عيد الأم ووالديك فأطعهما وبرّهما حيّين كانا أو ميّتين

الكاتب : كرار المحن   المشاهدات : 487   الردود : 0    ‏2007-03-21
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-03-21
  1. كرار المحن

    كرار المحن عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-11-03
    المشاركات:
    300
    الإعجاب :
    0
    عيد الأم

    لأن من رسالة الإسلام الرحمة لا العقوق

    "ووالديك فأطعهما وبرّهما حيّين كانا أو ميّتين"


    العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

    يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً}. ويقول الله سبحانه وتعالى أيضاً: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إليّ} {ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}.

    الإقرار بنعمة الله

    في يوم الأم الذي يحتفل به العالم في الحادي والعشرين من آذار في كل عام ، نتوقف عند إيحاءات هذا اليوم ، الذي يركز على تكريم هذه الأم العظيمة التي أكّد الله سبحانه وتعالى وكتابه الكريم على حقها ، وحق الأب ،وإن كان الاهتمام انصب على الأم لتحملها معاناة أشد من معاناة الأب {حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً} {حملته أمه وهناً على وهن}، ولكن الفكرة واحدة، وهي أن الإسلام يريد أن يركز في وجدان الإنسان إنسانيته في الاعتراف بنعمة الوالدين عليه، تماماً كما هو إحساسه بنعمة الله عليه، لأن أعظم نعمة عند الإنسان هي وجوده في هذه الحياة، ذلك أن الإنسان لا يخرج من العدم إلى الوجود إلا بعد أن يمنحه الله استعدادات ذاتية ، يصل من خلالها إلى أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة ، فالله من خلال ما أعطاه للإنسان من روح وعقل وإرادة وأعضاء وأجهزة في جسمه، وما سخر الله له من السموات والأرض، ومن كل ما فيهن، أراد منه أن يكون الإنسان الذي ينمي عقله ليعطي الحياة من عقله عقلاً، ويربي قلبه ليعطي الحياة من قلبه المحبة، وينمي طاقاته من أجل أن يعطي الحياة من طاقاته ما تغتني به، حتى إذا فارق الدنيا ورحل جسده عنها بقيت طاقاته فيها.

    ثم بعد ذلك إذا أدّى حق الله في نعمة الوجود وفي كل مفرداته، وحرك ما أعطاه الله كانت له الدار الآخرة حياة جديدة يعيش فيها في أفضل حالاته {ورضوان من الله أكبر}.

    لذلك فإن قيمة الأبوين في البداية هي أن الله جعلهما السبب المباشر لوجود الإنسان، فالإنسان وجد بقدرة الله، ولكن كان الوالدان الوسيلة لإنجابه، وهكذا بدأت المعاناة في الأم عند النطفة (رحلة الوجود) {حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً}، ونحن نعرف جميعاً ما تعانيه الأم أثناء فترة الحمل، وكيف ترتبك أجهزة جسمها، وما تواجهه من خطر في الوضع وما تعانيه في إرضاعه، حيث يرضع من دمها الذي يتحول إلى لبن، ويعيش دفء الحياة في أحضانها ويتحسس الأمن والقوة في رعايتها، وما تعانيه في التربية وفي الحضانة،في حين يتحرك دور الأب في رعايته من خلال الجهد الذي يبذله في تحصيل شروط حياة الولد مما يجاهد فيه من أجل عائلته.

    شكر الله من شكر الوالدين

    ولذلك فإن الأبوين يعطيان لولدهما من حياتهما الكثير، ويبذلان جهدهما في الحياة من أجل أن يحيى أكثر ويقوى أكثر وينمو أكثر، وهما فرحان بكل هذه المعاناة، وبكل هذا التعب، يتطلعان إليه كيف ينمو بين أيديهما، وهما يتألمان، ولكنه الفرح في قلب الألم، ويتعبان، ولكنها الراحة في قلب التعب، ويضحيان ولكنه الغنى في قلب التضحية.

    لذلك مهما تصورنا ما يقدمه الأبوان، الأم أولاً، والأب ثانياً للولد، فإنه لا يستطيع أن يقوم بجزء من هذا الحق. يقال أن شخصاً سأل النبي(ص) أنه أعطى أبويه كل جهده وكل طاقته، فرعاهما رعاية كأفضل ما تكون، فهل أدّى حقهما؟ قال له: لم تؤد حقهما بذلك، لأنهما خدماك وجاهدا في سبيلك وهما ينتظران حياتك إما أنت فتعطيهما وأنت تنتظر مماتهما، وهذا هو الفرق بينك وبينهما. إنك لن تستطيع أن تعوض أمك عن طلقة تصيبها عند الولادة، وعن كل ما تعيشه من آلام الحمل الذي يربك كل حياتها.

    ولهذا ربط الله شكر الوالدين بشكره {وأن اشكر لي ولوالديك}، لأن الإنسان إذا لم يتحسس النعمة في ما يقدمه الوالدان فإنه لا يعيش تحسس النعمة فيما يقدمه الله، لأن الله هو الذي هيأهما لك، وهو الذي جعل سر الحياة والنمو في النطفة وفي البويضة، وجعل سر النمو بعد ذلك {علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم كسونا العظام لحماً}.

    الإحسان والبر بالوالدين

    وقد تحدث النبي(ص) في أكثر من حديث مما نقله أئمتنا من أهل البيت سلام الله عليهم حول هذا الموضوع، في ما ورد عن الإمام الصادق(ع) في تفسير هذه الآيات، عن أبي ولاّد الحناط قال: سألت أبا عبد الله جعفر الصادق(ع): {وبالوالدين إحساناً}؟ ما هذا الإحسان؟ فقال: "الإحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئاً مما يحتاجان إليه، وإن كانا مستغنيين ـ أرصد حاجة والديك مما يحبان أن يأكلاه أو يشرباه أو يلبساه أو يحصلا عليه فقدمه إليهما حتى لو كانا مستغنيين عن ذلك تعبيراً عن رعايتك لهما، وعن الإحسان إليهما ـ أليس الله يقول ـ ثم يستشهد الإمام(ع) في الآية ـ {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وقال {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما }، قال: إن أضجراك ـ عندما يبلغ الأب أو الأم السبعين أو الثمانين سنة، فيسوء خلقهما من خلال السن، أو من خلال طبيعة المزاج، حيث قد يبتلى الإنسان بأبوين يملكان مزاجاً سيئاً في كثير من الحالات، وهونوع من البلاء الذي يجب على الإنسان أن يصبر عليه { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما إن ضرباك ، لأن الابن يبقى بتصور الأهل ولداً حتى ولو صار عمره خمسين سنة.

    فقد يضرب الأب أو الأم الابن ولو كان شرعاً لا يجوز ذلك، فالإمام(ع) يقول: فلا تنهرهما إذا ضرباك، وقل لهما قولاً كريماً، ويقول الإمام(ع):" إن ضرباك فقل لهما غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم، قال الله { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة }، ثم قال الإمام (ع) : لا تمل عينيك بالنظر إليهما إلا برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدم قدامهما"، إلا إذا كان هناك حاجة إلى ذلك.

    وعن أبي عبد الله(ع) قال: "أدنى العقوق أف ولو علم الله شيئاً أهون منه لنهى عنه، ومن نظر إلى أبويه نظر ناقص لهما وهما ظالمان لم يقبل الله له صلاة".

    وعن أبي عبد الله(ع) قال: "ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين أو ميتين يصلي عليهما ـ الصلاة أو الصوم، حيث يفتي علماؤنا بأن يقضي الولد الأكبر ما فات والده، من صوم أو صلاة ـ ويتصدق عنهما ويحج عنهما ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما له مثل ذلك فيزيده الله ببره وفي صلاته خيراً كثيراً". وهكذا ورد أن رجلاً أتى النبي(ص) فقال: أوصني، قال: "لا تشرك بالله شيئاً، وإن أحرقت بالنار وعُذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان، ووالديك أطعهما وبرهما حيّين كانا أو ميّتين".

    وعن معمر بلا خلاد قال، قلت لأبي الحسن الرضا(ع): أدعو لوالديّ إذا كانا لا يعرفان الحق؟ قال(ع): "ادع لهما وتصدّق عنهما، وإن كانا حيّين لا يعرفان الحق فدارهما، فإن رسول الله(ص) قال: إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق"، حتى لو كان والدك أو والدتك على خلاف الحق، فإن عليك أن ترحمهما وأن تدعو لهما فإنك لو لم تفعل ذلك لكنت في وضع العاق.

    وعن أبي جعفر الباقر(ع) قال: "ثلاث لن يجعل الله لأحد فيهن رخصة، أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين". وعن هشام بن سالم قال: جاء رجل إلى النبي(ص) فقال: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال(ص): "أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال أباك". حيث هناك فرق شاسع بين الأمومة والأبوة، فالأبوة لا تكلف الأب شيئاً في جسده، أما الأمومة فهي تقلب حياة الأم رأساً على عقب، كما أن الجهد الذي تبذله الأم أكبر بكثير مما يبذله الأب.

    وورد في الحديث عن أبي جعفر الباقر(ع) قال: قال موسى(ع): يا رب أوصني، قال: أوصيك بك أو بي ـ ثلاث مرات ـ ؟ بك: ـ أي بنفسك ـ حاول أن تربي نفسك وأن تخلص لها بأن تسيرها في خط الإيمان والتقوى، أو بي: أي أن تعيش لربك وأن تخلص له وتعرفه وتتقيه، وفي أن يجعل الإنسان نفسه في موقع القرب من الله، فهذه تحتاج إلى جهد واهتمام، لأنها تمثل المصير بالنسبة له، كذلك المعرفة بالله فإنها تمثل قضية المصير، فكلما كان إلى الله أقرب كان في سعادة أكبر ـ قال: رب أوصني، قال: أوصيك بأمك مرتين، قال: يا رب أوصني: قال: أوصيك بأبيك. والإمام(ع) ـ يعلق ـ فكان لأجل ذلك يقال إن للأم ثلثي البر وللأب الثلث.

    وفي الكافي جاء عن جابر: "أتى رجل إلى رسول الله، فقال: إني رجل شاب نشيط وأحب الجهاد، ولي والدة تكره ذلك، فقال له النبي(ص): ارجع فكن مع والدتك، فوالذي بعثني بالحق نبياً لأنسها بك ليلة خير من جهادك في سبيل الله سنة". وهذا في غير الحالات التي يكون فيها الجهاد ضرورة تحتاج إليه الأمة.

    التمثل بأخلاق الإسلام

    وهكذا في قصة حصلت للإمام الصادق(ع) مع أحد أصحابه من النصارى، وهو زكريا بن إبراهيم، الذي نقل عنه أنه قال: كنت نصرانياً فأسلمت وحججت، فدخلت على أبي عبد الله(ع) فقلت: إني كنت على النصرانية وإني أسلمت، قال(ع): وأي شيء رأيت في الإسلام؟ قلت: قول الله {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء} لقد دخل هذا النور في قلبي من خلال ما قرأته عن الإسلام ووعيته، فقال الإمام(ع): لقد هداك الله، اللهم اهده، اللهم اهده، اللهم اهده، سل عما شئت يا بنيّ، فقلت: إن أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي، وأمي مكفوفة البصر، فأكون معهم وآكل من آنيتهم، قال(ع): يأكلون لحم الخنـزير؟ فقلت: لا، ولا يمسونه، قال: لا بأس، فانظر أمك فبرها، وإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، ولا تخبرن أحداً أنك أتيتني حتى تأتيني بمنى إن شاء الله، قال: فأتيته بمنى والناس حوله كأنه معلم صبيان، وهذا يسأله وهذا يسأله، فلما قدمت الكوفة ألطفت لأمي، وكنت أطعمها وأفلي ثوبها ـ من القمل ـ ورأسها وأخدمها، فقالت: يا بني ما كنت تصنع هذا وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية ـ بالإسلام ـ، فقلت: رجل من ولد نبينا أمرني بهذا، فقالت يا بني إن هذا نبي، إن هذه وصايا الأنبياء، قلت: يا أمّه لن يكون بعد نبينا نبي، ولكنه ابنه، فقالت: يا بني دينك خير دين، اعرضه عليّ، فعرضته عليها، فدخلت في الإسلام وعلمتها، فصلّت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم عرض لها عارض في الليل، فقالت يا بني أعد عليّ ما علمتني، فأعدته عليها، فأقرت به وماتت، فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها.

    نستفيد من هذه القصة بعدة نقاط، فالنقطة الأولى هي ما ذكرناه من أن على الإنسان أن يبر والديه بأفضل ألوان البر حتى لو لم يكونا مسلمين. والنقطة الثانية: أن على المسلم أن يتمثل أخلاق الإسلام بأفضل ما يكون، فإن هذا هو أفضل دعاية للدخول في الإسلام، حيث هز الجانب الأخلاقي الروحي لهذه المرأة كل كيانها وتبدى لها الإسلام الدين الذي يفتح الإنسان على إنسانيته في أخلاقه حتى مع اختلاف الدين، وبذلك جذبها للإسلام من دون أن يدعوها إليه، وهذا ما دعا إليه الإمام الصادق(ع): "كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الصدق والخير والورع، فإن ذلك داعية". فكلما كنت صادقاً أكثر كلما كنت خيراً أكثر، وكنت ورعاً أكثر كلما جذبت الناس إلى دينك أكثر.

    وهذا ما يحتاجه الأخوة الذين يعيشون في المجتمعات الأخرى التي تختلف عن ديننا وخصوصاً في المغتربات، أن يكونوا الأمناء الصادقين الورعين الخيّرين الذين يحفظون أمن الناس وحياتهم هناك، فإن ذلك يعطي الصورة المشرقة عن الإسلام بدلاً من الذين يعطون الصورة المظلمة عنه.

    هذه هي أخلاق الإسلام، وهذا هو تراث الأئمة من أهل البيت(ع)، فمن يريد السير في خط محمد(ص) والأئمة الهداة من أهل بيته، فإن هذا الخط هو خط الأخلاق وخط الإنسانية في جميع مجالات الحياة.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة