الصراع بين الموحدين والتثليثيين في دين المسيح ابن مريم -عبر التاريخ- ونتائجه

الكاتب : الأموي   المشاهدات : 1,524   الردود : 25    ‏2007-03-17
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-03-17
  1. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    مثلما هناك صراع بين الموحدين من المسلمين وبين دعاة الانحرافات العقائدية والدينية، كانت هناك صراعات في كل الأديان السابقة...

    وهذه سنة الله في كونه وفي عباده، أن يتنازع الخير والشر....

    ليرى الله سبحانه وتعالى من ينصر دينه ويتمسك بتعاليمه التي أنزلها لعباده ويصبر من أجلها، ومن يزيغ ويغير ويبدل، ويتبع دعوات أهل الضلال والانحراف...

    وأنقل لإخواني هنا بحثا لي حول موضوع النزاع التاريخي بين الموحدين والتثليثيين (المحرفين للعقيدة المسيحية الصحيحة التي دعا إليها المسيح عليه السلام)، وكيف تطور ذلك النزاع، وكيف بدأ أمر هذه الديانة ثم كيف انتهى...

    راجيا من الله تعالى نفع من قرأ هذا المبحث وزيادة الخير والفقه والعلم له، مع عدم نسيان أخيهم من دعاء بظهر الغيب...
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-03-17
  3. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    الحمد لله وحده؛ والصلاة والسلام على رسل الله، ومن تبع هداهم، وبعد:

    فقد أرسل الله الرسل بدين الإسلام للناس كافة، وهو دين التوحيد وضد الشرك، فما من رسول إلا جوبه وعودي وحاول قومه قتله أو طرده، ثم يحمل الدين من بعده بعض أتباعه الصالحين، يدعون الناس للدين والحق، فمن استمسك بأصل الدين واتبع آثار النبي رضي الله عنه وشكر سعيه، ومن حرف وبدل فقد ضل.

    ومن أعظم رسل الله وخير خلقه نبيه وكلمته عيسى بن مريم عليه السلام، من أولي العزم من الرسل، جاء إلى بني إسرائيل يجدد لهم الدين ويخفف عنهم، ويبشرهم بالنبي الأمي، ويوصيهم باتباعه حين يظهر.

    والناظر إلى تاريخ النصارى العقدي وما مروا به من أطوار وتحولات يرى عجباً في تاريخ الأديان، وكيف تكون ثم تصير، وكيف يدخلها الانحراف والضلال، ويبقى رجال على الحق رغم ما يجدون من غربة وأذى، فهذه سنة من سنن الحياة.

    وهذا التاريخ جدير بالتمحيص والدراسة، واستخلاص الدروس والعبر.

    وتاريخ هذه الديانة – وقت كانت الدين الذي يقبله الله تعالى- تمتد ستة قرون قبل الإسلام، من سنة 27م وحتى سنة 629م الموافق 8 هـ، وتنقسم تلك الفترة إلى ثلاثة عصور متفاوتة هي:

    1- عصر الاضطهاد.

    2- عصر التمكين.

    3- عصر السقوط.

    وهاهنا استعراض سريع لتلك العصور والتطورات التي جرت فيها بإجمال.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-03-17
  5. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    أولاً: عصر الاضطهاد:

    يمتد هذا العصر عبر الثلاثة قرون الأولى من عمر النصرانية، وهو عصر استضعاف لأتباع المسيح، وعذابات وآلام كثيرة، كما أن بدعة اختراق هذا الدين ومحاولة إفساده كانت في هذا العصر فظهر فيه التثليث وبدأ ينتشر، ونلقي نظرة على هذا العصر في ثلاثة مباحث:

    أ‌- النشأة:

    أرسل الله عز وجل رسوله وكلمته عيسى بن مريم لبني إسرائيل ليجدد لهم دينهم، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وكان بنو إسرائيل –الذين تسموا يهوداً نسبة لأحد أجدادهم[1]- قد اعتادوا على تكذيب الأنبياء وإيذائهم، وقست قلوبهم، فجابهوا النبي الجديد الذي سبقته معجزات كثيرة تدفع الناس للإيمان به؛ أعظمها مولده من غير أب، وقد كانوا يعرفون ذلك جيداً؛ ولكنهم كعادتهم كذبوا الرسول وجحدوه، وما اتبعه إلا قليل منهم.

    وحتى ذلك القليل كان أكثرهم أهل تمرد وعصيان، وعانى عيسى عليه السلام منهم الشيء الكثير حتى أنه *** أولئك الكفرة[2]، وصاح فيهم طالباً النصير إلى الله، فلم يثبت معه إلا القلة القليلة من الحواريين[3].

    وقد بقي بعض بني إسرائيل في ادعائهم اتباع موسى، وأنهم على دينه وكذبوا عيسى عليه السلام وهم (الفريسيون)، واستمروا يؤذون عيسى عليه السلام، ويكيدون به، منطلقين من طبيعتهم التي جبلت على إيذاء أنبياء الله وأوليائه.

    وقد بعث عيسى عليه السلام في بيت المقدس وأكنافه في حوالي 27م وكانت تلك المناطق حينذاك تابعة للإمبراطورية الرومانية، وحاكمها (بيلاتوس النبطي)[4]، فوشى الفريسيون بالمسيح عليه السلام عليه السلام حين عرفوا مكانه إلى بيلاتوس الذي كان يبحث عنه ليقتله؛ كما قتل قبله النبي يحيى بن زكريا عليه السلام(يوحنا المعمدان)[5]، ثم قتل رجماً القديس (أسطفان) والقديس(يعقوب بن زكريا)[6].

    وقبض الملك بيلاتوس على من ألقي عليه الشبه من الحواريين وصلبه، وظن هو وأهل مملكته وبنو إسرائيل أن المسيح عليه السلام قد مات، ولكن الله رفعه إليه ونجاه من شرورهم؛ ليقضي أمراً كان مفعولاً.

    استمر عيسى عليه السلام رسولاً في بني إسرائيل –قبل أن يرفعه الله- بضع سنوات يعلمهم ويهديهم ويجري الله على يديه المعجزات فيبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فلما رفع الله نبيه[7]، تفرق الحواريون في بقاع كثيرة يدعون للدين الجديد(النصرانية) ويبشرون برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-03-18
  7. ياسر النديش

    ياسر النديش عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-05-06
    المشاركات:
    2,059
    الإعجاب :
    1
    بارك الله فيك أخي الأموي

    مزيداً من المفاهيم و الثقافات المتعلقة بالديانات اللأخرى

    سلمت مجدداً و تكررا
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-03-18
  9. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0

    شكرا على مرورك أخي ياسر...

    وجزيت خيرا...
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-03-18
  11. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    ب‌- الانتشار:

    هرب الحواريون من بطش بيلاتوس إلى خارج مملكة يهوذا، وانتشروا في البلاد؛ وكانت لهم جهود عظيمة في نشر الدين الجديد، فسماهم أتباعهم القديسون.

    تحرك (القديس بطرس) لنشر الدين في آسيا الصغرى وأنطاكية، ثم في روما حاضرة الدنيا حينذاك وعاصمة الامبراطورية الرومانية، وقد وصلها في حدود سنة 42هـ، وبطرس هذا في النصرانية أقرب أصحاب عيسى وأكثرهم اجتهاداً بعده وتحركاً للدعوة، وأعظم القديسين عندهم.

    كما انتشرت التعاليم الجديدة في فارس عن طريق (القديس توما)، وفي الهند عن طريق (القديس برتلماوس).

    وحقق قديسون آخرون نجاحات أقل كما أن بعضهم لم يسلم من وشايات اليهود للملك بيلاتوس[8].

    ثم ظهر شخص آخر هو (بولس) الذي تسمى قديساً رغم أنه لم يلق المسيح عليه السلام؛ ولم يكن من الحواريين، ونشر خبر الدين الجديد وتعاليمه ولكن بشكل محرف، ونجح نجاحاً كبيراً في الشام واليونان وإسبانيا، وكذلك آسيا الصغرى وروما عاصمة الإمبراطورية التي وصلها سنة 60م.

    وهكذا كتب لدين المسيح أن ينتشر رغم محاولة قتله من اليهود والوثنين، ورغم تتبع وإيذاء القديسين، وإخذ عن أولئك القديسين طلبة آخرون أخذوا بدورهم نشر هذا الدين الجديد حول تلك المناطق.

    واستمر النصارى طوال ذلك العصر مستضعفين في كل مكان حلوا فيه، وذلك بسبب معاداة الحكام حينذاك لكل جديد لم ينبثق من تعاليمهم ولم يخرج من تحت عبائتهم، وكان مما يزيد الاضطهاد للنصارى حينذاك التعارض الواضح بين دينهم الجديد والديانات المنتشرة حينذاك وهي ديانات تعدد الآلهة وتقديس الأوثان والكواكب، كما في الإمبراطورية الرومانية وسواها.

    واتخذ النصارى في تلك المرحلة أسلوباً سرياً في العبادة في كل مكان وصلوه[9]، وحاولوا التخفي بديانتهم، وقد كان الاضطهاد عنيفاً لهم في بعض الفترات، وكان في أشده زمن الإمبراطور (نيرون) الوثني الذي صلب (القديس بطرس) سنة 67م، وقطع رأس (بولس) سنة 69مـ في روما، واشتهر بارتكابه مذابح رهيبة حينذاك.

    ولم يمنع ذلك الاضطهاد الذي استمر ثلاثة قرون انتشار هذا الدين، وقام أتباعه برسم طقوس منظمة لهم؛ حتى أصبح لكل مدينة في الإمبراطورية الرومانية -ممن فيها نصارى- أسقفاً كمرجع لهم، ويتبع كل الأساقفة أسقف روما الأكبر، وكان أول من نصب أسقفاً أكبر (القديس بطرس) حواري المسيح عليه السلام.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-03-18
  13. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    جـ- الاختراق التثليثي للنصرانية:

    عقيدة التثليث والتي تعني تعدد الآلهة الخالقة هي فكرة وثنية قديمة انتشرت عند الرومان والفلاسفة والفرس، وقد زُرعت في الديانة النصرانية بشكل فلسفي بدأ بسيطاً ثم تطور عبر السنين، وأول من غرسها اليهود وسقاها المتفلسفون من ضلال النصارى، حتى غدت شجرة يانعة تعددت فروعها وكثرت مذاهبها ما بين كاثوليكية[10]، وأرثوذكسية[11]، وبروتستانتية[12]، وغيرها[13].

    وأول من بذرها هو (بولس) المسمى قديساً في النصف الأول من القرن الأول للنصرانية، وبولس هذا ادعى التنصر واعتناق هذه الديانة – ويشكك كثير من المؤرخين في دعواه- وهو في الأصل يهودي من أبناء الشتات، ولد في مدينة طرسوس، وأبوه من رعايا مملكة الرومان؛ كان صانعاً للخيام.

    تأثر (بولس) في بداية دراسته بالفلسفة، وحارب النصرانية في بدايتها مع قومه أشد الحرب وآذى أصحابها، ثم ادعى اعتناق هذه الديانة سنة 40م بعد رفع المسيح، زاعماً أنه لقي المسيح بعد صلبه - نازلاً من السماء- في طريق الشام، وأنه أوصاه ببعض التعاليم والوصايا، وقد أخذ بإرسال الرسائل والتحرك في كل مكان محاولاً نشر أفكاره [ والدعوى أن المسيح أرقى من أن يكون إنساناً، وأنه عقل سامٍ متولد من الله موجود قبل أن يوجد هذا العالم، رغم أن تلاميذ المسيح الأولين الذين عرفوا شخصه وسمعوا قوله كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنه أحد الأركان الثلاثة؛ المكونة لذات الخالق، وكان (القديس بطرس) حواريه يعتبره رجلاً عادياً يوحى إليه من الله، أما (بولس) فقد خالف عقيدة التلاميذ الأقربين لعيسى عليه السلام].[14]

    ثم أن (بولس) هذا حقق نجاحاً كبيراً في نشر آرائه تلك التي أصلها تقديس المسيح عليه السلام ورفعه فوق قدره ليساوي الإله، وقد تحرك بنجاح في الشام واليونان وإسبانيا، وبشكل أقل في آسيا الصغرى وفي روما التي سبقه إليهما القديس بطرس.

    وكان أهم أهدافه مدينة روما عاصمة الإمبراطورية، ولكنه تأخر في الوصول إليها حيث لم يصلها إلا سنة 60م أي بعد 18عاماً من دخول (القديس بطرس) الذي كان قد نشر الديانة التوحيدية عند من تنصر هناك، فكان أثر (بولس) ضعيفاً.[15]

    وشهدت النصرانية منذ ذلك الوقت المبكر الاختلاف العقدي، لكن هذا الاختلاف لم يكن عنيفاً بسبب الاضطهاد المشترك، وأسلوب السرية في العبادة ونشر الدين.

    ومما زاد الطين بلة اعتناق عدد متزايد من الرومان للديانة النصرانية ومنهم مفكرون وفلاسفة، أخذوا يدخلون تحليلاتهم الفلسفية على العقيدة، ويطورون آراء (بولس) .

    ومن أخطر تلك الأفكار والنظريات –بل أخطرها- التي أثرت تأثيراً تاريخياً كبيراً في النصرانية التثليثية هي بدعة (الغنوسية) أي المعرفة الحقيقية؛ وجوهرها أن المسيح إله ينبثق عن إله أكبر، ونشأت في القرن الميلادي الثاني.

    وفي القرن الثالث انتشر الجدال الفلسفي عند النصارى الجدد في الشرق الروماني بعد تمكنه في الغرب، وفي الشام تحديداً ظهر أكبر فيلسوفان نصرانيان في التاريخ وهما (سابيليوس) و(أورجينوس) وكلاهما من تلاميذ الفلاسفة اليونان، وكان لهما شعبية كبيرة في الشرق الروماني.

    فأما الأول فقد قرر أن الإله واحد، وأنه جاء إلى الأرض وتسمى بالمسيح من أجل التكفير عن خطيئة أبي البشر، ثم عاد إلى السماء، وهو أيضاً روح القدس!! فالثلاثة واحد والواحد ثلاثة.[16]

    وأما (أورجينوس) فقد كان يعتبر المسيح ابناً لله – تعالى- وأنهما اقنيمان[17] إلاهيان متحدان ومتميزان في نفس الوقت، وقد انشغل بجدالات طويلة مع خصومه في هذه المسائل؛ حتى أثر عنه في أحد المرات قوله [نحن نعترف بإلاهين اثنين].[18]

    كما نشأت فلسفات ومدارس أخرى أقل شأناً أهمها مذهب التبني، ومفاده أن الله – تعالى- تبنى المسيح عليه السلام، وغيرها من الهرطقات والضلالات.

    ولم يكد القرن الثالث ينتهي إلا وقد انتشرت بدعة القول بواحدية الرب والابن وروح القدس[19]،رغم كثرة الاختلاف في تفسير هذا القول.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-03-18
  15. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    ثانياً: عصر التمكين:

    ويشمل هذا العصر القرون الثلاثة التالية (الرابع والخامس والسادس) الميلادية، ويتميز هذا العصر باعتناق الدولة الرومانية لهذا الدين، وأنه أصبح ديناً عالمياً، كما يتميز بالتمايز العقدي بين الموحدين والتثليثيين، كما

    يتميز بظهور الرهبنة والانصراف للعبادة في منتصفه، وكذلك استمرار الانقسامات التثليثية والهرطقات.[20]

    ويمكن أخذ نظرة عنه من خلال المباحث التالية:

    أ‌- الانتقال لطور الدولة:

    استمر حكام الامبراطورية الرومانية في روما وولاتهم في الشرق على وثنيتهم واضطهادهم للنصارى حتى بداية القرن الرابع الميلادي.

    حينذاك كانت هناك انقسامات وتنازع بين بعض أباطرة الرومان أدت لإشعال حروب، وكذلك اتفاقيات دائمة أو مؤقتة؛ منها الاتفاقية التي جرت بين (قسطنطين) و(ليسينيوس) اللذين عقدا مؤتمراً مشتركاً في مدينة ميلانو سنة 313م خرجا منه بما عرف ب(براءة ميلانو) الذي يتضمن عدة أمور منها حرية ممارسة الشعائر الدينية لكل أصحاب الديانات في الإمبراطورية بما فيها اليهودية والنصرانية.

    أدت تلك الاتفاقية إلى تنفس النصارى في روما الصعداء، وحصل أول اعتراف بكنيستهم الكبرى في روما، والأسقف الأكبر وريث القديس بطرس.

    وكانت النصرانية قد حققت إلى ذلك الحين انتشاراً لا بأس به في روما، ثم توسعت بشكل أكبر في السنوات اللاحقة لبراءة ميلانو، حتى حققت أكبر مكسب لها وهو تنصر الامبراطور الروماني (قسطنطين[21])، الذي استمر في حروبه حتى هزم آخر خصومه (ليسينيوس) حليف الأمس، سنة 324م، واستتب له الأمر امبراطوراً على كامل الإمبراطورية الرومانية.

    وبعد انتصاره بدأ في فرض التشريعات النصرانية بشكل تدريجي كجعل الأحد يوم الراحة القانوني الإجباري، وحرم بعض الذبائح، وأعطى للكنائس بعض السلطات الرسمية كالقضاء بين أتباعها في جميع المسائل ومنها مسائل الزواج والإعتاق.

    كما عين مستشاراً سياسياً أول من النصارى، وهو أسقف مدينة كوردوبا واسمه (هيوسيوس) وعين غيره في مناصب أخرى مهمة.

    ورغم الانتشار السريع للنصرانية بعد تلك التصرفات إلا أن الوثنية بقت قوية لأنها ما زالت ديانة بعض العوائل الكبرى ورجال الفكر والفلسفة، كما أنها ديانة أكثر الجند خارج العاصمة.

    وبعد قسطنطين هذا لم تشهد الإمبراطورية الرومانية في السنوات التالية حاكماً إلا نصرانياً.

    وبدأ الحكام الرومان بعد ذلك في التدرج في محاربة الوثنية، فأصدر قسطنطين الثاني قوانين أخرى أهمها الخنق الإقتصادي للمعابد الوثنية، بمنع تقديم القرابين لها، ومنع استشارة العرافين في أي أمور، ثم صادر المذابح الخاصة بها.

    ثم جاء الامبراطور (كوستانس الثاني) الذي منع زيارة المعابد، ثم أصدر سنة 356م قراراً بإعدام من يخالف هذا المنع.

    ثم جاء الامبراطور (ثيودوسيوس) الذي ألغى قرار الإعدام هذا، واستبدله بفرض غرامات مالية ثقيلة على من يثبت تعامله مع المعابد أو الكهان.

    وفي عصر (ثيودوسيوس) هذا أصبحت النصرانية دين الدولة والنخبة الحاكمة، وكان قرار فرض الغرامات الشهير الصادر سنة 392م هو الرصاصة الأخيرة في نعش الوثنية في روما.

    وقد علا أمر النصرانية كثيراً في نهايات القرن الميلادي الرابع، حتى أن الامبراطور (ثيودوسيوس) خضع سنة 390م لأسقف مدينة ميلانو (القديس إمبروسيوس) الذي رفض أن يقيم الصلاة بحضوره ما لم يعتذر ويكفر عن إصداره سابقاً الأوامر لجنوده بقتل الآلاف من المواطنين على إثر أحداث شغب في أحد الملاعب قتل فيه أحد كبار موظفي الدولة من قبل الشعب.[22]

    وعلى إثر التحول لطور الدولة بدأت الدولة في إرسال الدعاة إلى النصرانية والمبشرين بنبي آخر الزمان أحمد، وتحركت القوافل والأساطيل إلى كل مكان، فكانت البعوث الداخلية لكل أرجاء الإمبراطورية في أوروبا، وفي الشرق حيث آسيا الصغرى والشام، وفي أفريقيا مصر وبلاد البربر، كما تحركت البعوث الخارجية ومن أهمها البعثة التي أرسلها الامبراطور (قسطنطين الأول) إلى الهند، وكذلك التي أرسلها إلى مصر ومنها عن طريق البحر الأحمر إلى مملكة أكسوم بالحبشة في منتصف القرن الرابع.

    وحينذاك تنصر ملك الحبشة وأسس أول كنيسة في بلاده وصار هو أسقفها، لتصير بلاده أول مملكة خارج الإمبراطورية تدين بالدين الجديد، ومنها ينتقل الدين إلى جزيرة العرب عن طريق ترهبن بعض العرب ممن زار الحبشة ومنهم راهب انتقل للعيش في نجران، فتعرف عليه صبي مبارك أجرى الله على يديه معجزات جعلت أهل تلك البلاد يعتنقون كلهم هذا الدين، فيخد الملك أخاديد لحرق النصارى المؤمنين، فيخلد الله ذكرهم.[23]
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-03-18
  17. العبش

    العبش عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-10-18
    المشاركات:
    1,017
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خير وبارك الله فيك
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-03-18
  19. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    مـــــــــــوضوع فعلا يستحق التثبيت

    بارك الله فيك أخي الفاضل جميل أن يفهم المرء ما حوله من معتقدات و ديانات لكي

    يكون واعي وفقطن ويعرف كيف يرد عليهم

    جزاك الله خير والله يثبنك على الحق القويم ويرزقك الشهادة مع أخواننا الصالحين

    لك أجل التحيه

    والسلام عليكم ورحمة الله وربركاته
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة