الحبيب محمد " صلى الله عليه وسلم "

الكاتب : محمداحمد المشرع   المشاهدات : 851   الردود : 10    ‏2007-03-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-03-30
  1. محمداحمد المشرع

    محمداحمد المشرع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-06-18
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    كانت "مكة" على موعد مع حدث عظيم كان له تأثيره في مسيرة البشرية وحياة البشر طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان، وسيظل يشرق بنوره على الكون، ويرشد بهداه الحائرين، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

    كان ميلاد النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم أهم حدث في تاريخ البشرية على الإطلاق منذ أن خلق الله الكون، وسخر كل ما فيه لخدمة الإنسان، وكأن هذا الكون كان يرتقب قدومه منذ أمد بعيد.

    وفي (12 من ربيع الأول) من عام الفيل شرف الكون بميلاد سيد الخلق وخاتم المرسلين "محمد" صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذهب الفلكي المعروف "محمود باشا الفلكي" في بحث له إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين (9 من ربيع الأول الموافق 20 من أبريل سنة 571 ميلادية).

    نسبه الشريف

    هو "أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة"، ويمتد نسبه إلى "إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان"، وينتهي إلى "إسماعيل بن إبراهيم" عليهما السلام.

    وأمه "آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة"، ويتصل نسب أمه مع أبيه بدءًا من "كلاب بن مرة".

    ورُوي في سبب تسميته أن أمه أُمرت أن تسميه بذلك وهي حامل، وروي أن جده عبد المطلب رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذ بأهل المشرق والمغرب يتعلقون بها؛ فتأولها بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء فسماه "محمد".

    وتبدو أسباب التهيئة والإعداد من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم في مهمته الجليلة ورسالته العظيمة، جلية واضحة منذ اللحظة الأولى في حياته، بل إنها كانت قبل ذلك، وقد تجلى ذلك حتى في اصطفاء اسمه صلى الله عليه وسلم، فليس في اسمه أو اسم أبيه أو جده ما يحط قدره وينقص منزلته، وليس في اسمه شيء محتقر، كما أنه ليس اسمه اسمًا مصغرًا تستصغر معه منزلته، وليس فيه كبرياء أو زيادة تعاظم يثير النفور منه.

    ابن الذبيحين

    ويعرف النبي صلى الله عليه وسلم بابن الذبيحين، فأبوه "عبد الله" هو الذبيح الذي نذر "عبد المطلب" ذبحه ثم فداه بمائة من الإبل، وجده "إسماعيل" – عليه السلام- هو الذبيح الذي فداه ربه بذبح عظيم.

    وقد اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الشرف والكمال ما يوقع في نفوس الناس استعظامه، ويسهل عليهم قبول ما يخبر به، وأول تلك الأسباب كان شرف النسب "وأشرف النسب ما كان إلى أولي الدين، وأشرف ذلك ما كان إلى النبيين، وأفضل ذلك ما كان إلى العظماء من الأنبياء، وأفضل ذلك ما كان إلى نبي قد اتفقت الملل على تعظيمه".

    ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مجوسيًا، لأنه لو كان من أهل ملة لكان خارجًا عن دين من يدعوهم فيكون عندهم مبتدعًا كافرًا، وذلك ما يدعوهم إلى تنفير الناس منه، وإنما كان حنيفًا مسلمًا على مله آبائه: "إبراهيم" و"إسماعيل" عليهما السلام.

    مولد النبي صلى الله عليه وسلم إيذان بزوال الشرك

    كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم نذيرا بزوال دولة الشرك، ونشر الحق والخير والعدل بين الناس، ورفع الظلم والبغي والعدوان.

    وكانت الدنيا تموج بألوان الشرك والوثنية وتمتلئ بطواغيت الكفر والطغيان، وعندما أشرق مولد سيد الخلق كانت له إرهاصات عجيبة، وصاحبته ظواهر غريبة وأحداث فريدة، ففي يوم مولده زلزل إيوان "كسرى" فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار "فارس" ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة "ساوة".

    وروى عن أمه أنها قالت: "رأيت لما وضعته نورًا بدا مني ساطعًا حتى أفزعني، ولم أر شيئًا مما يراه النساء". وذكرت "فاطمة بنت عبد الله" أنها شهدت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: "فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن عليَّ".

    وروى أنه صلى الله عليه وسلم ولد معذورًا مسرورًا -أي مختونًا مقطوع السرة- وأنه كان يشير بإصبع يده كالمسبّح بها.

    محمد اليتيم

    فقد محمد صلى الله عليه وسلم أباه قبل مولده، وكانت وفاة أبيه بالمدينة عند أخوال أبيه من "بني النجار" وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

    وعلى عادة العرب فقد أرسله جدُّه إلى البادية ليسترضع في "بني سعد"، وكانت حاضنته "حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي"، فلم يزل مقيمًا في "بني سعد" يرون به البركة في أنفسهم وأموالهم حتى كانت حادثة شق الصدر، فخافوا عليه وردوه إلى جده "عبد المطلب" وهو في نحو الخامسة من عمره.

    لم تلبث أمه "آمنة" أن توفيت في "الأبواء" – بين "مكة" و "المدينة" – وهي في الثلاثين من عمرها، وكان محمد صلى الله عليه وسلم قد تجاوز السادسة بثلاثة أشهر.

    وكأنما كان على "محمد" صلى الله عليه وسلم أن يتجرع مرارة اليتم في طفولته، ليكون أبًا لليتامى والمساكين بعد نبوته، وليتضح أثر ذلك الشعور باليتم في حنوّه على اليتامى وبره بهم، ودعوته إلى كفالتهم ورعايتهم والعناية بهم.

    محمد في كفالة جده وعمه

    عاش "محمد" صلى الله عليه وسلم في كنف جده "عبد المطلب" وكان يحبه ويعطف عليه، فلما مات "عبد المطلب" وكان "محمد" في الثامنة من عمره، كفله عمه "أبو طالب"، فكان خير عون له في الحياة بعد موت جده، وكان أبو طالب سيدًا شريفًا مطاعًا مهيبًا، مع ما كان عليه من الفقر، وكان "أبو طالب" يحب محمدًا ويؤثره على أبنائه ليعوضه ما فقده من حنان وعطف.

    وحينما خرج "أبو طالب" في تجارة إلى "الشام" تعلق به "محمد" فرقّ له "أبو طالب" وأخذه معه، فلما نزل الركب "بصرى" -من أرض "الشام"- وكان بها راهب اسمه "بحيرى" في صومعة له، فلما رآه "بحيرى" جعل يلحظه لحظًا شديدًا، ويتفحصه مليًا، ثم أقبل على عمه "أبي طالب" فأخذ يوصيه به، ويدعوه إلى الرجوع به إلى بلده، ويحذره من اليهود.

    محمد في مكة

    وشهد "محمد" صلى الله عليه وسلم حرب الفجار – الذين فجّروا القتال في شهر الله الحرام رجب- وكان في السابعة عشرة من عمره.

    وحضر "حلف الفضول" وقد جاوز العشرين من عمره، وقد قال فيه بعد بعثته: "حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما يسرني به حمر النعم، ولو دُعيت إليه اليوم لأجبت".

    وقد عُرف النبي صلى الله عليه وسلم – منذ حداثة سنه – بالصادق الأمين، وكان موضع احترام وتقدير "قريش" في صباه وشبابه، حتى إنهم احتكموا إليه عندما اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة، حينما أعادوا بناءها بعدما تهدّمت بسبب سيل أصابها، وأرادت كل قبيلة أن تحظى بهذا الشرف حتى طار الشرُّ بينهم، وكادوا يقتتلون، فلما رأوه مقبلاً قالوا: قد رضينا بحكم "محمد بن عبد الله"، فبسط رداءه، ثم وضع الحجر وسطه، وطلب أن تحمل كل قبيلة جانبًا من جوانب الرداء، فلما رفعوه جميعًا حتى بلغ الموضع، أخذه بيده الشريفة ووضعه مكانه.

    وعندما بلغ "محمد" صلى الله عليه وسلم الخامسة والعشرين تزوج السيدة "خديجة بنت خويلد"، قبل أن يُبعث، فولدت له "القاسم" و"رقية" و"زينب" و"أم كلثوم"، وولدت له بعد البعثة "عبد الله".

    من البعثة إلى الوفاة

    ولما استكمل النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة كانت بعثته، وكانت "خديجة" أول من آمن به من النساء، وكان "أبو بكر الصديق" أول من آمن به من الرجال، و"علي بن أبي طالب" أول من آمن من الصبيان.

    وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين يكتم أمره، ويدعو الناس سرًا إلى الإسلام، فآمن به عدد قليل، فلما أمر بإبلاغ دعوته إلى الناس والجهر بها، بدأت قريش في إيذائه وتعرضت له ولأصحابه، ونال المؤمنون بدعوته صنوف الاضطهاد والتنكيل، وظل المسلمون يقاسون التعذيب والاضطهاد حتى اضطروا إلى ترك أوطانهم والهجرة إلى "الحبشة" ثم إلى المدينة.

    ومرّت الأعوام حتى عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحًا –في العام العاشر من الهجرة- ونصر الله المسلمين بعد أن خرجوا منها مقهورين، ومكّن لهم في الأرض بعد أن كانوا مستذلّين مستضعفين، وأظهر الله دينه وأعز نبيه ودحر الشرك وهزم المشركين.

    وفي العام التالي توفي النبي صلى الله عليه وسلم في (12 من ربيع الأول 11هـ = 7 من يونيو 632م) عن عمر بلغ (63) عامًا.

    بدايات الاحتفال بالمولد النبوي

    لعل أول من أحدث الاحتفال بذكرى المولد النبوي هو الملك المظفر "أبو سعيد كوكبري بن زيد الدين علي بن بكتكين" صاحب إربل، وكان أحد الملوك الأمجاد، وكان يحتفل به احتفالاً هائلاً يحضره الأعيان والعلماء ويدعو إليه الصوفية والفقراء.

    وقد اختلف العلماء حول شرعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وانقسموا بين مؤيد ومعارض، وكان من أشد المنكرين لذلك المعارضين له؛ باعتباره بدعة مذمومة الشيخ "تاج الدين اللخمي" الذي يقول: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكّالون".

    وقد انبرى الإمام "السيوطي" للرد عليه وتفنيد مزاعمه وإبطال حججه، وإذا كان بعض الناس يرتكبون أفعالاً منكرة في الاحتفال بالمولد، من لهو وصد عن ذكر الله وغير ذلك، فإن تعظيم هذا اليوم إنما يكون بزيادة الأعمال الصالحة والصدقات وغير ذلك من ألوان القربات إلى الله تعالى.

    وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم؛ فصامه وأمر بصيامه.. (بخاري: كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، رقم 2004).

    ولعل في إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضيلة هذا اليوم حينما سأله سائل عن صوم يوم الإثنين فقال: "ذلك يوم ولدت فيه"؛ ففيه تشريف لهذا اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم.

    كيف نحتفل بالمولد؟

    يميل أكثر العلماء إلى شرعية الاحتفال بالمولد النبوي، ووجوب إحياء هذه الذكرى بالذكر والعبادة، والتماس مواطن القدوة في حياة صاحب الذكرى صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به وإحياء سننه، والسير على نهجه وشرعته.

    يقول الإمام "ابن حجر العسقلاني": "أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرّى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة".

    ويقول الإمام "السخاوي": "لو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى، وإذا كان أهل الصليب اتخذوا مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر".

    ويقول العلامة "فتح الله البناني": "إن أحسن ما ابتُدع في زماننا هذا ما يُفعل كل عام في اليوم الذي يوافق مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك –على ما فيه من الإحسان إلى الفقراء- مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك".

    من مصادر الدراسة:

    تاريخ اليعقوبي: أحمد بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي – دار صادر – بيروت: [1412هـ = 1992م].

    التقويم العربي قبل الإسلام وتاريخ ميلاد الرسول وهجرته صلى الله عليه وسلم: محمود باشا الفلكي – ترجمة: محمود صالح الفلكي – مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة: [1389هـ = 1969م].

    حسن المقصد في عمل المولد: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي – تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا – دار الكتب العلمية – بيروت: [1405هـ = 1985م].

    الرسالة الكاملية في السيرة النبوية: (ابن النفيس) علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي – تعليق وتحقيق: عبد المنعم محمد عمر – المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – القاهرة: [1408هـ = 1987م].

    سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: أبو محمد عبد الملك بن هشام – تحقيق ودراسة: مجدي فتحي السيد – دار الصحابة للتراث بطنطا: [1416هـ = 1995م].

    سيرة النبي صلى الله عليه وسلم "المختصرة": أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا – تحقيق: د. محمد كمال الدين عز الدين – عالم الكتب – بيروت: [1409هـ = 1989م].

    عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: (ابن سيد الناس) محمد بن عبد الله ابن يحيى – مكتبة القدسي – القاهرة: [1406هـ = 1986م].

    غاية السول في سرية الرسول: زين الدين عبد الباسط بن خليل بن شاهين الحنفي – تحقيق: د. محمد كمال الدين عز الدين – عالم الكتب – بيروت: [1408هـ = 1988م].

    المختصر الصغير في سيرة البشير النذير: (ابن جماعة) عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم ابن سعد الله – تحقيق: د. محمد كمال الدين عز الدين – عالم الكتب – بيروت: [1408هـ = 1988م].

    نور اليقين في سيرة سيد المرسلين: الشيخ محمد الخضري (محمد بن عفيفي الباجوري) حققه وعلق عليه: سمير أحمد العطار – دار الحديث – القاهرة: [1412هـ = 1992م].
    مع تحيات محمد احمد المشرع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-03-30
  3. محمداحمد المشرع

    محمداحمد المشرع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-06-18
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    مولد نور الهدى محمد سيد الثقلين الله الله

    كانت "مكة" على موعد مع حدث عظيم كان له تأثيره في مسيرة البشرية وحياة البشر طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان، وسيظل يشرق بنوره على الكون، ويرشد بهداه الحائرين، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

    كان ميلاد النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم أهم حدث في تاريخ البشرية على الإطلاق منذ أن خلق الله الكون، وسخر كل ما فيه لخدمة الإنسان، وكأن هذا الكون كان يرتقب قدومه منذ أمد بعيد.

    وفي (12 من ربيع الأول) من عام الفيل شرف الكون بميلاد سيد الخلق وخاتم المرسلين "محمد" صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذهب الفلكي المعروف "محمود باشا الفلكي" في بحث له إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين (9 من ربيع الأول الموافق 20 من أبريل سنة 571 ميلادية).

    نسبه الشريف

    هو "أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة"، ويمتد نسبه إلى "إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان"، وينتهي إلى "إسماعيل بن إبراهيم" عليهما السلام.

    وأمه "آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة"، ويتصل نسب أمه مع أبيه بدءًا من "كلاب بن مرة".

    ورُوي في سبب تسميته أن أمه أُمرت أن تسميه بذلك وهي حامل، وروي أن جده عبد المطلب رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذ بأهل المشرق والمغرب يتعلقون بها؛ فتأولها بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء فسماه "محمد".

    وتبدو أسباب التهيئة والإعداد من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم في مهمته الجليلة ورسالته العظيمة، جلية واضحة منذ اللحظة الأولى في حياته، بل إنها كانت قبل ذلك، وقد تجلى ذلك حتى في اصطفاء اسمه صلى الله عليه وسلم، فليس في اسمه أو اسم أبيه أو جده ما يحط قدره وينقص منزلته، وليس في اسمه شيء محتقر، كما أنه ليس اسمه اسمًا مصغرًا تستصغر معه منزلته، وليس فيه كبرياء أو زيادة تعاظم يثير النفور منه.

    ابن الذبيحين

    ويعرف النبي صلى الله عليه وسلم بابن الذبيحين، فأبوه "عبد الله" هو الذبيح الذي نذر "عبد المطلب" ذبحه ثم فداه بمائة من الإبل، وجده "إسماعيل" – عليه السلام- هو الذبيح الذي فداه ربه بذبح عظيم.

    وقد اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الشرف والكمال ما يوقع في نفوس الناس استعظامه، ويسهل عليهم قبول ما يخبر به، وأول تلك الأسباب كان شرف النسب "وأشرف النسب ما كان إلى أولي الدين، وأشرف ذلك ما كان إلى النبيين، وأفضل ذلك ما كان إلى العظماء من الأنبياء، وأفضل ذلك ما كان إلى نبي قد اتفقت الملل على تعظيمه".

    ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مجوسيًا، لأنه لو كان من أهل ملة لكان خارجًا عن دين من يدعوهم فيكون عندهم مبتدعًا كافرًا، وذلك ما يدعوهم إلى تنفير الناس منه، وإنما كان حنيفًا مسلمًا على مله آبائه: "إبراهيم" و"إسماعيل" عليهما السلام.

    مولد النبي صلى الله عليه وسلم إيذان بزوال الشرك

    كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم نذيرا بزوال دولة الشرك، ونشر الحق والخير والعدل بين الناس، ورفع الظلم والبغي والعدوان.

    وكانت الدنيا تموج بألوان الشرك والوثنية وتمتلئ بطواغيت الكفر والطغيان، وعندما أشرق مولد سيد الخلق كانت له إرهاصات عجيبة، وصاحبته ظواهر غريبة وأحداث فريدة، ففي يوم مولده زلزل إيوان "كسرى" فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار "فارس" ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة "ساوة".

    وروى عن أمه أنها قالت: "رأيت لما وضعته نورًا بدا مني ساطعًا حتى أفزعني، ولم أر شيئًا مما يراه النساء". وذكرت "فاطمة بنت عبد الله" أنها شهدت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: "فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن عليَّ".

    وروى أنه صلى الله عليه وسلم ولد معذورًا مسرورًا -أي مختونًا مقطوع السرة- وأنه كان يشير بإصبع يده كالمسبّح بها.

    محمد اليتيم

    فقد محمد صلى الله عليه وسلم أباه قبل مولده، وكانت وفاة أبيه بالمدينة عند أخوال أبيه من "بني النجار" وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

    وعلى عادة العرب فقد أرسله جدُّه إلى البادية ليسترضع في "بني سعد"، وكانت حاضنته "حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي"، فلم يزل مقيمًا في "بني سعد" يرون به البركة في أنفسهم وأموالهم حتى كانت حادثة شق الصدر، فخافوا عليه وردوه إلى جده "عبد المطلب" وهو في نحو الخامسة من عمره.

    لم تلبث أمه "آمنة" أن توفيت في "الأبواء" – بين "مكة" و "المدينة" – وهي في الثلاثين من عمرها، وكان محمد صلى الله عليه وسلم قد تجاوز السادسة بثلاثة أشهر.

    وكأنما كان على "محمد" صلى الله عليه وسلم أن يتجرع مرارة اليتم في طفولته، ليكون أبًا لليتامى والمساكين بعد نبوته، وليتضح أثر ذلك الشعور باليتم في حنوّه على اليتامى وبره بهم، ودعوته إلى كفالتهم ورعايتهم والعناية بهم.

    محمد في كفالة جده وعمه

    عاش "محمد" صلى الله عليه وسلم في كنف جده "عبد المطلب" وكان يحبه ويعطف عليه، فلما مات "عبد المطلب" وكان "محمد" في الثامنة من عمره، كفله عمه "أبو طالب"، فكان خير عون له في الحياة بعد موت جده، وكان أبو طالب سيدًا شريفًا مطاعًا مهيبًا، مع ما كان عليه من الفقر، وكان "أبو طالب" يحب محمدًا ويؤثره على أبنائه ليعوضه ما فقده من حنان وعطف.

    وحينما خرج "أبو طالب" في تجارة إلى "الشام" تعلق به "محمد" فرقّ له "أبو طالب" وأخذه معه، فلما نزل الركب "بصرى" -من أرض "الشام"- وكان بها راهب اسمه "بحيرى" في صومعة له، فلما رآه "بحيرى" جعل يلحظه لحظًا شديدًا، ويتفحصه مليًا، ثم أقبل على عمه "أبي طالب" فأخذ يوصيه به، ويدعوه إلى الرجوع به إلى بلده، ويحذره من اليهود.

    محمد في مكة

    وشهد "محمد" صلى الله عليه وسلم حرب الفجار – الذين فجّروا القتال في شهر الله الحرام رجب- وكان في السابعة عشرة من عمره.

    وحضر "حلف الفضول" وقد جاوز العشرين من عمره، وقد قال فيه بعد بعثته: "حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما يسرني به حمر النعم، ولو دُعيت إليه اليوم لأجبت".

    وقد عُرف النبي صلى الله عليه وسلم – منذ حداثة سنه – بالصادق الأمين، وكان موضع احترام وتقدير "قريش" في صباه وشبابه، حتى إنهم احتكموا إليه عندما اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة، حينما أعادوا بناءها بعدما تهدّمت بسبب سيل أصابها، وأرادت كل قبيلة أن تحظى بهذا الشرف حتى طار الشرُّ بينهم، وكادوا يقتتلون، فلما رأوه مقبلاً قالوا: قد رضينا بحكم "محمد بن عبد الله"، فبسط رداءه، ثم وضع الحجر وسطه، وطلب أن تحمل كل قبيلة جانبًا من جوانب الرداء، فلما رفعوه جميعًا حتى بلغ الموضع، أخذه بيده الشريفة ووضعه مكانه.

    وعندما بلغ "محمد" صلى الله عليه وسلم الخامسة والعشرين تزوج السيدة "خديجة بنت خويلد"، قبل أن يُبعث، فولدت له "القاسم" و"رقية" و"زينب" و"أم كلثوم"، وولدت له بعد البعثة "عبد الله".

    من البعثة إلى الوفاة

    ولما استكمل النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة كانت بعثته، وكانت "خديجة" أول من آمن به من النساء، وكان "أبو بكر الصديق" أول من آمن به من الرجال، و"علي بن أبي طالب" أول من آمن من الصبيان.

    وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين يكتم أمره، ويدعو الناس سرًا إلى الإسلام، فآمن به عدد قليل، فلما أمر بإبلاغ دعوته إلى الناس والجهر بها، بدأت قريش في إيذائه وتعرضت له ولأصحابه، ونال المؤمنون بدعوته صنوف الاضطهاد والتنكيل، وظل المسلمون يقاسون التعذيب والاضطهاد حتى اضطروا إلى ترك أوطانهم والهجرة إلى "الحبشة" ثم إلى المدينة.

    ومرّت الأعوام حتى عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحًا –في العام العاشر من الهجرة- ونصر الله المسلمين بعد أن خرجوا منها مقهورين، ومكّن لهم في الأرض بعد أن كانوا مستذلّين مستضعفين، وأظهر الله دينه وأعز نبيه ودحر الشرك وهزم المشركين.

    وفي العام التالي توفي النبي صلى الله عليه وسلم في (12 من ربيع الأول 11هـ = 7 من يونيو 632م) عن عمر بلغ (63) عامًا.

    بدايات الاحتفال بالمولد النبوي

    لعل أول من أحدث الاحتفال بذكرى المولد النبوي هو الملك المظفر "أبو سعيد كوكبري بن زيد الدين علي بن بكتكين" صاحب إربل، وكان أحد الملوك الأمجاد، وكان يحتفل به احتفالاً هائلاً يحضره الأعيان والعلماء ويدعو إليه الصوفية والفقراء.

    وقد اختلف العلماء حول شرعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وانقسموا بين مؤيد ومعارض، وكان من أشد المنكرين لذلك المعارضين له؛ باعتباره بدعة مذمومة الشيخ "تاج الدين اللخمي" الذي يقول: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكّالون".

    وقد انبرى الإمام "السيوطي" للرد عليه وتفنيد مزاعمه وإبطال حججه، وإذا كان بعض الناس يرتكبون أفعالاً منكرة في الاحتفال بالمولد، من لهو وصد عن ذكر الله وغير ذلك، فإن تعظيم هذا اليوم إنما يكون بزيادة الأعمال الصالحة والصدقات وغير ذلك من ألوان القربات إلى الله تعالى.

    وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم؛ فصامه وأمر بصيامه.. (بخاري: كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، رقم 2004).

    ولعل في إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضيلة هذا اليوم حينما سأله سائل عن صوم يوم الإثنين فقال: "ذلك يوم ولدت فيه"؛ ففيه تشريف لهذا اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم.

    كيف نحتفل بالمولد؟

    يميل أكثر العلماء إلى شرعية الاحتفال بالمولد النبوي، ووجوب إحياء هذه الذكرى بالذكر والعبادة، والتماس مواطن القدوة في حياة صاحب الذكرى صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به وإحياء سننه، والسير على نهجه وشرعته.

    يقول الإمام "ابن حجر العسقلاني": "أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرّى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة".

    ويقول الإمام "السخاوي": "لو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى، وإذا كان أهل الصليب اتخذوا مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر".

    ويقول العلامة "فتح الله البناني": "إن أحسن ما ابتُدع في زماننا هذا ما يُفعل كل عام في اليوم الذي يوافق مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك –على ما فيه من الإحسان إلى الفقراء- مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك".

    من مصادر الدراسة:

    تاريخ اليعقوبي: أحمد بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي – دار صادر – بيروت: [1412هـ = 1992م].

    التقويم العربي قبل الإسلام وتاريخ ميلاد الرسول وهجرته صلى الله عليه وسلم: محمود باشا الفلكي – ترجمة: محمود صالح الفلكي – مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة: [1389هـ = 1969م].

    حسن المقصد في عمل المولد: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي – تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا – دار الكتب العلمية – بيروت: [1405هـ = 1985م].

    الرسالة الكاملية في السيرة النبوية: (ابن النفيس) علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي – تعليق وتحقيق: عبد المنعم محمد عمر – المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – القاهرة: [1408هـ = 1987م].

    سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: أبو محمد عبد الملك بن هشام – تحقيق ودراسة: مجدي فتحي السيد – دار الصحابة للتراث بطنطا: [1416هـ = 1995م].

    سيرة النبي صلى الله عليه وسلم "المختصرة": أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا – تحقيق: د. محمد كمال الدين عز الدين – عالم الكتب – بيروت: [1409هـ = 1989م].

    عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: (ابن سيد الناس) محمد بن عبد الله ابن يحيى – مكتبة القدسي – القاهرة: [1406هـ = 1986م].

    غاية السول في سرية الرسول: زين الدين عبد الباسط بن خليل بن شاهين الحنفي – تحقيق: د. محمد كمال الدين عز الدين – عالم الكتب – بيروت: [1408هـ = 1988م].

    المختصر الصغير في سيرة البشير النذير: (ابن جماعة) عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم ابن سعد الله – تحقيق: د. محمد كمال الدين عز الدين – عالم الكتب – بيروت: [1408هـ = 1988م].

    نور اليقين في سيرة سيد المرسلين: الشيخ محمد الخضري (محمد بن عفيفي الباجوري) حققه وعلق عليه: سمير أحمد العطار – دار الحديث – القاهرة: [1412هـ = 1992م].
    مع تحيات محمد احمد المشرع
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-03-30
  5. محمداحمد المشرع

    محمداحمد المشرع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-06-18
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    ايضا وفي نفس التاريخ كانت الهجره

    الهجرة.. حدث غيّر مجرى التاريخ

    (في ذكرى هجرة النبي: 12 ربيع الأول 1هـ)

    محمد المشرع




    طريق الهجرة

    مكث النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى الإسلام، ويبصرهم بشرائعه، ويرشدهم إلى أحكامه، دون أن يتطرق إليه ملل، أو يصيبه كلل أو ضجر، لا تصرفه عن دعوته الشواغل، ولا يثنيه عن التبليغ وعد أو وعيد، وإنما هو ماض في طريقه، تحوطه عناية الله وتكلؤه رحمته، لا يجد وسيلة تمكّنه من تبليغ دعوته إلا اتبعها، ولا طريقة تهيئ له النجاح إلا أخذ بأسبابها، طرق كل باب، ووقف عند كل جمع، وعرض دعوته على القبائل؛ لعل أحدًا يؤمن بها ويؤازرها.

    وآمن بالدعوة الجديدة بعض أهل مكة، ممن سمت نفوسهم، وصفت أفئدتهم، ونضجت عاطفتهم الدينية، فالتفوا حول نبيهم محمد (صلى الله عليه وسلم)، كما آمن عدد من الرقيق والموالي والمستضعفين في مكة، ولم تلق مكة بالاً لهذا الدين الجديد في بادئ الأمر، وعدّت محمدًا (صلى الله عليه وسلم) وصحبه مجموعة من الحنفاء الذين يظهرون ثم يختفون دون أن يلتفت إليهم أحد.

    لكنها استشعرت الخطر، حين رأت نفسها أمام رجل آخر، ودعوة مختلفة، وجماعة تتكون، وكتابًا يُتلى، وأن الرسالة تجد أنصارًا وإن كانت تشق طريقها ببطء، ثم هالها الأمر حين بدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) يهاجم الوثنية ويعيب الأصنام، ويسفّه عبادتها، ورأت أن مكانتها الدينية وزعامتها الروحية في خطر، فلجأت إلى مواجهة الدين الوليد، ومحاصرته بكافة الوسائل التي تضمن إجهاضه والقضاء عليه، ولم تتحرج في استخدام التعذيب والقتل والسجن مع المؤمنين بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته، ولم يسلم النبي (صلى الله عليه وسلم) نفسه من الأذى، وتعرضت حياته للخطر.

    الهجرة إلى الحبشة.. محاولة للخروج من الأزمة

    حين اشتد العذاب بأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وضاقت بهم السبل، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة "فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"، فخرج فريق من المسلمين إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.

    وتفكير النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحبشة ينطوي على معرفة واسعة للنبي الكريم بأحوال شبه الجزيرة العربية، واتجاهاتها السياسية، فلم يكن هناك مكان أصلح للحماية والإيواء من الحبشة، فالقبائل العربية تربطها بقريش علاقات وثيقة، وروابط متينة تمنعها من استقبال هؤلاء المسلمين إذا ما فكروا في الهجرة إليها، وبلاد اليمن غير مستقرة يتنازعها التنافس بين الفرس والروم، والصراع بين اليهودية والنصرانية، ولم تكن أي مدينة من مدن الجزيرة العربية تصلح أن تكون مكانًا مناسبًا لإيوائهم، حتى يثرب نفسها التي استقبلت النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك، وأقام بها دولته –لم تكن تصلح هي الأخرى في هذا الوقت لاستقبال المهاجرين، حيث كانت تمزقها الخلافات الداخلية، والصراعات بين قبائلها. وكان جملة من هاجر إلى الحبشة ثلاثة وثمانين رجلاً.

    مقدمات الهجرة الكبرى

    وإذا كانت الحبشة التي يحكمها ملك عادل تصلح أن تكون مأوى صالحًا ومكانًا للحماية، فإنها لم تكن تصلح أن تكون مركزًا للدعوة، ومعقلاً للدين، ولهذا لم يفكر النبي (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة إليها، واستمر في عرض دعوته على القبائل العربية التي كانت تفد إلى مكة، أو بالذهاب إلى بعضها كما فعل مع قبيلة ثقيف في الطائف، ولم تكن قريش تتركه يدعو في هدوء، وإنما تتبّعت خطوه، تحذر القبائل من دعوته وتنفّرها منه.

    غير أن سعي النبي الدءوب، وحرصه على تبليغ دعوته كان لا بد أن يؤتي ثماره، فتفتّحت لدعوته قلوب ستة رجال من الخزرج، فأسلموا، ووعدوه بالدعوة للإسلام في يثرب، وبشروه بالفوز لو قُدّر له أن تجتمع عليه قبائل يثرب.

    ولم يكد ينصرم عام حتى وافى النبي (صلى الله عليه وسلم) في موسم الحج اثنا عشر رجلاً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وعقد معهم بيعة عرفت ببيعة العقبة الأولى، على "ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم...".

    وأرسل معهم حين عادوا إلى بلادهم مصعب بن عمير، وكان داعية عظيمًا، فقيهًا في الدين، لبقًا فطنًا، حليمًا رفيقًا، ذا صبر وأناة، فنجح في مهمته أيما نجاح، وانتشر الإسلام في كل بيت هناك، وهيأ السبيل لتكون يثرب هي دار الهجرة، التي ينطلق إليها المسلمون، ومعقل الدين ومركز الدولة.

    وبعد عام عاد مصعب في موسم الحج، ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الليالي سرًا وبايعوه بيعة العقبة الثانية، التي تضمنت التزامهم بحماية النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما يهاجر إليهم والدفاع عنه، والمحافظة على حياته.

    ومن ثم حددت هذه البيعة الوضع القانوني للنبي (صلى الله عليه وسلم) بين أهل يثرب، فاعتبرته واحدًا منهم، دمه كدمهم، وحكمه كحكمهم، وقضت بخروجه ضمنًا من عداد أهل مكة، وانتقال تبعيته إلى أهل يثرب، ولهذا أخفى المتبايعون أمر هذه البيعة عن قريش؛ لأن الفترة بين إتمام هذه البيعة، ووصوله (صلى الله عليه وسلم) لا يلتزم أهل يثرب خلالها بحماية النبي الكريم إذا وقع له مكروه أو أذى من قريش.

    التجهيز للهجرة

    وبعد أن تمّت البيعة المباركة أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا أفرادًا وجماعات، يتخفّى بها من يخشى على نفسه، ويعلنها من يجد في نفسه القدرة على التحدي.

    ولم تقف قريش إزاء هذه الهجرة مكتوفة اليدين، فحاولت أن ترد من استطاعت رده، لتفتنه في دينه أو تعذبه أو تنكل به، ولكن دون جدوى، فقد هاجر معظم المسلمين، وبقى النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة، ووقعت قريش في حيرة: هل يظل في مكة كما فعل في الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مع أصحابه؟ وفي هذا خطر شديد عليهم؛ لأنه يستطيع في يثرب أن ينظم جماعته، ويقيم دولته، فتتهدد مكانة قريش بين القبائل، وتضيع زعامتها، وتتأثر تجارتها.

    حزمت قريش أمرها، واتخذت قرارها بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل أن تفلت الفرصة من بين أيديها، ويتحقق ما تخشاه، فأعدوا مؤامرتهم لهذا الغرض الدنيء، وأشركوا جميع القبائل في قتله، باختيار شاب قوي من بين أبنائها، حتى يتفرق دمه في القبائل، ولا يقوى بنو هاشم على محاربة أهل مكة، وقد سجل القرآن الكريم نبأ هذه المؤامرة الخسيسة في قوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" [الأنفال: الآية 30].

    حادث الهجرة.. وأسباب النجاح

    اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) كل الأسباب التي تضمن نجاح هجرته إلى المدينة التي ترتب عليها قيام دولة الإسلام، واتساع رقعتها، وسطوع حضارتها، ولعل أهم الأسباب هو نجاحه الباهر في إعداد المكان الذي سينزل به هو وأصحابه، مستخدمًا كل الوسائل الممكنة من توثيق عرى العلاقات مع أهل يثرب بعقد معاهدتين عظيمتين، وإرسال داعية عظيم الكفاءة، قوي الإيمان، شديد الإخلاص؛ لنشر الدين، وجذب الأتباع هناك.

    والسبب الثاني من أسباب النجاح هو اختيار الوقت المناسب للهجرة، فلم يعزم النبي (صلى الله عليه وسلم) على الهجرة إلا بعد أن استوثق من رسوخ إيمان أهل يثرب، وتعهدهم بحمايته والدفاع عنه، وذلك في بيعة العقبة الثانية، ومن ثم لم تعد هناك حاجة لبقائه في مكة بعد أن وجد النصرة والمنعة عند أهل يثرب.

    والسبب الثالث هو آليات الهجرة التي اتبعها النبي في خروجه من مكة إلى المدينة، في واحدة من أجلّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة، وتفاصيل هذه الهجرة مذكورة في كتب السيرة، ولسنا في حاجة إلى سردها الآن، ولكن يمكن القول بأنها كانت سرية إلى أقصى حد، ودقيقة إلى أبعد مدى، وضع لها النبي (صلى الله عليه وسلم) كل ما في وسع البشر وطاقتهم من وسائل تضمن لها النجاح، وخطط تحقق لها التوفيق، فإذا لم يفلح ذلك كله، فستأتي عناية الله في اللحظة المناسبة.

    الرسول في المدينة

    وما إن وصل النبي المدينة في ضحى يوم الإثنين، الموافق (12 من ربيع الأول للسنة الأولى من الهجرة = 24 سبتمبر 622م) حتى بدأ العمل الجاد، والسعي الدءوب، حتى أكمل رسالته على نحو لا مثيل له في تاريخ الإنسانية.

    ولم تكن يثرب عندما نزلها النبي (صلى الله عليه وسلم) مدينة بالمعنى المعروف، وإنما كانت واحات متفرقة في سهل فسيح يسكنها قبائل الأوس والخزرج والجماعات اليهودية، فنظّم العمران بالمدينة، وشق بها طرقا معبّدة، وكان المسجد هو الأساس في هذا التنظيم، انتظم حوله عمران المدينة الجديدة، واتسقت شوارعها.

    وكان هذا المسجد هو مقر الرئاسة الذي تقام فيه الصلاة، وتُبرم فيه كل الأمور، وتُعقد به مجالس التشاور للحرب والسلم واستقبال الوفود، وبجوار المسجد اتخذ النبي مساكنه، وكانت متصلة بالمسجد، بحيث يخرج منها إلى صلاته مباشرة، وأصبح من السُنّة أن تُبْنى المساجد وبجوارها بيوت الولاة ودواوين الحكم.

    ثم أصلح النبي ما بين الأوس والخزرج وأزال ما بينهما من عداوة، وجمعهما في اسم واحد هو الأنصار، ثم آخى بينهم وبين المهاجرين على أساس أن المؤمنين إخوة، وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها العرب شيئا يسمى الأخوة، دون قرابة أو صلة رحم، حيث جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين، بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم.

    وبعد المؤاخاة كانت الصحيفة، وهي الدستور الذي وضعه النبي (صلى الله عليه وسلم) لتنظيم الحياة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، هذه الوثيقة لم يُمْلِها النبي (صلى الله عليه وسلم) إملاء، وإنما كانت ثمرة مناقشات ومشاورات بينه وبين أصحابه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وكلما استقروا على مبدأ قام الرسول بإملاء نصه على علي بن أبي طالب، وشيئا فشيئا اكتملت الوثيقة، وأصبحت دستورا للجماعة الجديدة، ولا يكاد يُعرف من قبل دولة قامت منذ إنشائها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية الجديدة، فإنما تقام الدول أولا، ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور.

    وأدت هذه السياسة الحكيمة إلى قيام جماعة متآلفة متحابة، وإلى ازدياد عدد سكان المدينة حتى زاد عدد سكانها عما كانوا عليه أكثر من خمس مرات، بعد أن أقبل الناس على سكناها؛ طلبا للأمن والعدل في ظل الإسلام، والتماسًا لبركة مجاورة النبي (صلى الله عليه وسلم)، واستجابة لما دعا إليه القرآن من الهجرة إلى الله وإلى رسوله.

    بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة

    كانت الهجرة إلى المدينة ضرورة ملحة فرضتها الأحداث التي أحاطت بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وألزمته السعي إلى مكان آخر تُمارس فيها شعائر الإسلام، وتُطبّق أحكامه، وتنطلق دعوته إلى كل مكان، دون مزاحمة أو تضييق، ومكة حينذاك لم تعد صالحة لهذه الفترة من عمر الرسالة، لأن العداء قد بلغ بها كل مدى ضد الدين الجديد، وأصبحت هناك صعوبة بالغة في استكمال الدعوة التي تحتاج إلى دولة حتى تنجح راسلتها.

    ولم تكن الحبشة التي تنعم بالعدل والأمان تصلح لهذه الفترة؛ نظرا لاختلاف البيئة اللغوية والدينية هناك؛ الأمر الذي جعل حركة الإسلام هناك بطيئة، وبلا فاعلية، ولا تسمح هذه البيئة بالتطبيق؛ ومن ثم لم تكن هناك مدينة في شبه الجزيرة العربية تصلح لاستقبال الدين في الفترة الثانية إلا يثرب التي أُطلق عليها مدينة الرسول.

    من مصادر الدراسة:

    ابن هشام (عبد الملك بن هشام) السيرة النبوية- مطبعة مصطفى البابي الحلبي- القاهرة 1936م.

    حسين مؤنس- دراسات في السيرة النبوية- الزهراء للإعلام العربي- القاهرة 1405هـ = 1984م.

    محمد لقمان الأعظمي- مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول- دار المعالم الثقافية- السعودية 1989م.

    محمد بن محمد أبو شهبة- السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة- القاهرة 1401هـ=1981م.

    أحمد إبراهيم الشريف- الدولة الإسلامية الأولى- دار القلم- القاهرة 1965م.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-03-30
  7. محمداحمد المشرع

    محمداحمد المشرع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-06-18
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    وعلى نفس النمط نواصل

    12 من ربيع الأول 11هـ = 8 من يونيو 632م
    انتقال النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى.

    12 من ربيع الأول 11هـ = 8 من يونيو 632م
    مبايعة المسلمين لأبي بكر الصديق خليفة للمسلمين عقب وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) مباشرة.

    12 من ربيع الأول 562 هـ = 6 من يناير 1163 م
    خروج أسد الدين شيركوه من قبل السلطان نور الدين محمود زنكي في ألفي فارس لفتح مصر، وتقدم حتى صار على مقربة من القاهرة، لكن هذه الحملة لم توفق في مهمتها، وعادت دون أن تضم مصر إلى دولة نور الدين محمود.

    12 من ربيع الأول 1043 هـ = 16 من سبتمبر 1633م

    الدولة العثمانية تمنع استعمال التبغ، وكان التبغ يدخن منذ عام 1605م، وكان علماء الدولة يناقشون شرعيته، وانتهى رأيهم إلى أن التبغ مضر بالصحة، لكنه ليس حراما، وكان التبغ ممنوعا في التدخين حتى في البيت، ورفع هذا الحظر عام 1640م.

    12 من ربيع الأول 1335 هـ = 6 من يناير 1919م
    الشيوعيون في ألمانيا يقومون بثورة عرفت باسم ثورة "السبارتاكوسيين"، ويصطدمون مع القوات الحكومية في برلين، إلا أن الحكومة استطاعت القضاء عليها في نهاية يناير، وقتلت زعيمها "روزالوكسمبورغ".

    12 ربيع الأول 1362 هـ = 17 مارس 1943 م

    الحلفاء يستولون على مدينة قفصة التونسية بعد طرد القوات الألمانية منها أثناء الحرب العالمية الثانية.

    12 ربيع الأول 1398 هـ = 20 فبراير 1978 م
    الحكومة البلجيكية تعترف بالدين الإسلامي كأحد الأديان الرئيسية في البلاد. وكان هذا الاعتراف هو الأول من نوعه في أوربا.

    12 من ربيع الأول 1425هـ= 1 من مايو 2004م
    صحيفة "ديلي ميرور" تعلن أن الجنود البريطانيين ارتكبوا مثلهم مثل الأمريكان جرائم غير أخلاقية ضد المعتقلين العراقيين، ونشرت الصحيفة صورا تظهر هذه الجرائم.

    12 من ربيع الأول 1425هـ= 1 من مايو 2004م
    الرئيس التركماني صابر مراد نيازوف يصدر مرسوما بوقف بناء المساجد في تركمانستان، زاعما أن البلاد بها ما يكفي من المساجد
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-03-30
  9. محمداحمد المشرع

    محمداحمد المشرع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-06-18
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    العظمه الذاتيه لرسول الله

    المشرع






    بداية لا يمكن لأحد مهما كان أن يعدد جوانب العظمة الذاتية في رسول الله صلى الله عليه وسلم لذا اقتصرت على عشرة منها فقط دون بقية الجوانب الأخرى والتي تصل إلى عشرات الجوانب، ولها من النصوص والشواهد القرآنية والنبوية ما يؤكد ذلك وكثير.

    1. أخذ العهد له r على جميع الأنبياء والرسل:

    يقول الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتابٍ وحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتؤمنون به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}.
    وروى أهل التفسير عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس في تفسير هذه الآية بقولهما: "ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمدٌ وهو حيٌ ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمر الله النبي أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث فيهم محمداً -عليه الصلاة والسلام- وهو حيٌ وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه".

    وهذا رفعةٌ وعظمةٌ بين الأنبياء وتعريفٌ وتشريفٌ بين البشرية جمعاء.. إذ هذه مكانة عظيمة، والله جل وعلا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يكون إلا في آخر الزمان، وأنه خاتم الأنبياء.. فإذا جعل الميثاق على كل نبيٍّ بعث أنه يُقرّ ويؤخذ عليه الميثاق إن بُعث محمد وهو حيٌّ، أو بعث في أمته بعد وفاته أن يأخذ العهد والميثاق على الإيمان بمحمدِ صلى الله عليه وسلم وعلى نصرته وأتباعه؟!

    أفلا ترون ذلك عظمةً بين العظماء وهم الرسل والأنبياء؟ أفلا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ودينه وكتابه والأعظم الأكمل، الذي جعل الله عز وجل حكمته مستوفيةً لكل ما أراده من الهداية التامة والكمال في هذه الرسالة، فجعل كل رسل الله وأنبياءه أخذ عليهم العهد، وأمروا أن يأخذوا عليهم أتباعهم وعلى أممهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينصروه.. ولا شك أن هذا وجهٌ ظاهرٌ واضحٌ بيّن.

    2. إعلام أهل الكتاب بصفته r والتعريف به:

    وأهل الكتاب من اليهود والنصارى على وجه الخصوص، وفي رسالة موسى عليه السلام وما أنزله الله عليه من التوراة، وفي رسالة عيسى عليه السلام وما أنزله الله عليه من الإنجيل ذكرٌ مفصلٌ بوصفٍ دقيقٍ وسماتٍ معنوية وأخرى حسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن هذا النبي الذي سيبعثه الله من بعد هو نبي عظيم، ومكانته عالية، وقدره رفيع؛ ومن هنا ذكرت هذه الأوصاف، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}، ما معنى كما يعرفون أبناءهم؟ أي كما لا يشك الرجل أن هذا الابن من صلبه، لعلمه بحاله وحال زوجه، بل قد لا يكون عنده من الجزم بهذا مثل ما عنده من الجزم بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما ذكر من أوصافه الدقيقة في هذه الكتب.

    والله تعالى يقول: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل}، التوراة ليست كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل الإنجيل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، لكن ذكره فيهما مشعٌّ وصفته فيهما ظاهرةٌ فقد روى عبد الله بن عمر بن العاص الحديث الذي يرويه البخاري حين سئل عن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أجل والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن:

    " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين. أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، و(أحمد) اسمه، أهدي به بعد الضلال، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخَمالة، وأُسمّي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيْلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، لا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً".

    ذلك مما هو في الكتب السابقة من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا شك أن ذلك تنويهٌ وإشادةٌ به وتشريفٌ وتكريمٌ له صلى الله عليه وسلم.

    3. ختم النبوات بنبوة محمدٍ r :

    قال تعالى: {ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}.. ودائماً ماذا نقول في حديثنا المعتاد؟ ألا نقول: "ختامه مسك"؟! أليس آخر عملٍ تعمله يكون أكثر إتقاناً وأوضح كمالاً؟!

    ولذلك من وجوه الحكم الجميلة استطراداً أقول ما ذكره ابن القيم رحمه الله في خلق آدم قال: "جعل الله خلق آدم وهو أبو البشر متأخراً عن خلق كثيرٍ من المخلوقات من الملائكة والجن وغيرهم، ولا يكون المؤخر إلا معظماً -وذكر وجوه العظمة في خلق آدم- ورسولنا صلى الله عليه وسلم والأنبياء صفوة الخلق، والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، الله أعلم حيث يجعل رسالته، ومع ذلك هذه الصفوة لا شك أن يكون خاتمها وصفوة الصفوة عليه الصلاة والسلام، ونحن نعلم أن الأخير هو الأكمل، وأن الخاتم هو الأفضل؛ فكانت نبوته، وكانت شخصيته، وكانت عظمته أتم وأكمل شيءٍ في سلسلةٍ ذهبيةٍ مشعةٍ مضيئةٍ من رسل الله وأنبيائه عليهم صلوات الله وسلامهم أجمعين".

    وإن كان سيدنا صلى الله عليه وسلم بتواضعه يقول: (لا تفضلوني على الأنبياء)، ويقول كذلك: (لا تفضلوني على يونس بن متى، لكنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).

    في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري ومسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون لـه، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)، وهذا من وجوه العظمة.

    4. عموم رسالته r :

    عندما يكون هناك إنسان له قدرات معينة مثلاً مدرس متخصص في علوم التاريخ ماذا يدرس؟ يدرس مادة التاريخ، لكن لو قيل لك إن مدرساً معيناً جعلوه يدرس التاريخ والجغرافيا والفيزياء والكيمياء ونحو ذلك، وقالوا لك: إنه جيد! ماذا ستقول عنه؟ ستقول إنه رجلٌ عظيم لأنه استطاع أن يفعل هذا كله، أو يستطيع أن يقوم بمهماتٍ عديدة لا يقوم بها إلا أشخاصٌ كثر..

    يقول الله تعالى في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته: {وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيرا} وقال تعالى {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} أي بعثه الله إلى الثقلين من الإنس والجن منذ بعثته وإلى قيام الساعة.. كل البشر منذ بعثته إلى قيام الساعة هم من أهل أمة الدعوة التي توجه إليها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعون إلى الإسلام وإلى القرآن، وإلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    في حديث جابر بن عبد الله المشهور قال عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي: كان كلّ نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كلّ أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد من قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا أو مسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة).

    إذن لن تكون هذه المهمة الواسعة لكل الناس، وليست لقومٍ معينين، ولا لوقعة معينة إلا لمن له عظمةٌ تتناسب مع هذه المهمة الكبيرة التي لا تحدها الجغرافيا، ولا يقطعها الزمن، ولا تتعلق ببيئةٍ، ولا بلغةٍ ولا بثقافةٍ؛ بل رسالةٌ شاملةٌ عامةٌ أنيطت بخير الخلق صلى الله عليه وسلم وهو لها أهلٌ، ولعظمتها كان هو كذلك عظيماً كعظمة ما أسنده الله عز وجل إليه، وما كلفه به وابتعثه لأجله في هذه البشرية.

    5. الأقسام الربانية المتعلقة بالمصطفى r :

    وهذه وجوه عظمةٍ لم تكن لأحدٍ من الخلق إلا له عليه الصلاة والسلام.. أقسم الله بحياته فقال جل وعلا: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمون}. قال ابن عباسٍ رضي الله عنه: "ما حلف الله تعالى بحياة أحدٍ إلا بحياة محمدٍ صلى الله عليه وسلم"، ثم ذكر هذه الآية. رواه البيهقي عن ابن أبي شيبة.

    وكلنا ندرس في التفسير: {والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها} فهذا قسمٌ، والله عز وجل له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، ولا شك أن هذا القسم لفت نظرٍ إلى تعظيم هذه المخلوقات التي قسم الله بها.. فكيف وهو يقسم بحياة محمدٍ صلى الله عليه وسلم إن ذلك دلالة تعظيمٍ لهذه الحياة ولصاحبها عليه الصلاة والسلام.

    وأقسم الله عز وجل ببلده قال سبحانه وتعالى: {لا أقسم بهذا البلد * وأنت حلٌ بهذا البلد}.

    وأقسم الله سبحانه وتعالى له - أي للأمور المتعلقة به - كما في قوله: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إذا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى }.

    هذا القسم كان لنفي القطيعة التي زعمتها قريش عندما فتر الوحي قليلاً في أول ما نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وأيضاً قوله تعالى: {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى}.

    الأمر أيضا بعد القسم متعلقٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك وجوه عظمةٍ لا تخفى ولا تحتاج إلى تعليق.

    6. رفع ذكره وتقدير جسمه r:




    والله جل وعلا قال: { ورفعنا لك ذكرك }، قال القاضي عياض في [الشفاء في حقوق المصطفى] كلامًا نفيساً جميلاً، معناه: "أي فلا يذكر الله جل وعلا إلا وتذكر معه"؛ فنحن إذا جئنا لندخل في الإسلام أو لنذكر الشهادة قلنا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله هذا ذكر ليس فيه مقارنه محمد عليه السلام عبد الله ورسوله، لكن إذا ذكرنا توحيد الله وإخلاص العبادة ذكرنا نبوة ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم إذا جئنا في الصلاة نصلي فنذكر الله، ثم نصلي بالصلاة الإبراهيمية فنذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكاد تجد ذكراً إلا وفيه ذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يمر بك - أيها المسلم - يومٌ إلا وأنت تذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام.. في الأذان تذكره، في الصلاة تذكره، في كثيرٍ من الأذكار تذكره.. كلما ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم صليت عليه مع من يصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام.. فذكره مما لا يكاد ينقطع منه المسلم بحالٍ من الأحوال، وهذا من عظمة ما أكرم الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والتقديم لاسمه إذا ذكر الأنبياء -كما هو في القرآن- فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام مذكورٌ في مقدمتهم، كما في قوله جل وعلا: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب...} إلى آخر الآية.

    وكذلك: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوحٍ وإبراهيم وموسى وعيسى}.

    هؤلاء الذين هم أولو العزم من الرسل ذكر في مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    7. التكفّل الرباني بالحفظ المتعلق به:

    وقد جاء الحفظ له، وجاء الحفظ لكتابه، ولسنته صلى الله عليه وسلم..

    أما الحفظ له -عليه الصلاة والسلام- فقد قال جل وعلا: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}.

    كان النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر يحرسه حرسٌ من الصحابة، يتناوبون حراسته ليلاً ونهاراً؛ خوفاً عليه من الأعداء، فلما نزلت هذه الآية رفع الحرس.

    ومن لطائف ما ذكر من محبة وتعظيم الصحابة -وإن كنت سأذكر ذلك لكن فيما خطر الذهن قد يكون أحياناً أولى- لما قفل النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر، وتزوّج صفية بنت حيي بن أخطب -زعيم اليهود الذي كان من ألدّ أعداء الإسلام وقتل- فلما بنى النبي عليه السلام بهذه الزوجة -من أمهات المؤمنين- كان في طريق عودته إلى المدينة، وعملت له قبة فدخل عليها، فلما أصبح الصبح نظر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عند قبته أبو أيوب الأنصاري قائمٌ بسيفه، قال: ما لك يا أبا أيوب؟! قال: والله يا رسول الله خشيت عليك هذه المرأة؛ قد قتل أبوها وأخوها وقومها فخشيتها عليك يا رسول الله!

    فنزلت هذه الآية: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}.

    الرسول عليه السلام يأتيه وحي مسدد، لكن الصحابة كانت قلوبهم معلقة به عليه الصلاة والسلام فخافوا عليه ذلك لذا نزلت هذه الآية؛ فكانت عصمةً لرسول الله عليه الصلاة والسلام.

    ثم كذلك نعلم جميعاً قول الله سبحانه وتعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون}.

    وكلنا نعلم كذلك حفظ الله جل وعلا لكتابه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، وحفظ السنة التي تشرح القرآن تبعٌ لذلك، وهذا لم يكن إلا لرسولنا صلى الله عليه وسلم..

    الرسل السابقين؛ وخاصةً أهل الكتاب الله عز وجل قال: {والربانيون والأحبار بما استحفظوا عليه من كتاب الله}.

    ما معنى ذلك؟ الأحبار أوكل إليهم حفظ كتاب الله فما الذي جرى؟

    {واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون}.. أما كتاب الله الذي أنزله الله على رسوله عليه الصلاة والسلام وهو القرآن فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.

    8. ربط الإيمان برسول الله r وبطاعته ومبايعته لله رب العالمين:

    فإذا ذكر الإيمان بالله ذكر معه الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله}. وقوله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته}.

    وفي الطاعة قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله}.

    والمبايعة قول الله عز وجل: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم}.

    وهذا وجوه عظمةٍ واضحةٍ وبينة.

    9. التوقير الرباني في ندائه ومخاطبته r :

    الرسل والأنبياء في القرآن ذكروا بالنداء بأسمائهم.. قال تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}، وقوله تعالى: {يا نوح اهبط بسلام منا وبركات}، وقوله تعالى: {يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا}.

    هل تقرؤون في القرآن "يا محمد"؟ أبداً!

    بل قال تعالى: { يا أيها النبي.. } وقال تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك {، وقال جل شأنه: {يا أيها النبي قل لأزواجك.. }، خطاب الله جل وعلا لرسوله كان فيه ذلك الوجه التعظيمي الذي فيه دلالةٌ على عظمة قدر رسول الله عليه الصلاة والسلام.. فإذا كان الخطاب الرباني كلام رب العالمين -سبحانه وتعالى- يظهر فيه هذا التعظيم، فأي تعظيمٍ أعظم من تعظيم الله سبحانه وتعالى؟! وأي مكانةٍ ومنزلةٍ يمكن أن تستنبط بأكثر مما تستنبط من الآيات القرآنية التي تنزلت في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في نداءه ومخاطبته؟!

    10. الإجابة والدفاع عنه r :

    إذا قرأتم الآيات في شأن الرسل والأنبياء تجدون أقوال خصومهم والذين عارضوهم والملأ الذين خالفوهم ثم يأتي الرد على لسان النبي نفسه -على سبيل المثال- قال قومٌ: {إنا لنراك في ضلالٍ مبين * قال يا قومي ليس بي ضلالةٌ ولكني رسولٌ من رب العالمين}.

    ولو قرأتم في سورة هود، وفي سورة الأعراف قصص الأنبياء لرأيتم أقوال الكافرين والجاحدين والمناوئين، وردود الرسل والأنبياء عليهم.. لكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت الأقوال عنه، والرد لم يأت منه، وإنما الردّ من الله عز وجل الذي ردّ عنه، والذي أجاب عنه، والذي دافع عنه هو الله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: {وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطانٍ رجيم * فأين تذهبون * إن هو إلا ذكرٌ للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم}.

    وكذلك في سورة الحاقة كما تقرءون كل الآيات.. فيها الرد والإجابة الربانية في آيات الله عز وجل إشارةً إلى رفعة ومكانة وقدر وعظمة رسول الله عليه الصلاة والسلام
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-03-30
  11. محمداحمد المشرع

    محمداحمد المشرع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-06-18
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    صفة الابوه عند رسول الله

    كان النبي صلى الله عليه وسلم ذروة في كل وحدة من وحدات الحياة وفي كل أمر فيها. وعندما يريد الناس البحث عنه يجب ألا يبحثوا عنه في مستواهم ولا في مستوى عظماء عصره، بل عليهم أن يبحثوا عنه في أعلى الذرى وأن يطيروا بخيالهم فوق هذه الذرى لكي لا يخطئوا فيقصروا في فهم قدره الحقيقي. أجل، من أراد البحث عنه، عليه أن يبحث عنه في أُفقه، وليس بين كل مستويات الأشخاص العاديين من أمثالنا، ذلك لأن الله تعالى وهبه قابليات كبيرة في كل ساحة.

    عاش فخر الإنسانية مثل شمس ساطعة ثم غرب، فلم تر الإنسانية مثيلا له من قبل، ولن تراه من بعد، وكما لم تر الإنسانية هذا، كذلك لم يره معاصروه والقريبون منه، وربما لم يدرك الكثيرون آنذاك غروبه إلا بالوحشة التي أحسوها في قلوبهم بعده، كمثل الزهرة المتعلقة حياتها بضوء الشمس لا تحس بغروب الشمس إلا بعد إحساسها بالذبول جراء انقطاع ضوء الشمس عنها.. أحسوا بالوحشة ولكن الأمر كان قد فات وانقضى.. ومن الطبيعي أن عدد من يفهمونه ويعرفونه في أمته يزداد يوما بعد يوم، وعلى الرغم من مرور 14 قرنا فلا نزال نقول “أُمُّنا” لخديجة، ولعائشة ولأم سلمة ولحفصة رضي الله عنهن جميعا، ونحس بلذة وببهجة من هذا القول أكثر من لذتنا عندما نخاطب أمهاتنا، ولا شك أن الشعور بهذه اللذة وبهذه البهجة كان أعمق في ذلك العهد وأكثر حرارة وإخلاصا، وذلك من أجله صلى الله عليه و سلم، لذا.. نرى أبا بكر رضي الله عنه يخاطب ابنته عائشة قائلا لها: "يا أمي" لأن الآية الكريمة تقول {وأزواجه أمهاتهم} (الأحزاب: 6). نعم، لقد كان أبو بكر رضي الله عنه يقول لابنته التي رباها في حجره "يا أمي".

    كل هذا الحب وهذا التقدير الذي أحاط بهن لم يكن يجدي في إزالة حزنهن وألمهن من فراقه صلى الله عليه و سلم، ولم تستطع الأيام الحلوة التي أتت بعد أيام الفتوحات أن تقلل هذا الحزن العميق في قلوبهن.. بل استمر هذا الحزن حتى غروب حياة كل واحدة منهن، وكما كان زوجا مثاليًّا لزوجاته، فقد كان أبا مثاليًّا أيضا.. وعلى المقياس نفسه كان جدَّ مثاليٍّ لا يوجد له نظير أو شبيه.

    كان يعامل أولاده وأحفاده بحنان كبير، ولم يكن ينسى وهو يعطي كل هذا الحنان أن يوجه أنظارهم إلى الآخرة وإلى معالي الأمور، كان يضمهم لصدره ويبتسم لهم ويداعبهم، ولكنه في الوقت نفسه لم يكن يغض طرفه عن أي إهمال لهم حول شئون الآخرة، وكان في هذا الأمر واضحا جدا وصريحا جدا، ووقورا ومهيبا وجادًّا فيما يتعلق بصيانة العلاقة بينه وبين خالقه.

    فمن جهة كان يعطي الحرية لهم ويرشدهم إلى طرق العيش بشكل يليق بالإنسان، ومن جهة أخرى كان لا يسمح بانفلات الانضباط أو سلوك طريق اللامبالاة. ويبذل كل جهوده وبكل دقة لمنع إصابتهم بأي تعفن خلقي، ويهيئهم لعوالم علوية وللحياة الأخروية، وفي أثناء هذه التربية كان الرسول صلى الله عليه و سلم يحذر من الوقوع في الإفراط أو التفريط، بل يختار الطريق الوسط ويمثل الصراط المستقيم، وكان هذا بُعدا آخر من أبعاد فطنته.

    1. شـفـقـتـه على أولاده وأحـفاده

    روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدم رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر سنين أنه قال: "ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه و سلم".[1] أجل، كان يتصرف بشفقة ورحمة وعن عاطفة حقيقية نابعة من صميم قلبه بحيث لم يكن بوسع أحد أن يكون مثيلا له لا في مجال رئاسته للعائلة ولا في مجال أبوته.

    ولو كان هذا كلاما صادرا منا فقط لكان من الممكن بقاء أهميته محدودة، إلا أن الملايين من أمته التي تعمقت الرحمة والشفقة في قلبها إلى درجة التورع عن إيذاء نملة.. هذه الملايين كلها تعلن وتعترف بأنه لم يكن هناك مثيل له صلى الله عليه و سلم في احتضانه الوجود كله بشفقته ورحمته، صحيح أنه خلق بشرا من البشر، ولكن الله تعالى ألهمه ووضع في قلبه عاطفة الاهتمام بالوجود كله لكي يوطد علاقته مع الناس أجمعين، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مشحونا بعاطفة قوية وباهتمام كبير تجاه أفراد بيته وتجاه الناس الآخرين وكل شيء في الكون.

    وتوفي أولاده الذكور في حياته،[2] وقد ولدت له أمنا مارية رضي الله عنها ولدا ذكرا فتوفي كذلك، وكان هذا آخرهم، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخصص لهم وقتا من بين مشاغله الكثيرة والمهمة فيذهب إلى مرضعة ابنه ويحتضن ابنه ويقبله ويداعبه ويشمه ويظهر له علامات حبه له،[3] وعندما توفي ابنه احتضنه أيضا وقد ملأت الدموع عينيه، ثم قال وهو ينظر إلى المستغربين لحزنه: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.» وفي حديث آخر: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا» وأشار إلى لسانه.[4]

    لقد كان –صلى الله عليه وسلم- أرحم الناس وأكثرهم شفقة وحنانا، فكان الحسن والحسين رضي الله عنهما يركبان على ظهره ويطوف بهما أرجاء المنزل أو في المسجد، هل تتصورون شخصا في هذا المستوى يأخذ حفيده على ظهره ويكون لهما فرسا أمام الآخرين..؟ أما هو فكان يفعل هذا وكأنه كان يريد إظهار وإعلام الموقع الممتاز الذي سيناله كل من الحسن والحسين رضي الله عنه، وفي أحد الأيام وبينما كان الحسن والحسين رضي الله عنه على ظهره دخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لهما: نِعْمَ الفرس تحتكما، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم: «نعم الفارسان هما.»[5]

    يجوز أن الحسن والحسين رضي الله عنهما فهما ما قاله أو لم يفهما؛ ولكنه كان يمدحهما هكذا، وفي إحدى المرات عندما قال أحدهم للحسن رضي الله عنه وهو على عاتق النبي صلى الله عليه و سلم: يا غلام! نعم المركب ركبت. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ونعم الراكب هو.»[6] وعن جابر قال: دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وهو يمشي على أربعة وعلى ظهره الحسن والحسين رضي الله عنهما وهو يقول: «نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما.»[7]

    ولا شك أن لجميع أهل البيت ولجميع الأولياء نصيب من هذا الاهتمام، لقد كانت هذه هي منزلة أولاده وأحفاده عنده، فدخل حبه إلى قلوبهم وأصبح مظهرًا وموضعًا لحب يتجاوز علاقة الأبناء والأحفاد.

    2. التوازن الجم في التربية:

    وكما كان صلى الله عليه و سلم في جميع الأمور وسطا، فقد سلك رسول الله صلى الله عليه و سلم الطريق الوسط في موضوع تربية الأطفال، فقد كان يحب أولاده وأحفاده حبًّا جمًّا، ويُشعِر هذا الحب لهم، ولكنه لم يكن يسمح بأي استخدام سيء لهذا الحب، هذا علما بأنه لم يكن يوجد بين أولاده وأحفاده من يحاول هذا أصلا، غير أنه عندما يقومون بتصرف خاطئ من دون عمد نرى مِن تصرّف رسول الله صلى الله عليه و سلم وكأن ضبابا من الوقار لف هذا الحب العميق.

    وبسلوك ملأه الدفء يسعى لمنعهم من التجول في مناطق الشبهات؛ فمثلا مد الحسن رضي الله عنه -وهو طفل صغير- يده إلى تمر صدقة، فأسرع رسول الله صلى الله عليه و سلم وانتزع تلك الثمرة من فيه قائلا له: «أما علمتَ أن الصدقة لا تحل لآل محمد.»[8] فقد رباهم منذ الصغر على التوقي من الحرام وإبداء منتهى الحساسية في هذا الموضوع، وهذا من أفضل الأمثلة على إقامة التوازن التربوي منذ الصغر، وفي كل مرة كان يدخل فيها المدينة كنت تراه وقد ركب معه على مركبه بعض الصبيان ملتفين حوله،[9] فلم يقصر رسول الله صلى الله عليه و سلم حبه على أولاده وعلى أحفاده فحسب، بل على أولاد وصبيان جيرانه وغير جيرانه أيضا.

    لم يكن أولاده الذكور وأحفاده هم الداخلين فقط ضمن دائرة حبه وحنانه، فقد كان يحب حفيدته أُمامة مثلما يحب حفيده الحسن أو الحسين رضي الله عنه فكثيرا ما شوهد وهو يخرج من البيت وعلى كتفه أُمامة، وكان يحملها أحيانا على ظهره وهو في صلاة النافلة فإذا ركع وضعها على الأرض وإذا قام رفعها،[10] كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يظهر حبه لأُمامة في مجتمع كان الناس فيه حتى عهد قريب يئدون البنات، لذا.. كان هذا التصرف منه تصرفا جديدا غير مسبوق من قبل أحد آنذاك.

    3. حـبـه وحنانه تجاه فاطمة رضي الله عنها

    ليس في الإسلام تفاضل بين الذكر والأنثى، وهذا هو ما أظهره الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، ففاطمة هذه كانت ابنته وأم أهل البيت حتى يوم القيامة وهي والدتنا، كانت فاطمة عندما تقبل على رسول الله صلى الله عليه و سلم وتزوره يقوم لها ويأخذ بيدها ويجلسها بجانبه ويسأل عنها وعن أحوالها ويظهر حبه لها، وعندما تقوم يقوم معها ويودعها بكل لطف.[11]

    رغب علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرة في الزواج من بنت أبي جهل، صحيح أن هذه المرأة كانت قد دخلت الإسلام مثل أخيها عكرمة فالتحقت بقافلة النور؛ ولكن هذا الزواج كان من الممكن أن يضايق فاطمة رضي الله عنها، ويجوز أن عليا رضي الله عنه لم يخطر على باله قط أن فاطمة يمكن أن تستاء من مثل هذا الزواج، ولكن عندما أتت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره بالأمر وتظهر حزنها حتى همه أمرها صعد المنبر وقال: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها.» .[12]وكان علي رضي الله عنه من بين المستمعين فتراجع عن نيته تلك وعاد إلى فاطمة رضي الله عنها.[13]

    ولا شك أن عليا رضي الله عنه كان يعز بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم معزة كبيرة، وكانت فاطمة رضي الله عنها تعرف هذا جيدا لذا، كانت تحبه أكثر من نفسها، والحقيقة أن هذه المرأة الرقيقة كانت تبدو وكأن وظيفتها في الحياة هي أن تكون بذرة لكل الأولياء والأصفياء، فكان جل اهتمامها منصبا على والدها وعلى دعوته، وعندما أخبرها والدها -وهو في أواخر أيام حياته- بأنه سيتوفى سبحت في بحر من الدموع، ولكن عندما أخبرها بأنها ستكون أول من يلتحق به غمرها الفرح والحبور.[14]

    أجل، لقد كان والدها يحبها كثيرا وكانت بدورها تبادله الحب العميق. ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان عندما يحبها يعرف كيف يحفظ التوازن ويعدُّها لكي يوصلها إلى العالم الذي يجب أن ترتفع الأرواح وتسمو إليه، ذلك لأن الرفقة الأبدية لا تكون إلا هناك، ولم يترافق رسول الله صلى الله عليه و سلم وابنته في الحياة سوى خمسة وعشرين عاما، إذ توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد ستة أشهر فقط من وفاة والدها، وكان عمرها آنذاك خمسة وعشرين عاما فقط.[15]

    4. تـهـيـئـة أولاده للحياة الأبدية

    كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يطلب الحياة الأبدية، أي يطلب ما تطلبه الفطرة التي أودعها الله في الناس جميعا... أجل، إن الإنسان للخلود، وليس في الإمكان إشباع هذا الإنسان إلا بالحياة الخالدة، وصاحب هذه الحياة الخالدة لا يطلب شيئا غيرها، وسواء أشعر بذلك أم لم يشعر فإنه لا يطلب غيرها ولا يرغب في سواها، ومهما أعطيت هذا الإنسان فلن تستطيع إشباعه إلا عندما تعطيه الحياة الخالدة... ذلك لأن للإنسان آمالا لا نهاية لها ورغبات لا تحد ولا تحصى، لذا فلن تستطيع إشباع هذا الإنسان مهما أعطيته، وهذا هو السبب في أن أساس رسالات جميع الأنبياء والمرسلين قائم على هذا النظام ذي البعد الأخروي، وعلى هذا الاعتبار فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم بينما كان يحمل لهم باقات السكينة والطمأنينة فإنه لم يكن ليهمل أبدا تهيئتهم للسعادة الأبدية والطمأنينة الأبدية، ويمكن رؤية هذا بكل وضوح في الحادثة التالية:

    جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي عنقها سلسلة من ذهب فقال لها: «يا فاطمة! أيغُرُّكِ أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار.» ثم خرج ولم يقعد، أجل.. فمن جهة كان يعزها، ومن جهة أخرى كان يعدها للحياة الأخروية الخالدة ويوجهها نحو الله وتكملة الحادثة هي: فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما فأعتقته، فحُدِّث بذلك فقال: «الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار.»[16]

    أجل.. ليس من السهل أبدا أن تكون أما للأولياء وللأصفياء وللأبرار وللمقربين، لذا.. فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر حساسية في هذا الخصوص تجاه بيته وأكثر حزما.

    فبتصرفه هذا كان -بجانب رأفته بهم وحنانه عليهم- يريد أن يوجه أنظارهم إلى عالم الآخرة، ويسد أمامهم جميع أبواب ونوافذ الشر أو الإثم أو السوء مهما صغر؛ لكي يقصروا همهم على الآخرة ولسان حاله يقول لهم: يجب أن يكون الله غايتكم، إذ سيظهر من أمته من يقول بقول الشاعر:

    “هذه الجنة التي يذكرونها
    قصور عدة.. وبضعة حوريات
    أعطها لمن يريدونها
    أما أنا فأنت مُنايَ.. أنت”

    ويقضون أعمارهم كلها تحت ألوان وفي ظلال هذه الحياة الأخروية. لذا، كان الرسول صلى الله عليه و سلم يبعد كل من يحبه -نتيجة طبيعية لهذا الحب- من قاذورات الدنيا ويطهرهم منها، ويحوّل نظرهم واهتمامهم إلى العوالم العلوية ويهيئهم لرفقته هناك «لأن المرء مع من أحب.»[17]

    فإذا كنت تحب محمدا صلى الله عليه و سلم فستسلك طريقه، وإذا سلكت طريقه كنت معه في الآخرة، وهكذا فالرسول صلى الله عليه و سلم بجانب حبه لهم كان يهيئهم لرفقته هناك، أجل.. هناك حب، وهناك رأفة ولكن لا محل لأي تراخ في أي أمر من أمور الآخرة... وهذا هو الصراط المستقيم... الصراط الوسط، أفضل وأعدل طريق... طريق على رأسه رسول الله صلى الله عليه و سلم.

    وجانب آخر من جوانب نظام تربيته يعرضه علينا الإمام البخاري ومسلم رضي الله عنه وذلك رواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن فاطمة رضي الله عنها شكت ما تلقى من أثر الرحى فأتى النبيَّ صلى الله عليه و سلم سَبْيٌ فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشةَ فأخبرتها فلما جاء النبي صلى الله عليه و سلم أخبرته عائشة بمجيئ فاطمة فجاء النبي صلى الله عليه و سلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبتُ لأقوم فقال: «على مكانكما» فقعد بيننا حتى وجدتُ برد قدميه على صدري وقال: «ألا أُعلِّمكما خيرا مما سألتماني: إذا أخذتما مضاجعكما تُكَبِّرا أربعا وثلاثين وتُسَبِّحا ثلاثا وثلاثين وتحمدا ثلاثا وثلاثين فهو خير لكما من خادم.»[18]

    أي أنني أوجه نظركِ إلى العالم الأخروي، فلكي تصلي وتكوني معي في ذلك العالم أمامك طريقان: الأول هو عدم التقصير في أداء وظيفة العبودية تجاه ربك، والثاني القيام بإيفاء وظيفتك تجاه زوجك، فلو قام الخادم بإيفاء بعض الخدمات لزوجك من الخدمات التي كان من المفروض عليك أداؤها فذلك يعني أن هناك نقصا ما عندك، علما بأن عليك أن تكوني ذات جناحين، لذا.. عليك أن تُفَتشي عما يجعل الإنسان عبدا كاملا لله، وكيف يكون إنسانا كاملا يؤدي كل وظائفه دون قصور.

    كوني أولا أمة [19] كاملة لله وأدي كل وظائف العبودية تجاهه، ثم كوني إنسانة كاملة بإيفائك جميع وظائفك تجاه زوجك عليّ الذي يحمل في صلبه كل المقربين من أهل الله حتى يوم القيامة.. اعملي هذا لكي تكوني في الجنة التي هي مكان كل الأخيار.

    وفي الحقيقة فإن الله تعالى فعل الشيء نفسه بالنسبة لرسول صلى الله عليه و سلم ورباه على هذا النحو، إذ مات والده قبل أن يأتي -صلى الله عليه و سلم- إلى الدنيا، وعندما فتح بصره على العالم لم يجد أبا يستند إليه ويستمد المعونة منه، وعندما بلغ السادسة من عمره فقد السند الآخر له، وفتح أمامه منذ بداية حياته الطرق المؤدية إلى نور التوحيد وإلى سر الأحدية.

    صحيح أن هناك فترة حماية عبد المطلب له، إلا أن هذه لم تكن سوى ستار العزة والعظمة الإلهية [20] من جهة وشرف للحامي، ولكن هذه الحماية لم تكن تعني من ناحية الأسباب شيئا يذكر، لأن الحماية الظاهرية لأبي طالب -فيما بعد- لم تكن تتجاوز حماية الشخص لابن أخيه والوصاية عليه [21] هكذا تعامل الله تعالى معه، إذ سحب جميع الأسباب لكي يوجهه إليه وحده ولكي يظهر عنده سر الآية الكريمة {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} (الممتحنة: 4)، فعليه أن يثق بالله ويعتمد عليه.

    كانت فاطمة رضي الله عنها ابنته، لذا كان عليه أن ينقل لابنته التربية التي تلقاها من الحق تعالى وأن يوجه نظرها إلى الله وحده وإلى الحياة الأخروية.

    5. الـجـو العام للتربية في بيته الـكريم

    كان الطابع العام الذي يسري في جو بيته الكريم هو التقوى والخشية، فهذا الجو كان يسري في كل حركة وسكنة فيه، فمن استطاع مشاهدة نظرات رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى فيها غبطة الوصول إلى الجنة وخشية الوقوع في النار، ومن رآه في صلاته رآه يرتجف أحيانا إلى الأمام وأحيانا إلى الخلف مهتزا من خشية الله أو متولها بالشوق إليه.. كانت هذه هي المناظر المشاهدة من حياة هذا البيت؛ فمن رآه تذكر الله تعالى، ينقل النسائي الحديث التالي عن مُطَرِّف عن أبيه قال: “أتيت النبي وهو يصلي ولجوفه أَزِيز كأزيز المِرْجَل”، يعني يبكي.[22]

    كان –صلى الله عليه وسلم- دائم البكاء في الصلاة متجها بأعماق قلبه إلى الله، وكم من مرة افتقدته أمنا عائشة رضي الله عنها فوجدته وهو ساجد يسبح الله تعالى في خشوع،[23] ومن البديهي أن حاله هذه كانت تؤثّر على أهل بيته تأثيرا إيجابيا وقويا من الناحية التربوية، فقد سرى هذا الخشوع والتقوى والخوف من الله إلى نسائه وأولاده، ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعيش ما يقوله ويقول ما يعيشه، وليس هناك أحدا استطاع أن يؤثر بسلوكه المطابق لفكره مثلما أثر الرسول صلى الله عليه و سلم في بيته، ولو جمع كل علماء النفس وعلماء التربية كل معلوماتهم من جميع النظم التربوية واستخدموها بأجمعها في تعبئة عامة لما استطاعوا أن يقتربوا في تأثيرهم إلى مستوى التأثير الذي أحدثه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بيته.

    أجل.. لقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعبر بتصرفاته وسلوكه عما يريد أن يبلغه للناس ثم يترجم تصرفاته وسلوكه إلى الناس ويبلغها ويفهمها لهم... يريهم كيف تكون الخشية من الله وكيف تؤدى السجدة بكل خشوع وخضوع، وكيف يكون الركوع، وكيف يكون الجلوس للتحيات، وكيف يبتهل إلى الله في ظلمة الليل، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعل هذا في بيته وعندما يكون بين أصحابه يرشدهم كيف يتصرفون وكيف يربون أطفالهم وكيف يكونون مرآة للحق وللحقيقة في كل أمر، فتجد أقواله صدى حسنا في بيته وبين أصحابه وتدخل إلى قلوبهم وتتشربها نفوسهم.

    لقد كان صلى الله عليه وسلم -قبل كل شيء- أبا وجدا لا نظير ولا مثيل له، وقد يبدو لنا هذا أمرا بسيطا من الناحية الاجتماعية، إلا أنه في الحقيقة من أصعب العقبات التي يجب على الإنسان تخطيها، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمام صفوف الأُول من الذين تخطوا هذه العقبات بنجاح، فأصبح أفضل أب وأفضل جد، ثم إنه ربى أولادا وأحفادا جاء من صلبهم معظم رجال السلسلة الذهبية في التأريخ الإسلامي، من الذين كانوا شموسا وأقمارا ونجوما هادية، وهذا الأمر دليل آخر من دلائل نبوته صلى الله عليه و سلم، إذ مهما كان الإنسان ذكيا وعبقريا فليس باستطاعته أن يكون مربيا بهذا المستوى الرفيع.


    --------------------------------------------------------------------------------

    * عن كتاب: النور الخالد محمد مفخرة الإنسانية -(بتصرف)- الصادر عن دار النيل للطباعة والنشر/ إستانبول – تركيا

    ** من أشهر الدعاة في تركيا وواحد من أبرز المنظِّرين للفكر ‏الدعوي بها، ولد في 27 نيسان عام 1941 في قرية صغيرة تابعة لقضاء (حسن قلعة) المرتبطة بمحافظة أرضروم، وهي قرية كوروجك ونشأ في عائلة متدينة، وكان والده (رامز أفندي) شخصا مشهودا لـه بالعلم والأدب والدين.

    [1] مسلم، الفضائل، 63؛ «المسند» للإمام أحمد 3/112
    [2] «البداية والنهاية» لابن كثير 5/328
    [3] مسلم، الفضائل، 63؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/161
    [4] البخاري، الجنائز، 44، 45؛ مسلم، الفضائل، 62، 63، الجنائز، 12؛ ابن ماجة، الجنائز، 53؛ «المسند» للإمام أحمد 3/193؛ أبو داود، الجنائز، 24
    [5] «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/182
    [6] «كنز العمال» للهندي 13/650
    [7] «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/182
    [8] البخاري، الزكاة، 57؛ مسلم، الزكاة، 161؛ «المسند» للإمام أحمد 2/279
    [9] انظر: «حياة الصحابة» للكندهلوي 2/688-689
    [10] البخاري، الأدب، 18؛ مسلم، المساجد، 41-43
    [11] مسلم، فضائل الصحابة، 98؛ البخاري، المناقب، 25؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/203
    [12] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 16؛ مسلم، فضائل الصحابة، 93
    [13] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 16؛ مسلم، فضائل الصحابة، 93
    [14] مسلم، فضائل الصحابة، 98، 99؛ البخاري، المناقب، 25
    [15] البخاري، فرض الخمس، 1؛ مسلم، الجهاد، 52؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/211؛ «الطبقات الكبرى» لابن سعد 8/29؛ «الإصابة» لابن حجر 4/379
    [16] النسائي، الزينة، 39؛ «المسند» للإمام أحمد 5/278 ويرجى مراجعة فتوى: الذهب بين النساء والرجال
    [17] البخاري، الأدب، 96؛ مسلم، البر، 165
    [18] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 9؛ مسلم، الذكر، 80، 81؛ أبو داود، الأدب، 100
    [19] أمة: عبدة. (المترجم)
    [20] يريد المؤلف أن يقول إن قدرة الله تعالى لا تظهر ظهورا واضحا في الحوادث، بل يجعل الله بينها وبين هذه الحوادث ستارا، وهو ستار الأسباب. (المترجم)
    [21] انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام 1/262
    [22] النسائي، السهو، 18؛ أبو داود، الصلاة، 107؛ «المسند» للإمام أحمد 4/25-26
    [23] مسلم، الصلاة، 221؛ النسائي، عِشْرَة النساء، 4







     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-03-30
  13. محمداحمد المشرع

    محمداحمد المشرع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-06-18
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    بدء دعوة رسول الله نجاحات واسرار

    دعونا بداية نتساءل كيف بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة؟ وبمن بدأ؟ ومن هم الذين اختارهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليبدأ بهم؟ حتى يمكننا الوقوف على بعض الأسرار الهامة التي يمكننا الاستفادة بها في حياتنا؟.

    لم يكن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم عشوائيًّا في اختيار من يدعوه، بل كان هناك منهج واضح يسير عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن نعرف منهج النبي صلى الله عليه وسلم لا بد من سؤال. هل يؤمن الإنسان بقلبه أولاً أم بعقله؟ هل يحبك أولاً، ثم تقدم له الحجة بعد ذلك أم تقدم له الحجة أولاً؟.

    الحب أولاً ثم الحجة

    الحب والحجة في غاية الأهمية، لكن من الصعب جدًّا على الإنسان أن يقبل فكرة ما حتى ولو كانت هذه الفكرة صحيحة ومقنعة من إنسان يبغضه، ولا يحبه، وقد يدخل في جدل عقيم وحوار طويل قد لا يأتي بخير، بينما على الجانب الآخر يتقبل كثيرًا من الأفكار ممن يحب وقد تكون هذه الأفكار غريبة.

    إن الفكرة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم فكرة صحيحة ومقنعة، وإذا فكر فيها عقل سليم لا بد أن يقبلها، ورغم ذلك فهذه الفكرة غريبة على أهل مكة، فقد مرّ من عُمْر الأرض أكثر من ستمائة عام، لم يخرج فيه نبي، جاء النبي صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل.

    وقد ملك الاستغراب عقول الناس من فكرة التوحيد على بساطتها ووضوحها، أو أن يكون هناك رسول من البشر، يقول صلى الله عليه وسلم:

    "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ".

    كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقريش وللناس كلهم وللعالم أجمع، ولكن في هذا الوقت بمن يبدأ صلى الله عليه وسلم؟ لا بد أن يبدأ بمن يقبل الفكرة دون تردد؛ ليكوِّن قاعدة عريضة يستطيع من خلالها نشر هذا الدين بين أوساط المجتمع كله. وكان أكثر الناس حبًّا له أكثرهم قبولاً للفكرة.

    وهذا منهج لأهل الأرض جميعًا ودرسًا نتعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نسير في الدعوة إلى الله.

    دعوته صلى الله عليه وسلم للسيدة خديجة

    بحث النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر الناس حبًّا له وبدأ بدعوتهم، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم أولاً إلى زوجته الصالحة السيدة خديجة رضي الله عنها فمن المؤكد أنها أول من آمن على ظهر الأرض، فهي التي كانت تتابع مع النبي صلى الله عليه وسلم أحداث الوحي، فهي التي ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وعرفت أن هذا جبريل عليه السلام الناموس الذي ينزل على الأنبياء إلى أن نزل قوله تعالى [قُمْ فَأَنْذِرْ] {المدَّثر:2}.

    فآمنت السيدة خديجة رضي الله عنها، ومن الممكن أن نقول إنها آمنت قبل التصريح بالرسالة، حيث قالت: "كَلا، وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا". والسيدة خديجة أحبت النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا لا يوصف، فكان هذا الحب هو طريق تصديق العقل والحب وحده لا يكفي، فقالت له: "إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَحْمِلُّ الْكَلَّ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ". وهذه الصفات لا يمكن أن تجتمع في كذاب أو مُدَّعٍ لهذا الأمر، وهي التي ذهبت به إلى ورقة ويؤكد ورقة بعد ذلك على أنه نبي، وينزل الملك ويخبره أنه رسول، والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرها بذلك، وهي تعلم صدقه وأنه لا يكذب، وهذا الكلام ليس من كلام البشر، فلا بد أن هناك قوة فوق قوة البشر، كل هذا الكلام دار بخلد السيدة خديجة رضي الله عنها، وما أعتقد أن هذا الكلام كان سيدور بهذه السلاسة وهذه البساطة لو كانت بينها والنبي صلى الله عليه وسلم مشاحنات أو مخاصمات أو كدر في العلاقة الزوجية، وبرغم أن الحب والحجة في غاية الأهمية إلا أن الحب دائمًا يأتي أولاً.

    دعوته صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر الصديق

    بعد السيدة خديجة رضي الله عنها ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحب الرجال إلى قلبه، فإذا كانت السيدة خديجة هي أحب النساء إلى قلبه، فسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو أحب الرجال إلى قلبه صلى الله عليه وسلم، ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الرجال إلى قلبه قال: "أبو بكر"، وما تردد أبو بكر رضي الله عنه في قبول هذا الدين لحظة واحدة، يقول صلى الله عليه وسلم: "مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، مَا عَتَّمَ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ مَا تَرَدَّدَ فِيهِ". لم يفعل أحد من البشر مثل ما فعل هو والسيدة خديجة رضي الله عنهم أجمعين.

    إن سرعة إيمان أبي بكر تحتاج إلى دراسة، فمما دفعه إلى ذلك أنه كان أقرب الناس لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما كان يختار من الآراء ما يختاره الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في غياب أحدهم عن الآخر.

    وكانت أخلاق سيدنا أبي بكر كأخلاق الأنبياء، ولم يمش على الأرض خير من أبي بكر إلا الأنبياء.

    وكان بين سيدنا أبي بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم توافق عجيب في أمور الأخلاق، أشهرها الصدق فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الصادق الأمين، وأبو بكر هو الصِّدِّيق رضي الله عنه، التواضع والكرم والعفة والبُعد عن أماكن الفساد والمروءة وخدمة الناس، كل هذه عوامل أدت إلى سرعة إيمان الصديق رضي الله عنه.

    دعوته صلى الله عليه وسلم لسيدنا زيد بن حارثة

    بعد إسلام السيدة خديجة وإسلام أبي بكر رضي الله عنهما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم إلى مولاه سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه.

    لقد أحب سيدنا زيد بن حارثة النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا كبيرًا وكان بينه والنبي صلى الله عليه وسلم حبًّا كبيرًا لدرجة أنه عرف بين الصحابة بأنه زيد بن محمد.

    وقصة هذا الأمر هي أنه أصابه سباء في الجاهلية؛ لأن أمه خرجت به تزور قومها بني معن، فأغارت عليهم خيل بني القين بن جسر، فأخذوا زيدًا، فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل: اشتراه من سوق حباشة، فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة وهو ابن ثماني سنين، وقيل: بل رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء بمكة ينادى عليه ليباع، فأتى خديجة فذكره لها، فاشتراه من مالها، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه.

    ثم إن ناسًا من كلب حجوا فرأوا زيدًا، فعرفهم وعرفوه فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه، وعند من هو، فخرج حارثة وأخوه كعب ابنا شراحبيل لفدائه، فقدما مكة، فدخلا على النبي صلى الله عليه وسلم: فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، جئناك في ابننا عندك فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه. فقال: مَنْ هُوَ؟ قالوا: زيد بن حارثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهَلَّا غَيْرَ ذَلِكَ. قالوا: ما هو؟ قال: ادْعُوهُ وَخَيِّرُوهُ، فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنِ اخْتَارَنِي فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنِ اخْتَارَنِي أَحَدًا.

    قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هَلْ تَعِرْفُ هَؤُلَاءِ؟ قال: نعم. هذا أبي وهذا عمي. قال: أَنَا مَنْ قَدْ عَرَفْتَ، وَرَأَيْتَ صُحْبَتِي لَكَ، فَاخْتَرْنِي أَوِ اخْتَرْهُمَا. قال: ما أريدهما، وما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر، فقال: يَا مَنْ حَضَرَ، اشْهَدُوا أَنَّ زَيْدًا ابْنِي، يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفساهما وانصرفا.

    ولما نزل الوحي كان سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، وحدثه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، وكيف سيكون رد فعل من أحب النبي صلى الله عليه وسلم كل هذا الحب.

    وما كان إيمان سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه عن حب فقط، فمن المؤكد أنه أعمل عقله، فترك الدين إلى دين آخر ليس أمرًا سهلاً.

    ولو فكرنا مع سيدنا زيد بن حارثة لوجدنا أنه من خلال معاشرة سيدنا زيد للرسول صلى الله عليه وسلم ما جرب عليه كذبًا، أيعقل أن يترك الكذب على الناس ليكذب على الله.

    هو يرى محمد صلى الله عليه وسلم في عون الناس جميعًا، وبدون مقابل، هل سيطلب لنفسه مصلحة ذاتية وبعد أربعين سنة مضت من عمره.

    لقد رأيت هذا الرجل العظيم العفيف كان بعيدًا عن كل الموبقات والفواحش والمعاصي في فترة شبابه كلها، فهل هذا الرجل يلعب بدين الناس وبعقيدتهم؟.

    ولو كان هذا الرجل يريد السيادة والملك في مكة أكان يأتي بدين جديد أم يسلك أقرب الطرق وصولاً إلى ذلك، والمحببة إلى نفوس القوم وهو طريق اللات والعزى.

    من المؤكد أن كل هذه الأفكار وغير هذه الأفكار جالت بذهن سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه.

    ولا بد أن كل الإجابات كانت تفضي إلى نتيجة واحدة هي أن هذا الرجل صادق فيما يقول.

    آمن سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه وإن كان قد آمن بقلبه أولاً، لكنه آمن بعقله أيضًا.

    سرية الدعوة وعالمية الهدف!

    مما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يصل بدعوته لكل إنسان في مكة. بل لكل إنسان على ظهر الأرض، ويتخيل البعض أنه كان من السهل على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقف وسط الكعبة من أول يوم أُمِر فيه بالإبلاغ ويعلن للناس جميعًا أمر الإسلام، لكنه لم يفعل، بل كان يختار من يدعوهم آخذًا بكل أسباب الحيطة والحذر، فيذهب إلى الرجل فيسرّ له في أذنه بأمر الإسلام، ويدعوه سرًّا، ولم يعلن لعموم الناس أمره.

    والدعوة السرية لم تستمر يومًا أو اثنين، بل استمرت فترة طويلة بالنسبة لعمر الدعوة الإسلامية فكانت حوالي ثلاث سنوات.

    وبعض الناس يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وقف على الصفا وقال للناس: "أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟".

    يعتقدون أن هذه المقولة كانت في بدء الدعوة وبعد نزول أمر الرسالة مباشرة، والواقع غير ذلك، لقد كانت هذه الكلمة بعد ثلاث سنوات كاملة من نزول الوحي.

    دعوة سيدنا علي بن أبي طالب

    إن كنا قد وقفنا مع إسلام السيدة خديجة رضي الله عنها، وإسلام سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وإسلام سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه.

    فلا بد من وقفات مع إسلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هذا الطفل الذي آمن، وما تجاوز العشر سنوات، إن إسلام سيدنا علي في هذه السن هو شيء في منتهى الغرابة.

    ويكمن وجه العجب والغرابة في عمره الذي ما تجاوز السنوات العشر، يستأمنه النبي صلى الله عليه وسلم ويُسِرّ إليه بهذا الدين الجديد في مثل هذه المرحلة السرية من الدعوة، وغريب أيضًا أن يفهم طفل في مثل هذه السن هذه القضية الكبيرة التي خفيت على كثير ممن يسمونهم حكماء في مكة.

    وهذا الأمر يحتاج منا إلى وقفة:

    أولاًً: كان سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمثابة ابن النبي صلى الله عليه وسلم كزيد بن حارثة رضي الله عنه، فكان يعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، والسبب في ذلك هو أن قريشًا أصابتهم أزمةٌ شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال يومًا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: يا عم إن أبا طالب كثير العيال، فانطلق بنا نخفف عن عيال أبي طالب، فانطلقا إليه وأعلماه ما أرادا، فقال أبو طالب: اتركا لي عقيلاً واصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم عليًّا، وأخذ العباس جعفرًا، فلم يزل علي عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى أرسله الله، فاتبعه.

    وقال ابن إسحاق: وكان من نعمة الله عليه.

    كان علي بن أبي طالب يعتقد الصواب في كل كلمة يقولها الأب الحنون النبي صلى الله عليه وسلم، كما يعتقد كل طفل الصواب في كلام أبيه.

    ولقد ترسخ في نفس علي بن أبي طالب رضي الله عنه حب كبير للنبي صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظفاره، فكما قلنا: إن منهج النبي في الدعوة يقوم على الحب أولاً ثم الحجة.

    ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لاحظ نبوغًا مبكرًا، وعبقرية ظاهرة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فاطمئن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يخبره بأمر الرسالة مع أن هذا الأمر خطير، ولا يزال سرًّا، ولا يعلم إلى متى سيظل هذا الأمر سرًّا.

    وقد يظن البعض أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاف أن يخبره بهذا الأمر للظروف التي تحيط بالدعوة، لكن الواقع أن سيدنا علي كان عبقريًّا فذًّا، وبمرور الأيام صدقت فراسة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان سيدنا علي من أكثر الصحابة قدرة على استنباط الأحكام والقضاء في الأمور، بجانب فراسته وعلمه وفقهه رضي الله عنه.

    ثالثًا: في الحقيقة هذه وقفة مع النبي صلى الله عليه وسلم في اختياره لمن يدعوهم، فبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي، وبإسلامه كان هناك تنوع عجيب لمن دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم واختارهم في بادئ الأمر، وكان يوضح لنا أمرًا في غاية الأهمية، وهو أن مجال الدعوة أوسع مما قد نتخيل، فهؤلاء الأربعة الأوائل: فيهم الرجال، وفيهم النساء، فيهم السادة، وفيهم العبيد، فيهم الكبار، وفيهم الصغار، وأن هذه الدعوة لا حدود لها.

    أصبح علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول الصبيان إسلامًا، كما أصبح أبو بكر أول الرجال، وزيد أول الموالي، والسيدة خديجة كانت أول النساء، وكان ذلك في أول يوم في الإسلام.

    ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم بناته للإسلام فدعا السيدة زينب وكانت في العاشرة من عمرها، والسيدة رقية وكانت في السابعة من عمرها، والسيدة أم كلثوم وكانت في السادسة أو الخامسة من عمرها، وكلهم اعتنقوا الإسلام في هذه السن المبكرة، أما السيدة فاطمة فكان عمرها سنة على أرجح الأقوال.

    كان هذا هو الوضع في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم.

    لقد ظلت الدعوة سرية تمامًا ثلاث سنوات كاملة، ظلت الدعوة تقوم على أمر الاصطفاء والانتقاء ثلاث سنوات كاملة...

    لماذا؟

    لماذا لم يعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره ليسلم أكبر عدد من الناس في أقل وقت ممكن؟.

    لم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعلم أن دعوة الإسلام وإن كانت مقنعة للناس إلا أنها ستلقى حربًا ليس من قريش فقط، بل من كل العالم.

    أكان صلى الله عليه وسلم يخشى على نفسه من قريش؟.

    هذا مستحيل، فهو لا شك يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، بل كانت هذه هي الحكمة في الدعوة.

    ومن الممكن أن تقول: إن السرية في الدعوة في هذه المرحلة لم تكن اختيارًا نبويًّا، بل كانت أمرًا إلهيًّا، فالله عز وجل يعلِّم نبيه صلى الله عليه وسلم ويعلم أمته منهج التغيير في مثل هذه الظروف، وكيف تغير الأجيال القادمة من حالها في غياب رسول، وكيف التغيير إذا توافقت الظروف مع ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المرحلة.

    إن الله عز وجل قادر على حماية رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يصل له أذًى من أحد من قريش، ومع ذلك فهو يريد منه أن يرسم الطريق الصحيح للمسلمين لإقامة هذا الدين مهما اختلفت الظروف ومهما كثرت المعوقات.

    ولذلك تجد أن الله عز وجل قد وضع رسوله صلى الله عليه وسلم في كل الظروف التي من الممكن أن تمر بأمته بعد ذلك، وعلَّم رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يتعامل مع كل ظرف، وكيف يصل بدعوته إلى الناس في وجود المعوقات المختلفة. وبذلك حدّد للمسلمين منهجًا واضحًا لا غموض فيه؛ ليكون طريقًا لكل مسلم أو إنسان يريد أن يصل بفكرته لكل العالم تمامًا مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.


    --------------------------------------------------------------------------------

    ** الأستاذ الدكتور راغب السرجاني أستاذ مساعد في كلية الطب جامعة القاهرة، له اهتمامات واسعة بقضايا الأمة الإسلامية وهمومها المختلفة منطلقًا من فهم عميق للتاريخ الإسلامي، وما يحفل به من عبر ودروس وتطبيقات للكثير من سنن الله في خلقه..

    يركز الدكتور راغب في دراسته التاريخية على جوانب مهمة، من بينها:

    ١ - عوامل قيام النهضة في مختلف مراحل التاريخ ومدى الاستفادة من إعادة بناء الأمة الإسلامية اليوم.

    ٢ - بعث الأمل في نفوس المسلمين (وخاصة الشباب) في إمكانية نهوض الأمة الإسلامية وارتفاعها مهما بدا الواقع مظلمًا (بالنظر إلى دورات مشابهة في تاريخ الأمة).

    ٣ - إظهار الوجه الحقيقي للتاريخ الإسلامي بما كان يميزه من حضارة فريدة في مذاقها الإنساني والخلقي والعلمي والجمالي... وعلى عكس ما يظهر عليه ذلك التاريخ عند كثيرين مليئًا بالصراعات مقتصرًا على الجوانب السياسية فقط.

    ٤ - وعلى مدار عشرين عامًا من التواصل العميق مع كنوز التاريخ الإسلامي.. وعبر العديد والعديد من دول العالم (في أمريكا الشمالية وأوروبا إلى جانب مصر ودول الخليج العربي...) كان للدكتور/ راغب السرجاني المئات من الإسهامات العلمية والدعوية ما بين محاضرات ومقالات وتحليلات للتاريخ والواقع الإسلامي.







     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-04-01
  15. المتنبي_2007

    المتنبي_2007 عضو

    التسجيل :
    ‏2007-02-23
    المشاركات:
    215
    الإعجاب :
    0
    مجرد مروررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررر
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-04-01
  17. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    جزاكم الله كل خير وبارك فيكم..
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-04-01
  19. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    اللهم صلى وسلم وبارك وزد وأنعم على حبيبي المصطفى محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ..
     

مشاركة هذه الصفحة