حكم زواج المسلم بالكتابية الحلقة (7)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 541   الردود : 1    ‏2002-09-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-09-06
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    حكم زواج المسلم بالكتابية (7)

    [هذه الحلقات من رسالة طبعت بهذا العنوان، وقد نفدت، ولشدة حاجة المسلمين، ولا سيما في الدول غير الإسلامية فضلت نشرها على حلقات.]

    تابع للقول بتحريم زواج المسلم بالكتابية:

    الدليل الثاني على تحريم الزواج بالكتابية:
    ما ورد من الآثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من النهي عن زواج المسلم بالكتابيات، كما مضى عن عمر وابنه عبد الله وابن عباس، رضي الله عنهم.

    فقد نهى عمر رضي الله عنه طلحة وحذيفة عن إمساك امرأتيهما الكتابيتين، وغضب غضباً شديداً عليهما بسبب ذلك الزواج، وهم أن يسطو عليهما، وعندما قالا له: نحن نطلق ولا تغضب، قال لهما: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم صغرة قماء، وهذا يدل على أن نكاح الكتابيات باطل من أصله عند عمر.

    ونقل ابن جرير عن ابن عباس ما يدل على تحريم نكاح الكتابيات، كغيرهن من الوثنيات.

    وأما ابن عمر فقد صرح بأنه لا يعلم شركاً أعظم من قول النصرانية: ربها عيسى وهو عبد الله.

    فهذه الآثار واضحة في دلالتها على التحريم.

    وأجاب الجمهور عن هذا الدليل، فقالوا:
    إن عمر رضي الله عنه إنما كره زواج المسلم بالكتابية، ولم يحرمه، وقد صرح بعدم التحريم عندما أمر حذيفة أن يفارق امرأته اليهودية، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: لا، ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن. [أحكام القرآن(1/333) للجصاص].

    وذكر ابن جرير رحمه الله عن ابن عباس رواية أخرى، تدل على أنه يرى جواز نكاح المسلم الكتابية، فقد روى بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (( وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ )) [البقرة: 221]. ثم استثنى أهل الكتاب فقال: (( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ـ حل لكم ـ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )) [المائدة: 5].

    وذكر ابن جرير كذلك عن عمر رضي الله عنه القول بالجواز، فروى بسنده عن زيد ابن وهب، قال:
    قال عمر: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.

    ثم قال – ابن جرير:
    وإنما كره لطلحة وحذيفة - رحمة الله عليهم – نكاح اليهودية والنصرانية، حذراً من أن يقتدي بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما.

    ثم روى – ابن جرير – بسنده عن شقيق قال:
    تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن(2/376-378)]

    فهذه الروايات تدل على أن غاية ما قصده عمر وابن عباس، هي الكراهة، ولم يريدا التحريم، وبذلك يُجمَع بين الروايات عنهما.

    وأما ابن عمر، فقد روي عنه الكراهة، كما روى عنه نافع أنه كان لا يرى بأساً بطعام أهل الكتاب، وكره نكاح نسائهم، ولما سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية، قال: إن الله حرم المشركات على المسلمين قال: فلا أعلم من الشرك شيئا أكبر – أو قال - : أعظم من أن تقول ربها عيسى وهو عبد من عباد الله.

    قال الجصاص: رحمه الله – بعد أن ساق الروايتين -:
    فكرهه في الحديث الأول ولم يذكر التحريم، وتلا في الحديث الثاني الآية ولم يقطع فيها بشيء، وإنما أخبر أن مذهب النصارى شرك. ثم ذَكَر عنه رواية أخرى استنبط منها أن ابن عمر رضي الله عنهما كان متوقفاً في الحكم.

    فروى بسنده عن ميمون بن مهران قال:
    قلت لابن عمر: إنا بأرض قوم يخالطنا فيها أهل الكتاب، فننكح نساءهم ونأكل طعامهم، قال: فقرأ عليَّ آية التحليل و آية التحريم. قال: قلت: إني أقرأ ما تقرأ، فننكح نساءهم ونأكل طعامهم، فأعاد عليَّ آية التحليل وآية التحريم.

    ثم قال الجصاص:
    قال أبو بكر: عُدُولُه بالجواب بالإباحة والحظر إلى تلاوة الآية دليل على أنه كان واقفا في الحكم، غير قاطع فيه بشيء.

    وما ذكره عنه من الكراهة يدل على أنه ليس على وجه التحريم، كما يكره تزويج نساء أهل الحرب من الكتابيات.[ أحكام القرآن(1/332-333)]

    تلك هي الآثار التي استدل بها القائلون بالتحريم، وهذه أجوبة من رأى الإباحة.

    وبهذا يعلم أنه لم يوجد دليل يقوى على معارضة آية المائدة الدالة على الإباحة.

    تنبيه:

    إن حَمْلَ الناس كلامَ ابن عمر على الكراهة التنزيهية، أو على التوقف، خلاف ظاهر كلامه.

    ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
    "وقال أبو عبيد: المسلمون اليوم على الرخصة، وروي عن عمر أنه كان يأمر بالتنزه عنهن من غير أن يحرمهن. وزعم ابن المرابط تبعا للنحاس وغيره، أن هذا مراد ابن عمر أيضاً، لكنه خلاف ظاهر السياق، ولكن الذي احتج به ابن عمر يقتضي تخصيص المنع بمن يشرك من أهل الكتاب، لا من يوحد، وله أن يحمل آية الحل على من لم يبدل دينه منهم". [ فتح الباري(9/416-417)]

    هذا، وقد يستدل مستدل على تحريم زواج المسلم بالكتابية بالنصوص الدالة على وجوب معاداة المسلمين للكفار وعدم موالاتهم، وبخاصة ما ورد في معاداة أهل الكتاب.

    كقوله تعالى:

    (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )) [ المائدة: 51]


    والموالاة تشمل المحبة والنصرة، والزوج لا بد أن يحب امرأته، وقد يميل إلى بعض ما تهوى مما لا يقره الإسلام، ولكن الاستدلال بهذا بعيد لأمور:

    الأمر الأول:
    أن الله تعالى الذي نهى المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، هو الذي أحل نساء أهل الكتاب للمسلمين، وهو يعلم تعالى ما يترتب على ذلك، والمؤمن مأمور أن يتقي الله ما استطاع.

    الأمر الثاني:
    أن محبة الزوج لامرأته هي من نوع المحبة الطبيعية التي لا تدخل في المحبة المنهي عنها، وهي المحبة الدينية، أي أن يحبها لدينها وأخلاقها وعاداتها التي تخالف شريعة الإسلام، فلا يضره أن يحب امرأته المحبة الطبيعية.

    وحكم امرأته الكتابية التي أحلها الله له كحكم أمه وأبيه وأقاربه المشركين، الذين قال الله تعالى في شأنهم:

    (( عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) )) [الممتحنة: 7ـ9]. والمقصود بالبر الصلة الدنيوية.

    الأمر الثالث:
    أن الأصل في المسلم الذي يتزوج الكتابية، أن يجتهد في دعوتها إلى الإسلام، لأن من أهم أهداف حلها له أن يرغبها في الإسلام لتدخل فيه.

    كما قال علاء الدين الكاساني:
    "فكان في نكاحه إياها رجاء إسلامها، فيجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة، بخلاف المشركة.." [بدائع الصنائع(3/1414) وراجع حاشية منهاج النووي(3/187)]

    والخلاصة:
    أن زواج المسلم بالكتابية التي لم تخرج عن دينها إلى الوثنية أو الإلحاد، جائز مع الكراهة، إذا تزوجها في دار الإسلام – وهي الذمية –

    وبهذا يعلم أن الراجح هو مذهب الجمهور لما مضى من الأدلة.

    وسبب القول بالكراهة خشية تأثير الكتابية على زوجها المسلم وأسرته وأولاده، بمعتقدها أو عاداتها وأخلاقها التي تخالف الإسلام. والله أعلم.

    كان ما سبق هو حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام، وفي الحلقة القادمة سنناقش حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-09-25
  3. الشهاب

    الشهاب مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-15
    المشاركات:
    1,735
    الإعجاب :
    0
    للرفع
     

مشاركة هذه الصفحة