمة العربية ودساتيرها يرى أن غالبيتها أخذت بنظام مجلس الوزراء.

    واصطلاح الوزارة في النظم المعاصرة على هذا النحو لا أراه يخالف الإسلام، بل الاختلاف الجوهري يأتي من خلال الشروط التي اشترطها الإسلام فيمن يتولون هذا المنصب([9])، وكذلك السياسة والمنهج الذي تسير عليه الوزارة ـ كما بينا ذلك سابقاً عند التفريق بين السلطة التشريعية في الإسلام والأنظمة المعاصرة ـ لاسيما وأن معظم الدساتير العربية تقول بجواز الجمع بين عضوية المجالس النيابية ومنصب الوزارة.

    الوزارة في الاصطلاح الشرعي:

    الوزارة هي أهم مناصب الدولة بعد الخلافة، يقول ابن خلدون في هذا المعنى:

    " الوزارة أم الخطط السلطانية والرتب الملوكية؛ لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة، فإن الوزارة مأخوذة إما من المؤازرة وهي المعاونة، أو من الوزر وهو الثقل، كأنه ـ الوزير ـ عمِل على مفاعلة الخليفة أوزاره وأثقاله، وهو راجع إلى المعاونة المطلقة "([10]).

    واصطلاح الوزارة معروف منذ فجر تاريخ الإنسانية، فكلمة وزير عرفت عند العرب قبل الفتوحات الإسلامية، إذ من المسلم به تاريخياً أن منصب الوزارة في حد ذاته أقدم من الإسلام، فقد ورد في القرآن على لسان موسى عليه السلام: } وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ~ هَارُونَ أَخِي {([11])، فلما جاء الإسلام أقر المنصب ووضع له شروطاً خاصة تميز بها، مما يؤكد أن هذا المنصب كان موجوداً منذ صدر الإسلام، ولم يعرفه المسلمون عن طريق الفرس، كما يحلو للبعض أن يقول بفارسية المنصب([12]).

    فمنصب الوزير كان موجوداً منذ صدر الإسلام، وإن لم يكن له مظاهره وأبهته، وذلك لبساطة الناس في ذلك الوقت، وبعدهم عن أبهة الملك([13]).

    وقد استعمل المسلون كلمة الوزارة، فعندما التقى المهاجرون والأنصار في السقيفة لاختيار خليفة رسول الله r قال أبو بكر الصديق t: " نحن الأمراء، وأنتم الوزراء "([14]).

    وهذا عمر بن الخطاب t كتب إلى أهل الكوفة: " إني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وجعلت عبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً "([15]).





    المطلب الثاني

    حكم المشاركة في الوزارة

    إن المسلم مخاطب بتحكيم شرع الله تعالى، فهو مخاطب بتنفيذ أوامر ربه ورسوله r والانقياد لهما دوماً؛ لقوله تعالى: } وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا {([16]).

    ولما كانت الأنظمة الحاكمة المعاصرة قد أقصت الشريعة الإسلامية كلياً أو جزئياً عن سدة الحكم، وعطلت مبادئها، واستبدلت بها دساتير وقوانين وضعية، أضحت المشاركة في الوزارة في ظل هذه الأنظمة محط نقاش بين الفقهاء والمفكرين المعاصرين، الذين انقسموا ما بين قائل بجوازها أصالة، وقائل بحرمتها أصالة كذلك، وقائل بجوازها استثناء من الأصل، وذلك نظراً لاختلافهم في منهج التغيير والإصلاح الموصل إلى قيام الدولة الإسلامية.

    فقد ثار الخلاف بين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية: فمنهم من رأى ضرورة مزاحمة الأنظمة في مكانتها، وعدم ترك الساحة خالية لهم تحقيقاً للمصالح ودفعاً للمفاسد.

    ومنهم من رأى ضرورة تكوين القاعدة الصلبة التي تعيش الإسلام في حياتها، وعدم الانجرار ومداهنة الأنظمة بمشاركتها في الحكم.

    فالمسألة فيها ثلاثة أقوال:

    القول الأول: إن الأصل في المشاركة في الوزارة الحرمة، وتزعم هذا القول الدكتور محمد أبو فارس([17])، وإليه ذهب الأستاذ أحمد المحمـود، والشيـخ محمـد

    قطب([18]).

    القول الثاني: إن المشاركة في الوزارة تجوز استثناءً من الأصل، وإليه ذهب والدكتور إسحاق الفرحان، والشيخ راشد الغنوشي، الشيخ سعيد حوى، والدكتور عبد الرحمن عبد الخالق، والدكتور عمر الأشقر، والشيخ محمد أحمد الراشد، والدكتور يوسف القرضاوي([19]).

    القول الثالث: إن المشاركة في الوزارة تجوز أصالة، وإليه ذهب الدكتور علي الصوا، وأستاذي الدكتور يونس الأسطل([20]).

    أدلة القول الأول:

    استدل أصحاب هذا القول بالقرآن الكريم والمعقول:

    أولاً: القرآن الكريم([21]):

    1. عموم النصوص الواردة في حق من يحكم بغير ما أنزل الله بالكفر، والظلم،

    والفسق: } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ {([22])، } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {([23])، } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {([24]).

    2. الحاكمية لله تعالى وحده، وليس لأحد أن ينازعه فيها، قال تعالى: } إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ {([25])، وقال سبحانه: } لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {([26]).

    3. نهى الله المؤمنين أن يحتكموا إلى شريعة غير شريعة الله، وجعل ذلك منافياً للإيمان حينما قال تعالى: } فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا {([27]).

    4. حذر الله سبحانه وتعالى المؤمنين من الركون إلى الذين ظلموا فقال: } وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ {([28]).

    والركون هو الميل اليسير، فلا يجوز للمسلم أن يكون هواه وميله مع الظالمين.

    5. المسلم مأمور بالكفر بكل طواغيت الأرض؛ لقوله عز وجل: } أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا {([29]).

    فكل من يحتكم إلى الطاغوت باختياره وإرادته، يعد كافراً خارجاً إلى ما وراء حائط الإسلام.

    هذه الأدلة وغيرها تُظهر جلياً أن الأصل عدم جواز المشاركة في الوزارة، في ظل أنظمة الحكم المعاصرة.

    ثانياً: المعقول([30]):

    1. المشاركة في الوزارة التي لا تحكم بما أنزل الله، تصبغ الأنظمة الجاهلية بالصبغة الشرعية، وتعطيها شهادة تزكية.

    2. عدم الثقة بالدعاة؛ لمشاركتهم في أنظمة ادعت الألوهية باغتصابها أخص خصائصها وهي الحاكمية، وهذا يجعل المشاركين في الوزارة يتقاسمون الكراهية، وعدم الثقة مع الأنظمة، فلا يُطمئن إليهم في مستقبل الأيام؛ لأنهم عاشوا مع هؤلاء في خندق واحد.

    3. إن المشاركة في الحكم فيه إطالة لعمر النظام الذي يحكم بغير ما أنزل الله.

    4. إن الأنظمة تعمل على استيعاب الحركات الإسلامية، وقد تستخدم وسيلة الترغيب بعد وسيلة الترهيب، وهذا أسلوب خبيث لتشويه الصورة والضغط من أجل التنازل عن المبادئ والقيم، فإن توصلوا إلى هذا الأمر، فقد نجحوا أيما نجاح في طمس معالم الحق والانحراف عن جادة الصواب.

    5. المشاركة في الحكومة يؤدي إلى إثارة البلبلة بين الدعاة، وزرع بذور الشك في نفوس أبناء الحركة الإسلامية وأصدقائها، وقد يؤدي إلى شق الجماعة، وتمزق الجبهة الداخلية لها.

    6. كثيرة هي المشاكل التي تواجه البلاد العربية والإسلامية، كالديون الباهظة، والتهديدات الأمنية من الدول المعادية، والأنظمة ليست قادرة على إيقافها أو حلها، وهي تتفاقم يوماً بعد يوم، وتتسع دائرتها، والمشاركة في الوزارة المكلفة بحل هذه المشاكل مع العلم المسبق بعدم القدرة على حلها، سيؤدي إلى إحراج المشاركين، وفقدهم لعز تاقه الدعاة.

    ونحن لا نختلف مع أصحاب هذا القول في أن الأصل في المشاركة الحظر، بيد أن الأمة تعيش في أوضاع استثنائية، تجعل من الصعب على العاملين للإسلام أن يبلغوا أهدافهم بإقامة حكم الإسلام بشكل مباشر، ويجدون أنفسهم في دائرة الخيارات والموازنات الصعبة والسلمية، التي تحقق الأهداف، وإن كان على أمد بعيد.

    ولما كان الفقه الإسلامي يمتاز بالمرونة والتعاطي الواقعي مع متطلبات العصر، ومستجدات المجتمع الإسلامي، كان القول بجواز المشاركة في الوزارة استثناء من الأصل، منبثقاً من القواعد والمقاصد الشرعية، التي تؤول إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد.

    أدلة القول الثاني:

    استدل القائلون بجواز المشاركة في الحكم استثناءاً من الأصل بما يأتي:

    1. مشاركة يوسف عليه السلام في الوزارة.

    2. موقف النجاشي.

    3. المصلحة.

    أولاً: مشاركة يوسف عليه السلام في الوزارة:

    تعرض القرآن الكريم لسيرة سيدنا يوسف عليه السلام في سورة خاصة، بينت أنه كان يعيش في ظل مجتمع جاهلي يستند في مبادئه وقيمه على عقيدة الشرك، وقد استمر هذا المجتمع على شركه حتى بعد يوسف عليه السلام قال تعالى: } فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ {([31]).

    وقد تعرض يوسف عليه السلام لمحاولة إغواء من قِبل امرأة العزيز، وكشرت له المحن عن أنيابها، حتى زُج به في غياهب السجن مظلوماً.

    غير أن يوسف عليه السلام لما وجد في نفسه القوة للقيام بأعباء الحكم، وتحمل المسئولية المترتبة عليه لتحقيق مصالح العباد، طلب أن يولى جانبـاً منـه قائـلاً:

    } اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ {([32]).

    وبذلك شارك يوسف عليه السلام في حكم لا يحكم بشريعة الله أساساً وسنداً.

    لم يجد يوسف عليه السلام تناقضاً بين المبدأ الذي يحمل رايته، وهو أن الحاكمية لله، وبين توليه الوزارة ليجعل المجتمع أقرب إلى المبدأ الذي يحمله، وليحاول إقرار هذا المبدأ في واقع الأمر([33]).

    فدل هذا على أن الشريعة الإسلامية فيها سعة ومرونة لمشاركة الدعاة في الوزارة التي لا تحكم بشريعة الله، لأجل تحقيق مصالح الأمة، وخدمة لدين الله تعالى.

    وقد استدل لفيف من العلماء المفسرين بقصة يوسف عليه السلام، وذهبوا إلى جواز تولي مناصب من يد سلطان جائر:

    فقد جاء في تفسير القرطبي ـ رحمه الله ـ: " قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز "([34]).

    وقال الألوسي ـ رحمه الله ـ في تفسيره: " وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جُهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً، وكان متعيناً لذلك "([35]).

    وجاء في تفسير النسفي ـ رحمه الله ـ: " قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان أعماله من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة

    الظلمة "([36]).

    وقال الشيخ سعيد حوى ـ رحمه الله ـ في تفسيره: " ففي عصرنا حيث يتحكم الكفر ويحكم، وحيث فرضت أنظمة كافرة على أقطار إسلامية، تجد بعض المسلمين يترددون في المشاركة أو في رفضها، ونجدهم يترددون في ترشيح أنفسهم لمناصب الدولة، والذي نفهمه من قصة يوسف عليه السلام أنه يستطيع المسلم أن يزكي نفسه في بعض المجالات، وأن يستلم منصباً من مناصب الدولة إن كان في ذلك خدمة لدين الله، أو مصلحة للمسلمين، أو منفعة عامة للخلق ولا يرافقها إثم، وكل ذلك بعد الموازنة بين الجيد والأجود، والعزيمة والرخصة، واختيار أخف الضررين وأهون الشرين "([37]).

    ثانياً: موقف النجاشي ـ رحمه الله ـ:

    النجاشي([38]) هو ملك الحبشة في زمن النبي r، لما توالت المحن والابتلاءات على الصحابة y أمرهم النبي r بالخروج إلى أرض الحبشة واصفاً إياها أنها أرض صدق، وملكها لا يظلم عنده أحد، فآواهم النجاشي، وتعهد بحمايتهم، وكان من ثمرات وجودهم على أرضه دخوله في الإسلام.

    فالنجاشي ـ رحمه الله ـ آمن بالنبي r ومات على ذلك، وقد صلى الرسول r عليه هو وأصحابه.

    والأدلة تترى في تقرير إيمان النجاشي منها:

    1. عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r حين مات النجاشي: " مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُواْ فَصَلُّواْ عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ"([39]).

    2. عن أبي هريرة t: أن رسول الله r نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: " اسْتَغْفِرُواْ لأَخِيكُمْ "([40]).

    3. عن أبي هريرة t: أن رسول الله r نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات "([41]).

    وجه الدلالة: تدل هذه الأحاديث على أن إسلام النجاشي كان واضحاً لدى النبي r، فهو يخبر أصحابه بموته في ذات اليوم الذي نعى النجاشيَّ فيه ربُّه، وهذا لا شك مصدره وحي، وينعت النجاشي بالصلاح " مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ "، وهذا دليل إيمانه، ويصلي عليه هو وأصحابه، ويخبرهم برابطة الأخوة بينهم والنجاشي " فَصَلُّواْ عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ "، ويأمرهم بالاستغفار له " اسْتَغْفِرُواْ لأَخِيكُمْ " وما كان ليستغفر النبي r وأصحابه y له لولا إيمانه بعد النهي عن الاستغفار للكافرين في قول الله تعالى: } مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ {([42]).

    هذا بالإضافة إلى كتاب النجاشي إلى النبي r، والذي يؤكد تماماً إسلامه، حيث قال في نص الرسالة: " وأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأصحابه، وأسلمت على يديه لله رب العالمين "([43]).

    وبعد المحاورة التي دارت بينه وبين جعفر بن أبي طالب t قال: " مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أُقبل نعليه "([44]).

    إلا أنه ومع إسلام النجاشي، كان يقود نظاماً يحكم بغير شريعة الله، إذ لم يكن بإمكانه تطبيق منهج الله، وأي محاولة كهذه من شأنها أن تقلب الموازين في اتجاه ضياع ملكه، وعدم استقرار المؤمنين في أرضه، وقد لاذوا به.

    يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، والنجاشي وأمثاله مع ذلك سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها "([45]).

    فثمة عقبات كانت تعترض النجاشي في طريقه، وقد اعترف ببعضها في رسالة وجهها إلى النبي r وهو يعلن إسلامه ومبايعته له حين قال: " فإني لا أملك إلا نفسي "([46]).

    وعندما أشار أمراء النجاشي عليه برد المسلمين إلى رسل قريش وأبى إلا بعد سماع كلامهم، وبعد أن أقر بأن ما جاءوا به حق قال الذين حضروا من عظماء الحبشة: " والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك "([47]).

    وفي موقف آخر لما سأل المسلمين عما يقولون في عيسى ابن مريم عليه السلام، فأخبره جعفر بن أبي طالب t واعترف بصدق ما جاء به، وقال: " ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العُوَيد " فتناخرت بطارقته([48]).

    بعد هذا العرض يتضح لنا أن النجاشي أصحمة، الذي آمن بالنبي r هو الذي استضاف صحابته المهاجرين إليه، وما زال يقوم على نظام لم يتمكن فيه من تطبيق شريعة الله، لكنـه كان حصناً نافعاً للمهاجرين المسلمين.

    والنبي r لم يأمره بالهجرة إليه، على الرغم من عرضه ذلك على رسول الله r وذلك في الرسالة التي تضمنت إرساله بستين رجلاً آمنوا من أهل الحبشة حتى قال: " وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقوله حق ".

    لكن النبي r مستنداً إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد اكتفى بأمنه، وحمايته للمسلمين.

    ثالثاً: دلالة المصلحة على جواز المشاركة في الوزارة:

    قبل أن أشرع في التكييف الفقهي للاستدلال بالمصلحة في جواز المشاركة في الحكم، أبدأ بمقدمة حول المصلحة:

    المصلحة في اللغة: الخير والصلاح، وهي نقيض الشر والفساد ([49]).

    أما شرعاً: فقد عرفها ابن عاشور بأنها: " وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائماً أو غالباً، للجمهور أو للآحاد "([50]).

    وعرفها الغزالي ـ رحمه الله ـ بأنها: " جلب منفعة، أو دفع مضرة "([51]).

    والناظر في الشريعة الإسلامية يرى أنها قائمة على جلب المصالح، ودرء المفاسد، وهذه حقيقة أكد عليها علماؤنا:

    يقول الشاطبي ـ رحمه الله ـ: " والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل "([52]).

    ويقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام ـ رحمه الله ـ: " الشريعة مصالح كلها، إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح "([53]).

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها "([54]).

    ويقول تلميذه ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة ومصالح كلها، وحكمة كلها "([55]).

    أقسام المصلحة:

    قسم الأصوليون المصلحة من حيث اعتبار الشرع وعدم اعتباره إلى ثلاثة أقسام([56]):

    المصالح المعتبرة: وهي ما شهد الشرع لاعتبارها، ويرجع حاصلها إلى القيـاس، وهو

    اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع؛ ومثاله: تحريم كل ما أسكر قياساً على الخمر الذي حرم لمصلحة حفظ العقل.

    المصالح الملغاة: وهي ما شهد الشرع لبطلانها، كإيجاب الصوم على الملك الذي واقع أهله في نهار رمضان، إذ العتق سهل عليه فلا ينزجر، والكفارة وضعت للزجر، فهذا لا خلاف في بطلانه لمخالفته النص، وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع.

    المصالح المرسلة: وهي ما لم يشهد الشرع باعتبارها أو إلغائها، وهذه هي المصالح المرسلة عند الأصوليين، مثل المصلحة التي اقتضت جمع القرآن، وتدوين الدواوين، وقتل الجماعة بالواحد.

    هذا وقد اختلف العلماء في حجية المصالح المرسلة، وما أذهب لترجيحه هو القول بحجيتها، لاسيما أن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد، والأخذ بالمصلحة المرسلة يتفق وطبيعة الشريعة والأساس الذي قامت عليه، وهذا ما صرح به كثير من العلماء كما أوردت آنفاً.

    التكييف الفقهي للاستدلال بالمصلحة على جواز المشاركة في الوزارة:

    المشاركة في الوزارة في ظل أنظمة الحكم المعاصرة ابتداءً تعد مفسدة، نظراً للأدلة الصريحة التي وضعتها في إطار الحظر، ومن هنا كان القول: إن الأصل في المشاركة الحرمة.

    والاشتراك في الحكم ليس من قبيل المصالح المرسلة؛ لأن النصوص الصريحة جاءت قاطعة في تأثيم المشارك في الحكم بغير ما أنزل الله، والاستدلال هاهنا عائد ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ: " إلى ترجيح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما"([57])...([58]).

    ولا شك أن المشاركة في الحكم في ظل الأنظمة المعاصرة، التي غيبت الشريعة عن السلطة، وأقامت حكم الطاغوت، ونازعت الله تعالى في حكمه، تميع قضية الحكم عند المسلم، وتوقعه في تناقض كبير، فهو مأمور بالكفر بالطاغوت، ومحاربة من حاد الله.

    وقد سيقت الأدلة في الدلالة على أن الأصل في المشاركة الحرمة، وذُكرت مفاسد المشاركة، إلا أن المشاركة في الحكم في بعض الأوقات والأحوال تحقق مصالح راجحة، ومنافع معتبرة للإسلام والمسلمين، يتعذر غالباً تحقيقها بغير ذلك.

    وإخضاع القضية لفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد يخرجها عن الأصل؛ لاعتبارات شرعية، بحيث يغطي هذا الفقه الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها المسلمون، من تغييب الحكم الإسلامي، وعبر النظر المصلحي يحتم الواجب الشرعي المشاركة في الوزارة، لتحقيق ما يمكن تحقيقه من الأهداف المنشودة بإقامة حكم الإسلام.

    ولا يعني الاستدلال بالمصلحة إباحة الوقوع في الحرام، فالحرام واقع لا محالة بإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم سواء في المشاركة أو عدمها، لكن ما قرره العلماء عن ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، وقاعدة الضرورة والاستطاعة، ومراعاة سنة التدرج يقتضي تقديم الحرام الذي يترافق مع تحقيق المصالح على الحرام الذي يفقدها.

    ومن هذه الاعتبارات الشرعية([59]):

    1. تقليل الشر والظلم مطلوب بقدر الاستطاعة:

    إن من استطاع أن يقلل من الظلم والشر والعدوان، ينبغي له أن يفعل إغاثة للملهوف، وإعانة للمظلوم، وتقوية للضعيف، وتضييقاً لدائرة الإثم والعدوان بقدر الإمكان، قال الله تعالى: } فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ {([60]).

    وقال النبي r: " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُواْ مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ "([61]).

    وقد رأينا النجاشي ملك الحبشة أسلم زمن الرسول r، ومع هذا لم يستطع أن يقيم حكم الإسلام في مملكته؛ لأنه لو فعل ذلك خلعه قومه، ولم ينكر عليه الرسول الكريم r.

    أما فلسفة: كل شيء أو لا شيء، فهي مرفوضة شرعاً وواقعاً.

    2. إرتكاب أخف الضررين:

    وهذا ما قرره الشرع من ارتكاب أخف الضررين أو أهون الشرين، دفعاً لأعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلاً لأعلاهما.

    ولهذا أجاز الفقهاء السكوت على المنكر مخافة أن يجر إنكاره إلى منكر أكبر منه، ويستدلون لذلك بقوله r لعائشة رضي الله عنها: " لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ؛ لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالأَرْضِ "([62])، فترك ما يراه واجباً خشية أن تثور فتنة من التغيير في بناء الكعبة، وهم لم ترسخ أقدامهم بالإسلام بعد.

    3. النزول من المثل الأعلى إلى الواقع:

    فقد نصب الشرع للمسلم مُثُلاً عُليا؛ ليرنو المسلم إليها بعينه، ويهفو إليها بقلبه، ويسعى إليها بحركته، ولكن الواقع كثيراً ما يغلبه، فيعجز عن الوصول إليها، فيضطر إلى النزول عنها إلى ما دونها تحت ضغط الضرورة، عملاً بالممكن الميسور بعد تعذر الصعود إلى المثال المعسور، ومن هنا تقررت القاعدة الشهيرة: الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة: المشقة تجلب التيسير، وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة: رفع الحرج.

    ومن قرأ القرآن واستقرأ السنة وجد ذلك واضحاً كل الوضوح، ولهذا نجد الفقهاء يجيزون للفرد المسلم وللمجتمع المسلم النزول للضرورة من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى، حتى لا تتعطل مصالح الخلق، ولا تضيع حقوقهم، ويذهب دينهم ودنياهم.

    مثال ذلك: إجازة شهادة الفاسق إذا لم يوجد العدل، الذي هو الأصل في الشهادة، وكذلك إجازة الجهاد مع البار الفاجر مع أن الأصل هو البار الصالح.

    ومن هنا فمن لم يستطع الوصول بالسلطة السياسية إلى تطبيق الشريعة، فلا مانع أن ينزل إلى حكم الواقع، ويرضى بالمشاركة مع غيره إن كان من وراء ذلك خير للأمة.

    4. سنة التدرج:

    والشرع الحنيف قد راعى هذه السنة، فتدرج مع المكلفين في فرض الفرائض، كما تدرج معهم في تحريم المحرمات رحمة بهم وتيسيراً عليهم.

    وقد لا يستطيع الإنسان ـ رغم طموحه ـ الوصول إلى أهدافه الكبيرة مرة واحدة، ولكنه قد يمكنه الوصول إلى شيء منها بعد شيء وفق قدراته وظروفه، فلا يرفض ذلك ولا يمنعه منه شرع ولا عرف ولا عقل، فقد اتفق العقلاء على أن ما لا يدرك جله لا يترك كله.

    والوصول إلى الحكم الإسلامي الكامل هدف كبير ولا ريب، ولكن قد يتعسر الوصول إليه دفعة واحدة، فما المانع أن يصل إلى بعضه من يستطيع الوصول ليتحقق الخير للأمة؟.

    وفي تاريخنا الإسلامي أمثلة ونماذج فيها أسوة حسنة:

    نجد ذلك في سيرة خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز t فقد أقام من معالم العدل، ونشر من معاني الخير ما لا ينساه التاريخ، ولكنه لم يستطع أن يفعل كل ما يريد، بدليل أنه لم يُعد الخلافة شورى ـ كما هو الأصل في الإسلام ـ ويخرجها من بني أمية.

    كما أنه فعل ما فعل متدرجاً بحكمة وأناة، حتى إن ابنه عبد الملك ـ وقد كان شاباً تقياً متحمساً ـ قال له يوماً: يا أبت! مالي أراك متباطئاً عن إنفاذ الأمور؟ فوالله ما أبالي أن تغلي بي وبك القدور في سبيل الله!.

    يريد الابن المتوقد حماسة، أن يعجل أبوه بالإصلاح المنشود، ولا يبالي بما يحدث بعد ذلك من عواقب ما دام ذلك في سبيل الله.

    فقال له الأب الحكيم: لا تعجل يا بني! فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين، ثم حرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق، فيدفعوه جملة، فيكون من وراء ذلك فتنة.

    ويمكن تلخيص المصالح المترتبة على المشاركة في الوزارة في النقاط التالية([63]):

    1. تتيح المشاركة في السلطة الفرصة أمام الكوادر الإسلامية للتأهل والتدريب على ممارسة الحكم، وصناعة القرار، والإحاطة بآليات إدارة السلطة وتعقيداتها، فالتوقعات شيء، والواقع والصعوبات شيء آخر، فالمشاركة السياسية توفر تجارب غنية للحركة الإسلامية في التعامل مع الواقع وتحسين أدائها.

    2. درء بعض المفاسد والمؤامرات والمكائد عن العاملين بالإسلام وأهله، والحركات العاملة بالإسلام.

    3. إعادة الثقة بالإسلام، وأنه دين قادر على تنظيم شئون الحياة الخاصة والعامة، ولا يكون ذلك إلا بما يقوم به المشاركون من تحقيق للعدل وإزهاق للباطل، كما وتشعر الأمة أن باستطاعة الإسلاميين تقديم شيء ملموس غير الشعارات والفتاوى وانتقاد السلطة، الأمر الذي يرسخ لإيمان الجماهير بها وبأهدافها، ويزيل الصورة المشوهة التي رسمها الإعلام السلطوي عن الإسلاميين.

    4. محاربة المراكز والمؤسسات التي تنشر الرذيلة والضلال، وزيادة المؤسسات الإسلامية التي تنشر الخير، وبذلك يكون الانفتاح المباشر والعلني أمام الجماهير المسلمة عبر برامج ونشاطات وإعلام الحركة الإسلامية.

    5. الاستفادة من هيبة السلطة لخدمة هذا الدين، والتحرك به في واقع الحياة، لأسلمة الحياة.

    أدلة القول الثالث:

    استدل القائلون بجواز المشاركة في الوزارة أصالة، بأدلة أوردوها خلال الرد على أدلة الفريقين القائلين بحرمة المشاركة، أو جوازها استثناءً من أصل الحرمة([64]):

    1. إن الأصل الذي انطلق منه الفريقان، حيث قالا بأن الجواز استثناء من أصل الحرمة للضرورة أو المصلحة ... إن هذا الأصل غير مسلَّم به.

    ذلك أن الأدلة التي يسوقانها لا تنهض للدلالة على أصل التحريم، إذ غـاية ما

    تدل عليه هي النهي عن الركون إلى الظالمين، أو تحريم الحكم بغير ما أنزل الله ... الخ.

    ولا تصلح تلك الأدلة متمسَّكاً لتحريم المشاركة بالوزارة؛ لأنها ليست واردة على محل الخلاف، إذ من يشارك بالوزارة من الدعاة المسلمين لا يقصد الركون إلى الظالم، ولا تحكيم غير شرع الله، إنما يهدف إلى تحقيق بعض المصالح العامة في ظل ظرف لا يملك فيه البدائل الأفضل.

    2. وإذا سلمنا بأن الأصل هو الحظر أو الحرمة، وأن المشاركة لا تجوز إلا للضرورة أو المصلحة، فإن حكم التحريم هذا ثابت بدلالة الظن، وهذه الدلالة تحتمل أكثر من معنى، فما الذي يمنع من تخصيص النصوص الظنية بالمصلحة الشرعية؟.

    3. إن المشاركة بالوزارة من مسائل السياسة الشرعية، وإن من مجالات السياسة الشرعية النظر فيما لا نص فيه، ومسألة المشاركة لم يرد فيها نص لا بالإثبات ولا بالنفي، وعليه فإن مبناها على المصالح، والفتوى فيها رهينة لما يغلب من المصالح والمفاسد تلك الغلبة التي تقرها الاجتهادات الجماعية لا الفردية.

    4. إذا وصل الأمر إلى حد تساوي مصالح المشاركة ومفاسدها، أو أن تربو المفسدة، فإن إخواننا الوزراء يمكنهم أن يستقيلوا ويعلنوا للأمة أسباب هذا الانسحاب.

    إن المشاركة هنا أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله، وقد ورد التكليف بالدعوة إلى الله بصورة مطلقة، فتكون المشاركة بهذا النظر أصلاً في الجواز أو الوجوب، وليس استثناءً.

    المناقشة:

    أولاً: مناقشة أدلة القائلين بجواز المشاركة في الوزارة استثناءً من الأصل:

    ناقش القائلون بأن الأصل في المشاركة الحرمة أدلة القائلين بجوازها استثناءً من الأصل بما يلي:

    أولاً: مناقشة الاستدلال بمشاركة يوسف عليه السلام بالوزارة:

    اعترض على هذا الدليل بالأدلة التالية:

    ‌أ. إن تصرف يوسف عليه السلام يقع تحت قاعدة شرع من قبلنا، والقول الذي لا خلاف فيه: أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إذا ورد في شرعنا ما يخالفه، والآيات القرآنية الكثيرة تحرم الحكم بغير ما أنزل الله وتكفر من يقترف هذه الجريمة([65]).

    وهذا باطل لوجوه([66]):

    الوجه الأول: أن شرعنا وشرع يوسف عليه السلام، بل شرائع الأنبياء جميعاً متفقة في تقرير حاكمية الله تبارك تعالى، فيوسف عليه السلام يقرر في مخاطبته للفتيين الذين دخلا معه السجن أن الحكم لله وحده: } إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ {([67]).

    ويتولى يوسف عليه السلام هذا المنصب، وهو يعلم أن للملك نظاماً وشريعة لا يستطيع أن يزيحها بين عشية وضحاها } مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ {([68]).

    فإذا كان فقه يوسف عليه السلام للحاكمية، هو نفس الفقه المقرر في شريعتنا، ومع ذلك تولى الوزارة، فإننا نجزم أن توليه الوزارة لم يناقض عقيدته في كون الحاكمية لله وحده، وأنه لم يكن مخطئاً عندما تسلم الوزارة؛ لأنه نبي معصوم.

    الوجه الثاني: ومما يدل على نفي الشبهة وإبطالها إخبار الحق تبارك وتعالى أن استلام يوسف عليه السلام الوزارة كان رحمة ونعمة، ولم يكن عذاباً ونقمة } قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ~ وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ{([69]).

    ويوسف عليه السلام يصرح بأن استلامه للحكم كان من نعم الله عليه، ولم يكن نقمة }رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ {([70]).

    ‌ب. إن القياس على حالة يوسف عليه السلام قياس باطل، ذلك أن يوسف عليه السلام حينما فوض الملك أمر تدبير المُلك له قد أصبح هو الحاكم الفعلي، يدير دفة الحكم، وتلاشت شخصية العزيز، بل أصبح هو العزيز بدليل قوله تعالى: } قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا {([71])، } فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ {([72])([73]).

    وهذا باطل لوجوه([74]):

    الوجه الأول: أن يوسف عليه السلام تولى المنصب الذي تولاه بإذن الملك وإرادته، يدلنا على هذا طلب يوسف عليه السلام من الملك أن يوليه } قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ{([75])، فالنص صريح أيضاً في أن يوسف عليه السلام قد طلب منصباً في دولة الملك، ولم يطلب أن يعزل الملك نفسه ليحل هو في مكانه.

    الوجه الثاني: أن الملك نفسه هو الذي استدعاه ليجعله من خاصته وأهل مشورته وكبار رجال دولته } وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي {([76]).

    يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذا النص: " أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي "([77]). وقد فعل عندما جعله في منصبه العزيز الذي يتولى خزائن الأرض.

    الوجه الثالث: النصوص القرآنية تدل على أن أقصى ما وصل إليه يوسف عليه السلام هو منصب عزيز مصر، ومنصب العزيز ليس هو منصب الملك كما يظنه بعض أهل العلم، فعزيز مصر قبل يوسف عليه السلام، كان هو الرجل الذي اشترى يوسف عليه السلام، وعاش يوسف عليه السلام في منزله الفترة الأولى من حياته في مصر، وهو الذي راودت زوجته يوسف عليه السلام عن نفسه بدلالة قوله تعالى: } وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ{([78])، أما الملك فهو الذي رأى الرؤيا } وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ{([79])، وهو الذي استدعى يوسف ليجعله من خاصته } وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي{([80]).

    وهذا الذي قررته هنا هو قول أهل العلم، يقول ابن كثير: " إن يوسف عليه السلام ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر، مكان الذي اشتراه من مصر زوج التـي راودته "([81]).

    ‌ج. إن مشاركة يوسف عليه السلام في هذا الحكم كان شيئاً خاصاً به، ولا يمكن الاقتداء به في ذلك.

    وأجيب عليه: بأن الخصوصية تحتاج إلى دليل، وعلى المدعي أن يثبت دعواه؛ لأن الأصل أن كل ما يذكر من سير الأنبياء وهديهم إنما يراد به التأسي والاقتداء([82])

    قال الله تعالى: } أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ {([83]).

    ثانياً: الاستدلال بموقف النجاشي ـ رحمه الله ـ:

    ‌أ. أن النجاشي الذي أسلم ونعاه النبي r كان حاكماً وملكاً، ولم يكن تحت وصاية أحد، بل هو الذي كان يتخذ الوزراء والأعيان والأعوان([84]).

    ويجاب على ذلك: لا شك أن النجاشي كان ملكاً، ولكن ذلك لا يعفيه من تطبيق الشريعة الإسلامية، بل يحمِّله مسئولية أكبر وأمانة أولى تجاه تنفيذها؛ لما يحتله من مكانة عالية يتولى فيها دفة الحكم، لكن النبي r لم يأمره بذلك أو يوجهه إلى التخلي عن الحكم والهجرة إليه، بل اكتفى بإسلامه وتوفير الأمن والحماية لأصحابه المسلمين، اعتماداً في ذلك على الموازنة بين المصالح والمفاسد.

    وكذلك لم يعتبره النبي r كافراً أو مذنباً لعدم تطبيقه الشريعة الإسلامية، وقد نزلت يومها كثير من أحكامها، بل إنه صلى عليه، وأمر صحابته بالاستغفار له.

    ‌ب. إن النجاشي الذي تعاطف مع المسلمين المهاجرين إليه وآواهم لم يسلم، وإن الذي أسلم هو النجاشي الذي أرسل الرسول r إليه قبل فتح مكة عندما أرسل الرسل إلى الملوك والحكام يدعوهم إلى الله تعالى([85]).

    وهذا لا يسلم به لوجوه:

    الوجه الأول: إن هناك نصوص كثيرة صرحت بأن النجاشي الذي رحب بصحابة رسول الله r y هو الذي أسلم، وصلى عليه النبي r عند وفاته ودعا له، وقد سقت الرسالة التي أرسلها النجاشي للنبي r وهو يعلن فيها إسلامه ومبايعته له ولابن عمه.

    وأورد ابن كثير قول النجاشي بعد سماعه لكلام جعفر بن أبي طالب t: " يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد هؤلاء على قول ابن مريم ولا وزن هذه، مرحباً

    بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به ابن مريم "([86]).

    الوجه الثاني: تصريح كبار أهل العلم بالحديث والتاريخ والتراجم الذين لا يشق لهم غبار بأن النجاشي الذي أسلم هو النجاشي الذي هاجر إليه الصحابة.

    فهذا ابن حجر رحمه الله ذكر في ترجمته: " أصحمة بن أبجر النجاشي، ملك الحبشة، واسمه بالعربية عطية، والنجاشي لقب له، أسلم على عهد رسول الله r ولم يهاجر إليه، وكان ردءاً للمسلمين نافعاً، وقصته مشهورة في المغازي في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، وأخرج أصحاب الصحاح والسنن قصة صلاته r عليه صلاة الغائب "([87]).

    ومن طالع ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية يجده يجزم في أكثر من موضع مثل ما جزم به ابن حجر([88]).

    الوجه الثالث: أن وفاة النجاشي وقعت بعد فتح خيبر وقبل فتح مكة، بل قبل أن يرسل الرسول r الرسل إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى، ففي صحيح مسلم تصريح بأن النجاشي الذي أرسل إليه الرسول r الرسالة لم يكن ذاك المسلم الذي هاجر إليه المسلمون " كتب رسول الله r إلى كسرى وإلى قيصر، وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي "([89]).

    يقول ابن كثير: " موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير، فإنه في صحيح مسلم أنه كتب إلى ملوك الآفاق كتب إلى النجاشي، وليس هو بالمسلم "([90]).

    ‌ج. إن الشعب الذي كان يحكمه النجاشي في هذه الفترة القصيرة جداً من حكمه

    بعد إسلامه كان شعباً يدين بالنصرانية، وليس فيه تشريعات تنظم شئون المجتمع والحكم، ولهذا كان يحكم بالقواعد العامة من العدل والمساواة ونحوها، وهذه مبادئ وقواعد إسلامية، بالإضافة إلى أنه لا يمكن تطبيق الإسلام على شعب نصراني علماً بأن الأحكام الشرعية لم تكتمل بعد، بخلاف الشعوب الإسلامية اليوم التواقة لحكم الإسلام، والذي تأباه الأنظمة والحكومات([91]).

    ويجاب عليه:

    لا نسلم خلو النصرانية من تشريعات تنظم حياتهم، فقد كانوا يحتكمون إلى تشريعات بني إسرائيل، والتي تخالف الكثير من مبادئ الإسلام وقواعده.

    وفي عهد النجاشي نزلت العديد من الأحكام الشرعية، ولا شك أنها لم تكتمل بعد، لكن ذلك لا يعد عذراً يبيح عدم تطبيقها.

    وإذا قلنا بعدم تطبيق الإسلام على شعب نصراني لأنه لا يحتكم إليه، فكذلك القول بعدم تطبيقه على شعب مسلم تسوقه أنظمة وحكومات لا تحتكم إلى الإسلام، إلا بعد انتزاع الحكم منها؛ وبالتالي تكون المشاركة لازمة لتحقيق ذلك.

    ثانياً: مناقشة أدلة القائلين بأن المشاركة في الوزارة تجوز أصالة:

    إن القول بأن المشاركة في الوزارة تجوز أصالة لا يسلم؛ لما فيه من إطلاق القول دون مستند شرعي، ويجدر بي أن أسجل رد أستاذي الدكتور مازن هنيه على هذا القول، حيث قال:

    1. إن خطاب الله بتطبيق الشريعة الإسلامية والالتزام بحكمه، متعلق بآحاد الأفراد ومجموعهم، فهو واجب يتعلق بالفرد، ويتعلق بالأمة بأسرها أيضاً، لذا فقد كان تطبيق الشريعة من قِبل الحاكم هو أعظم الواجبات المناطة به من قِبل الله تعالى، وأيضاً من أعظم الواجبات والأمانات التي يؤديها نيابة عن الأمة، فقد أسندت إليه الأمة القيام بهذه الأمانة التي كلفت بها من قبل الله تعالى.

    ومن هنا فإن ترك تطبيق حكم الله جريمة نكراء، لا يسأل عنها الحاكم فحسب! بل تسأل عنها الأمة بأسرها؛ لذا فإن الأصل في دور كل مسلم أن يعمل على تطبيق حكم الله في واقع الحياة بكل وسيلة مشروعة تحقق المصلحة، وتدرأ المفسدة.

    لذا فإن المشاركة في حكم لا يقيم شرع الله معصية وجريمة، لا يجوز الإقدام عليها.

    ولما كان ترك المشاركة في الحكم مفض إلى مفسدة خطيرة، ومفوت لمصلحة عظيمة جازت المشاركة استثناء من أصل التحريم.

    2. وأما دعوى ثبوت التحريم بالأدلة الظنية، فمردود بما ثبت من خلال هذه الرسالة، حيث ثبت وجوب تطبيق الشريعة والاحتكام إلى حكم الله بالأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وهذا الوجوب ـ كما قدمت آنفاً ـ لا يتعلق بالفرد فحسب، بل بالأمة بأسرها، فيصبح الجميع طرفاً في تطبيق الشريعة بوجه من الوجوه، ومن كان طرفاً في وجوب تطبيق الشريعة، لا يجوز أن يكون طرفاً في ترك تطبيقها، وهذا ثابت بالأدلة القواطع؛ وجواز المشاركة إنما هو استثناء من الأصل للمصلحة.

    ولو قيل: كيف تثبت الحرمة بالدليل القاطع ثم تستثني منه؟ فإن الجواب أن ما كان قطعياً يجوز الاستثناء منه بالدلائل القاطعة، والاستثناء هنا ثابت بالدلائل القاطعة، والمتمثل في المصلحة في حفظ الدين وحفظ مصالح الأمة، وما فيه حفظ لواحدة من المقاصد العامة يرتقي ليكون من أقوى الدلائل.

    3. إن الأساس الذي تقوم عليه السياسة الشرعية ملاحظة مصلحة الأمة، ودرء الفساد عنها تمسكاً بالأصول والثوابت، ومرونة في التطبيق والاجتهاد.

    فدعوى أن السياسة الشرعية تقوم على ما لا نص فيه لا تستقيم، بل هناك أصول ثوابت يجب التمسك بها ورعايتها من قِبل الحكام.

    وفي إطار هذه الفلسفة يتجلى القول بجواز المشاركة، فهو مرونة ووعي في الفهم والتطبيق، والاجتهاد لا ينفي الأصول ولا يلغيها، ولكن يستثنى منها ما فيه عظيم مصلحة يؤدي في المآل لرعاية هذه الأصول وتحقيقها على أكمل وجه.

    4. إن القول بالترجيح على أساس المصالح والمفاسد هو الأساس في القول القائل بالجواز استثناء من الأصل، ولو كان الأصل الجواز لكانت المصلحة ظاهرة، ولما وقع كل هذا الاختلاف، فمن المعلوم أن الأحكام المشروعة في أصلها لا نقيدها بالترجيح بين المصالح والمفاسد؛ لأن الأصل فيها الصلاح، ووقوع الفساد أمر محتمل لا يعول عليه، لذا لا نقيدها به إلا إذا ظهر دليل يدل عليه.

    5. مما لا شك فيه أن المشاركة إن كانت الدعوة إلى الله غايتها، فهي جائزة استثناء من أصل التحريم، وأما القول بأصل مشروعيتها لاشتمالها على الدعوة فلا يستقيم؛ لأن الأمر اشتمل على المصلحة المتمثلة بالدعوة من خلال المشاركة، وعلى المفسدة المتمثلة بترك تطبيق الشريعة.

    والموازنة بينهما لا تكون بالقول: إن الأصل جواز المشاركة لمصلحة الدعوة، وتحريمها إذا لم تطبق الشريعة، فهذا يفضي إلى الحرمة مطلقاً.

    ولكن الصواب أن يقال: إن عدم تطبيق الشريعة أمر محرم لا يجوز المشاركة فيه إلا إذا كان ذلك لمصلحة ".

    الترجيح:

    بعد عرض الأقوال يظهر أن ثمة اتفاق بين فريقين على أن الأصل في المشاركة في الوزارة هو التحريم، لكن القضية: هل تبقى الحرمة في المشاركة أصالة أم تجوز استثناءً؟، وكذلك يظهر اتفاق بين أحد هذين الفريقين والفريق الثالث على جواز المشاركة في الوزارة لكن الاختلاف في جوازها استثناءً أم أصالة.

    من خلال طرح الأدلة، ومناقشتنا لأدلة القائلين بحرمة المشاركة، أو جوازها أصالة يظهر ترجيحنا لجواز المشاركة في الوزارة استثناءاً من أصل الحرمة وفق ضوابط شرعية، وذلك للاعتبارات التالية:

    1. أن الأخذ بهذا الرأي فيه موازنة بين ثوابت الشريعة ومتغيرات العصر، وهذه هي سمة الفقه الإسلامي، ذلك أن الحرمة متحققة أصالة في المشاركة في الحكم، ولكن متغيرات العصر توقف العاملين للإسلام أمام موازنات قاسية ودقيقة، فتقتضي المصلحة الخروج من نطاق الأصل بجواز المشاركة استثناء استئناساً ببعض الأحداث التاريخية، وعملاً بالقواعد والمقاصد الشرعية من مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد، وارتكاب أخف الضررين، وقاعدة الضرورات تبيح المحذورات ورفع الحرج وغيرها.

    2. إن عزوف الإسلاميين عن خوض المعترك السياسي، وترك الساحة خالية لغيرهم، وتربع الأنظمة غير الإسلامية على سدة الحكم يعد تضارباً في المصالح والمقاصد الشرعية.

    3. التجارب الواقعية التي خاضتها الدعوة الإسلامية في بلدان تعطي هامشاً للحرية تثبت قدرة إخواننا الذين سبقونا بالإيمان على التأثير في مجريات الأمة، من حيث سن التشريعات، أو التوسع في افتتاح المؤسسات الاقتصادية والتعليمية، وغيرها والتي ساهمت في الارتقاء بمستوى الدعوة الإسلامية بصورة تدعو إلى الارتياح، ويكفينا أن نلقي نظرة على الساحة التركية أو الماليزية، أو اليمن والكويت([92]).

    والمتتبع لمسيرة الحركات الإسلامية يرى أنها تمضي وفق الفقه المثبت لجواز المشاركة عبر النظر المصلحي.

    فقد استجاب الإخوان المسلمون في مصر للمشاركة في حكومة الثوار عام 1952م، وشاركوا بالفعل في سوريا بقيادة الشيخ مصطفى السباعي، وكذلك شاركوا في الأردن.

    وفي تركيا شارك حزب الرفاه حتى وصل رئيسه نجم الدين أربكان لرئاسة الوزراء.

    وفي السودان شاركت الحركة الإسلامية عدة مرات.

    حتى أن الإخوان المسلمين في فلسطين لم يرفضوا مبدأ المشاركة في مجلس الوزراء الفلسطيني، بل كان رفضهم مبنياً على تقدير المصالح والمفاسد، خاصة أنهم يعيشون في مرحلة التحرر، ففي لقاء شخصي عقدته مع الشيخ أحمد ياسين مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس قال: " هدفنا تحرير الأرض والإنسان الفلسطيني، فإذا كانت المشاركة في الحكومة توصلنا إلى تحقيق أهدافنا رحبنا بها، ونحن لا نشارك في حكومة في ظل احتلال يدفع المشاركين إلى الاستسلام والتسليم ونزع السلاح ورفع الرايات البيضاء "([93]).

    فتاوى بعض العلماء:

    وفي هذه القضية وجدت فتاوى لعلمائنا الأبرار الذين أجازوا تولي الوظائف السياسية للأمراء والسلاطين الظلمة، إذا ترتب على توليها تحقيق مصالح راجحة، أو دفع مفاسد ملغاة، ومن هذه الفتاوى:

    فتوى عز الدين بن عبد السلام ـ رحمه الله ـ:

    من ذلك فتوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام، فقد قال ـ رحمه الله ـ: "ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولوا القضاء لمن يقدم مصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر: إنفاذ ذلك كله، جلباً للمصالح العامة ودفعاً للمفاسد الشاملة، إذ يبعد من رحمة الشرع ورعايته لمصالح العباد تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة؛ لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها ... "([94]).

    فتوى ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

    وسئل الشيخ ابن تيمية قدس الله روحه عن رجل متول ولايات ومقطع إقطاعات وعليهـا من الكلف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يسقط الظلم كله، ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره، وولي غيره، فإن الظلم لا يترك منه شيء، بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه، فيسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه، فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها، فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه، وقد عرفت نيته واجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه، أم عليه أن يرفع يده عـن هذه الولاية والإقطاع، وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم، بل يبقى ويزداد، فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم، فهل يطالب على ذلك أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله؟ أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادته؟ وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به، ورفع ما رفعه من الظلم، فهل الأولى له أن يوافق الرعية أم يرفع يده؟ والرعية تكره ذلك؛ لعلمها أن الظلم يبقى ويزداد برفع يده؟.

    فأجاب: الحمد لله، نعم إذا كان مجتهداً في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر، فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه، وقد يكون ذلك عليه واجباً إذا لم يقم به غيره قادراً عليه، فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب والحالة هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم([95]).




    المطلب الثالث

    ضوابط المشاركة في الوزارة

    1. أن تكون المشاركة وسيلة لتحقيق مصالح الإسلام والمسلمين، بحيث تكون مشاركة فعلية لا يخضع فيها الوزير المشارك خضوعاً تاماً لسلطة الحاكم وتنفيذ سياسته، بل يجب أن يملك صلاحيات تمكنه من تحقيق الأهداف التي بنيت عليها المشاركة ولو جزئياً.

    2. أن لا تكون المشاركة غاية بذاتها وهدفاً بعينها، بل هي مجرد وسيلة ينبغي تعميق النقاش حول الأمور التي يمكن تحقيقها، مع توضيح المصالح والمفاسد من خلال الوقائع والأمثلة، والموازنة على أساسها، وعدم الاكتفاء بترديد قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي لا يختلف على صحتها أحد، لاسيما وأن الموقف من المشاركة يختلف من شخص لشخص، ومن مكان لآخر بناء على تقدير المصلحة.

    3. ألا يكون الحكم موسوماً بالظلم والطغيان، معروفاً بالتعدي على حقوق الإنسان، فإن المطلوب من المسلم الملتزم بالنسبة إلى هذا الحكم أن يقاومه ويغيره بما أمكنه من وسيلة، ولو أن سيدنا يوسف عليه السلام طلب منه فرعون الذي علا في الأرض، وجعل أهلها شيعاً أن يجعله مكيناً في الأرض لرفض ذلك، ولم يسأله أن يجعله على خزائن أرض مصر، فقد كان ملك مصر في عهده غير فرعون في عهد موسى عليه السلام.

    ومن هنا لا يجوز للمسلم الملتزم ولا للجماعة المسلمة الملتزمة المشاركة في حكم دكتاتوري متسلط على رقاب الخلق، سواء كان حكم فرد مطلقاً، أم حكماً عسكرياً متعسفاً.

    إنما تكون المشاركة في حكم يقوم على الديمقراطية، ويحترم مقدرات البشر([96]).

    4. أن يكون له حق معارضة كل ما يخالف الإسلام مخالفة بينة، أو على الأقل التحفظ عليه، فالوزير قد يقيم العدل الممكن في وزارته، ولكن يطلب منه في مجلس الوزراء أن يوافق على قوانين أو اتفاقيات أو مشروعات مخالفة لقواطع الإسلام، فهنا يجب عليه أن يعترض أو يتحفظ بقدر نوع المخالفة وحجمها.

    وقد يضطر المسلم الملتزم أو الجماعة المسلمة إلى الانسحاب من الحكم في حال المخالفات الخطيرة التي لا يكفي فيها التحفظ والاعتراض([97]).

    5. ألا يخوض غمار هذا المعترك السياسي الدقيق والحساس إلا من رسخ دينـه، وقوي شأنه، وأيقن أن المهمة الوزارية وظيفة تكليفية لا تشريفية.

    6. تقويم المشاركة كل فترة زمنية بالنظر إلى الظروف الموضوعية والمتطلبات المرحلية والأوضاع المحلية والدولية ومدى ملاءمتها لتحقيق المصالح والأهداف المرجوة التي تجعلهم يمضون في طريقهم أو يضطرون للانسحاب.





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) ابن الأثير: النهاية غريب الحديث والأثر (5/178)، ابن منظور: لسان العرب (5/282)، الرازي: مختار الصحاح (1/299)، مادة: وزر.

    ([2]) سورة طه: من الآية (87).

    ([3]) الماوردي: قوانين الوزارة (ص: 61).

    ([4]) سورة القيامة: الآية (11).

    ([5]) ابن الأثير: النهاية غريب الحديث والأثر (5/179)، ابن منظور: لسان العرب (5/282)، الرازي: مختار الصحاح (1/299).

    ([6]) الماوردي: قوانين الوزارة (ص: 27).

    ([7]) ليلة: النظم السياسية الدولة والحكومة (ص: 637).

    ([8]) الطماوي: السلطات الثلاث (ص: 251- 253).

    ([9]) يمكن مراجعة الشروط المتطلبة فيمن يشغل منصب الوزارة التي اشترطها الفقهاء المسلمون، في كتاب: الأحكام السطانية لأبي يعلى (ص: 24)، قوانين الوزارة للماوردي (ص: 27- 32)، وكذلك الشروط التي اشترطتها الدساتير العربية في كتاب: السلطات الثلاث للطماوي (ص: 257- 259).

    ([10]) ابن خلدون: المقدمة (1/236).

    ([11]) سورة طه: الآيتان (29، 30).

    ([12]) حلمي: نظام الحكم في الإسلام ( ص: 297)، رسلان: قوانين الوزارة عند الماوردي (ص: 8)، ومن الذين قالوا بأن الوزارة فارسية الأصل: الدكتور حسن إبراهيم حسن، وعلي إبراهيم حسن في كتابهما النظم الإسلامية (ص: 113)، وكذلك الدكتور سليمان محمد الطماوي في كتابه السلطات الثلاث (ص: 415).

    ([13]) حلمي: نظام الحكم في الإسلام ( ص: 297).

    ([14]) أخرجه البخاري: الصحيح (باب قول النبي r: لو كنت متخذاً خليلاً 3/1341 ح 3467).

    ([15]) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك (4/308 حتى 257 هـ)، الطبري: التاريخ (2/531).

    ([16]) سورة الأحزاب: الآية (36).

    ([17]) فقد ألف الدكتور محمد أبو فارس كتاباً خاصاً رد فيه باستفاضة على القائلين بجواز المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية، إلا أنه على الرغم من إنكاره الشديد على القائلين بجواز المشاركة استثناء من الأصل بناء على تقدير المصالح والمفاسد ورده عليهم، قد أباحها للضرورة، أو ما يقوم مقامها إذا توافرت شروط ذلك، تماماً كإباحة أكل الميتة للمضطر أو الدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فقد قال تعالى بعد ذكره لهذه المحرمات: } فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ { (سورة المائدة: من الآية (3). وهذا هو معنى القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 37).

    ([18]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 40)، قطب: واقعنا المعاصر (ص: 509)، المحمود: الدعوة إلى الإسلام (ص: 243)، هذا ويمكن اعتبار القائلين بخطر المشاركة في المجالس النيابية، من المانعين من باب أولى المشاركة في المجالس الوزارية، لاسيما وأن الوزارة تمثل سلطة تنفيذية، حيث يخضع فيها المسلم للنظام الذي يحكم بغير شريعة الله، ويسعى لتنفيذ سياسته، بل والذود عنه في بعض الأحيان، وله اجتهاده فقط في حدود صلاحياته، بخلاف المجالس النيابية التي هي أقل شأناً، وشبهة الولاء فيها للحكومة التي تحكم بغير شريعة الله أخف، بحيث يتمتع فيها النائب بالحصانة البرلمانية التي تمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإطلاق.

    ([19]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 29)، التميمي: مشاركة الإسلاميين في السلطة (ص: 13)، حوى: الأساس في التفسير (5/2671)، الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (2/144)، عبد الخالق: مشروعية الدخول وقبول الولايات العامة في ظل الأنظمة المعاصرة (ص: 5)، القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/428)، المعايطة: التجربة السياسية للحركة الإسلامية في الأردن (ص: 118).

    ([20]) الأسطل: ميزان الترجيح في المصالح والمفاسد المتعارضة (ص: 200- 202).

    ([21]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة (ص: 17- 20)، الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 29- 32).

    ([22]) سورة المائدة: من الآية (44).

    ([23]) سورة المائدة: من الآية (45).

    ([24]) سورة المائدة: من الآية (47).

    ([25]) سورة يوسف: من الآية (40).

    ([26]) سورة القصص: من الآية (70).

    ([27]) سورة النساء: الآية (65).

    ([28]) سورة هود: الآية (113).

    ([29]) سورة النساء: الآية (60).

    ([30]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 20- 30)، الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 32).

    ([31]) سورة غافر: من الآية (34).

    ([32]) سورة يوسف: من الآية (55).

    ([33]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 63).

    ([34]) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (9/215).

    ([35]) الألوسي: روح المعاني (13/5).

    ([36]) النسفي: التفسير (2/194).

    ([37]) حوى: الأساس في التفسير (5/2671).

    ([38]) النجاشي لقب لكل من مَلَك الحبشة، ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة (5/112).

    ([39]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب فضائل الصحابة، باب موت النجاشي 3/1407 ح 3664).

    ([40]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد 1/446 ح 1263).

    ([41]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنازة أربعاً 1/447 ح 1268).

    ([42]) سورة التوبة: الآية (113).

    ([43]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/84)، الطبري: التاريخ (2/132).

    ([44]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/70).

    ([45]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (19/218- 219).

    ([46]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/84)، الطبري: التاريخ (2/132).

    ([47]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/73).

    ([48]) المرجع السابق (3/74).

    ([49]) ابن منظور: لسان العرب (2/517)، الرازي: مختار الصحاح (1/154)، الفيومي: المصباح المنير (ص: 345).

    ([50]) ابن عاشور: مقاصد الشريعة (ص: 203).

    ([51]) الغزالي: المستصفى (1/173).

    ([52]) الشاطبي: الموافقات (2/6).

    ([53]) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام (1/11).

    ([54]) ابن تيمية: تلخيص كتاب الاستغاثة (1/167).

    ([55]) ابن القيم: الطرق الحكمية (ص: 78).

    ([56]) الغزالي: المستصفى (1/172- 173)، ابن قدامة: روضة الناظر (1/169- 170)، ابن بدران: المدخل (1/293- 295)، زيدان: الوجيز في أصول الفقه (ص: 236- 242).

    ([57]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (20/48).

    ([58]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 88).

    ([59]) القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/428- 432).

    ([60]) سورة التغابن: من الآية (16).

    ([61]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله r 6/2658 ح 6858).

    ([62]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها 2/969 ح 1333).

    ([63]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 92- 94)، عبد الرزاق: مشاركة الإسلامين في السلطة الأسس الشرعية والمتطلبات السياسية (انترنت)، الترابي: الحركة الإسلامية في السودان (ص: 200- 201).

    ([64]) الأسطل: ميزان الترجيح في المصالح والمفاسد المتعارضة (ص: 200- 202).

    ([65]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 40).

    ([66]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 56- 59).

    ([67]) سورة يوسف: من الآية (40).

    ([68]) سورة يوسف: من الآية (76).

    ([69]) سورة يوسف: الآيتان (55، 56).

    ([70]) سورة يوسف: الآية (101).

    ([71]) سورة يوسف: من الآية (78).

    ([72]) سورة يوسف: من الآية (88).

    ([73]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 46- 47)، قطب: واقعنا المعاصر (ص: 509- 510).

    ([74]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 43- 46).

    ([75]) سورة يوسف: من الآية (55).

    ([76]) سورة يوسف: من الآية (54).

    ([77]) ابن كثير: البداية والنهاية (1/210).

    ([78]) سورة يوسف: من الآية (30).

    ([79]) سورة يوسف: من الآية (43).

    ([80]) سورة يوسف: من الآية (54).

    ([81]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (2/483).

    ([82]) مجموعة علماء: الإسلام والمشاركة في الحكم (ص: 32).

    ([83]) سورة الأنعام: من الآية (90).

    ([84]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 49).

    ([85]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 50).

    ([86]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/70)، وقال: " وهذا إسناد صحيح ".

    ([87]) ابن حجر: الإصابة (1/109).

    ([88]) الأشقر: حكم المشاركة في المجالس النيابية (ص: 80- 81).

    ([89]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الجهاد، باب كتب النبي r إلى ملوك الكفار 3/1397 ح 1774).

    ([90]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/277).

    ([91]) أبو فارس: المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية (ص: 52- 53).

    ([92]) الأسطل: ميزان الترجيح في المصالح والمفاسد المتعارضة مع تطبيقات فقهية معاصرة (ص: 202).

    ([93]) لقاء شخصي عقدته مع الشيخ أحمد ياسين في زيارة لبيته بتاريخ (18/1/2004).

    ([94]) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام (1/73- 74).

    ([95]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (30/356- 357).

    ([96]) القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/432- 433).

    ([97]) القرضاوي: فتاوى معاصرة (3/433).

    http://www.palestine-info.info/arabic/books/2006/musheer/mush14.htm
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة