البيعة

الكاتب : كرار المحن   المشاهدات : 427   الردود : 1    ‏2007-03-24
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-03-24
  1. كرار المحن

    كرار المحن عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-11-03
    المشاركات:
    300
    الإعجاب :
    0
    راينا في البيعة

    تعتبر فترة الخلافة الراشدة عندنا أهل السنة الفترة الذهبية للإسلام بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، ومن ثم نولي وجوهنا شطرها، ونتخذها نموذجاً وقدوة.

    والذي لا شك فيه هنا أن تلك الفترة كانت بالفعل كذلك، ومنزلتها في الفكر السياسي عند المسلمين جميعاً لا تنكر، إذ أن وقائعها بحلوها ومرها هي التي صاغت الفكر السياسي عند كل الفرق الإسلامية بلا استثناء.

    لكننا ـ حتى الآن ـ لم ننظر الى أحداث تلك الفترة نظرة تحليل موضوعية، بل قدسناها، و بن ينا على أساسها معتقدات، بصرف النظر عن موقف الإسلام ـ دخلت في صلب فكرنا السياسي


    الديني، وشكلت أغلب ما لدينا من بضاعة في هذه السوق، بل ليس بمبالغة أن نقول: إن ما لدينا اليوم أصداء لما وقع آنذاك، رسخت في عقولنا الباطنة، وغلبت على بؤرات شعورنا، رغم بقائها في هوامشه.

    ونحن من هذه العقائد على قسمين: قسم مطلع يقرؤها ويدرسها كنموذج أمثل، فهو يعتقدها عن وعي، ويذب عنها بربع أو ثلث علم.

    وقسم آخر يستمع دون تفحص، ويردد بلا وعي.

    وكلا الفريقين عاطفي في موقفه وتصرفه وشعوره توجهه قداسة غيرحقيقية لحوادث الجيل الأول بعد وفاة المؤسس الأعظم.

    على أننا إذا كبحنا جماح العاطفة ـ قليلاً ـ وقلنا هلم نبحث الموضوع بطريقة الباحثين عن الحق، انتهينا الى نتائج تخالف ـ دون ريب ـ تلك التي انتهينا إليها ونحن نتحدث تحت تخدير العاطفة.

    ولئن كان الإسلام يذم الموقف الأول من القضايا الهامة، ويحض على ت بن ي الموقف الثاني ـ خصوصاً في قضايا سير الأوائل، وقوانين الحضارة والعمران والسياسة والإجتماع ـ ويخاط بن ا مئات


    المرات (أفلا تعقلون..) (أفلا تنظرون...) (أفلا يتدبرون..) الى آخر ما نحفظه جميعاً من كتاب الله، إلا أن الإتجاه السائد يتجه إلى غير هذا.

    ومع ذلك، فهناك قليل ممن يريدون أن يسبحوا ضد هذا التيار، استجابة للنداء القرآني الموجه الذي يضيىء لنا لجج البحر الذي تعالت أمواجه، وصارت ظلمات بعضها فوق بعض.

    ورجائي من الكثرة أن تصبر علينا ونحن نسبح سباحة الباحثين عن الحقيقة حتى نتم شوطنا، فإن أعجبتهم سباحتنا فلينزلوا معنا إلى البحر ليصدوا التيار، وإن لم تعجبهم فليتركونا في حرية علَّنا نخرج لهم بلؤلؤة تنفعهم، أو درة تضيىء لهم ولو بشعاع، وليضعوها في متحفهم الى وقت قد يعم فيه الظلام فيبحثون فيه عن بصيص ضوء، ويذكروننا حينئذ.

    تعالوا إذن نستعرض أكبر الوقائع التاريخية التي سجلها لنا تاريخ العهد الذهبي في موضوع القيادة، ونعيد قراءتها، بعيداً عن العواطف، قراءة مجردة، وننظر ما تؤدي اليه من نتائج


    1 ـ بيعة أبي بكر (رض)

    توفي رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، وانشغل بتغسيله وتجهيزه ودفنه بعض أهله كعلي بن أبى طالب، وعمه العباس وولديه، وبعض مواليه.

    وفي أثناء ذلك، انشغل قسم آخر من الصحابة بحسم مشكلة القيادة على نحو رواه عمر بن الخطاب (رض) فقال: (فلا يغرن أمراء أن يقول أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها، واجتمع المهاجرون الى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : انطلق بن ا الى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا نريد إخواننا من الأنصار، قالا فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم، فقلنا والله لنأتينهم وهم مجتمعون في سقيفة بن ي ساعدة
    وإذا بين أظهرهم رجل مزمل قلت من هذا ؟ قالوا سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه ؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم فحمد الله وقال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا، وقد دفت إلينا من قومكم دافة.

    فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر ، وقد كنت أداري منه بعض الحد، وكان هو أوقر مني وأحلم، فلما أردت أن أتكلم قال: على رسلك، فكرهت أن أعصيه، فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئاً كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا قد جاء به أو بأحسن منه، وقال: أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لحيٍّ من قريش، وهم أوسط داراً ونسباً، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا


    أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فارتفعت الأصوات، وكثر اللغط فلما أشفقت الإختلاف قلت لأبي بكر : أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون والأنصار، ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت قتل الله سعداً.

    وإنا والله لم نجد أمراً أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون فساد)(1) .

    وقد روى المؤرخون قالوا:

    (اجتمعت الأنصار في سقيفة بن ي ساعدة، وتركوا جنازة رسول الله يغسله أهله، فقالوا نولي هذا الأمر بعد محمد سعد بن عبادة، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض.. فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في الدين، وفضيلتهم في الإسلام، وإعزازهم للنبي وأصحابه، وجهادهم لأعدائه حتى استقامت


    (1) تاريخ الطبري:2/446 ـ 447، مصر، 1939. صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا.




    العرب، وتوفي الرسول وهو عنهم راض (أي سعد) استبدوا بهذا الأمر دون الناس، فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر)(1) .

    سمع أبو بكر وعمر (رض) بذلك فأسرعا الى السقيفة، وتكلم أبو بكر (رض) فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال (فهم أول من عبدالله في الأرض، وآمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم) ثم ذكر فضيلة الأنصار وقال: (فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور.

    فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجتريء مجتريء على خلافكم، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير.


    (1) الطبري: 2/456.


    فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن.. والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمرهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدلٍ بباطل، أو متجانفٍ لإثم، أو متورط في هلكة ؟

    فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بن صيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة.

    قال عمر: إذن يقتلك الله.

    قال بل إياك يقتل.

    فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم إن كنتم أول من ناصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير.


    فقام بشير بن سعد أبو نعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ر بن ا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا، فإن الله ولي النعمة علينا بذلك، ألا إن محمداً صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه أحق به...

    ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر ، فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم)(1) .

    وفي رواية أخرى:

    _

    (1) الطبري: 2/456 ـ458. السيرة النبوية لا بن هشام: 4/337 ـ 339، القاهرة 1937.



    (فقال أبو بكر هذا عمر وهذا أبوعبيدة فأيهما شئتم فبايعوا، فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر عليك.. وقام عبدالرحمن بن عوف وتكلم فقال: يا معشر الأنصار إنكم وان كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وقام المنذر بن الأرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني علي بن أبي طالب)(1) .

    ولما كثر اللغط، واشتد الإختلاف قال عمر لأبي بكر (رض) أبسط يدك أبايعك، وتمت البيعة.

    وفي رواية أن عمر (رض) قال مهدداً الناس إذا أخرجوا القيادة عن قريش (والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه) (2)

    ورفض سعد بن عبادة بيعة أبي بكر وقال حين أرسلوا اليه ليبايع (أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل، وأخضب


    (1) تاريخ اليعقوبي: 2/103، النجف (العراق) 1358هـ والموفقيات للزبير بن بكار: ص579، نقلا عن معالم المدرستين للسيد مرتضى العسكري: 1/117، ايران 1406هـ.

    (2) السيرة النبوية لا بن هشام: 4/338.


    سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الأنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حس ابي ) فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع معهم، ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم(1) وبقي كذلك حتى توفى أبو بكر وولي عمر.

    وقيل إن عمر أرسل اليه رجلاً في خلافة أبي بكر يدعوه الى البيعة فإن أبي فليقاتله، فلما أبي سعد البيعة رماه بسهم فقتله (2) .

    وأما من رفضوا بيعة أبي بكر فتحصنوا في بيت السيدة فاطمة الزهراء وكانوا جماعة من بن ي هاشم، وجمع من المهاجرين والأنصار بزعامة الإمام علي (ع) والعباس بن عبدالمطلب، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي ذر الغفاري، وأبي بن كعب، وغيرهم، رضي الله عنهم


    (1) الطبري: 2/459.

    (2) أنساب الأشراف للبلاذري: 1/ 589، مصر 1959م، العقد الفريد لا بن عبد ربه: 4/260، مصر 1944م.


    وقد روت هذه الواقعة كتب السير والتاريخ والصحاح والمسانيد، ومنهم من صرح بما جرى فيها ومنهم من تعامى عنها.

    وممن صرح ببعض ما جرى البلاذري فقال (بعث أبو بكر عمر بن الخطاب الى علي رضي الله عنهم حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما جرى بينهما كلام فقال (أي علي) أحلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً)(1) .

    وذكر المؤرخون أن أبا بكر أرسل جماعة، منهم عبدالرحمن بن عوف، وخالد بن الوليد، برئاسة عمر بن الخطاب (رض) ليخرجوهم من بيت فاطمة، وقال لهم ان أبوا فقاتلوهم، فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت: يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة(2) واقتحموا دار سيدة نساء العالمين بن ت

    (1) أنساب الأشراف: 1/587.

    (2) العقد الفريد: 4/260، تاريخ أبي الفدا: 1/156، مصر 1325 هـ، الطبري: 2/443، أنساب الأشراف: 1/586، الرياض النضرة للمحب الطبري: 1/218، مصر 1953م. تاريخ اليعقوبي: 2/105 وفيه أن عمر صارع علياً بسيفه فصرعه وكسر سيفه.


    رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام لملاحقة المعارضين وقتالهم وتحريقهم بالنار حتى يبايعوا أبا بكر قسراً ‍!.

    وبقي علي و بن و هاشم لم يبايعوا أبا بكر ستة أشهر حتى توفيت السيدة فاطمة عليها سلام الله غاضبة على الشيخين، وانصرف الناس عن علي (ع) فضرع الى مبايعة أبي بكر .

    هذا ما هو مسطور في تراثنا عن أول أزمة سياسية ودستورية واجهتها الدولة الوليدة يوم وفاة مؤسسها.

    فلو صحت هذه الروايات، وربطنا بين ماضينا وحاضرنا، استطعنا أن نرى بصماتها مطبوعة واضحة في حياة المسلمين عامة، لأنها شكلت ـ وما زالت ـ خلفية الشعور لدى جميع المسلمين.

    وإذا نظرنا الى هذه الأزمة الدستورية بعين السابحين ضد التيار، الباحثين عن منهج سياسي في الإسلام، رأينا فيها ما لا يراه أرباب العواطف الموجهة.

    فأول ما نراه فيها أن بيعة أبي بكر (رض) لم تتم في ظروف عادية بل تمت دون أن يعلم بها الناس جميعاً، أو على الأقل جميع أكابر الصحابة، أو حتى زعماء الإتجاهات السياسية الموجودة في المجتمع كلهم، فقد اجتمع في


    السقيفة نفر من الأنصار ليبت في أمر القيادة في غياب الآخرين، ثم لحق بهم نفر من المهاجرين لينافسوهم ويمنعوا القوة السياسية الأولى من الإنفراد بالقيادة.

    ولم يعلم بالأمر أكبر وأهم قوة سياسية ودينية آنذاك وهي بن و هاشم وآل بيت القائد المؤسس، بعد أن انتهز هذا النفر القليل من المهاجرين والأنصار انشغالهم بتغسيل وتكفين الرسول القائد، وتم ما تم دون إعلام الناس، وبغير انتظار لتهدأ مشاعر الأمة، وقد حلت بها كارثة غياب رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، القائد الذي لا يملأ فراغه أحد.

    فالسياق العام الذي تمت فيه هذه البيعة التي حددت القيادة بعد رسول الله لم يكن طبيعياً، ولا يمكن أن تستريح له أنفس الناس باحثين وغير باحثين.

    ثم إن القوم لم يتفقوا على مرشح بعينه في السقيفة (فكثر القول حتى كاد يكون بينهم في السقيفة حرب، وتوعد بعضهم بعضاً، فوثب عمر فأخذ بيد أبي بكر )(1) بل إن في رواية عمر نفسه ما يدل على أن بيعة أبي بكر (رض) تمت في ظروف غير


    (1) السيرة النبوية لا بن هشام: 4/338، الرياض النضرة: 1/214.




    طبيعية، وبطريقة غير طبيعية، وذلك حين قال (فارتفعت الأصوات وكثر اللغط) أي أنه ـ كما رأينا ـ بعد عرض مرشح الأنصار للأسباب التي اعتقد على أساسها استحقاق حزبه بالقيادة، ثم عرض أبي بكر (رض) لأحقية المهاجرين بها، ولم تسفر هذه المداولات عن اتفاق الموجودين وهم نفر قليل من الأمة على شخص يتصدى للقيادة، بل ارتفعت الأصوات تتنازع، فانتهز عمر (رض) هذا الفرصة وحسم الأمر بالطريقة التي تحسم بها الصفقات والمزادات في الأسواق، وهو ما أكسبته المهنة إياه، إذ كلنا يعرف أنه (رض) كان سمساراً يعقد الصفقات في الأسواق، ومال معه المؤيدون لأبي بكر ، ووجد الآخرون أنفسهم في مأزق، فبايع منهم من بايع ورفض من رفض.

    ولذلك اعتبرها عمر (رض) نفسه فلتة غير أن الله وقى شرها(1) كما اعتبرها الضحاك بن خليفة (فلتة كفلتات الجاهلية)(2)

    (1) الطبري: 2/ 446.

    (2) نفس المصدر: 2/459.
    ولما رأى أبو بكر (رض) نفسه أنه لا إجماع على أحد من الموجودين، عرض تقسيم السلطة بينهم وبين الأنصار فقال (نحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور)(1) وهو ما رفضته الأنصار، ورأت المشاركة المتساوية في الحكم (منا أمير ومنكم أمير).

    ولأن السياق الذي تمت فيه البيعة، والطريقة التي حسمت بها القيادة لم تكن مقنعة، ندم أبو بكر (رض) على تقمصها حين حضرته الوفاة اقتضاء لطبيعة النفس البشرية، وتمنى لو سأل رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام عمن ينبغي أن تؤول له القيادة بعد وفاته(2) فإن صحت هذه الرواية فهي دليل على أنه هو نفسه كان في شك من أحقيته بالقيادة بعد رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.


    (1) نفس المصدر: 2/ 458.

    (2) نفس المصدر: 2/ 619 ـ 620.


    ثانياً: إن الذين اجتمعوا في السقيفة ـ إن صحت روايات المؤرخين ـ لم يضعوا الإسلام ولا نظرية الدولة وفكرها، ولا حتى مصلحة الأمة العامة هدفاً أمامهم وهم يحسمون قضية القيادة، بل قدم كل منهم نفسه على أنه (مهاجر) و (أنصار) ثم وصل الأمر ببعضهم أن طالب بطرد المهاجرين من المدينة، مثلهم مثل زعماء الجاهلية قديماً وحديثاً.

    فمن نابوا عن قريش تحدثوا باسمها وبمنزلتها في الإسلام، ومن مثلوا الأنصار سلكوا نفس السبيل، ثم برزت في السقيفة الأحقاد القبلية القديمة التي كان من المفروض أنها دفنت تحت الأقدام في ظل الإسلام وتعاليمه، وإذا بالأوس تنضم الى قريش نكاية في الخزرج وزعيمها، لأنها خافت أن تؤول القيادة اليها فتسبقها في الفضل.

    ثالثاً: إن رأي الأمة أو الجمهور لم يستطلع أصلاً في مسألة تعيين القيادة، وإنما قرر مصير الأمة كلها نفر قليل ـ مائة أو أقل أو أكثر قليلاً بقدر ما تتسع السقيفة ـ تزعم النقاش منهم خمسة أفراد فقط، وقرروا مستقبل الشعب والدولة


    وقد يصرخ أحدنا غاضباً ويقول: يا أخي، لقد كانوا أهل عقد وحل، فأقول: ألم يكن في الناس غيرهم أهل عقد وحل ؟ فلماذا لم ينتظروا إخوانهم ليشاركوهم الرأي ؟ ثم كونهم أهل عقد وحل ليس عليه دليل من كتاب أو سنة، لأن هذا الإصطلاح من نحت مشايخنا ومؤرخينا الذين كتبوا في هذا الموضوع بعد قرون لتبرير هذه الوقائع، والأولى بن ا أن نعيد النظر في هذه التحديدات والآراء السلطانية الموروثة التي نرددها بلا وعي.

    والخلاصة أن السلوك الذي سلكته القدوة في السقيفة من تجاهل لرأي الناس لأنهم رعاع وغوغاء، كما وصفهم بذلك عبدالرحمن بن عوف(1) وعدم اعتبار رأيهم، والإكتفاء برأي النخبة في حسم القضايا المصيرية، وعدم إعطاء كل فرد حقه في التعبير عن رأيه بحرية... كل هذا ورثناه وتشربته أنسجة مجتمعاتنا سداتها ولحمتها، وانسكب في أصلا بن ا جيلاُ بعد جيل، فإذا بكل أمورنا تقررها طغمات تدبر أنظمة، أو نخبات تقود أحزاباً


    (1) الطبري: 2/445. ا بن هشام: 4/336.


    ومنظمات، دون أخذ بما يجيش في نفوس القاعدة العريضة التي يقوم عليها بن اء المجتمع.

    إن ما حدث في السقيفة ـ إذا نظرنا إليه بعين الخائضين في السياسة وأردنا تقديمه إلى الناس في القرن العشرين ـ لا يمكن اعتباره إجراءً سليماً يتفق ومباديء الإسلام السياسية، لأنه لم يعط صوتاً لكل مواطن بل أعطى صوتاً لكل قبيلة حضرت، دون معاملة بقية القبائل والقوى السياسية الأخرى بن فس المعاملة، ومن ثم تجاهل القطاع الأعرض من الشعب، وحرمهم حقهم في المشاركة في اتخاذ القرار واختيار القيادة.

    رابعاً: إذا أخذنا بشروط الأهلية التي ذكرها كل من أبي بكر وعمر (رض) لمن ينبغي أن يكون في منصب القيادة بعد رسول الله عليه وآله السلام، وجدنا أنها لم تكن تنطبق على أي منهما قدر انطباقها على آل البيت، فلقد قال أبو بكر (رض) (وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لحي من قريش وهم أوسط داراً ونسباً)(1) وقال (أول من عبدالله في الأرض وهم أولياؤه


    (1) الطبري: 2/446. ا بن هشام: 4/339.


    وعشيرته(1) وقال عمر (رض) (العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، ووليُّ أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدلٍ بباطلٍ أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة ؟)(2) .

    فإن كانت هذه شروط الأهلية كان الأولى بالقيادة بعد محمد آل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام، إذ لم يكن في العرب أوسط منهم داراً ونسباً، وكانوا هم أولياء النبي وعشيرته، وفيهم النبوة والقيادة، وبيتهم مهبط الوحي ومحف الملائكة.

    ثم إن مقالة عمر (رض) بذاتها تثبت أن من نازع من هم بهذه المواصفات منصب القيادة فهو (مدل بباطل ومتجانفٍ لإثم ومتورط في هلكة) أفلا ندرك ما في هذه العبارة من معان ؟

    إن مرشح الأنصار لم يكن بالشخصية التي يجمع عليها المسلمون آنذاك، كما لم تكن شروط الأهلية المذكورة متوفرة في


    (1) الطبري، نفس الموضع.

    (2) نفس المصدر: 2/457.


    مرشح المهاجرين، رغم إدعائهم هذه الصفات لأنفسهم، ومع ذلك حسم الأمر في غياب الحزب الذي لو أعطى رئيسه الفرصة لترشيح نفسه ما نازعه أحد، وهو علي بن أبي طالب عليه سلام الله، كما صرح بهذا الصح ابي الجليل المنذر بن الأرقم (1) .

    وحتى لو أخذنا برأي ا بن خلدون في قيام الدول وما اشترط من العصبية، وهي نظريته التي يرى بها القرشية ضرورة لازمة لتأسيس الدولة من وجهة نظر السياسة والعمران، لأنها عصبية، فإن العصبية كانت أكثر في آل البيت إذ فيهم اجتمعت عصبية القبيلة وهي القرشية، وعصبية الفكر والعقيدة لكونهم بيت النبوة وصاحب الرسالة، وعلى هذا فكون الإمام من آل البيت ـ وفق نظرية ا بن خلدون ـ أمر تقتضيه قوانين السياسة والعمران التي ذكرها، بل ان الإمام في هذه الحالة يكون أكفأ وأقدر، مما يجعل الدولة أرسخ وأقوى، لكن الرجل قدم نظرية ثم حاد عن الحق وهو يطبقها.


    (1) تاريخ اليعقوبي: 2/103.


    هكذا حسمت القيادة في غياب الأصلح، مما أسفر عن شرخ كيان الأمة شرخاً عانت منه الويلات على مدى القرون الأربعة عشر الماضية، ولا زالت، لأن عامة المهاجرين وجل الأنصار ما كانوا يشكون أن علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله (1) .

    خامساً: إن أسلوب التعامل مع المعارضين والمخالفين في الرأي خلال هذه الأزمة الدستورية، لم يكن متسقاً ومباديء الإسلام وروحه العامة التي نسيناها ووضعنا مكانها أمامنا تصرفات البعض كنموذج يحتذى، فغطت ظلالها حياتنا حكاماً ومحكومين في العصر الحديث.

    نعم كان كبار الجيل الأول وهم في السلطة لا يغضبون إن أمسك بتل ابي ب أحدهم رجل من العامة وطالبهم بحق من حقوقه، لكن هذه كانت نماذج فردية تتعلق بأمور غير السلطة والشرعية،

    (1) الموفقيات للزبير بن بكار: ص 580 نقلاً عن معالم المدرستين: 1/119، وأنظر تاريخ اليعقوبي: 2/103.


    فأما حين كانت المعارضة للسلطة من حيث هي كذلك، وجدنا أسلوبهم مختلفاً، فأصل في مجتمعاتنا التجبر واضطهاد المخالفين وانتهاك الحرمات في ذلك ولو كانت حرمة بن ت رسول الله !

    فسعد بن عبادة (قتله الله) لأنه عارض رأي بعضهم، وهو منافق يستحق القتل(1) لأنه رفض البيعة، ولم يستريحوا حتى قتلوه لأنه يشكل خطراً سياسياً، غير أن مؤرخينا انقسموا فمنهم من استحى أن يذكر واقعة قتله، لأنها تشكل مخالفة شرعية لأحكام الإسلام الذي لا يبيح قتل من اختلف في الرأي أو عارض السلطة، ومنهم من استخف بعقولنا فنسب قتله الى الجن(2) لكنه فشل في تقديم سبب عداء الجن له، فهل كان الجن في السلطة ورفض سعد مبايعتهم ؟


    (1) هذا ما قاله عنه عمر، انظر الطبري: 2/459.

    (2) الرياض النضرة: 2/218، الاستيعاب لا بن عبد البر: 2/599، طبع.نهضة مصر، تحقيق البجاوي بدون تاريخ. البلاذري: 1/589، العقد الفريد: 4/260.


    ليس هذا فحسب بل إن محاولة إحراق المعارضين بالنار وفيهم بن ت رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، وا بن عمه وغيرهما من صلحاء الأمة، لمعارضتهم شرعية بيعة أبي بكر (رض) كما سبق تفصيله، كان أبشع نموذج لقمع المخالفين واضطهاد المعارضين، حتى أن أبا بكر (رض) ظل يندم عليه ويقول (ليتني لم أفتش بيت فاطمة بن ت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب) (1) .

    هذه التصرفات التي ارتكبها الأوائل لم تمر هكذا بلا أثر، بل حفرت بأظفارها في عقل الأمة الباطن ونقشت فيه روحها، فإذا بمن علينا من حكام يقلدونها، فإن ذه بن ا الى التنظيمات الإسلامية التي تريد إعادة الخلافة وجدناها لا تتحمل رأياً مخالفا أبداً، وتسارع في إصدار الفتاوى وإهدار الدماء، فأصبح الجو العام السائد في مجتمعاتنا جواً إره ابي اً، يخشى أصحاب الرأي فيه على


    (1) تاريخ اليعقوبي: 2/115، وانظر البلاذري: 1/587 والطبري: 2/619.
    أنفسهم، فيعتزلون الناس، ويقبعون في بيوتهم، لأن المعارضة الواعية لا يتحملها أي طرف من الأطراف الموجودة في السلطة أو خارجها، ولأن قمع المعارضين وقتلهم وإحراقهم ممارسات غير شرعية، أضفينا عليها الشرعية بتقديسنا لمن ارتكبوها عبر قرون، ولسنا الآن على استعداد لأن نناقض شرعيتها وموقف الإسلام الحقيقي منها، لأننا لو فعلنا ذلك اضطررنا الى تخطئة الأشخاص وهم أقدس عندنا من الإسلام نفسه.

    سادساً: أنه لو قيل أن سبب التعجيل بحسم مشكلة القيادة ببيعة أبي بكر (رض) وجوب ألا تبقى الأمة والدولة بلا قيادة يوماً واحداً، وهو ما ذكره عمر، وأن هذه قاعدة عامة في الإسلام من أجل المصلحة القومية العليا، قلنا فلماذا أبقى هو نفسه على الدولة ثلاثة أيام بلا قيادة، لإعطاء فسحة للتشاور في أمر القيادة كما سيأتي بيانه ؟

    فإن قيل أن مجلس الشورى آنذاك كان في محل القيادة، قلنا فكيف بقيت الدولة بلا قيادة حوالي أسبوع بعد وفاة
    عثمان (رض) مع أن الظروف وقتها كانت تستدعي فرض الأحكام العرفية بلغة عصرنا، إذ كانت الأمصار قد انتفضت على الخليفة في ثورة عارمة، وحاصره الثائرون أربعين يوماً كما في بعض الروايات، وأرادوا خلعه، ثم أخيراً قتلوه(1) فقاعدة المصلحة ـ إذا تمسك بها البعض في بيعة أبي بكر ـ لم يجد لها وجوداً فيما تلاها من ظروف اقتضتها، وبالتالي فلم تكن قاعدة، أو كانت قاعدة، لكنها طبقت وفق المزاج والهوى.

    سابعاً: أن الإهتمام بالقيادة وتعيينها أساس في الإسلام إذا نظرنا الى روحه، إذ كل قوم لابد لهم من قيادة حتى الكفرة (فقاتلوا أئمة الكفر) التوبة ـ 12، وقد اهتم الرسول عليه وآله أفضل الصلاة والسلام بتعيين القيادات في حياته، فكان يؤمر أصحابه في البعوث والأسفار والحج وغير ذلك، ووضع الإسلام تفاصيل الأمور العادية، كالغسل وتكفين الموتى واللباس والطعام والشراب، فكيف يهتم بهذا ولا يهتم بتعيين القيادة بعد وفاة


    (1) انظر الطبري: 3/441، 442، 443، 457.


    مؤسس الدولة ؟ وكيف يشغل هذا الأمر أبا بكر وعمر (رض) فيعين كل منهما القيادة بعده، في حين لا يهتم الله ورسوله بشيء من هذا ؟

    ونحن إن أغمضنا أعيننا عن وجهة نظر الشيعة في أن الوصية بقيادة الأمة بعد النبي كانت لعلي عليه السلام، بل افترضنا ـ من أجل إراحة إخواننا الذين قد يشمون في كلامنا رائحة تشيع ـ أن جميع أهل البيت لم يكن لهم وجود في التاريخ أصلاً، فإن أهمية منصب القيادة في الإسلام، وروح هذا الدين، وطبيعة نظريته السياسية، تقتضي أن يكون الرسول قد ترك في مسألة تعيين القيادة شيئاً، ونذهب بخيالنا أبعد من هذا، فنفترض من أجل سواد عيون إخواننا ـ أن مؤسس الدولة أوصى بالقيادة بعده لهذا أو ذاك من الصحابة، أو بتشكيل مجلس، أو بشكل آخر من أشكال تعيين القيادة، ولو جملة تكون لها منزلة الدستور الذي تسير عليه الدولة، كأي دولة من الدول في التاريخ عند النصارى واليهود والبوذيين والمجوس والهندوس وكل أمم الأرض، لأن دستور الدولة أيا كان مسألة طبيعية بل بدهية في تاريخ الأمم


    والشعوب،وأول مافي الدستور تحديدقيادة الدولة، إذ من المستحيل عقلاً وشرعاً أن يكون الإسلام وحده من بين أديان البشر قبل الميلاد وبعده، وثنية وثانوية وتوحيدية وتثليثية قد ترك الفصل في القيادة لمزاج الناس، وعصبيات القبائل، وضغائن النفس البشرية.

    أقول اذا افترضنا أن مؤسس الدولة ترك لها دستوراً يحدد القيادة، كان اجتماع من اجتمعوا في السقيفة، والإجراء الذي اتخذوه أول مخالفة دستورية، وأول درجة من الإنحراف الذي ما فتيء ينفرج ويزداد، حتى أصبح ثورة مضادة كاملة المعالم، شاخصة أمام الأبصار.

    ثامناً: أنه لو صحت روايات المؤرخين التي ذكرت أن من اجتمعوا في السقيفة استدلوا في شأن أبى بكر (رض) باستخلافه في الصلاة على استخلافه في القيادة، وقالوا: ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ؟(1) وقعنا في عدة إشكالات:


    (1) ا بن خلدون:ص 219.


    الأول:

    أن القيادة وفق هذا الرأي من أمور الدنيا لا من أمور الدين، وهذه مقولة نشأت فيما بعد، وأدخلها المؤرخون في فكرنا السياسي، وما دامت القيادة من أمور الدنيا، فلماذا نسعى لها اليوم ونطالب بإبعاد الطواغيت عنها ؟ لذلك أظن ـ وليس كل الظن إثماً ـ أن هذه الرواية محشورة حشراً في تاريخنا، لأنها تعلوها مسحة من فكر السلطة السياسي، الذي نشأ بعد قرون من انتهاء الخلافة.


    الثاني:

    أن هذه الرواية لو صحت كانت أول درجة من درجات فصل الدين عن الدولة والسياسة إذ معناها أن القيادة أمر دنيوي والصلاة أمر ديني، وهذا تفريق لا يعرفه الإسلام.


    الثالث:

    أن إمامة الصلاة أهم من إمامة الدولة وقيادتها، وهي النتيجة التي انتهى إليها ا بن خلدون بن اء على هذه الرواية(1) واعتقادي أن العكس هو الصحيح، فمن يصلح لإمامة الصلاة بمعايير الإسلام لا يصلح بالضرورة لقيادة الأمة، أما من ينفع

    (1) نفس المصدر، نفس الموضع.


    لقيادة الأمة ـ أيضاً وفق معايير الإسلام ـ ينفع بالضرورة لإمامة الصلاة.

    ولو سلمنا بأن كل من يصلح للصلاة إماماً يستطيع قيادة الدولة أنجر ذلك بن ا الى فساد عظيم يعرفه كل أحد.

    ومن الأسف أن هذا الرأي اخترق أجيالاً ووصل إلينا في الدم، فصار كل من استطاع أن يؤم الناس في ركعتين مفتياً وأميراً وقائداً.

    وللشاعر الثائر محمد إقبال شعر في هذا يقول فيه:

    ما الذي أدرى إمام الركعتين المسكين بالشعوب وإمامتها؟(1)

    واعتقاد البعض بأن من يصلح لإمامة الصلاة يصلح لقيادة الدولة، يوقعنا في تناقض عظيم، فالصلاة ـ عندنا أهل السنة ـ جائزة خلف كل مسلم برّ وفاجر(2) بينما إمامة الفاسق والفاسد لا تجوز لقوله تعالى (إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) البقرة ـ 124(3) .


    (1) كليات اقبال: ص 487، طبع غلام علي،باكستان، مارس 1982.

    (2) شرح الفقه الأكبر، ملا علي القاري، ص 91 طبع الهند، بدون تاريخ.

    (3) أحكام القرآن، أبو بكر الجصاص: 1/80، مصر 1347 هـ.


    الرابع:

    أنه لو صح استخلاف أحد في الصلاة دليلاً على استخلافه في قيادة الدولة، لكان صهيب أولى الناس بالقيادة بعد عمر إذ استخلفه في الصلاة بعد وفاته ثلاثة أيام، بينما أسند مهمة تعيين القيادة الى مجلس الشورىالذي ضم ستة آخرين غيره.

    كذلك صلى بالناس حين حصر عثمان أبو أيوب وسهل بن حنيف وخالد بن زيد(1) ولم يفتح أحد فمه ويردد نفس القاعدة ويرى أياً منهم أحق بالقيادة بعد وفاة الخليفة.

    فهل كانت هذه قاعدة دستورية ؟

    وإن كانت كذلك فهل هي من عند الله، أم من عند رسوله، أم من اجتهادات قائلها، أم من إدخال المؤرخين ؟

    ولو افترضنا أنها قاعدة فلماذا عمل بها في حق أبي بكر، ولم يعمل بها في حق الآخرين ؟

    هكذا تم تعيين القيادة في الدولة الإسلامية الوليدة بعد وفاة مؤسسها ببيعة أبي بكر (رض) فنظر فيها مؤرخونا وعلماء

    (1) الطبري: 3/447.
    سياستنا ـ الشرعية ـ وأفتونا بأن تعيين القيادة في الأمة، واختيار القائد في الدولة الإسلام يتم ببيعة خمسة أو ثلاثة أو حتى واحد، كما سنذكر من بعد، ووضعوا ما وضعوا في ضوء هذا الحدث التاريخي من آراء ونظريات سياسية ألزموا المسلمين بها، فشاعت فيهم، واستقرت في عقولهم الباطنة، وانعكست على سلوكهم السياسي، وشكلت الخلفية الدينية السياسية عند من تحمسوا للإسلام وأرادوا استعادة مجده، وقد عرضناها هنا عرضاً شديد الإختصار، وأشرنا في اقتضاب الى نتائجها ومتضمناتها، ناظرين إليها بعين المنطق الواعي، والعقل السليم، من أجل اصلاح الحاضر وصناعة المستقبل، بعيداً عن فورات العواطف وتضليل الحب الأعمى.


    2 ـ بيعة عمر بن الخطاب (رض)

    لم يكن انتقال القيادة بعد أبي بكر الى عمر (رض) أمراً غير متوقع إذا نظرنا إليه في إطار سياسة السقيفة وما تلاها على مدى عامين، إذ كان عمر أشدالناس فعالية في إتمام بيعة أبي بكر (رض)
    كما لعب دوراً سياسياً بارزاً في الداخل خلال فترة قيادة الخليفة الأول.

    وكان الإمام علي (ع) أول من توقع انتقال القيادة الى عمر (رض) وذلك حين بعث أبوبكر عمر إليه ليأخذ منه البيعة بالجبر والإكراه وقال له (ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال (علي لعمر) (أحلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً)(1) وفي رواية أخرى (أحلب يا عمر حلباً لك شطره(2) أشدد له اليوم أمره ليرد عليك غداً، لا والله لا أقبل قولك ولا أتابعه)(3)

    لذلك رأينا أبابكر (رض) في مرضه يرفض ترشيحات من استشارهم، ويدفع الإعتراضات التي سجلها بعضهم، ويصر على دفـع القيادة الى عمر(4) حتى دعا عثمان (رض) وحده فقال له

    (1) البلاذري: 1/587.

    (2) هذا مثل قديم عند العرب يضارع ما في العامية المصرية: من خدم السبت يلقى الحد خدامه، أو: شيلني وأشيلك.

    (3) شرح نهج البلاغة، أبن أبي الحديد الشافعي: 6/11، مصر 1959هـ.

    (4) الطبري: 2/618.


    (أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ماعهد به أبوبكر بن أبي قحافة الى المسلمين، أما بعد، ثم أغمي عليه فذهب عنه، فكتب عثمان أمابعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيراً منه، ثم أفاق أبوبكر فقال: إقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبوبكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن افتلتت نفسي في غشيتي، قال نعم، قال جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله، وأقرها أبوبكر رضي الله تعالى عنه من هذا الموضع)(1) وهذه الرواية أيضاً تؤيد ما ذهبنا إليه من أن دفع القيادة الى عمر كان أمراً متوقعاً، توقعه علي (ع) وعثمان (رض) وربما غيرهما كثير ممن لم يذكرهم المؤرخون، حتى أن عثمان كتبه دون أن يمليه عليه الخليفة، ولو لم يكن الأمر يقيناً عنده ما كتبه في هذا الموضع دون أمر وإملاء.

    وجلس عمر مع الناس وفي يده الجريدة المكتوبة وهو يقول (أيها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه يقول إني لم آلكم نصحاً).(2)


    (1) نفس المصدر: 2/618 ـ 619.

    (2) نفس المصدر: 2/618.


    وانتقلت القيادة الى عمر بن الخطاب بالعهد، ولم يشترط لصحتها رضا الناس، وتم تعيين القيادة الجديدة هذه المرة وفق قاعدة جديدة غير الأولى، ليس لها أيضاً سند من كتاب ولا سنة، وفي غياب دستور الدولة.

    ثم تأسس عليها فيما بعد مبدأ نقل القيادة والسلطة من شخص الآخر بالعهد دون رضا الناس واختيارهم، كما فعل بنو أمية وبنو العباس، وكما تفعل المشيخات والمملكات العربية المعاصرة.

    ولئن كان النظام الملكي بملامحه الواضحة قد ابتدعه معاوية في الإسلام، إلا أن عهد أبي بكر لعمر كان أول درجة من الإنحراف الى هذا الطريق قبل معاوية بأقل من أربعين عاماً، ثم أخذ يتسع درجة درجة حتى استوى واكتمل بتولية يزيد أمر المسلمين، ثم سارت الدول من بعد في هذا الطريق باسم الإسلام، ذلك أن التغيرات السياسية ـ كما ذكرت ـ تبدأ بدرجة ثم تتسع وتكبر.

    وبناء على هذه السابقة التاريخية التي صدرت عن بشر لم يطالبنا الإسلام باتباعه إن أخطأ، اعتبر من كتبوا لنا في السياسة


    والدستور الإسلامي تعيين القيادة في الأمة بالعهد أصلاً اسلامياً، ولا اعتبار في هذا لرأي الناس، فقال الماوردي مثلاً (والصحيح أن بيعته منعقدة، وأن الرضا بها غير معتبر، لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضا الصحابة، ولأن الإمام أحق بها)(1)

    ومع أن القيادة آلت الى عمر كما رأينا دون مشورة من المسلمين، بعهد من سابقه، إلا أننا نجد في كتبنا ما هو مروي عن عمر(رض) نفسه من إدانة في قوله (من بايع رجلاُ عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)(2)

    ومن حق أحدنا أن يقول: إن تعدد أشكال تسلم السلطة وتسليمها يعطى الناس حرية الإختيار، فينتخب كل شعب منها ما يناسب مجتمعه وبيئته، وعليه فكل هذه الأشكال والطرق جائزة.

    لكننا نقول في جوابه: إن هذا الكلام صحيح لو كان الإسلام قد ذكر في ذلك شيئاً.

    (1) الأحكام السلطانية: ص8.

    (2) صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب رجم الحلبى من الزنا.
    فإن قيل إن القاعدة الأصولية أن سكوت الشارع عن شيء يعني إباحته، قلنا نعم ولكن هذا ينطبق على المتغيرات، والقيادة شيء ثابت.

    فإن وضع الإسلام ـ مثلاً ـ قاعدة الشورى وسكت عن طريقة تنفيذها فهمنا أن طريقة التنفيذ متروكة لكل قوم وعصر بما يناسبه.

    لكن أن يسكت الإسلام عن مسألة أساسية بل هي أم المسائل، فهذا ما فيه ألف نظر.

    ولئن سكت الإسلام فلا يسكت أبداً عن الفوضى الدستورية والسياسية التي انتشرت في الدولة دون مبرر، عن طريق التغيير السريع لأسلوب تعيين الأمة ـ وهي خير أمة ـ لقيادتها.

    إن تغيير أسلوب التنفيذ أو الإصلاحات الدستورية عملية طبيعية في حياة المجتمعات، لكنها مرتبطة بالمستجدات من الظروف التي تقتضي التعديل، فلو افترضنا أن أسلوب السقيفة صحيح، وأنه هو المقرر في الإسلام، فما هي الظروف التي طرأت خلال عامين من حكم أبي بكر وجعلت تغيير هذا الأسلوب أمراً محتوماً ، فإذا القيادة تتحدد بالعهد، وإن كان


    العهد هو الصواب فما الذي حدث من أمور جديدة في الدولة استدعت تغييره الى مجلس شورى ؟

    وهل القيادة في الإسلام أتفه من الجماع والبصق والتبول والتبرز، فيسكت عنها السلام مع عظيم شأنها ؟ مع أن الأمة كلها إن أخطأت في التبول والتبرز ما وقعت كارثة، وما اختل النظام، بينما الأمة لو أخطأت في افراز قيادة، فهي كارثة بل والله أم الكوارث.

    فإن قال أحد إن القاعدة العامة هي الشورى، سألناه فأين الشورى في استخلاف عمر (رض)

    وإن قال ـ كما يحلو للبعض أن يشبهوا أحداث السقيفة بذلك ـ إنها الإنتخاب الحر، سألناه: فأين بيعة أبي بكر من هذه ؟ وأعجب ما قيل في هذا قول ابن خلدون وهو يعقب على هذه الأحداث وما تلاها في تاريخنا الإسلامي من حروب واقتتالات وبغي وتزوير، اذ اعتبر أن كل الأطراف على صواب، فالحسين مصيب ويزيد أيضاً مصيب، وعلي على حق ومعاوية كذلك على حق، والقاتل في الجمل وصفين على هدى والمقتول أيضاً
    على هدى، وأسلوب تولية أبي بكر صحيح، وطريقة إسناد القيادة الى عمر صواب، وكل الناس كانوا على حق، ثم قال ما نصه (واعتقد أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة ليقتدي كل واحد بمن يختاره ويجعله إمامه وهاديه ودليله)(1) وذلك عنده لأن كل واحد منهم اجتهد، فمنهم من فاز بأجرين ومنهم من نال أجراً واحداً، ولنا أن نقتدي بمن نحب، فإن قامت في بقعة من ديارنا دولة إسلامية شرعية وخرج بعضنا عليها، وأراق دم المسلمين، وأسقط نظام الدولة الإسلامي، فالحكومة على حق والخارج الباغي على حق، لأن قدوته في ذلك معاوية.

    وإذا ركبنا حاكم فاسق خليع يشرب المسكر ويلعب بالقرود عن طريق شراء الأصوات وتزييف البيعات كما فعل يزيد، فهو على حق، ومن قام في وجهه وثار عليه ودفع دمه استشهاداً في سبيل إزالته أيضاً على حق، لأن قدوة الأول يزيد وقدوة الثاني الحسين.

    وإن أعطى أحد حكامنا القيادة بعده لأحد أصدقائه دون أخذ

    (1) المقدمة: ص213.
    رأي الشعب فله في السلف أسوة حسنة، وإن سلك في توليته طرقاً يشك فيها، أو رفع أسرته على رقاب الناس، أو بدد خزانة الدولة، أو فعل أكبر من ذلك أو أصغر، فله في الجيل الأول قدوة، لأن كل ذلك مباح مشروع اكتسب شرعيته من ممارسة السلف له.

    أفهذا بالله فكر سياسي ننسبه الى الإسلام ونقدمه للناس في القرن العشرين، ونطرحه على الشرق والغرب مباهين به الأمم، مفاخرين بهذه الفوضى السياسية والدستورية نظمهم المستقرة المحددة رغم علمانيتها، زاعمين بأن المسألة إجتهاد ؟

    أما آن الأوان لأن نميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، لنصل الى شيء محدد نعرضه على البشر في فخر واعتزاز ؟

    وإن كان اختلافهم رحمة كما يقال، فمالنا محرومين من هذه الرحمة وقد مر على اختلافهم أربعة عشر قرناً ؟ وما لنا لم نر من اختلافهم إلا إختلافاً مماثلاً، وفوضى سياسية ودستورية كتلك التي بدعوها ثم استسغاناها وبلعناها، لأن مشايخنا قالوا لنا إنها كانت اجتهاداً ولم يسموها لنا باسمها الحقيقي ؟




    3 ـ بيعة عثمان بن عفان (رض)

    يبدو أن كثيراً من الناس وعلى رأسهم عمر (رض) نفسه أدركوا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ولم تكن وفق سياق طبيعي، وأن بيعة عمر كانت بغير مشورة من المسلمين، وكذلك تكرر كثيراً ـ كما مر بنا وكما ذكرت عشرات الكتب في التاريخ والحديث ـ أن هذا أو ذاك من الصحابة صرح بذلك حتى اعترف عمر (رض) بهذه الحقائق قائلاً (إن رجالاً يقولون إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة، والأمر بعدي شورى)(1) فهذه الرواية ـ إن صحت ـ دلت على اعتراف صريح بأن تحديد القيادة في المرة الأولى والثانية لم يكن شورى، بل كان كما رآه الناس آنذاك: فلتة مرة، وبلا مشورة أخرى، ولهذا فقد قرر عمر تعيين القيادة من بعده ـ وفي المرة الثالثة ـ عن طريق الشورى


    (1) أنساب الأشراف للبلاذري: 5/15.


    ولما طعن عمر، ورأى أنه ذاهب الى ربه، وضع صيغة سياسية جديدة لتعيين قيادة خير أمة وخير دولة، فدعا علياً، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام (رض) وقال لهم:

    (فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبدالله بن عمر مشيراً ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه معكم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم... وقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة إن الله عزوجل طالما أعز الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم.

    وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فأجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم، وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل علياً وعثمان والزبير وسعداً وعبدالرحمن بن عوف وطلحة إن قدم، وأحضر عبدالله بن
    عمر ولا شيء له من الأمر، وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه أو أضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً وأبى إثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم فحكموا عبدالله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبدالله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس... فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة، ويقال في بيت المال، ويقال في حجرة عائشة بإذنها، وهم خمسة معهم ابن عمر وطلحة غائب... فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام... فقال عبدالرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم ؟ فلم يجبه أحد، فقال فأنا أنخلع منها فقال عثمان أنا أول من رضي... فقال القوم: قد رضينا.(1)



    (1) الطبري: 3/294 ـ 295. العقد الفريد: 4/275 ـ 276.
    وبعد مناقشات ومداولات كثيرة قال عبدالرحمن بن عوف (رض) (إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً.

    ودعا علياً فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.

    ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي قال نعم، فبايعه)(1)

    وفي رواية أخرى أنه سأل علياً (ع) (هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر ؟ فقال: اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، فالتفت الى عثمان فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال: اللهم نعم)(2) ثم نهضوا الى المسجد فصعد عبدالرحمن المنبر، ونادى علياً ثم أخذ بيده وقال (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال:

    (1) الطبري: 3/296.

    (2) الطبري: 3/301.


    اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، فأرسل يده ثم نادى: قم اليَّ يا عثمان، فأخذ بيده وهو في موقف علي الذي كان فيه فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال: اللهم نعم، فرفع رأسه الى سقف المسجد ويده في يد عثمان ثم قال: أللهم اسمع وأشهد، أللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان، وازدحم الناس يبايعون عثمان)(1) .

    وإذا حاولنا أن نفهم هذه القصة بلغة عصرنا، لا بأسلوب المؤرخين الذي قد يصعب على كثير منا، قلنا إن برنامج الخليفة الثاني لتعيين القيادة اشتمل على البنود التالية:

    1 ـ تشكيل مجلس شورى من سبعة أعضاء أحدهم لا يحق له ترشيح نفسه.

    هؤلاء الأعضاء هم:

    علي بن أبي طالب، وكان مرشحا للقيادة.


    (1) الطبري: 3/301 ـ 302. وانظر التفاصيل في العقد الفريد: 4/273 وما بعدها.
    عثمان بن عفان، وكان مرشحا للقيادة.

    عبدالرحمن بن عوف، وهو زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأمها.

    أروى بنت كريز، وأروى هي أم عثمان، فهمو بهذا زوج أخت عثمان لأمه.

    سعد بن أبي وقاص، وهو ابن عم عبدالرحمن بن عوف.

    طلحة بن عبيدالله، وكان غائباً لم يحضر.

    الزبير بن العوام، وكان ابن خال فاطمة (ع) زوجة أحد المرشحين.

    عبد الله بن عمر، رأيه استشاري، وهو ابن الخليفة، ومواقفه من أحد المرشحين (الإمام علي) معروفة مسجلة.

    2 ـ قتل من حاز على نسبة أقل أو حتى متساوية من الأصوات، ورفَضَ مبايعة من وقع عليه الإختيار.

    3 ـ عند تساوي الأصوات توضع سلطة التحكيم في يد ابن الخليفة، فإن رفض قراره، رجح المرشح الذي يميل معه عبدالرحمن بن عوف.




    4 ـ مدة التشاور ثلاثة أيام

    نعم كان لكل واحد من أعضاء المجلس حق الترشح للقيادة، إلا أن جميع الأعضاء وكذلك عامة الناس، كانوا يفهمون أن السباق ليس إلا بين علي وعثمان، ومن ثم ذكرت كلاً منهما على أنه مرشح للقيادة.

    وفي كلام الامام علي عليه السلام تأييد لهذا كما سترون فيما بعد.

    ثم أسفر المجلس عن إيكال سلطة حسم المشكلة الى عبدالرحمن بن عوف بناء على اقتراحه هو نفسه، فصار له وضع القيادة المؤقتة التي أنيطت بها مسئولية اختيار القيادة الجديدة، أي أن السلطة التي أجرت الانتخابات ـ بمفهوم عصرنا ـ كانت تميل مع أحد المرشحين، وتربطها به صلة نسب قوية.

    وانتهى الأمر ببيعة عثمان (رض).

    واذا أزلنا قليلاً من الصدأ الذهني والفكري اللاصق على عقولنا وأفهامنا، وحاولنا فهم ما جرى في حجاب عن زوابع العاطفة قلنا:


    أولاً:

    إن تشكيل المجلس وإنتقاء أعضائه لم يتم على أساس مفهوم واضح، فما هي شروط الأهلية هنا ؟ ولماذا لم ينتق الخليفة غير من انتقى ؟ ولماذا لم يمثل فيه الأنصار، وهم قوة سياسية كبيرة بالمجتمع آنذاك ؟


    ثانياً:

    إن إنتقاء ستة أعضاء ثلاثة منهم أقرباء فيما بينهم، وفيهم أحد المرشحين، ثم تركيز سلطة الفصل في الأمر عند التساوي في يد ابن الخليفة المعادي لأحد المرشحين، فإن لم يكن ففي يد قريب أحد المرشحين دون سبب شرعي لهذا الإجراء، كله من تفضيل لعبد الرحمن بن عوف، أو وضع القرار في يديه، أمر لا يفهم منه إلا وضع هذه الصيغة السياسية والدستورية بحيث يصبح فوز أحد المرشحين ـ وهو هنا عثمان بن عفان ـ أمراً محتوماً، وتبقى المسألة إجراء صورياً لذر الرماد في الأعين، والتخييل على الناس بأن الأمر تم عن طريق الشورى.

    وأقل ما يوصف به مثل هذا المجلس في عرفنا ـ على الأقل من حيث التشكل ـ أنه غير محايد، لأن مجموعة الأقارب التي تربطها وشائج القرابة، وعلاقات المصالح، يمتنع أن تتفق على غير
    مرشحها، فإذا تساوت الأطراف فالسلطة في يدها، وهو ما يجعل الفريق الآخر لا قيمة له، ولا فرصة أمامه.

    من أجل هذا رأينا الإمام علي (ع) يسخر من مجلس الشورى في بعض كلامه ويقول (حتى إذا مضى لسبيله (أي عمر) جعلها (أي القيادة) في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله ويا للشورى... فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره)(1) ويعلق على الصيغة السياسية التي وضعها عمر فيقول (قرن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبدالرحمن، وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فيوليها عبدالرحمن عثمان أو عثمان عبدالرحمن، فلو كان الآخران (يعني طلحة والزبير) معي لم ينفعاني، بل إني لأرجو إلا أحدهما)(2) أي أنه كان يتوقع بقاء الزبير فقط معه وانحياز طلحة عثمان وهو ما حدث.

    (1) نهج البلاغة بتعليق الدكتور صبحي الصالح، ص49، بيروت1967.

    (2) الطبري: 3/294.
    وأكرم عثمان طلحة، وخصه بالعطاء طوال مدة خلافته حتى حصر فكان أشد الناس عليه (فكان طلحة إذن يمثل نوعاً خاصاً من المعارضة رضي ما أتاح الرضا له الثراء والمكانة، فلما طمع في أكثر من ذلك عارض حتى أهلك وهلك)(1)


    ثالثاً:

    إن إصدار عمر (رض) أمره بقتل من حاز على أصوات أقل أو تساوى في الأصوات ولم يبايع، لم يكن له سند من كتاب ولا سنة، فإن حصل مرشح على نسبة أصوات أعلى، وآخر على عدد أقل فما الداعي لقتل الثاني ؟ وبأي شريعة يقتل ؟ وهل يبيح الإسلام قتل من لم يبايعوا أو كانوا في الأقلية أو من لم يفوزوا في الإنتخابات مثلاً ؟ أليس هذا الحكم من باب إرهاب الطرف الآخر كي يبايع ؟

    قد يقال إن عمر (رض) حكم بهذا خشية الفتنة، ومن باب الحرص على الأمة، فنقول: وفي أي شريعة يقتل المسلم بمجرد الخوف والتحسب، دون أن يرتكب ما يستوجب القتل فعلاً ؟



    (1) الفتنة الكبرى، طه حسين ص150، مصر 1962 م.


    وهل تأييد مرشح لم يحصل ـ بالإحتيال أم بغير الإحتيال ـ على عدد كاف من الأصوات يستحق العقوبة في الإسلام ؟

    أم أن الذي يستحق المحاسبة ذلك القائد والخليفة الذي يلجأ للحيل لإنجاح من يريد ؟

    ثم في النهاية نسأل: هل لابد أن تكون نسبة الفوز في الإنتخابات 99/99% بدون معارضة ؟ وماذا نقول لو أن حاكماً ممن يركبوننااليوم فعل مافعل عمر في معارضيه؟ أيكون على حق؟

    فإن قيل لا، فله أن يقول: لي في عمر بن الخطاب أسوة حسنة، ومن منا ينكر منزلة عمر ؟

    وإن قيل نعم يحق له، قلنا: فلا ينبغي إذن أن نعترض إذا انتقى أحد الذين يركبوننا مجلس شورى على عينه، وسلك كل سبيل ليأتي في الحكم بمن يريد، وقتل من فازوا بأقلية الأصوات خشية الفتنة !


    رابعاً:

    إن العهد الذي أخذه عبدالرحمن بن عوف من المرشحين كشرط لتولي القيادة أيضاً فيه كلام.

    فالإمام علي (ع)


    ـ كما هو معروف ـ كان أعلم من في الأمة، وكانت فيه بلا شك كبرياء العلماء، ولا يصح إقرانه بغيره بإجماع المسلمين قديماً وحديثاً.

    وإلزامه باتباع الكتاب والسنة أمر جد مقبول ولا غبار عليه، أما إلزامه باتباع أعمال أبي بكر وعمر فقد كان استفزازاً، كما أنه ما أنزل الله به من سلطان، فأين الدليل على أن الإلتزام بأعمال أبي بكر وعمر (رض) شرط للخلافة وإدارة الدولة لا تفلح إلا به ؟

    ولقد كان لعلي دون ريب مآخذ على أخطاء سياسية ارتكبها الشيخان خلال مدة حكمهما، وكان أعلم منهما، فهل يصلح أن يكون الإلتزام بأخطاء السلف دستوراً للعمل في الدولة ؟

    وطبيعي أن رجلاً كعلي لا يقبل الإقرار بالإلتزام بهذه المخالفات التي ندم عليها من فعلوها أنفسهم.

    ثم إن هذا الشرط لم يضعه عمر في الدستور الذي تركه ـ إن جاز لنا اعتبار ما تركه بمثابة دستور للدولة ـ ولم يكن هذا الشرط إلا تعديلاً تعسفياً في الدستور أجراه عبدالرحمن بن عوف بمزاجه لحاجة في نفسه.


    ودعنا نفترض جدلاً صحة هذا الدستور شرعاً، فهل سار عليه عثمان في خلافته ؟ أم أنه انحرف عنه إنحرافاً كبيراً كما هو مشهور في التاريخ ؟ ولماذا لم يذكر أحد هذا الشرط حين رأوا المخالفات، ولماذا لم يعزل لإخلاله بالشرط الذي لولاه ما أعطيت له القيادة ؟

    ألا تنص الشريعة علىأن الخليفة إذا لم يف بشروط استخلافه عزل ؟

    والإستفزاز الذي ذكرنا لتونا فطن إليه الإمام علي عليه سلام الله حين خلا عبدالرحمن بن عوف به ثلاث مرات يسأل: لنا الله عليك إن وليت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، حتى قال له الإمام في المرة الأخيرة (إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معها الى أجيرى (بكسر الهمزة وتشديد الجيم أي الطريقة والسنة) أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر (يعني القيادة) عني(1) ودفع القيادة لعثمان لما وافقه على هذا الشرط.


    (1) تاريخ اليعقوبي: 1/162.
    والواقع أن تشبث عبدالرحمن بن عوف بضرورة الإلتزام بأعمال أبي بكر وعمر، ينبغي أن نفهمه في ضوء التيارات السياسية والتغييرات الإجتماعية والإقتصادية التي طرأت على المجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول عليه السلام، ونتيجة للسياسة الإقتصادية بوجه خاص التي سارت عليها الدولة في عهد الشيخين لا سيما عمر، ذلك أن هذه السياسة أدت الى تغييرات في الدولة، ورفعت فئة على فئة على النحو الذي أشار اليه أستاذنا الشهيد سيد قطب في كتابه العدالة الإجتماعية.

    وكان الإمام علي معروفاً بمخالفته هذه السياسة، مشهوراً بفقره وزهده وحبه للمساواة وللفقراء والمستضعفين، فبرز كقائد سياسي وديني لهذا التيار فالتف حوله أتباعه، ولذلك كثيراً ما روى عن عمر قوله (قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولى رجلاً أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق وأشار الى علي)(1) وقال (لله درهم إن ولوها الأصيلع (يقصد علياً)


    (1) الطبري: 3/293.العقد الفريد: 4/274.


    كيف يحملهم على الحق وإن كان السيف على عنقه).

    قال محمد بن كعب: فقلت أتعلم ذلك منه ولا توليه ؟ فقال إن تركتهم فقد تركهم من هو خير مني)(1)

    وقال مرة أخرى عنه (أحربه أن يحملهم على الحق)(2) وقال لابنه (ان ولوها الأجلح يسلك بهم الطريق المستقيم ـ يعني علياً ـ فقال ابن عمر: فما منعك أن تقدم علياً ؟ قال أكره أن أحملها حياً وميتاً)(3)

    وقد روت الكثرة من كتب الحديث والتاريخ هذا النص بروايات وألفاظ مختلفة، مما يدل على أن عمر وغيره من الصحابة آنذاك كانوا يعرفون أن علياً إذاجاء الى السلطة، أخذ الدولة على طريق الحق، واشتد في إحقاقه دون محاباة، مما يضر بمصالح فئة


    (1) الرياض النظرة: ص/95.

    (2) الطبري: 3/294.

    (3) الرياض النظرة: 2/95.
    معينة ليسوا على استعداد لتحمل تبعة سياسة المساواة والإنصاف التي سيتبعها علي (ع).

    والذي نذكره هنا أن هذا التغيير الإقتصادي والإجتماعي الذي نشأ في خلافة عمر وندم عليه قبل موته(1) زاد واستفحل في عهد عثمان (رض) حتى عصفت نتائجه بالدولة عصفاً.

    ولم أقف على أحد من القدماء أو المحدثين تناول بالتاريخ عصر الخلافة إلا وأشار من قريب أو بعيد، تلميحاً مرة وتصريحاً عشرات المرات، الى أن سياسة عثمان الإقتصادية خاصة والإدارية عامة كانت سبب تنافس الصحابة ـ أو أكثرهم ـ ثم اقتتالهم فيما بعد.

    فلقد أحدثت سياسته المالية والاقتصادية الخاطئة انقلاباً هائلاً في وضع المجتمع العربي آنذاك، فبرزت قطع من نسيجه وانخفضت قطع أخرى، ففقد وحدة الإنتماء الإقتصادي وطابع المساواة الذي تركه عليه رسول الله، وظهرت الطبقات بمعالمها واضحة (وبلغ نظام الطبقات غايته بحكم هذا الانقلاب،


    (1) الفتنة الكبرى ص8.
    فوجدت طبقة الارستقراطية العليا ذات المولد والثراء الضخم والسلطان الواسع، ووجدت طبقة البائسين الذين يعملون في الأرض، ويقومون على مرافق هؤلاء السادة، ووجدت بين هاتين الطبقتين المتباعدتين طبقة متوسطة هي طبقة العامة من العرب الذين كانوا يقيمون في الأمصار، ويغيرون على العدو ويحمون الثغور، ويذودون عمن وراءهم من الناس وعما وراءهم من الثراء، وهذه الطبقة المتوسطة التي تنازعها الأغنياء ففرقوها شيعا وأحزاباً(1) وكان الإمام علي ـ كما تشهد سيرته وأحواله وأقواله ـ زعيما للبؤساء والمستضعفين والمحرومين (ولم يكن الخداع والحيل من مذهب علي عليه السلام، ولم يكن عنده غير مر الحق)(2)

    فمواقف رجال مجلس الشورى أثناء بيعة عثمان لا يمكن فصلها عن مشاعر البشر، والمكاسب التي حققوها في ظل سياسة

    ____________

    (1) نفس المصدر: ص109.

    (2) الفخري لابن طباطبا: ص63، مصر 1339هـ.
    اقتصادية معينة، فكانت المفاضلة بين عثمان وعلي لا على أساس الأكفأ والأحق، بل على أساس الحفاظ على الوضع الراهن والسياسة المفيدة، ومن هنا نفهم الإصرار على ضرورة اتباع سيرة أبي بكر وعمر، ثم الميل من بعد الى من يرجى منه عدم المساس بالمكاسب المادية والإجتماعية التي نالوها فيما سبق.

    نقل ابن خلدون في مقدمته عن المسعودي قوله (في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار، وخلف إبلاً وخيلاً كثيرة، وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف ألف فرس وألف أمة، وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك، وكان على مربط عبدالرحمن بن عوف ألف فرس، وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم.

    وبلغ الربع من متروكة بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً، وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ما يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بمائة ألف دينار.


    وبنى الزبير داره بالبصرة وكذلك بنىبمصر والكوفة والإسكندرية، وكذلك بني طلحة داره بالكوفة، وشيد داره بالمدينة وبناها بالجص والآجر والساج.

    وبني سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، ورفع سمكها وأوسع فضاءها، وجعل على أعلاها شرفات)(1)

    هكذا كان وضع أكثر أعضاء مجلس الشورى وما حققوه من مكاسب اجتماعية وسياسية، لا يمكن إغفال دورها في صياغة الأحداث عند تقييمنا لوقائع تاريخنا السياسية الهامة.

    ثم إن ابن سعد روى نصاً غريباً خلاصته أن سعيد بن العاص أتى عمر يستزيده في الأرض ليوسع داره فوعده الخليفة بعد صلاة الغداة وذهب معه حينئذ الى داره، يقول سعيد:

    (فزادني وخط لي برجليه، فقلت يا أمير المؤمنين زدني فإنه نبتت لي نابتة من ولد وأهل، فقال: حسبك، واختبيء عندك (يعني اجعل الكلام في سرك) أنه سيلي الأمر من بعدي من يصل رحمك، ويقضي حاجتك.

    قال فمكثت خلافة عمر بن الخطاب

    (1) المقدمة: ص204 ـ 205.


    حتى استخلف عثمان وأخذها عن شورى ورضا، فوصلني وأحسن، وقضى حاجتي، وأشركني في أمانته)(1)

    فإن صحت هذه الرواية جاز لنا أن نتساءل كيف عرف عمر (رض) أن عثمان سيلي الأمر بعده ؟ أكان ذلك ضرباً من الكشف أم أمراً آخر ؟ وإن كان كشفاً فلماذا يأمره بأن يجعل الكلام في سره ولا يبوح به لأحد ؟

    وهناك رواية أخرى تقول (إن عمرو بن العاص كان قد لقي علياً في ليالي الشورى فقال إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وأنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة، فإنه أرغب له فيك.

    ثم لقي عثمان فقال إن عبدالرحمن رجل مجتهد وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة فاقبل)(2) أي أن عمرو بن العاص خدع علياً وقال له إن عبدالرحمن إذا سألك أتبايع على كتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، فقل له بل جهدي


    (1) طبقات ابن سعد: 5/31، بيروت 1957.

    (2) الطبري: 3/302.
    من ذلك وطاقتي، لأن هذا يعجب عبدالرحمن.

    ثم قال لعثمان أن يقول نعم، لأن ذلك سيجعله فيك أرغب.

    ومع أنني لا أعتقد بصحة هذه الرواية لأن شخصية الإمام علي (ع) لم تكن بهذا الضعف، كما لم تكن شخصية انتهازية ترضى بسلوك أي وسيلة لتصل الى غايتها، وتجلس في السلطة، وهو الزاهد الذي كان يرى الدنيا بأسرها أهون من عفطة عنز، إلا أن الرواية، بافتراض صحتها، تشير الى أن الأمر لم يخل من خداع.

    وسواء كانت لعبة الشورى، أم مشورة عمرو، فالقرار الذي أصدره الإمام علي (ع) بشأن كل ما حدث في تولية عثمان أنه (خدعة وأيما خدعة)(1) أما معاوية فقال عن شورى عمر فيما بعد (لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهواءهم ولا خالف بينهم إلا الشورى التي جعلها عمر الى ستة نفر)(2)


    (1) الطبري: 3/302.

    (2)العقد الفريد: 4/281.


    ولأنها كانت كذلك ولم تكن صافية بلا شوائب، أدت الى ما نعرفه من حوادث، وكما ندم أبو بكر (رض) على تقمصها ندم عبدالرحمن بن عوف على فعله حتى قال لعلي (ع) (إن شئت أخذت سيفك وآخذ سيفي فإنه خالف ما أعطاني وروي كذلك أنه قال لبعض الصحابة في المرض الذي مات فيه (عاجلوه قبل أن يطغى ملكه)(1) وعاش عبدالرحمن بن عوف لم يكلم عثمان أبداً حتى مات(2)

    تلك هي بيعة عثمان أو الشكل الثالث من أشكال تعيين القيادة في جيل حمل الرسالة، فاقتدينا به.

    فإن جاء أحد ممن نطأطيء لهم فيركبوننا كالمطايا، وتأسى بهذه الأسوة وأتى من الأفعال ما تشابه وأفعال قدوتنا، فكيف نوقفه عند حده، وكيف نمنعه، ما دامت هذه الممارسات تتحكم فينا، لأننا قدسنا فاعليها وقدسناها معهم، ولا يجوز لنا الاعتراض عليها أو عليهم.

    (1) الفتنة الكبرى: ص172.

    (2) العقد الفريد: 4/280.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-03-24
  3. نورالحسين

    نورالحسين عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-08
    المشاركات:
    63
    الإعجاب :
    0
    موضوع جيد ياكرار

    شكرا على الطرح
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة