قمرنا العالي + شمسنا الساطعة

الكاتب : أبو أريج   المشاهدات : 1,272   الردود : 25    ‏2007-03-10
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-03-10
  1. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    في موضوع سابق عقد أحد الإخوة مقارنة بين تنظيم القاعدة والإخوان المسلمين وقد انتهى إلى جعل الحالة العراقية مادة للمقارنة مستغلاً مشاعر السخط ضد الحزب الإسلامي العراقي إثر حملات إعلامية موجهة تنال من الحزب وقياداته وتتهمهم بالعمالة إلى غيرها من التهم الموجهة وقد تأثر بعض إخواننا بهذه الحملات حتى وصل الحال ببعضهم إلى نفي علاقة الحزب بالإخوان!!
    وكنت قد شرعت بالتوضيح في ذات المقال ولكن لأن الموضوع قد جاوزت ردوده الثمانين صار من المتعسر متابعة كل ما يكتب ولذا ارتأيت التوضيح في موضوع مستقل..
    الحزب الإسلامي يضع خطوطاً وملامح عامة لاستراتيجية غير معلنة للتعامل مع الوضع في العراق عبر نشرتين الأولى بعنوان ( قمرنا العالي ) والثانية مكملة لها بعنوان ( شمسنا الساطعة ) وضعتا لفترة مؤقتة على موقع الرواق الذي يشرف عليه الأستاذ/ الراشد ثم رفعتا وأعيد نشرهما مؤخراً على موقع الملتقى وشبكة فلسطين..
    ستجدون إجابات عبر النشرتين لموقف الحزب من المقاومة والعملية السياسية, الإنتخابات, الأحزاب الشيعية, وقبل ذلك الإحتلال.. ستعرفون لماذا سعى الحزب لهدنة في الفلوجة ولماذا وافق على الخطة الأمنية بشروط وغيره الكثير وللعلم فبعض الإجابات لن تجدوها صريحة ولكنها مفهومة ضمن السياق العام للنشرتين...
    أتمنى لمن أراد أن يعقب أو يعلق ألا يفعل ذلك قبل الإنتهاء من عرض النشرتين أو يفتح للتعقيب رابط مستقل حيث أن النشرتين طويلتان نوعاً ما وسأعرضهما مجزئتين لتيسير الإطلاع عليهما..

    " قُمرنا العالي "

    النظرية العامة لدفع الاحتلال


    تأليف: اللواء الركن المتقاعد عمر القيسي


    بسهولةٍ وبفرحٍ واعتزاز: يستطيع كل مؤمن في أي قطر من أقطار الأمة الإسلامية أن يدرك وفرة النتائج الإيجابية الناجحة التي حققها الجهاد العراقي ضد الغزوة الأميركية، وأهم ذلك: المعنويات التي ارتفعت لدى أبناء الأمة، بل وأحرار العالم أيضاً، بحيث أنهم أصبحوا على عقيدةٍ راسخة بأن المستضعفين يمكن أن يصاولوا الجبروت الأميركي، ولئن كان للجهاد الفلسطيني البطولي أثر مثيل ولهُ فضل السبق، فإن الجهاد العراقي استطاع تسجيل نقطة تميّز في أن معركتهُ إنما هي معركة أتت وفق المواصفات القياسية العالمية العامّة، بينما الجهاد الفلسطيني يبقى مربوطاً إلى خصوصيةٍ واضحةٍ في القضية الفلسطينية مردُها أن العدو يهودي، ولهُ خطة شاذة عن العرف العالمي، ويتحرك مستدعياً مشاعر وعقائد ذات عمق تاريخي موغل في القدم، ومعنى ذلك أن هذه الخصوصية الفلسطينية غير قابلةٍ للتصدير إلى بلدٍ آخر، ومن ثم فإن التجربة الجهادية الفلسطينية لا يمكن أن تقلّد، إلا في بعدُها العاطفي ربّما، بينما التجربة الجهادية العراقية يمكن أن تكون عالمية المدى ويستعيدها الأحرار في كل مكان، والمسلم منهم بخاصة، وهي أولى من فيتنام مثلاً أن تكون نموذجاً لإصرار الشعوب على التحرر.

    عندما يُبارك الله انطلاقة الهمم


    نستطيع أن نقول في حُكمٍ إجمالي: إن المقاومة العراقية على العموم قد حققت غاية رئيسة من غاياتها تتركز في إضعاف قدرة أميركا على المضي في خطتها التي رسمتها سابقاً لاحتلال أجزاء أخرى من المنطقة، مثل سوريا وإيران، وربما السعودية، وبهذه الصفة أصبحت القضية العراقية بسبب إنجازات المقاومة قضيةً مركزيةً للأمة الإسلامية تسير بموازاة قضية فلسطين المركزية، ومن اللائق أن نتذكر أن أميركا كانت تراهن على إنهاء المقاومة العراقية بسرعة، ولكن الأيام أثبتت عكس ذلك، والذي هو قريبٌ من أوساط المقاومة يدرك أنها في توسع وتمشي نحو ترشيد خططها، لكن التعتيم الإعلامي الذي تمارسه أميركا عبر الضغوط الشديدة على القنوات الفضائية تجعل البعيد يظنُ وجود فتورٍ وهبوطٍ في الزخم القتالي، ومن أظهر الأدلة على اشتداد ساعد المقاومة: معركة الصقلاوية المظفّرة يوم 6/9/2004م التي أعلنت القيادة الأميركية أن قتلى المارينـز فيها كانوا سبعة والجرحى ثمانية، والحقيقة أضعاف ذلك، وكانت حوادث أخرى عديدة في نفس اليوم في أماكن متعددة قد أدّت إلى مقتل وجرح الكثير من المارينـز، وتدمير المصفّحات وصهاريج النفط.. فهذه الأحداث في يومٍ واحد تبرهنُ على امتلاك المقاومة لأذرع قوية، وتماثلها الخسائر الأميركية في نفس تلك الأيام في اللطيفية، وفي الموصل، وليس آخرها تدمير أربع دبابات ثقيلة في شارع مطار بغداد يوم 18-9-2004، وقبلها بأيام شهدت الرمادي أعنف المواجهات، وخسر المارينز العشرات، ومنهم قائد برتبة كبيرة.

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-03-10
  3. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    ضرورة التنظير والرؤية المنهجية لسياق الجهاد .


    إن هذه التقويمات الجزئية والأحداث تميلُ بنا إلى أن نعتقد ضرورة"صياغة نظرية عامّة للمقاومة الجهادية العراقية"، نـُبدي من خلالها ارتباط حيثيات أعمال المقاومة المتنوعة بعضها ببعض، وما هناك من سلبٍ وإيجاب، وتطورٍ وتعويق، وما هو أهم من ذلك من بيان وجوب تكامل أنواع الأعمال غير القتالية، من سياسة إعلامية وفكرية، مع العمل القتالي، وما ها هنا في هذه الرسالة إنما يخرجُ مخرجَ المحاولة التنظيرية لأعمال المقاومة العراقية، ومن المفيد جداً أن ينتدب أحد الدعاة الوعاة نفسه لتطوير هذه الرسالة الأولية إلى كتابٍ موسّع وبحثٍ مستفيض، عبر الشرح وذكر الشواهد والأدلّة التي تشهد لكل زعمٍ نزعمه، والقيام بعملٍ توثيقيٍ لأطراف وتفاصيل القضية، ثم إضافة أشياء وحقائق نسيناها وذهلنا عنها، مع تقويم ونقدٍ، ورصد ظواهر وتحليلها، ربما تحتاج صراحة لا نملكها ولا يأذن بها ظرفنا الخاص، وإذا صدر مثل هذا الكتاب فإنهُ سيكونُ منبع إيجابيات كثيرة تؤثر في سلوك المجاهد وطريقة تفكيره، كما أن حيثيات هذه الرسالة ستكون يوماً ما كتلةً مفيدةً لكل مؤرخ وقيادي يريد تحليل التجربة، فإن مثل هذه الخواطر والالتفاتات والتبويبات قد ينساها بعد بضعِ سنوات من يحتاجُ لها لترشيد خطوات لاحقةٍ له، ولكن عملنا هذا في حفظها وترتيبها يمكن أن يكون في عِدادِ التدوينات التاريخية المفيدة ، والكتاب المقترح الموسّع أجدرُ عندئذ أن يحوز هذه الصفة التاريخية إضافة إلى ما سيكون فيه من كمٍ كبير من فقه الدعوة والجهاد، وهذا النمط الذي نحاول من خلاله وضع"نظرية عراقية لدفع الاحتلال": نحسبه جديداً في ساحة الفكر السياسي والجهادي، وهو بهذه الصفة يعتبر إبداعاً أوحت به سجالات الحوار الدعوي، واستجابةً لحاجة ربما كان يشعر بها كثير من المجاهدين من دون أن يجدوا تخريجاً وسياقاً وصفياً وتقعيدياً.

    ومن هنا ننتظر أن تكون هذه المحاولة المختصرة محوراً تدور حوله إضافات مشابهة عديدة يبديها الدعاة المجربون، وأن تكون أساساً لهذا التنظير المهم الذي شعرنا بأن افتقاده كان يمثل نقصاً في الأداء الجهادي، وإنما نستنبط ذلك من خلال تجارب المفكرين والساسة والشعوب والأمم في التنظير لكل أمرٍ مهم رئيس، إذ في التنظير مِنَحٌ عديدة، وهو الكفيلُ بأن يُطلع أهل كل شأن على منظر شمولي لساحة شأنهم، فيرون الثغرات والنقص عبر اكتشاف منطق التسلسل وتتابع القضايا الجزئية، فإذا لاحظوا انقطاعاً في موطن ما: أدركوا وجوب سده واكتشاف نوعه من دون أن يأذنوا لأنفسهم بقفزٍ، كما أن هذه الإطلالة الفوقية تمكنهم من إعادة ترتيب الأولويات حسب أهميتها الموضوعية، إذ ربما تكون الأولويات قد رتبت حسب تاريخ حدوثها وتسلسلها الزمني لا الموضوعي، وتبقى منافع التنظير أكبر من ذلك، إذ هو علم خاص ضمن علوم المنهجية، والماهر فيه يستطيع أن يكتشف عبر مناقلات بقـلمه على ورق مجرد إذ هو في مكتبه يتأمل ويفكر ما يقربهُ من الصواب ويعفيه من أن يقدم ثمناً تجريبياً عملياً قد يصل إلى تفجير دماء أو هدر أوقـات موسم كامل، ومن ذاق التنظير: عَرف مغزى هذه الإشارات، والمحروم المستغرب لها نغريه عبر مثل هذه المحاولات أن يتخذ التنظير حلاً أساساً لأنواع إشكالاته، ومن جرب مثل تجربتنا: عرف مثل معرفتنا.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-03-10
  5. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    المفاصل السبعة المتكاملة لبناء المقاومة


    وليس من اللازم أن يكون جزء التنظير أو المفصل من مفاصله واضح الدلالة والارتباط كعملٍ يريد صاحب القضية أن يبادر إلى إنشائه ضمن سياق تكوينات القضية التي يريدها، فهذا هو الأصل، ولكن يمكن أن تكون بعض مفردات القضية هي من أفعال الطرف الآخر الذي نعامله، أو هي تشكل ظرفاً وبيئةً محيطةً، وبذلك يكون نوع تعاملنا ورد فعلنا مفصلاً أيضاً من مفاصل تنظير القضية، ومن أمثلة ذلك في تنظيرنا للجهاد العراقي أن مبحث نقاط القوة أو مبحث الإسناد العالمي المطلوب هما مفصلان واضحان، لكن مبحث نقاط الضعف الأميركي مثلاً هو مفصلٌ غير واضحٍ باعتباره تقريراً لصفة العدو، إلا أن ما ينبني على حقائق الضعف من خطط نستثمرها لصالح الجهاد يجعل المبحث من جملة مفاصل التنظير، فليفهم الداعية هذا المنحى جيداً ليزول عنه الإشكال الموضوعي، ولتظهر عنده عَبْر التنظير كُتلة الأفكار الجزئية والأحداث التفصيلية كتلةً منسجمةً في تتابعها وترتيبها.

    والذي يتوصل إليه توجهنا الأوّلي أن"نظرية دفع الاحتلال"يمكن التعرف عليها عبر سبعة مفاصل رئيسة هي: نقاط قوة المقاومة، وحاجاتها الناقصة، والتعويق، ومواطنُ الضعف الأميركي، ومظاهرُ فداحة الظلم الاستعماري، وطرائق الإسناد المحلي والعالمي للمقاومة، وأخيراً: المرونة المطلوبة من المقاومة مقابل بعض الحقائق المستجدة، ومن مجموع حيثيات هذه المفاصل السبعة نأمل أن تتولّد رؤية استراتيجية شمولية لقضية الاحتلال والمقاومة، ونأمل أن تتوازى مع هذه الرؤية كتلةٌ أخرى من المنطق السياسي والمنحى التخطيطي والفقه التجريبي سيجد الداعية بعض تفاصيلها كامنةً في ثنايا الحيثيات المبحوثة، وتلك من عطايا الخروج من الصمت إلى البوح والتعبير، فإن في كل خواطر المؤمنين، بركة، ولربما يكونُ ما يتلقاهُ المؤمن من فوائد جانبية لم يكن يحسبها ما هو في مقداره مثلُ الفوائد الرئيسة التي كان يقصدها.


    ( مظاهر قوة المقاومة )


    أول ما يشّدُ الانتباه: أن المقاومة تمتلك نقاط قوة عديدة تمكنها من الاستمرار والنجاح وبكفاءة جيدة، وأنه أُتيح لها ما لم يتح للثورات الاستقلالية الأخرى التي أُضطرت لتحريك الشعوب الساكنة بعد مدة من خضوعها للاستعمار، فقد جاء الرد الثوري مباشرة بعد الاحتلال من غير فاصل زمني، بسبب توفر المعطيات والوسائل، وأهم هذه الإيجابيات التي كانت في الابتداء أو التي أفرزتها استمرارية المقاومة هي:


    نثروا له السيوف..فاختار الصمصامة !!


    (1) توفر السلاح الكثير في أيادي المقاومين من بقايا سلاح الجيش العراقي الواسع عدداً والمتخم بالتسليح الخفيف تبعاً لاعتماده الكبير في حروبه السابقة على جنود صنف المشاة، الذي كانوا أكثر من نصف مليون جندي مشاة-عدا جنود الدروع والمدفعية والصنوف الأخرى-، وهذا يعني أن الحرب الأميركية وهزيمة الجيش العراقي وانحلاله قد تركت مئات ألوف من بنادق الكلاشنكوف في أيادي الشعب، ومثل ذلك من قذائف RPG الخارقة للدروع، ومثل ذلك من الألغام، وألوف الصواريخ الصغيرة، كل ذلك وقع بأيدي الناس، فمنهم من أدخره للمقاومة، ومنهم من رصده للبيع والمتاجرة ويبيعه بثمن مخفضٍ لأي مجاهد، وهذا جانبٌ إيجابي توفر أول يوم لبدء المقاومة، ولا تجدُ كتائب المجاهدين مشكلةً في التسليح كالتي جابهتها ثورة الجزائر مثلاً، بل يملك الشعب العراقي عدداً كبيراً من المهندسين الذين يستطيعون تقديم خبراتهم في تطوير السلاح وتحويره لما يناسب طبائع معارك المقاومة، حتى مدافع الهاون وقذائفها من عيارات مختلفة كانت وما تزالُ متوفرة، بل قد حصل إطلاق صواريخ ثقيلة على مطار بغداد وقواعد أخرى، بل أكثر من هذا فإن بعض تكنولوجيا الغازات السامة التي امتلكها صدام أيام حربه مع إيران يُمكن أن تـتسرب إلى بعض المجاهدين، وكلُ ذلك يعتبر نقطة ترجيح متميزة، وبخاصّة إمكانية استعمال الغاز السام، لأن الإدارة الأميركية ربما تُـفكر في أحد حلولها أن تسحب جيشها من شوارع بغداد والمدن وتظل قابعةً في قواعد خاصة بعيدة تتيحُ لها التدخل المستقبلي عند الحاجة، ولكن سمعة الغازات تقذف في قلبها الرهبة، واليوم تكاد أن تكتمل عمليات إنشاء أكثر من عشرين قاعدة عسكرية أميركية في العراق فيما يُقال نقلاً عن بعض المهندسين، لكن السؤال ما دام يجثم على صدور الإدارة: هل أن بإمكانهم إسكان جنودهم فيها أم أن الغازات ستلاحقهم؟!


    رُبّ حامل فقهٍ وسلاح لأفقه منه وأشجع


    (2)توفر سلاح آخر على شكل إمداد لبعض فصائل المقاومة أو غيرها من ميليشيات الأحزاب الشيعية وغيرها يأتيها من إيران وسوريا، وهذا وإن لم يستفد منه المقاوم ولا يعطى له مباشرة إلا أن فصائل المقاومة الجادة تستطيع شراءه بسهولة وبثمن معتدل من الذين يصلُ لهم، فهو إذاً طريق تسليح غير مباشر، لكنه فاعلٌ ومكافئ، والحال أشبه بما كان أيام أفغانستان حين كانت أميركا تعطي السلاح الوفير إلى فصائل صغيرة موالية لها من أمثال(مُجددي)، فيبيعه بدوره إلى الفصائل الفاعلة أمثال(جماعة حكمت يار)، ودور إيران هو الأكبر، والمخابرات الإيرانية استطاعت توزيع الكثير من السلاح الخفيف والديناميت والألغام.


    هزلت الحياة ... فجَدَّ الجهاد


    (3) ولكن ما هو أعتى من الألغام المتفجرة: الألغام البشرية العراقية، وذلك أن الحروب العديدة التي خاضها العراق، ثم الحصار القاسي: كل ذلك قد سحق العراقي سحقاً، ودمّرهُ نفسياً، وحرمه لذائذ الحياة، وركنه إلى بطالة مهينة، وإلى تأخر زواجه، وصعوبة بناء داره، فأصبح العراقي قنبلة موقوتة، أو قنبلةً تنفجر بأدنى ضغط آخر، وصار الموت مألوفاً، والحياة رخيصة، ولما أضيف إلى ذلك عامل التحدي السياسي لمستعمر غازٍ ظالم، ثم حصلت صيحةٌ إيمانيةٌ تستعيدُ الركاز العقائدي: أسرعت أعداد كبيرة من العراقيين إلى الانتماء إلى صفوف المقاومة، وصارت تتسابق وما زالت، حتى أصبح هناك بين العشائر تنافسٌ وتفاخرٌ: أيها أثخنَ في العدو أكثر؟ وهذه نقطة تميز أخرى، إذ ليس هناك في التجنيد إشكال ولا في الرفد والمدد، وذلك عامل حيوي في إدامة المقاومة واستمرارها، يقابله خوفٌ وهلعٌ لدى الجندي الأميركي المسترزق، وكم من عراقي رأى ثلاثة سيارات من نوع(هَمَرْ)محشورة بالمارينـز، فيضربُ مجاهدٌ إحداها بسلاح RPG فتفّرُ الثنتان ولا ينجد المتورطين أحد إلا أن تأتي طائرة هيليكوبتر بعد وقت.


    مَدَدٌ أصيل ... من غائبٍ حاضر


    (4)وأخطأت الإدارة الأمريكية خطأً عظيماً في هذا السياق حين أقدمت على حلّ الجيش العراقي وتسريح قطاعاته وضباطه وأفراده، فإنها قدمت بذلك عناصر كثيرة من الضباط الـمُدَرَبين تدريباً عالياً ليقودوا قيادة ميدانية الكثير من العمليات الجهادية، حتى ولو كانت القيادة السياسية لفصائل المجاهدين مدنية، ويظاهر الضباط ويعينهم أيضاً عدد كبير من ضباط الصف والفنيين الذين يتقنون استعمال السلاح، بل حتى عامة الناس كانوا قد لبثوا في الجيش سنين طويلة عبر الخدمة الإلزامية أثناء الحروب واستوعبوا الدروس الحربية عبر معارك طاحنة في الحرب الإيرانية بخاصة، وكل ذلك يبدو أنه لم يكن في حساب المخطط الأميركي، إذ ما عسى أن يكون من نقص في مقاومة مثالية إذا توفر الضابط المدرب الكفؤ ليقود، وإذا توفر الجندي الذي خاض من قبل المعارك الكبرى، أو إذا توفر العاطل الفقير الذي أرهقته المعاناة والحصار وصار لُغماً ينفجر مع أول ضغطةٍ يضغطها ضاغطٌ عليه؟

    إن أميركا خسرت نصف معركتها مع المقاومة بغفلتها عن هذه الحقائق الغريبة التي ليس لها مثال في حروب الاستقلال الأممية.. نعم: استفادت الثورة الجزائرية من ثلة من الضباط الذين خدموا في الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية، مثل(ابن بلاّ)وأصحابه، لكن أولئك كانوا ثلةً صغيرة، وأما عدد الضباط الذين سرحوا من الجيش العراقي فهم عشرات ألوف، ولو أراد تسعة من كل عشرة منهم أن يقاطعوا المقاومة وعاونها واحدٌ فقط لكان في ذلك قيام الجانب القيادي الميداني تاماً، وذلك هو عنصر تفوق استراتيجي للمقاومة لات حين استدراك الأميركان عليه مهما أغروا جيلاً واسعاً من الضباط السابقين بالخدمة في الجيش الجديد.


    مُفاصلة شعبية واسعة مع الوجود الاستعماري


    (5)ومن نقاط القوة لدى المقاومة: أنها بدأت فور انتهاء حرب الاحتلال، فلم يستطع الأميركان أن يحكموا قبضتهم على المجتمع العراقي، نعم: تعاون معهم عدد كبير من العراقيين بسبب مذهبي أو قومي، أو تعاون معهم بعض أفراد من أهالي مدن المثلث السُني وعشائره، ولكن لم تستطع الإدارة الاستعمارية أو جيوشها المقاتلة النفاذ إلى عمق المجتمع العراقي وتحقيق معرفةٍ استخبارية كالتي كان عليها الاستعمار البريطاني أو الفرنسي مثلاً، حين حَكَما بعض البلاد طويلاً وعرفا كل فردٍ وقاما بتجنيد الجواسيس، ولذلك نرى تأييداً واسعاً من كل أبناء المثلث السُني للمجاهدين حتَّى أن اليافعين نراهم يرقصون على حطام الدبابات المدمرة بلا وجل ولا خوف.


    جهادٌ يمنح عِزة رادعة


    (6)ومن نقاط قوة المقاومة أيضاً: التلازم الحاصل في عالم الواقع بين موقف أهل السُنة الجهادي ضد الاحتلال، وموقفهم الدفاعي ضد الاحتمالات السلبية التي يفرزها التنافس المتولد من الانقسام المذهبي العريق في المجتمع العراقي، ذلك أن القيادات الشيعية قد تحالفت مع الخطة الأميركية تحالفاً عميقاً وعلى مدى سنين قبل الحرب عبر مؤتمرات المعارضة في بريطانيا وزيارات الأحزاب لواشنطن، مما أوحى لدى أهل السُنة بمعنى تفوق عليهم ليس من السهل إغفاله، ولبث أهل السُنة طيلة الشهور الأولى بعد الحرب في حالةٍ من القلق الشديد أن يحصل لهم اجتياح في مناطق التماس في الوسط وفي البصرة، ولكن طروء معارك المقاومة وانتصاراتها المتتابعة في معاركها ضد جيش الاحتلال أوجد ثقةً في نفوس أهل السُنة وشعوراً بوجود مدافع عنهم تمرس وكسب الساحة وباستطاعته أن يستثمر فوزه، فتطورت هذه الثقة خلال بضعة أشهر إلى اطمئنان تامٍ وشعور بتلازم العملين معاً ضد مصدري الخطر، مما أرسى شعوراً عاماً في المثلث السُني بتوكيل المقاومة في الدفاع عن قضيتهم المحلية يوازي توكل المقاومة أصلاً بدفع القوة العالمية، فحدث إحساس بوحدة المصير وصار كل فرد في المثلث السُني كأنه المدد للمقاومة والظهير النصير، وهذا عنصر تفوق استراتيجي بدوره لو قارناه بانقسام الشعب الأميركي إلى فئتين في أمر غزو العراق، أو انقسام الإدارة الأميركية إلى مدرستين، أو الهزيمة النفسية التي تعصف بأكثر جنود الاحتلال
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-03-10
  7. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    ( نقاط الضعف في الجانب الأميركي )


    وتتضاعف آثار مواطن تفوق المقاومة هذه إذا قورنت بنقاط ضعف عديدة أخرى في المعسكر الأميركي، وهذا واضح بالبداهة، فإن كل جانب ضعف لدى العدو يُعتبر جانب قوة للجهاد، وتتجلى جوانب الضعف هذه في مثل النقاط التالية:


    أميركي ... لكنه يُنفـّـذ خـُطة إسرائيل


    (1)انقسام الجانب الأميركي إلى مدرستين وفهمين ونمطين في التعامل مع طريقة استمرار الاحتلال، وذلك لأن خطوة احتلال العراق-إذ هو بلد متقدم نوعاً ما فكرياً وما تزال فيه بعض رواسب الحضارة القديمة وبعض زخم الحضارة الإسلامية-: يوحي لأي متعامل مع فكرة الاحتلال أن يضع في حسابه أن ردود الفعل ستكون عنيفة وطويلة المدى، ثم إن العراق يعيش تحت تأثير محصلة القوى المتنافسة الإقليمية، بل هو جزء مؤثر فاعل في تكوين هذه المحصلة والمعادلة السياسية والأمنية، ولذلك ليس من السهل أبداً حتى على مثل دولة عظمى كأميركا أن تتلاعب باستقرار المعادلة، وكان على المخطط الأميركي أن يتعامل مع القضية العراقية برفق ومهارة، وإلا فإن الحساسيات ستكون أقوى منه، والـمظنون أن العقلية التخطيطية الأميركية ذات الخبرة الجيدة في التخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل قد أدركت ذلك ونصحت بعدم التورط في غزو واحتلال، واقتنعت وزارة الخارجية الأميركية بذلك، والمخابرات المركزية الأميركية أيضاً وبخاصة رئيسها تينت الذي أُجبر على الاستقالة، ولكن اللوبي الصهيوني الأميركي هو الذي أغرى نائب الرئيس تشيني والبنتاغون في شخص وزير الدفاع رامسفيلد وبعض أركان مجلس الدفاع القومي الأعلى في شـخص كوندليزا رايس: أغراهم بالغزو، لتحقيق مصالح إسرائيل وتنفيذ خطتها في تحطيم العراق وقدراته، وكانت استجابة البيت الأبيض ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي استجابة خيانية أتوها عن عمدٍ رغم علمهم بأن المصلحة الأميركية تستلزم عدم الغزو، ومن هنا انقسم الموقف الأميركي من قبل الغزو-وحتى الآن-إلى طريقتين وفريقين، فريق قرر الاحتلال ودفع الأمور لتحقيقه، وفريق ما كان يريد التورط في المستنقع العراقي، وهذا الانقسام هو في حقيقته ضعف وإرباك لصانعي القرار الأميركي، إذ سرعان ما ركب الحزب الديمقراطي المنافس موجة الاعتراض وأصبح مرشح الرئاسة جون كيري يعد بالنظر بسحب القوات من العراق إذا فاز، وهو قد يفعل أو لا يفعل، لأنه غير بريء من الحسابات المصلحية الذاتية التي ربما تجعله يرضخ للضغوط اليهودية، ولكن حومه حول معنى الانسحاب وترداده يعتبر ثغرة في الجدار الأميركي يمكن أن تستغلها المقاومة لو كانت لها مهارة إعلامية.

    لكن يجب الانتباه إلى أن كيري إنما يُريد أن يسحب الجندي من ساحة العراق، ولا يُريد التخلي عن خُطة تدمير العراق، وصدرَ عنهُ تهديد مؤخراً بأنه سيستعمل الأسلحة المتقدمة تكنولوجياً ضد العراق، وهذا تعبير مُخيف لئيم يجعل كل أنواع الأذى واردة، من الضرب بالصواريخ، إلى الأسلحة الذرية الصغيرة، إلى تدمير البيئة والمناعة والحالة الصحية للشعب العراقي، لينعم اليهود بالأمن.

    فمن الواضح إذاً أن أميركا ما كانت لتجازف مجازفتها في العراق لولا تأثيرات اللوبي الصهيوني فيها وضغوط الحكومة الإسرائيلية، وكان بإمكان أميركا تحقيق مرادها ومصالحها عن طريق التفاهم مع صدام، وبوسائل سياسية واقتصادية تعفيها من دفع ضريبة دم أميركي كثير يُراق في أرض الرافدين، ولكن إسرائيل تريد تحطيم العراق كبلد، وتحطيم الجيش العراقي وكُتلته المعنوية والقتالية العالية المستوى، وتشتيت الطاقات العراقية، وتحقيق تقسيم سياسي للعراق يُخْرج ثُلثي العراقيين من المعركة الفاصلة المستقبلية معها، ثم التضييق على كل احتمالات الصناعة التسليحية المتقدمة، وإفقار العراق اقتصادياً، وتحويل مياهه إلى إسرائيل، مع إدامة جميع هذه السلبيات وتفويت فرص الاستدراك واليقظة واستئناف البناء عن طريق شبح الحرب الأهلية مرة بعد مرة، وسلب الحريات، ومنع حقوق الإنسان، وتوكيل خَوَنة يرهقون الناس ويصدونهم عن البناء والتنمية والتطور، عبر إلهائهم بالشهوات والهزل والفوضوية وأنماط التربية العلمانية، وفي كل هذا ما يوضح أن البصمة اليهودية على قرار غزو العراق بصمة مؤكدة ثابتة، والوصول إلى هذا التصور يمنع الاستجابة لأي نوع من أنواع التحليل السياسي التي يبديها بعض الواهمين من أبناء جلدتنا من أن التعايش مع حقيقة الوجود الأميركي فرض، بل هو وجود مشوب باليهودية، ولا صلح معه ولا تهاون، ولا طريق سوى الجهاد.


    الأنفاس الحضارية العراقية تُبدد الفوضوية الغازية


    (2)ثم خطأ ثانٍ، وقع فيه المخطط الأميركي حين قاس قضية العراق على قضية أفغانستان قياساً حرفياً ، رغم فوارق أساسية بين البلدين والقضيتين، فأفغانستان بلدٌ ليست فيه مدنية، ولا ثقافة، ولا إدارة منضبطة، ولا طبقة وسطى واسعة ذات أثرٍ سياسي واجتماعي، والخدمات قليلة والفقر عامٌ والتأخر ضارب أطنابه، بينما العراق فيه شعب مترف بالقياس إلى الشعب الأفغاني، وهو شعب مثقفٌ كثير التخصصات العالية بمقابل الجهل الأفغاني، والإدارة راسخةٌ، والظواهر المدنية عامرة، والحياة السياسية يسودها فكرٌ إذ تسود الأعراف القبلية في أفغانستان، وكل ذلك يجعل احتمال المقاومة الواعية وارداً، ويمكن أن تعززها مواقف سلمية وحملات إعلامية وعلاقات مع مثقفي وأحرار العالم، بينما المقاتل الأفغاني كان مربوطاً بشيخ القبيلة ولا يوجهه فكرٌ ولا تخطيط، وذهول الأميركي عن كل هذه الفوارق سبّب له ورطة كبرى في طريقة التعامل مع الشعب العراقي في شكل مشاكل إدارية وقانونية أجبرته على تفويض إدارة عراقية وسيطة قللت من مدى السيطرة الأميركية بالتالي حتى لو انطلقت من منطلق العمالة والطاعة للأميركان، بل حتى الهجرة الأفغانية إلى الدول المجاورة أوجدت بالتالي أنماطاً خاصة من التعامل مع المقاومة الأفغانية، بينما لم تحصل هجرةٌ عراقية، وبقي المجاهد ينطلق من بيته وبتسهيلات من أشقائه وأبناء عمومته، وكان على المخطط الأميركي أن ينتبه إلى هذه الفوارق التي تجعل إدامة الاحتلال صعبة، وتجعل إمداد المقاومة سهلاً.


    استعلاء العراقي يهدم الصَلَف العدواني


    (3) إضطرار الجيش الأميركي لبث الرهبة في نفوس العراقيين عبر أرتاله المتجولة ودورياته الراجلة أحياناً، بحيث يتمركزون في تقاطعات الطرق، وتتجول الدبابات والمدرعات في الشوارع التجارية ببغداد وجميع المدن وفي المناطق السكنية، وفي طرق السفر، وعند بوابات الوزارات ودواوين الحكومة والمصارف، والمدارس والجامعات، وتلك طريقة تقليدية في الاستعمار كان من الممكن للقيادة الأميركية أن تفكر بنموذج بديلٍ عنها، ولكن أكثر الظن أن أطوار التبجح الأميركي ونفسية رعاة البقر وغرور العولمة والتفوق الحضاري ومقولة تربع أميركا على عرش العالم: كل ذلك أدى إلى المغالطة ومعاكسة الموازين الأمنية والعسكرية والإصرار على الظهور التفوقي على الشعب العراقي، في محاولةٍ واضحةٍ لكسر معنويته وإنزاله عن عرش الطموح الذي عُرف به وطبعه بطابع الترفع والإباء والعزة والشمم، واللواذ بالعفاف واحتقار الخيانة ومصافحة الأجنبي، مما هو واضحٌ في تفاصيل التاريخ السياسي العراقي منذ الزمن العثماني، فأدى هذا الفهم الأميركي المغلوط إلى حالة انكشاف تامٍ لجنوده، فحصل الإثخان العراقي فيهم، وأصبحنا نرى في كل يومٍ في عشر مناطق عشرَ آلياتٍ عسكرية أميركية تحترق، من بين دبابةٍ ومدرعةٍ وسيارة همر وصهريج وقود وطائرة هيلكوبتر، وأصبحت الخسائر الحقيقية كبيرة، وإنما تعلن البيانات الأميركية عن عُشرها فقط، وإذا قال البيان أن جندياً من المارينـز قتلته المقاومة فإن الرقم الحقيقي هو عشرة، وكم رأينا من دبابة تحترق ثم لا يرد ذكرها في بيان أبداً، وهذا الحال جعل الخسائر الحقيقية فوق جميع التوقعات، وأوجد نشوة لدى الشعب العراقي، يقابلها نكوصٌ وهلع لدى الجندي الأميركي قد يصل به إلى الفرار من الجيش أو الانتحار أو الفرار من أرض المعركة بسرعة، وكل ذلك يشكل نوع ضعف في الموقف الأميركي كان يمكن أن تستثمره المقاومة أكثر وأكثر لو كان لها إعلامٌ قوي، كالذي حدث من وصول أفلام تسجيلية إلى جميع أعضاء الكونغرس تصور إبادة رتلٍ كامل ومقتل العشرات من المارينـز قرب الفلوجة في عملية كان البيان الرسمي قد ذكر مقتل جنديٍ واحد فيها وتدمير سيارة واحدة، فظهر لأعضاء الكونغرس كذب بيانات البنتاغون، مما أبدى ثغرة سربت وزارة الخارجية والمخابرات المركزية خلالها صوراً كثيرةً إلى الصحافة الأميركية مدعومةً بإحصائيات حقيقية أحدثت هزة في المجتمع الأميركي قبل بضعة أشهر.


    إجماع عراقي على أنَّ الديمقراطية المستوردة عارية


    (4)ومن مكامن الضعف الأميركي: حلّ الجيش العراقي تحقيقاً لمصالح إسرائيل التي تخاف منه تبعاً لقدراته القتالية العملية التي حازها عبر الحرب العراقية الإيرانية ولطبيعة التعبئة العروبية الإسلامية التي تسيطر على قياداته وضباطه، وكنا قد أشرنا سابقاً إلى خطأ حلّ الجيش من ناحية أنه منح المقاومة فرصة تجنيد الضباط المجربين المدربين كقيادات ميدانية، والذي نريد التنبيه إليه هاهنا هو وجه آخر للخطأ يتمثل في أن الإدارة الأميركية بفعلها هذا قد غرست في قلب كل العراقيين من رجال إدارة وأمن وساسة وحزبيين وقادة فكر: غرست في قلوبهم أنها منحازة انحيازاً تاماً للعدو اليهودي، وأنها تريد أن تمكن لخطة تقسيم العراق، وإضعافه تجاه جيرانه، وفتح الباب للشعوبية الإيرانية أن تنتقم وتثأر، وأن تفتح مجالاً لتركيا أن تستبد تجاه العراق، وأن تتيح للحكومة الكويتية أن تثأر أيضاً، وكل هذه المضار المتفرعة من حقيقة حلّ الجيش العراقي غرست قناعة لدى أولئك المخلصين من قطاعات الشعب العراقي السياسية أو الإدارية بأن أميركا لم تأتِ محررة، ولا راغبةً في إقرار الحرية، وإنما جاءت بأنفاس استعمارية مختلطة بالأنفاس اليهودية وأنفاس التعاطف مع الشعوبية، مما منع توليد طبقة عراقية خيانية متعاونة مع الأميركان كانوا يأملون أن تؤسس وتكون عريقةً وفاعلةً في آثارها في نواحي الحياة العراقية كلها، حتى التعليمية والتربوية وليس السياسية فقط، وبذلك حرمت أميركا نفسها من الإعانة المحلية ووقع الثقل التنفيذي بأجمعه عليها، ما عدا أنفار شواذ من رجال الأقليات وأهل المصالح لا يخلو منهم بلد، وهذا التورط بحمل الثقل التنفيذي هو نقطة ضعف كبرى في الخطة الأميركية يمكن ترجمته بالمقابل إلى نقطة امتياز للصف الجهادي تتمثل في أنه يقاتل عدواً ظاهر العداوة والكيد والتخريب لا يختلف في تقويم خطره عراقيان، وقد تكون أسباب أخرى تحمل بعض العراقيين على عدم المشاركة في المقاومة، مما وقع في الشمال والجنوب، لكنهم لا يستطيعون الخروج عن هذا التقويم للخطر، ويدخلون ضمن الإجماع في تشخيصه والإشارة إليه.


    أنا وابن عمي على الغريب !!


    (5) ومن نقاط الضعف الأميركي الحرص على إخراج العراق من منظومة الأمن العربي وجامعة الدول العربية ، وربطه بدل ذلك بمنظومة أمنية جديدة هي ربما إحياءٌ لمنظومة حلف بغداد في الخمسينات، بحيث ربما يجعله مرتبطاً بتركيا وباكستان، مروراً ببعض بلاد مجلس التعاون الخليجي، وربط كل هذه المنظومة بحلف الأطلسي في المستقبل وبأجنحةٍ جانبيةٍ أخرى، مثل الأمن الإسرائيلي عبر معاهدة سلام وتطبيع، والأمن الهندي الدائر الآن في الفلك الأميركي أيضاً، وهذا هو سر الإلحاح على سلخ العراق من هويته الإسلامية عبر مناهج التربية المحرّفة التي تريد أميركا تنفيذها، أو سلخه من هويته العربية التي هي هوية الغالبية من الشعب، وواضحٌ ما يختفي في ثنايا هذا التخطيط الأمني من افتيات على مصالح الأمة الإسلامية كلها وإضعاف للجبهة العربية، باعتبار أن العراق يملك مكانةً قيادية في الأمة، وحماسةً متأججةً عالية المستوى تجاه قضايا الأمة بعامّة وفلسطين بخاصة، وقد تربّت أجيال العراقيين بهذه التربية وامتزجت المشاعر الجهادية بدمائهم، وانبنى الأدب العراقي الحديث-ثم الفنُ العراقي التشكيلي بخاصة-على هذا الأساس المسمى عُرفاً بالوطني أو القومي، وهو في عمومه ينسجم مع الحقائق العقائدية الإسلامية رغم ما فيه من هنّات وسكرات أحياناً تضيعُ بوفرة الصواب، ولم تنجح المساعي الاستعمارية القديمة في تأسيس توجه بابلي أو آشوري مثلاً على غرار التوجه الفرعوني بمصر، أو التوجه الفينيقي في لبنان، ولم تنشأ علمانية مُلحدة فاقعة اللون تجاهر بالإلحاد، بل حتى حافظت العلمانية العراقية على وتيرةٍ وطنية وتصالحية مع بعض مظاهر الإسلام، وكذلك لم تنشأ بين طبقات السياسيين مجاميع ماسونية إلا قليلا، ولا أشكالها المتجددة في صورة نوادي الأُسُود وأمثالها، وبقي العراق عفيفاً نظيفاً من هذه الأمراض الخطيرة رغم ابتلائه بعدد من أنواع الأمراض الطفيفة، ولقد نشأت عناصر تبوح بالكفر وتصيح بالعنصرية، لكنها كانت ضعيفة فردية أو أشبه بالفردية، وطوتها الأيام ونسيها الناس، وبقيت المشاعر الإسلامية الأقرب إلى النقاء هي السائدة على العموم، ومن هنا لم تستطع أميركا حتى الآن تسويق خطتها في إخراج العراق من منظومة الأمن العربي، لأن دعوتها تصطدم بجدار ثقيل من التربية والثقافة الشعبية والمفاهيم الموروثة المنحازة انحيازاً قوياً إلى الإسلام أو العروبة أو الاستعراب، وفي أدنى حالاتها إلى الذاتية والوطنية والمحلية التي تستمد من تراث العراق الحضاري، ولذلك سوف لن تستطيع أميركا تسويق رؤيتها الأمنية في المستقبل أيضاً وعلى امتداد عشرات السنين القادمة، لعمق التربية المضادة، رغم أن الأحزاب الكردية العلمانية تطيبُ لها هذه التوجهات الأميركية حالياً، وكل ذلك يعني أن المخطط الأميركي يطيشُ في العراق ولا يعرف الحقائق الموضوعية الحاكمة والموجهة لمسيرة السياسة والمجتمع، وذلك يعني بدوره جهداً ضائعاً وردة فعل عكسية ستظهر في المستقبل ضد العولمة.


    إيجاب في ساحة إيران ينقلب إلى سلبٍ في العراق


    (6) ومن الخطأ الأميركي الذي يسجل كنقطة ضعفٍ يذهلُ عنها المخططون: بوادر التحضير لثورة كردية في كردستان إيران، إذ هناك إرهاصات لها غير معلنة، وتبلغنا بواسطة الثقات الذين يفهمون جيداً التحركات الميدانية في باوة ومهاباد وسنندج وغيرها من المدن الإيرانية، ومما لا شك فيه أن العدوى الاستقلالية لابدّ أن تنتقل بصورة طبيعية ذاتية من كردستان العراق إلى هناك، وبخاصة أنها تستمد من بذور ثورة كردية كانت قائمة أيام الشاه هناك، ومن زخم عاطفي قومي كردي لازالت آثارهُ تستبد بعقول أكراد إيران منذ دويلة القاضي أحمد في مهاباد سنة 1945م التي قضى الشاه عليها بسرعة وبقيت رائحتها في تلك البيئة، وفي تقديرنا أن الثورة الكردية هناك لا تحتاج احتياجاً حتمياً للإسناد الأميركي بعد إذ عاش أكراد العراق أكثر من عشر سنوات في استقلال شبه تام وأصبح بإمكانهم إسناد تلك الثورة لو قامت، ولكن أميركا رغم ذلك دخلت على الخط في محاولة الإسراع بها إحراجاً للحكومة الإيرانية ولتحقيق مزيد من الضغط عليها، مع شيء مثيل من دفع أكراد سورية نحو المعارضة والعنف إحراجاً لحكومة سورية.

    ونعتقد أن الخطأ التخطيطي في ذلك يكمن في فتح جبهةٍ ثانيةٍ يلزم أن يرعاها الجيش الأميركي إذ هو متورط في جبهة العراق الأولى، ولربما ستحرجه أيضاً الاعتراضات التركية المتوقعة على هذه الثورة الكردية الإيرانية بخاصة، واحتمال حصول تعاون إيراني تركي لقمعها، لكي لا تسري العدوى إلى تركيا أيضاً ويتم إحياء ثورة حزب العمال الكردي، والتي يمكن أن تستقبلها الأوساط الكردية في تركيا بالتأيـيد وتكون جزماً مصدر إزعاج للجيش الأميركي، وستكون توترات أخرى، بخاصة في المناطق العربية المتاخمة لكردستان التي للمقاومة حضورٌ فيها، كبعض أنحاء محافظتي الموصل وكركوك، بل وتلك الملابسات المتوقعة ربما تؤدي أيضاً إلى تفعيل دور أنصار الإسلام، الذين هم الشق الكردي غير المنضبط من المقاومة العراقية.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-03-10
  9. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    ( معوقات تعرقل عمل المقاومة )


    وهو المفصل الثالث في محاولة اكتشاف نظرية المقاومة العراقية، وخلاصته: أن المقاومة لا تعمل في بيئة سلسة نموذجية رغم كل ما ذكرناه من عوامل قوتها ونقاط الضعف الأميركية، وذلك لأن العدو ماكرٌ يكيد، وبيده أدوات ضغط، وفي البيئة مسلحون لديهم بقية باقية من السذاجة والعفوية، ومن هنا صار بإمكان الطرف الأميركي التشويش وتأسيس الشبهات التي تؤدي إلى تثبيط وتعويق، ومن أهم هذه الظواهر:


    دخول الهازل على خط الجد


    (1) تزوير الجهاد بعناصر التكفير والعنف الأهوج الذي يتوجه نحو العراقيين أنفسهم، وما يلحق ذلك من استشراء ظاهرة أخذ الرهائن الذين لا يعملون مع المحتل عملاً مباشراً يولد الضرر، وقتلهم أو إطلاق سراحهم بفدية، فكل ذلك في ظننا الراجح وفي ما نعلم ويشتهر بين أوساط المراقبين: صناعة أميركية، لا يحتاجون فيها سوى إلى الرأس الذي يقود فصيلةً من تلك الفصائل يكون خائناً أو ضابط مخابرات من إحدى الدول العربية المتعاونة مع الخطة الأميركية، وأما الاتباع الذين ينفذون فهم شباب إسلامي في عمر الزهور لا يفقهون من السياسة شيئاً وليس لهم تجريب ولا صقلتهم أيادي المربين، ولم ينصتوا لرواية تجربة الوعي الدعوي، وإنما هم فتيان سذج لهم إيمان وافر يصل إلى درجة الغرام بالجنة، فيأتي ثعلب ماكر يلبس عباءة الزهاد فيخدعهم، ويوجه طاقاتهم وطلقاتهم نحو أقوام من المؤمنين يتأولون ويتبعون فتاوى الفقه المقاصدي المصلحي التي لا يدركها هؤلاء الشباب، ثم يغرس في قلوبهم وعقولهم قناعةً مفادها أن تحقيق الفوضى الأمنية إنما هو إرباك للأميركان، وبذلك يدفعهم إلى تفجير السيارات والرمي العشوائي، ويذهلون عن أن يسألوا رئيسهم الآمر: لماذا لا نوجه ذلك إلى صدور الأميركان؟

    فحيث ما سمعنا بتفجير من هذا النوع فإن إصبع الاتهام ينبغي أن يتوجه إلى الأميركان، وفي الغالب تكون المقاومة بريئة، ومن أدل علامات هذه البصمة الأميركية: خطف الرهينتين الفرنسيين، فمع أن أحدهما منحازٌ بقوة لقضية فلسطين وللإسلام حتى أنه كاد أن يسلم وأن الآخر حيادي: فإن الخطأ الأكبر يكمن في أن فرنسا حكومة وشعباً هي أشجع الدول في الوقوف الصريح ضد الخطة الأميركية في غزو العراق، وأنها أظهرت زخماً إعلامياً كثيفاً في هذا التوجه، وظلت على مدى السنوات الماضية النصير الأول في المجتمع الدولي للقضية العراقية، وما نحسب أن فصيلاً مخلصاً من فصائل المقاومة العراقية يذهل عن هذه السلوكيات الفرنسية الإيجابية أو يتجاهلها، وإنما القرائن تدل على أن الخاطفين أخطأوا في اجتهاداتهم، أو التحق بهم نفرٌ خطفوهم بوحيٍ أميركي، وربما بأيد أميركية صرفة، ولم يظهر في المقدمة سوى أنفار من العراقيين من المتعاونين مع الأميركان ربما، وكل ذلك إنما هو من أجل صرف فرنسا عن موقفها المؤيد للقضية العراقية، ومن القرائن أيضاً شيوع نوع من التشفي في الإعلام الأميركي والبريطاني يبدي أن فرنسا هي التي ساعدت على تحقيق الاختطاف عبر الغطاء السياسي الذي تمنحه للقضية العراقية والذي ينعكس بدوره إيجابياً على المقاومة، وهذه الطريقة معروفة في الفكر المخابراتي وأساليبه.

    وفي هذا السياق أيضاً يبدو أن الجيش الأميركي كان وما يزال يرحب بتدخلات المخابرات الإيرانية في العراق والمتمثلة في بعض صورها بتفجير السيارات المفخخة، فمع أن إيران تهدف من وراء ذلك إلى إرباك الأميركان لئلا يتفرغوا لإيران، وقد حصل شيء من ذلك ربما، إلا أن الفائدة المتحققة للجيش الأميركي هي أكبر، وتتمثل في تكوين صورة مشوهة للمقاومة العراقية تدع العراقيين في عزوف عنها، ودليل ذلك: النغمة الإعلامية الفورية المتكررة عند كل تفجير بنسبة الحادث إلى المقاومة، وإظهار شهود في القنوات الفضائية الموالية لأميركا يتكلمون بنفس اللهجة التي تتفوه بها المخابرات الأميركية، والجانب الأميركي يتبع في ذلك قاعدة الرضى بأهون الشرين، ومن أدلة ذلك أيضاً ما ذكرته العضوة التركمانية في مجلس الحكم(صون كول)في حديثها الفضائي المشهور من أنها نبهت الأميركان أكثر من مرة على توقع دخول شاحنات مليئة بالمتفجرات من بعض الحدود، إلا أن الجيش الأميركي كان يتجاهل تحذيراتها، بل ذكرت أن بعض أرتال الجيش الأميركي كانت تستقبل تلك الشاحنات وتحرسها.


    المنقرض ... لا يقرض !!


    (2) حرص الإدارة الأميركية على نسبة قسم كبير من أعمال المقاومة إلى حزب البعث أو فدائيي صدام ، أو إظهار عزت الدوري نائب صدام بمظهر القائد للمقاومة، لما يعلمونه من كره الناس لحزب البعث ولقادة نظام صدام، والأمر في حقيقته إن لم يكن كذبةً كبرى فهو مبالغة كبرى، فإن للبعثيين بعض الدور في المقاومة ربما لا يتعدى العشرة بالمائة من مجمل أعمال المقاومة، بل ذلك كثير، وهو إلى الخمسة بالمائة أقرب، وإنما يعرف الثقات ذلك ميدانياً وعبر التعامل اليومي، ويملك الدوري نفسية التذلل لصدام، فمن أين تأتي له أحاسيس الأحرار؟


    تكامل الرأي والرمي !!


    (3) الضغوط الأميركية التي تُمارس ضد القنوات الفضائية كلها من أجل التعتيم الإعلامي وعدم تسرب أخبار المقاومة إلى الشعب الأميركي، وليست هي الجزيرة فقط التي نالتها المعاكسات، إذ خضعت القنوات الأخرى للتهديدات وقللت جداً من ذكر حقائـق المقاومة، فلم يعد من سبب لإغلاق مكاتبها.

    وقضية التعتيم هذه لم تتوصل المقاومة إلى علاج حاسمٍ لها، بل حتى قناة الجزيرة لها مزاجية خاصة في تحديد مواقفها من بعض أخبار المقاومة أو بعض فصائلها، وتركيز الجزيرة أو بعض القنوات الأخرى على نشر أخبار وصور السيارات المفخخة وكثرة القتلى من المدنيين ساعد على تشويه سمعة المقاومة، سواء درت الفضائيات بذلك أم أنها تفعله عن غير قصد، إذ المهم أنَّ التأثير سلبي جداً، وصارت هذه الفقرات الإعلامية التي هي ظاهرها ترويج خبر المقاومة: وبالاً على المقاومة، وصار ما يريد الأميركان إذاعته من صور نكبات هم صانعوها ومهندسوها: سبب مسبة للمقاومة، والحل يكمن في أن تتولى قناة فضائيةٌ خاصة ذكر أخبار المقاومة الجادة، ويمكن تأسيسها في بلدٍ حر له توجه ضد العولمة، ولكن المقاومة أعجز من أن تقوم بهذه المحاولة، لضعف أجهزتها الإعلامية والفكرية والسياسية رغم قوة ذراعها القتالي، وهو ما سنبحثه في آخر النظرية، ولكن يهمنا الآن أن نقرر عجز المقاومة عن ذلك، ثم إن هذه القناة ينبغي أن تظهر كقناة سياسية وثقافية عامة وبفكرٍ إسلامي عام، لكي تستطيع أن تجذب المشاهدين، وتكون بعض فقراتها أو ساعات بثها باللغة الإنكليزية ليتم تداول أخبارها من قبل بعض أوساط الشعب الأميركي أو بعض الأوساط الأوربية التي تنقل عنها، وكل ذلك يرشح القناة لأن تكون قناة إسلامية عامة ذات أبعادٍ ثقافية ومعرفية عامة أيضاً، وهذا مالا يستطيعه سوى رجال الدعوة الإسلامية العراقية ثم العالمية، بما اكتسبوا من خبرة وثقافة وإطلالة على أسباب التمدن والرؤية الحضارية والوسيلة التكنولوجية، وهو ما يلزم فصائل المقاومة بأن تسعى نحو تحصيل خدمات هؤلاء الدعاة، ويلزم جهات التمويل في البلاد العربية بتوفير ورصد مال كافٍ يضعونه في أيدي الدعاة من أجل بناء هذه القناة الفضائية التي ستتطور إلى أن تكون ذراعاً إعلامياً يوازي في تأثيره الذراع القتالي تماماً دون نقصان، وتواضع المقاومة أمام هذه الحقيقة الميدانية أمرٌ مطلوب، والإذعان للقدر الخيري واجب، وقد رفع الله الدعاة بالعلم والثقافة درجات، وفي كل دور الأنصار خير، وبركة القلم واللسان البليغ والمنطق السليم ليست أبداً أقل من بركة الرمي، بل قد يكون الرجحان في العالم المعقد لبركة الرأي، وخير أحوال المقاومة أن يتكامل الرمي والرأي.


    كَمّموه .. فصمت .. فنـُسِي !!


    (4) ومما لا دخل للأميركان به مباشرة من التعويقات، وإنما هو تعويق تنتجه الآثار الجانبية للتعتيم الإعلامي: حصول جزْر في التبرعات الخارجية يدل على شيوع سذاجة عامة في جيل المسلمين الحالي كله ، فنخوتهم وحميتهم ونجدتهم تصعد وتنـزل مع صعود ونزول الكثافة الأخبارية والإعلامية، مما يدل على حاجة هذا الجيل إلى مزيد وعي سياسي مهما كانت المشاعر الإيمانية عامرةً فيه، وهذا الجيل بحاجة أيضاً إلى إحياء الحاسة العصبية فيه التي تمكنه من مزيد فراسةٍ وتخمين وشعورٍ بالحال المغيب عنه عن طريق القياس والحدس والتوقع، وكأن إحساس من تبرع أولاً أصابه تعطيل حين أنحجبت الأخبار بسبب التعتيم فصارت يده أقصر فيما بعد، وهذه الظاهرة حلّها يتجزأ إلى حلول صغيرة متكاملة، ولكن الدعوة الإسلامية العالمية تملك مفاتح أكثر هذه الحلول ويمكن أن تقوم بدورها الاستدراكي وتعوض عن الجزر الذي أصاب الحملة الإعلامية عبر الوعظ العام والعلاقات العامة والخاصة، وقد يأتي الهمس في آذان الأخيار النبلاء بما لا تأتي به الخطب الرنانة.


    تعال فصافح .. لتعرف أهل الدار !!


    (5) ومن التعويقات التي تسببها قلة الوعي: قابلية في الدعاة والنبلاء في الاستجابة للكلام العاطفي، والثقة بقائله ، وهذا أمرٌ لا باس به إذا كان يحصل في نفس محيط المجاهدين وفي دوائر محلية تضيق أو تتسع، لأن الغالب أن يكون رجال وأهل كل مدينة يعرف بعضهم بعضاً، فيكون حفظ الحقوق لأهلها، ولا يحصل تجاوز أو قفزٌ أو ذهاب إلى غريبٍ أو مفضول، ولكن الخلل إنما يظهر خارج البيئة حيث لا يتم تمييز معادن الرجال وأوزانهم النوعية، وهو محيط الأمة خارج العراق في مثل حالتنا حين يقدر المخلصون غير العراقيين أعمال ومنازل مجاهدي العراق، إذ هم لا يعرفونهم ولم يختلطوا بهم، وإنما التعرف يكون عبر سفير وممثل، فهنا قد يركب الموجة مخلص يمتزج إخلاصه بنوع شعور ذاتي بالفخر ومحبة المدح والظهور بمظهر الزعامة والقيادة، بينما منزلته الحقيقية ليست غير الرواية وعملية التبليغ بخبر أو الوصف لحوادث، فيرتفع اسمه، بينما المجاهد الحقيقي يعاني في أرض المعركة وينفذ بصمت ولا يعرفه أحدٌ غير الذي يديره أو يتعاون معه، وهذه ظاهرةٌ من ظواهر الحياة عامة حين تكون الأعمال سرية، والجهاد يقتضي أقصى درجات السرية، مما يوجب على الجمهور المسلم، وفي خارج العراق بخاصة: أن يقابل هذه الظاهرة بوعي يبديه في التوثيق الصحيح وإنزال الناس منازلهم الحقيقية، بأن لا يجعل للمخبر الواصف منـزلة فوق منزلة المقاتل الباذل نفسه، بل من الحق أن يمنح معظم التوثيق للباذلين الصامتين، وأن لا يتيح لمن يتغنى بخبر الجهاد أن يحتل منزلة متقدمة أو فوق منزلة المجاهدين أنفسهم، والطريق إلى حصول ذلك أن لا يكسل من في خارج العراق ويلبثوا سامعين للأخبار فحسب، بل أن يحضروا إلى العراق ليميزوا الذين هم أهل المبادرة والسيطرة، وهم الأحق بالمال والإسناد والدعم والذكر، وتلك قضية من قضايا فقه الدعوة والوعي السياسي يجدر أن نركن إليها.


    نخلة أرطبت في شباط !!


    (6) ولكنَّ أكبر التعويقات يتمثل في تخلف المجتمع الشيعي العراقي بأجمعه عن المشاركة في أعمال المقاومة، إلا ما كان بعد مرور أكثر من سنة على الاحتلال من مشاركة مقتدى الصدر بجيشه(جيش المهدي)في أحداث النجف والناصرية والكوت ومدينة الثورة ببغداد وسط استنكار الحوزة وجميع الأحزاب الشيعية الأخرى لمشاركته، على خلفية الصراعات المعروفة بين القيادات الشيعية وتوجه الصدر العروبي إزاء الانتماءات الإيرانية للآخرين، وقد أقامت القيادات الشيعية فلسفة تخلفها على مقولة: أنَّ الشيعة وقع عليهم ثِقل المعركة في ثورة العشرين فوقع الحكم في يد أهل السنة، والآن ندع عليهم ثقل المعركة ليكون الحكم في أيدينا.. وهذا زعمٌ غريبٌ وفيه الكثير من المغالطة، فإنَّ ثورة العشرين قد قامت على جهود السُنة والشيعة معاً بالتساوي، ثمَّ إنَّ رجال الجيش والإدارة من العراقيين في الدولة العثمانية المقضيّ عليها هم الذين كانوا أجدر بتأسيس الدولة العراقية، تبعاً للطبيعة السُنية للدولة العثمانية، ولم تكن الكفاءات العالية في المجتمع الشيعي بمثل كثافتها في المجتمع السني، ومع ذلك فقد كان للشيعة نصيبٌ كبيرٌ في الدولة، وانحاز لهم الملك المستورد(فيصل الأول)انحيازاً كبيراً وعوضهم تعويضاً عمّا نالهم في الزمن العثماني، كما هو معروف وبصورة واضحة لكل مطلّع على التاريخ السياسي العراقي الحديث.

    إنَّ هذه التسويغات الشيعية بمناقضة المقاومة هي أشبه أن تكون من الأحاديث العامة، والصواب الذي هو أكثر وضوحاً: أنَّ القيادات الشيعية وجدت في دخول الأميركان أرض العراق فرصةً كبيرةً للتعاون معهم من أجلِ التمكين للمشروع السياسي الشيعي واحتكار معظم مناصب الدولة ووظائفها، صغيرها وكبيرها، وهذا ليس مجرد ظن ولا هو تحليلٌ أو قراءة نفسية لدواخل القيادات الشيعية، وإنما هي سياسة معلنة وصريحة لأحزاب المعارضة الشيعية في مؤتمرات لندن وزيارات الأحزاب الشيعية كلها للبيت الأبيض في واشنطن وإصدار البيانات المشتركة مع الحكومة الأمريكية التي وجهت دعوة صريحة للجيش الأمريكي أن يغزو العراق، وهذا ثابت في مئات الوثائق المنشورة والأفلام التسجيلية التي بثتها الفضائيات، فهي سياسةٌ مقصودةٌ إذن، ورؤيةٌ عمدية وانحياز لخيار التعاون مع أميركا في خطوةٍ جريئة أهدرت كل تحفظات أصحاب الأحاسيس القومية والوطنية والإسلامية، لكنَّ ترجيح هذا الخيار ثبتَ فشله فيما بعد، بعدَ أقلّ من سنةٍ من انتهاء الحرب، لمداخلات لا يمكن إبعادها عن محصلة التأثيرات لقضية التعامل الأميركي مع قضية تأسيس الحكومة ومع قضية المقاومة، وكان على مجالس التخطيط الشيعية أن تدرك ذلك وتستوعب دروس التأريخ ومفاد السياسات العالمية والإقليمية، ولكنها عجزت فيما يبدو عن إدراك بعض الأبعاد فوقعت في الورطة أمام جمهور الشيعة أنفسهم ومع أهل السنة والمقاومة وشعوب الأمة الإسلامية كلها عرباً وعجماً والتي أبدت تحيةً للجهاد وفرحاً به، ومكمن هذا الخطأ أنَّ القيادات الشيعية كان عليها أن تدرك أنَّ إيران ستدخل على الخط وبقوة، وفي هذا ما سيعاكس المخططات الأميركية لتقليم أظافر إيران وتفكيك برنامجها النووي وما يكمن من حثٍ إسرائيلي خفي معلن وراء ذلك، والمشروع الشيعي في العراق لا يمكن أن ينجح بدون هذا الدعم الإيراني، سواءٌ منهُ الدعم المخابراتي أو الدعم الحوزوي للأحزاب الشيعية باعتبار أنَّ السيستاني إيراني الجنسية، ثمَّ إنَّ احتكارات الشيعة للوظائف في كثير من الوزارات التي كلفوا بها والاستعمال المسرف للسلطة في المراكز التي احتلوها جعلت الأميركان في حرجٍ شديدٍ أمام بقية العراقيين، حتى أنَّ الأمر وصل في بعض المستشفيات إلى أنَّ المريض المراجع أو حتى من يريد أن يفحص دمه أو أن يعيّن درجة السكر في دمه: عليه أن يستحصل على إذن معمم يمثل الحوزة يجلس مع إدارة المستشفى، ومورست أنماط انحيازية عنيفة في أوساط وزارة الصحة والتربية ودواوين أخرى تسببت في صيحات استنكار من أهل السُنة حشرت الإدارة الأميركية في زاوية الاتهام وأحرجتها جداً، فاضطرت هذه الإدارة إلى سياسات التوازن، وما كانت تظن أنَّ الأحزاب الشيعية تبلغُ إلى هذه الدرجة من الجزافية التي تأذن لنفسها باحتكار الأمور وإهمال ردود الفعل المقابلة، وكان صانع القرار الأميركي يظنُ أنَّ قيادات الأحزاب الشيعية هي أوعى مما أبدته، وأنها تُجيد المناورة والتلطف والاندساس الهادئ، ولكن طريقتها المتسرعة القائمة على الاحتكار المعلن والإثارة الإعلامية الملحاحة التي تهدر الحقائق: جعلهُ يعيد النظر في خطته التعاونية مع الأحزاب الشيعية، وينحت المقدار الزائد على حدود التوازن، لئلا يوقع نفسه في موطن ملامة من أهل السُنة أكبر تستفيد منهُ المقاومة في التصعيد.

    ويتعادل مع هذا الخطأ الذي ارتكبتهُ الخطة الشيعية أنها لم تتوقع حجم الآثار النفسية الإيجابية لأعمال المقاومة الجهادية في أوساط أهل السُنة، وما فيها من ثقةٍ بالنفس واعتزازٍ وفخرٍ وطموحٍ واستعلاءٍ يؤدي إلى التصلب في الموقف السياسي، والآثار السلبية النفسية بالمقابل التي استولت على المجتمع الشيعي بسبب انفراد أهل السنة بهذه المفاخر والمواقف الوطنية واللبث مع سُنن الشعوب في المفاصلة مع المستعمر الكافر، وذلك لأنَّ هذه الأحداث المتعاكسة المتجلية في موقف مقاومةٍ جهادي من جهة وما يعاكسه من موقف مصافحةٍ للإدارة الأميركية: لا يجري في بيئةٍ منغلقةٍ ساذجةٍ رجعية، وإنما يجري في بيئة العراق الواعية ذات التراث الوطني الوافر وفي زمن الفضائيات التي تزيد على المائة عدداً، والتي تكشفُ كل شيء وتلاحق الساسة في مكاتبهم وعُقر دورهم، فلا يخفى على فلاحٍ يقلبُ الأرض بمسحاته شيء، ولا على صياد سمكٍ أهواري، وراعي جملٍ صحراوي، فضلاً عن المثقف، وهذا ما أوقع الجمهور الشيعي في حرجٍ شديد مقابل مفاخر أهل السُنة، وأصبح الشيعيُّ يتوارى خجلاً، والسُني يمشي بطول قامته رافع الرأس، فتولدت من ذلك حالة انفصام بين القيادات الشيعية وجمهور الشيعة الأعظم، وأصبحوا يميلون إلى الخطط الصُلحية مع أهل السُنة، وبخاصة الشيعي العشائري العروبي، والشيعي المستقل، والشيعي العلماني، والشيعي الذي تأول في الزمن الأول فتعاون مع أجهزة نظام صدام، وهذه البيئة النفسية التي لم يحسب مخططو المشروع السياسي الشيعي حسابها هي التي أفرزت بالتالي حركة الصدر ومعركة النجف وترحيب بعض جهات المقاومة بها، ورأوا فيها عودةً للوعي، رغم نقصان هذا الوعي بسبب بقاء بعض العقائد الحادة وتخلف درجة الاعتدال الفكري عن درجة الاعتدال السياسي، وكان المظنون بأعمدة البيت الشيعي أن يستوعبوا هذا العامل النفسي في اهتزاز المجتمع الشيعي، وأن يميلوا إلى بعض الواقعية والمفاصلة مع الراعي الأميركي، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل حتى الآن، بل بالعكس: تنادت القيادات الشيعية إلى محاصرة مقتدى الصدر وتطلعاته ومحاولة البطش به وبجيشه، مما يعني أن عوامل الصراع بين القيادات الشيعية تغلبت على متطلبات السياسة الشيعية الاستراتيجية، وانتصرت الشخصانية على مواعظ الواقعية النقدية ومذاهب التخطيط، وهذا الحال يجعل الصراع سجالاً ويجعلنا ننتظر معارك أخرى مثل معركة النجف، وقد يتوسع جيش المهدي فيغري المقاومة الجهادية السنية بالتحالف معه.. وعندئذ ستتطور الأمور تطوراً دراماتيكياً لا يستبعد كل الاحتمالات، وسيكون الموقف السني عند ذلك مستفيداً عبر احتمال تطور ذلك التحالف إلى وحدة اجتماعية سياسية عراقية بين المجتمعين السني والشيعي، عبر استبعاد شبح قيام الفدرالية الشيعية الجنوبية وما يعنيه ذلك من الحفاظ على وحدة العراق وتفويت خطة التقسيم التي تدفع إسرائيل نحوها بعض الأطراف دفعاً، وكذا تدفع إيران نحوها حثيثاً أيضاً، مما يتجلى في الموقف الغريب الناشز جداً للفرع العراقي من حزب الله ، فلأن حزب الله يعمل بدعم إيراني فإنه لم يستطع غير الدخول في المشروع السياسي الشيعي العام، وحاول أن يحتل مكاناً قيادياً فيه وفي البيت الشيعي، وتعاكس مع طموحات الصدر بصراحة، وأبدى مبالغةً في منع المنطقة الجنوبية الشيعية من أن تثور ضد الأميركان والجيش البريطاني، وبدرت منه حماسةٌ في ذلك، مما يكشف عن ازدواجيةٍ واضحةٍ في السياسة الإيرانية، فهي من باب ترعى المشروع السياسي الشيعي المتطلع للحكم أو للاستقلال في فدرالية جنوبية، وفي نفس الوقت تحاول إلهاء الجيش الأميركي عن التحرش بإيران عبر تفجير السيارات المفخخة، ولكن في المناطق السنية، فهي سياسة بالغة الغرابة والتعقيد والازدواج، مما يجعل بعض المراقبين يتساءلون عن أعمال(حزب الله)في لبنان وعمّا إذا كانت تعبر عن حقيقة ظاهرها ضد إسرائيل وأميركا، أم أنها فذلكات سياسية إيرانية في أرض لبنان، ولم تكن سياسة(حزب الله)وحدها هي المزدوجة بسبب هذه المرجعية الإيرانية له والتي تُحرَّم في العراق ما تحلُّ في لبنان وتدل على غياب الموقف المبدئي القواعدي الشرعي الواحد، والاستعاضة عنه بموقف سياسي مصلحي متعاكس، بل شخصية(محمد حسين فضل الله)نفسها حصل فيها هذا الازدواج، فكان منه تلعثم في الشأن العراقي ينافي بلاغته اللبنانية، وهذه الظاهرة تجعل قضية التنظير للمقاومة العراقية قضية صعبة موغلة في التعقد بسبب وجوب مجاوزة المظاهر والأشياء المعلنة إلى البواطن والمحركات الخفية.


    وفي كانون ما زال عنبُ الجبل حصرما


    (7) و حديث الفدرالية الشمالية الكردية حديث مماثل وهو عاملٌ من عوامل تعويق المقاومة الجهادية أدى إلى تعطيل ساحة مماثلة في حجمها تقريباً لحجم الساحة الجنوبية، أو هي الأهم، لكون الشمال بلاداً جبلية وعرة لو ثارت على الأميركان لكبدتهم أضعاف أضعاف خسائرهم الحالية، ولكن الأخوة الأكراد رجحوا مصلحتهم القومية على المصلحة العراقية العامة، بل لم يعودوا أهل شعور عراقي إلا على أساس مما تستلزمه المرحلية السياسية الوقتية، وتنكروا للمعيشة المشتركة الطويلة مستندين إلى أن الحاكم بعد الحاكم قد ظلمهم، إذ العرب أبرياء من فِعلة الظالم، وأهل الإنصاف من العرب-ورجال الدعوة الإسلامية في مقدمتهم-: يقرّون ويعترفون بحصول هذا الظلم على الأخوة الأكراد، وأن ردود الفعل في حلبجة وأمثالها كانت عدواناً صارخاً ينبغي أن يقف الجميع من أجل عدم تكراره عبر إقرار حكم شوروي يحترم الحريات والخصوصيات القومية ويعدل بين أبناء الشعب بالتساوي، ولو كانت جهود الأحزاب الكردية قد توجهت مثل هذا التوجه وتعاونت مع التوجهات الإسلامية العربية والتركمانية لكان الطريق إلى تحقيق الطموحات الكردية أقصر واسرع، ولتجاوبت معهم خطوطٌ إسلامية في تركيا وخطوطٌ معتدلة إصلاحية في إيران، ولكن الجفلة كانت كبيرة بسبب قوة الشعور القومي الكردي وقوة القناعة بأن الاستقلال هو الحل، فطال الطريق وصار أصعب، ثم زادته الترخصات الكردية المرحلية الحالية بالتعاون مع الحملة الأميركية تعقيداً وبعداً عن العرب، إذ كانت القيادات الكردية جريئة جداً منذ أيام المعارضة في الخارج، وذهبت إلى واشنطن تحث البنتاغون على غزو العراق، فحصل ما حصل بعد عشر سنوات كاملات من حكم مستقل عن نظام صدام بحماية أميركية، فليس من المعقول بعد ذلك أن ننتظر منهم مشاركة في المقاومة أو موقف مفاصلة مع السياسة الأميركية، بل هو ارتباط مصيري تام أتاهُ الأكراد بتأويلات الضرورة، وتخريجاً على ما حصل من قبل من تعاون مع إسرائيل زمن الملاّ مصطفى البرزاني، ووصلوا في تقعيد ذلك إلى حد القول الجُزافي بمبدأ قبول التعامل مع الشيطان من أجل تحقيق الطموحات القومية الكردية، وهذه المقولات إنما وجدت صداها في الجيل الكردي الحاضر بسبب الأثر النفسي لفداحة الظلم.

    ولكن مع الأيام نظن أن فداحة الظلم الأميركي ستبدو لهم بالتدرج يوماً بعد يوم، وأن المصلحة القومية الأميركية العليا مقدمة على المصلحة الكردية، وعندئذ ربما يتوبون متابا، وفي المجتمع الكردي تيار إسلامي واسع عريض يريد الوفاء لمتطلبات المبدأ الشرعي في وحدة الأمة الإسلامية، ولا يريد تقسيم العراق، إلا أنه يتماشى مع تيار الاستقلال الكردي من باب الضرورة والمبالغة في الجفلة من نتائج سياسة حكومة بغداد التي ظلمت الأكراد سابقاً، ولربما يكون تعويل المقاومة على هذا التيار الإسلامي في المستقبل وارداً، أنهم الأقرب إلى تفهم العفاف السياسي الذي لا يصافح الأجنبي أياً كان، يهودياً أم بريطانياً أم أميركياً، ما دامت تلوث تاريـخه النزعات الاستعمارية، ومعركة الجهاد العراقي قد تكون قصيرة تنتهي في بضع سنين، وذلك الأرجح، وقد تكون طويلة، لا ندري، إذ شطر السياسة غيبٌ ونوايا مكتومة، وعندئذٍ يجد هذا المنطق في التعامل مع التيار الإسلامي الكردي له سبيلاً إلى عالم الواقعية، والغموض في هذا التوقع هو الغالب، وأما جيش أنصار الإسلام الذي تغلب عليه الصفة الكردية ويشارك في المقاومة فليس عليه تعويل كبيرٌ في أن يقوم بدورٍ مؤثر داخل المنطقة الكردية، بسبب محدوديته وتعاونه فيما يقال مع تنظيم القاعدة واستفحال العداوة الشديدة بينه وبين الأحزاب العلمانية الكردية مما يجعل فرصته ضئيلة.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-03-10
  11. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    ( وجوب المرونة والسياسات التكاملية في عمل المقاومة )


    المرونة وصف حسن للدعاة يصفهم بها علم التخطيط، ومسوغاتها الشرعية حاصلة وبوفرة وتشرحها قواعد الضرورات وسد الذرائع، ثم شواهدها الواقعية كثيرة، والمنطق العام في ذلك منطق تجريبي يوصي بالتكيف أمام المستجدات التي تفجأ، وإزاء المناورات التي يلجأ إليها الخصم، والمفروض أن يكون لكل مناورة ذكية يبديها الغريم: مناورة مقابلة من المؤمن، كلاعب الشطرنج حين تتحرك بيادقه يمنة ويسرة ليمنع التسلل من ثغرة، وللمسلم المثل الأجل الأكرم، ولها شرطٌ واحدٌ مهم: أن تتقيد بأحكام الحلال والحرام، وأن لا تخرق الثوابت الشرعية.

    ولدى النظر الفاحص إلى الكر والفر الحاصل في الساحة العراقية من طرفي المعركة يتبين لنا أن المرونة المطلوبة تسلك خمس قنوات:


    يزلف فنزلف .. ويخلي شبراً فنملؤه


    (1) التبديل المتتالي في الخطة الأميركية لوسائل التأثير المحققة للمصلحة الاستراتيجية الأميركية، فقد بدأت التحضيرات للمعركة، وفي ظن أميركا أن العراق سيكون مجرد موضع قدم أولي في المنطقة تنطلق منه إلى بلاد أخرى لتعيد ترتيب الحكومات والحياة السياسية كلها فيما أطلقوا عليه: "الشرق الأوسط الكبير"، ثم تصل السياحة بهم إلى أطراف الأمة الإسلامية، بل لتصل حتى أقصى حدود الأمة عبر المشروع الأميركي لتفتيت وتقسيم إندونيسيا، وفي أوائل سنة 1992م بعد معركة تحرير الكويت ذهب الرئيس بوش الأب إلى استراليا، فذكر رئيس الوزراء الأسترالي حاجة استراليا إلى حماية أميركية على المدى الاستراتيجي، لضعفها إزاء جيران أقوياء في جنوب شرق آسيا، ولم تكن منه تسمية لهؤلاء الجيران، فأجابه بوش بأن أميركا ملتزمة بذلك وأنها تعلم مقدار الخطر المستقبلي الكامن ضد استراليا في إندونيسيا وماليزيا كبلدين إسلاميين كبيرين في المنطقة، فسماهما بصراحة وبدون مواربة أو حياء، وهو يعني الطاقة الكامنة في إندونيسيا نتيجة نفوسها الكثيرة التي تعدت المائتي مليون، والطاقة التكنولوجية والمالية الكامنة في ماليزيا رغم أن نفوسها تبلغ عُشر نفوس إندونيسيا وتعادل نفوس استراليا أو أكثر قليلاً، ولم تتم ترجمة كلمتي بوش والأسترالي إلى العربية في حينها، والمؤامرة واضحة في كلام بوش وجاءت عملياً بعد سنوات في صورة محاولات استقلال(جزر الملوك)ثم إقليم(آجي)النفطي في شمال سومطرة، والمقصود من هذا السياق التذكير بأن خطة العولمة الأميركية أفرزت عدة استراتيجيات أمنية أميركية متكاملة، وأن غزو العراق وخطة التلاعب في خارطة السياسة في الشرق الأوسط خطة أخرى للتلاعب في خارطة السياسة تكمل خطة تقسيم الأطراف الشرقية للأمة الإسلامية، ومثلها كانت خطة إحلال الهيمنة الأميركية في الدول الإسلامية في آسيا الوسطى التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي، ومثلها خطط أخرى في أفريقيا السوداء وشمال أفريقيا كشف عنها الدكتور علي المزروعي-العربي الأصل الكيني المنشأ-والذي يعتبر الخبير الأول في الشؤون الأفريقية والمستشار المقدم لدى الإدارة الأميركية ويحتل كرسي تدريس العلوم السياسية في بعض الجامعات الأميركية المقربة من الإدارة الأميركية، وكان قد أشار في بعض المؤتمرات إلى خطة تقدم بها لدمج بعض الدول الإفريقية مع بعضها الآخر وتكوين دول إفريقية كبرى من أجل تسهيل التعامل معها، واستجابت لدعوته أكثر من عشرين دراسة أميركية وعالمية، والقضية معلومة لدى مراكز الدراسات المختصة بأفريقيا وعنهم رويناها، وموطن الاستشهاد: أن أميركا تملك عدة خطط استراتيجية أمنية متكاملة، وأن غزو العراق يمثل إحداها، وكان من المنتظر أن تظل أميركا مستمسكة بأهدافها المعلنة والتي خلاصتها استثمار احتلال العراق لتوسيع التأثير في جميع منطقة الشرق الأوسط، ولكنها مع ذلك وأمام ضغط المقاومة والرفض العالمي العارم لاحتلالها العراق: لانت، وبدلت شيئاً ما من تلك الأهداف المعلنة، فأخرجت قرار الأمم المتحدة الثاني في شأن العراق الذي وكل الأمر إلى قوات متعددة الجنسية، في خطوةٍ كأنها تنازلية، ثم خرجت إلى إقرار التعامل مع حكومة انتقالية بأسرع مما كان في التخطيط الأول، في تنازل ظاهري آخر، مع أن درجة تدخلها في الشأن العراقي بقيت على نفس الوتيرة، ثم بدأ الكلام بعد ذلك عن طريقة في(المشاركة)في تسيير أُمور العراق، أو في تنازل أبعد يكتفي بالهيمنة المماثلة لطريقة تأثيرها في بلاد أخرى سيرتها في فلكها من دون احتلال ظاهر، وهذه التراجعات كلها وإن كانت من قبيل التكتيك وامتصاص الصدمات والالتفافات السياسية والخروج من الباب للدخول من الشباك إلا أنها طرائق سياسية يمكن أن تتعامل المقاومة مع بعض مفرداتها بنوع حذقٍ وكسب إنجازات جزئية وفرض شروط، وذلك ما نعنيه من حاجة المقاومة إلى مرونة في التعامل مهما اشتدت وتصلبت في مطلب الجلاء الكامل النهائي،ولا نستطيع هنا أن نقدم توصيفاً عملياً يكون ترجمة لهذه المرونة، لأن ذلك إنما يكون نتيجة حوار وتفاوض واستعانة بأطراف وسيطة ينبغي أن تسعى لها المكاتب السياسية لتنظيمات المقاومة، ولكنا نريد أن نشير إلى أن هذه المناورات السياسية الأميركية يمكن أن يقابلها السياسي المسلم والمجاهد بمناورات ذكية أيضاً، وهذا هو الذي نعنيه من المرونة، وهذه المناورات ينبغي أن تكون ركناً مهماً من أركان النظرية العراقية في دفع الاحتلال.

    المهم أن تتذكر أطراف المقاومة أن السياسة الأميركية نفسها ذات مرونة، وقد صرّح بوش مؤخراً بذلك، فيما فهمه المحللون منه أنه لينٌ أمام ضغوط عملية انتخابية وأنه يعني احتمال الانسحاب والاكتفاء بإشرافٍ على المصالح الأميركية في العراق أو تأثيرات مبطنة، فبمقابل ذلك ينبغي أن تظهر مرونة في قرارات المقاومة لتحصيل مكتسبات جزئية من دون السكوت عن مطلب الجلاء، وهذا أمرٌ ليس سهلاً أن يكشف تفاصيله الـمُـنَـظّـر الفرد، ولا المكتب السياسي لأي فصيل من المقاومة، وإنما هي صنعةٌ تحتاج تشاوراً عريضاً مع قدماء الساسة وكبار العسكريين من العراقيين والعرب والأوربيين الذين يعادون العولمة الأميركية، وعلى المقاومة أن تعترف بأن خبرتها السياسية في مثل هذه الشؤون محدودة.


    فن السِّجال ... وتكسير الأمواج


    (2) التزام المقاومة الذي ينبغي أن يكون صارماً بطلب تحديد موعد انسحاب واضح للقوات الأميركية من العراق ، وقد اضطرنا الكلام سابقاً إلى ذكر هذه المسالة، ولكن إفرادها وتميزها بعنوان مفصلي ضمن النظرية العامة للمقاومة هو أمرٌ مهم للغاية ويستدعي أن تكون هناك مراقبة دائمة من المكاتب السياسية في المقاومة له، لتعلق أمره بأكثر من ميزان وخيار واحتمال.

    من ذلك-مثلاً-احتمال التنقل بين أكثر من سقف زمني لإنهاء الاحتلال، وهذا من فنِ الممارسة السياسية والتفاوضية، والمحور فيه أن يتم تحديد موعد واضح التاريخ للجلاء غيرُ مرتبطٍ بشروطٍ موضوعية يمكن أن يختلف الجانبان في مدى تحققها، ثم تبدأ بعد ذلك محاولات تفاوضية مصحوبة بضغوط حربية وإعلامية وسياسية لتقصير أمر ذاك التاريخ، مرةً ومرتين وثلاث، بحسب البراعة ومقدار الضغوط والفرص الفجائية التي تظهر ولا تكون محسوبة سابقاً، إذ المهم في ذلك هو تحديد الموعد أول مرة، ويعد ذلك من المكاسب الكبيرة للجانب العراقي والتي تعني احتمال نقض الخطة الأميركية أو كسر حدّتها.

    ومن ذلك أيضاً: أن يكون الوصول إلى تحديد جدولٍ زمني متدرج لانسحاب القوات وإخلاء القواعد، مع بقاء سلاح المقاومة مرفوعاً، أو الحصول على ضمانات دولية كافية من عدة دول لتحقيق هذا الانسحاب المتدرج مع وقف المقاومة من دون نزع سلاحها أو التضييق على رجالها.

    ومن ذلك أيضاً: تحديد أماكن تواجد وحركة القوات الأميركية جغرافياً وزمنياً، بحيث تقل الأضرار المترتبة من وجودها، فهذا وأمثاله متروكٌ للتفاوض الناجح وللوساطات الحيادية الصادقة، ولا يجوز أن يخلو التخطيط النظري الجهادي من الإشارة إليه وإناطة شأنه لرجال يتولّون ملفاته.


    التدرج في الانسحاب الأميركي واجب


    ولكن المطلب العراقي الحاسم بوجوب انسحاب المعتدي الأميركي لا يعني قبول خطة أميركية بالانسحاب المفاجئ السريع، فإن ذلك يترك ثغرة أمنية واسعة ربما تكون سبباً في اندلاع حرب أهلية على خلفية التوزع المذهبي أو القومي، وقد دخلت المخابرات الإسرائيلية على الخط وتُشجع بعض المتهورين من جميع الأطراف لإشعال فتيل هذه الحرب، والصواب: أن تضع أميركا جدولاً زمنياً متدرجاً للانسحاب، بحيث يتم إحلال قوة من بلد عربي لا يحادد العراق إحلالاً وقتياً محل كل فرقة أميركية تنسحب، مثلاً، على أربع مراحل خلال سنة أو أقل، لئلا ينفلت الأمن ويستبد طرف عراقي واحد بالأمر مستغلاً الفراغ، ثم يكون تسليم العراق لجيش عراقي يتم بناؤه وله قيادة جديدة تختار من قياداته السابقة.

    وهذا هو الرأي الذي يُجمع عليه فقهاء القضية العراقية، وقد زعم بعض مَن تكلّم في قناة الجزيرة مؤخراً أن هذا الأمر غير مُجمع عليه، وأن الراشد لا يرى انسحاب الجيش الأميركي الآن، وهذا كذب وافتراء، بل رأي الراشد جازم بالانسحاب، ولكن بتدرج يمنع الاحتمالات السلبية المصاحبة للفجائية، والتدرج مسوّغ، وهو جزء من المرونة السياسية التي تستلزمها المواقف، وفن القيادة لا يمنع ذلك، وقواعد التخطيط تأذن به، وبدون التدرج تكون الفوضى العارمة التي قد تستثمرها إيران أيضاً، والإحتراب الداخلي متوقع، وأميركا هي التي تسبَّـبت في إحداث ضرر بالعراق، ولذلك تكون مسؤوليتها كاملة كذلك في جعل الانسحاب من ورطتها بدون إضرار بالعراق وشعبه، وفوضى الفراغ هي التي ستكون المدخل لكل أنواع الضرر، من الحرب الأهلية أو الانفلات الأمني وسيطرة الجريمة والمافيات السياسية، وبخاصة أن التاريخ العراقي يرينا تعوّد الفرد العراقي على إراقة الدم، واستسهال العنف، والفوضويون يعتادون إرخاص الدماء في كـل أُمة، والأنماط الصبيانية قد تطغى أحياناً إذا غاب العقلاء أو سكتوا عن تهورات الغوغاء، وفتاوى الضرورات يجب أن تصدر عن كبار الفقهاء ومجالس الإفتاء الجماعي، ولا نأذن لفرد أو شاب قليل التجربة أن يتصدى لتحليل إراقة الدماء بأدنى شبهة وبزعم المصالح والضرورات من دون رؤية للملابسات ولمفاد مجموع القواعد الشرعية الأخرى التي تذهب إلى التورع عن إراقة الدم وتوجب المرونة، ولذلك فإن الفتوى بوجوب الانسحاب السريع خطأ، والانسحاب المبرمج المتدرج وفق جدول زمني متفق عليه هو الصواب.


    الضغوط الانتخابية ... سلاح


    (3) ومن المرونة المطلوبة المتداخلة مع قضية تحديد موعد الجلاء: استخدام المقاومة لورقة الانتخابات الأميركية والتناقضات الحادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ثم كفرعٍ لذلك موقف بلير الحرج في بريطانيا، لا مقابل المحافظين فقط بل حتى تجاه حزبه: حزب العمال، ويبدو أنه ليس من مصلحتنا التصديق التام والاستسلام الكامل لمقولة صلابة الخطط الأميركية وضعف تدخلات الرؤساء فيها وأن القول الفصل إنما هو لمراكز البحث ودوائر التخطيط الاستراتيجي في الإدارة الأميركية، فإن هذا صحيحٌ إلى حدٍ ما، لأن الأخلاقية السياسية المصلحية الأميركية القائمة على مبدأ(البراكماتية)تجعل مصالح الرئيس ثم الحزب مقدمةً في كثير من الأحيان على مصالح الأمة الأميركية.

    ورجال الدولة الأميركية شأنهم شأن أي بشرٍ آخر في عصر الظلمات الحالي، ولهم نفوسٌ شَطْرُها الشر، ولهم شياطين تأزّهم أزاً، وهم ليسوا مثل أفلاطون حين يحلم بمدينته الفاضلة، ولا مثل المؤمنين، فضلاً عن أن يكونوا ملائكة، بل يصدق عليهم كل وصف سوء متصور، ويمكن أن يضغطوا على دوائر التخطيط إذا عوكست مطامعهم الذاتية، ولذلك فإن قضية الانتخابات، ومعاكسة أحد الحزبين للآخر: يمكن استثمارها لتحقيق مكاسب عراقية.


    مرابع الناس وأسواقهم ليست ميادينا


    (4) ومن المرونة المطلوبة أيضاً: مرونةٌ في التكتيك الحربي يكادُ أن يجمع عليها واضعو فن المقاومة وحروب العصابات في العالم أجمع، تتمثلُ في وصيةٍ عامةٍ إن يمارس المقاومون هجومهم خارج المدن، وأن يتجنبوا دخول معركة داخل المدن المزدحمة، وذلك لأن الجيش الغازي يستطيع أن يدمر المدن أثناء المعركة، وأن يوغل في قتل المدنيين، فتتولد حالة تذمر وانفصام بين المقاومة والشعب، وكادت معركة الفلوجة أن تصل إلى هذه الدرجة لولا تدخلات الحكماء الذين نصحوا بالهدنة، وحدث شيء قريب من هذا في النجف، وفي تلّعفر، وهو قابل أن يحدث في سامراء، وما سبب كل ذلك سوى أن بعض فصائل المقاومة لا تمتلك تجربة في هذا الشأن ولا تستوعب جيداً هذه الوصية العالمية، وهم بعض مجاميع المقاتلين العرب، وأحياناً بعض البعثيين، الذين ربتهم التربية البعثية على الطاعة المطلقة، فضمر عندهم الفكر التخطيطي والسياسي وفن المناورة الحربية، وأما التنظيمات الواعية فهي أكثر استيعاباً وتدرك أن الجيش الأميركي يريد استدراجها لمعركة داخل الفلوجة أو داخل سامراء، وبقيت على طول الخط تفوّت عليه الفرصة، وقواعد الفن لا تمنع توجيه ضربة في شارع كبير في مدينة كبيرة مثل بغداد والموصل، ولكنَّ المدن الأصغر شأنها مختلف واجتياحها سهل.

    مع أنَّ خطة بوش التي صرّح بها: تريد أن يكون العراق هو الساحة الفاصلة التي يضرب فيها ما يزعمه من إرهابٍ عالمي، وذلك ما يستدعي انتباهاً من المجاهدين غير العراقيين، فلربما يكون من تمام الحكمة والتخطيط الناجح أن لا يجتمعوا في العراق، وأن يتركوا معركة العراق الجهادية للعراقيين أنفسهم، لأن المعادلة العراقية السياسية معقدة جداً ولا يفهما غير عراقي، وفي العراقيين كفاية، وعددهم وافرٌ بحمد الله، ومداخلات بعض الوافدين ربما تزيد الواقع تعقيداً، والقتال داخل المدن يؤدي إلى ضرر كبير يلحق بعموم الناس، والوافدون مغرمون بالتركز داخل المدن، وذلك خطأ في فنون إدارة الجهاد، وحرب العصابات الخارجية أولى وآمن وأكثر تلاؤماً مع نصائح المجربين في كل العالم، واختطاف الرهائن وذبحهم يزيد التعقيد، وهو أمرٌ طارئٌ على عادات الجهاد العراقية، والوافدون هم الذين يهوونه ويمارسونه أكثر من مجاهدي العراق، ونفترض أن يكون الأخوة العرب وغيرهم أوعى، وأبعد عن مواطن الخلاف، وأن لا يجتمعوا في العراق ليسهل ضربهم، وعلى الأقل: أن لا يجتمعوا في المدن، وأن يقتصر عملهم على ضرب الأميركان فقط، وأن يأخذوا بالشروط الأمنية أيضاً، فهم في تساهل شديد، ويخالطهم مَن يتجسس عليهم ويضع أقراص التوجيه قرب محلاتهم لتضربهم الطائرات الأميركية، فكأنَّ في الأمر بعض الاختراق.


    وجوب التعامل النسبي مع مواطن مزدوج الولاء


    (5) ثم مرونة أخرى مطلوبة في تصرف المقاومة إزاء الحكومة العراقية الانتقالية وتحديد نوع العلاقة بها، فالذي يبدو حتى الآن أن المقاومة قد اتخذت موقفاً متصلباً واحداً يمنع التعامل مع الحكومة ويتهمها بالخيانة والولاء المطلق للأميركان وأنها مجرد أداة تنفيذية للرغبة الأميركية، ولسنا نعتقد صواب هذا الإطلاق الذي لا يراعي الأحكام النسبية، وقواعد الضرورات والمصالح وسد الذرائع، لأن وجود الحكومة ضروري، ولكنها تبقى مأسورة إلى الهيمنة الأميركية، وتحقيق مصالح الناس في الأمن ومنع السرقات والقتل والخطف وكافة أنواع العدوان التي يمارسها ضعاف النفوس ضد بقية المواطنين: يستدعي وجود شرطة ومحاكم ودواوين إدارية تجعل شريان الحياة مستمراً، والحكومة في تحقيق هذا الجانب لها توجه شبه جاد، وتحقق بعض الإيجابيات التي لولاها لاستمر الانفلات الأمني، وعلى صعيد السياسة الخارجية أيضاً فإنها جادةٌ في الحد من التدخلات الإيرانية الآتية من وراء الحدود والتي تزيد مشكلةً إلى مشاكل العراق وتتوسل بوسيلة السيارات المفخخة وضرب الشرطة، وذلك مظهر آخر من مظاهر الإيجاب الحكومي، ولكن الوزارة وقعت في سلبيات كثيرة أيضاً، أظهرها: اشتراك الحرس الوطني والشرطة معاً في الحملات الأميركية مما يجعل ريبة المقاومة مسوغة، فالحكومة خلطت عملاً صالحاً بآخر سيئاً، ومفتاح التعامل في مثل هذا الحال هو التفاوض الذكي المحقق للمرونة، وليست القطيعة هي الوضع الأمثل، ومرةً أخرى نقول: أن إيراد قائمة طويلة منذ الآن فيما تعذر فيه الحكومة وما لا تعذر: أمرٌ صعب، وكذا تسمية تفاصيل مطالب المقاومة من الحكومة وحدود التنازل من الطرفين: أمرٌ شائكٌ أيضاً، وطريق العلاج يكمن في أن تحيل المقاومة ملّف تعاملها مع الحكومة إلى رجال من أهل الحكمة والدراية السياسية والإدارية ليتوصلوا إلى مواقف وسطية تُخفف درجة المشكلة وتضيق الفجوة الحاصلة حالياً، والمظنون أن استعانة المقاومة بوساطة نخبة من قيادات الأحزاب ورجال العشائر وقدماء الساسة وكبار قادة الجيش السابق والشرطة السابقة والمخابرات السابقة: يضيف تيسيراً ويجعل الفوارق والاختلافات أقل، وإذا بادرت الحكومة إلى مثل هذه الوساطة فينبغي أن تقابلها المقاومة بحسن ظن واستقبال واقعي عقلاني لا تعكر عليه المزايدات العاطفية، ولكن على الحكومة أن تدرك أيضاً أن الواقعية مطلوبة منها وأن عليها أن لا تضع شروطاً تعجيزية تطالب مثلاً بإلقاء المقاومة لسلاحها أو إيقاف معاركها قبل بدء التفاوض، ثم الحكومة مطالبةٌ قبل ذلك بأن تبدي أحاسيس وطنية وأن تبرأ بعض البراءة من التبعية للمحتل.


    الدم العراقي .. خط أحمر


    إن"النظرية العامة لدفع الاحتلال"لا تذهب إلى براءة جميع أفراد ضباط وجنود الحرس الوطني والشرطة، بل ترى أن فيهم المخلص الجاد في حفظ الأمن، وفيهم الخائن العميل الذي يتعاون مع المحتل ويستحق العقوبة، ولكن ليس كل ما جاز في الشرع يجب فعله، فمعاقبة الخائن جائزة، ولكن المقاومة العراقية مدعوة إلى أن تمتنع عن ذلك وتتوقف عن المعاقبة من باب"حُسن السياسة"والحكمة والسعي لجمع الصف العراقي، ولربما يكون الخائن مغرراً به ويعود إلى رشده إذا لمس العفو عنه ورأى حرص المقاومة على وحدة الموقف الشعبي، وقد يتحول إلى إعجاب وتقدير لذكاء المقاومة وسعة حلمها، ويعود متفهماً لمناورتها السياسية، وينبغي أن يكون للمقاومة العراقية اقتداء واضح بموقف المقاومة الإسلامية الفلسطينية"حماس"التي دعت إلى عدم الاقتتال بين الفلسطينيين أنفسهم، وعدم خوض معارك مع السلطة الفلسطينية وشرطتها ومخابراتها، مهما كان عدوانها على الجهاد، وجعلت"حماس"الدم الفلسطيني هو"الخط الأحمر"الذي تقف عنده، فعَصَمته أن يسيل ويزيد القضية تعقيداً، وبذلك نجحت في تحصيل إجماع الشعب الفلسطيني على مساندتها، وامتصت الغضب، وتحالمت، فنالت تقدير أحرار العالم أجمعين، مسلمهم وكافرهم، وفي وسع المقاومة العراقية أن تفعل مثل ذلك، وتقلّد خُط"حماس"وتجعل"الدم العراقي"خطاً أحمراً تمنع على أفرادها الغاضبين اجتيازه، لتنال بدورها التأييد العالمي العريض، وأصل الجهاد العراقي واجب شرعي، وعمل المقاومة حلال، ووجودها ضروري، وهذا الوصف يكفيها فخراً وتوثيقاً، وأما الهجوم على مراكز الشرطة وتفجير السيارات المفخخة قربها فعملٌ ينافي الشرع وغير جائز، لما في ذلك من قتل الشرطة المخلصين المخالطين لغيرهم من الخونة، ويعود قتل الخونة على انفراد غير صواب أيضاً، لا لأنه حرام، بل لأن سمعة المقاومة ستتضرّر، وتكون ثأريات عشائرية ربما، وثأريات قومية، وثأريات مذهبية، والسياسة تقتضي العفو، ووحدة الشعب العراقي تجاه المستعمر والظالم تستلزم التوقف عن إراقة الدماء العراقية، ولنا في حكمة"حماس"مرجعية ذكية، ولنا بها اقتداء.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-03-10
  13. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    ( حاجة المقاومة إلى الإسناد والدعم )


    وحتى الآن، وبعد مرور سنةٍ ونصف على انتهاء الحرب وبدء المقاومة: لا يبدو أن المقاومة تخطط لجلب إسنادٍ لها يشد أزرها ويضاعف تأثير ضرباتها، حتى أن بعض الإسناد الحاصل إنما مرجعه إلى مبادرات فردية ذاتيةٍ من المساندين لا إلى طلبٍ من المقاومة مستنبط من تنظير واضح ومبادئ تخطيطية متكاملة، وهذا نقصٌ ينبغي الاستدراك عليه، وفي العراق، ثم في البلاد العربية، ثم في البلاد الإسلامية، ثم في العالم الواسع، حتى في أميركا وفي عقر دار الغازي: قوى حرة يمكن أن تعين وتجعل الجلاء أقرب موعداً، وتجعل الحاجة إلى المعارك والسلاح أقل.


    المقاومة المدنية السلمية ... ضرورة


    (1) وأول ذلك ما ينبغي أن يكون عليه عمل المقاومة من تكامل وتعاون عريض مع العمل السلمي السياسي داخل العراق المتمثل بالدرجة الأولى بقدرات جيل دعاة الإسلام الواسع الذي يملك خبرة سياسية تجريبية وفكراً ومنطقاً وأنواع التخصصات الحيوية التي يعضد بعضها بعضاً لتكون في قوة التأثير مساوية لقوة السلاح، ولكنّ مطالعة واقع المقاومة يدل على زهدها بهذه الطاقة الكامنة في المقاومة السلمية الدعوية بخاصة، والتي يمكن أن تظاهرها أعمالٌ سلمية لمجاميع سياسية عديدة وأرهاطٍ متناثرة من القانونيين الإسلاميين والساسة المستقلين وبعض جمعيات المجتمع المدني، وأكثرهم له توجه إسلامي، وفيهم من له توجه علماني مخفف، وتاريخ العلاقة بين المقاومة وهذه الطاقات يدلُ على مقاطعةٍ غيرُ مسوغة، حتى وصلت إلى درجة(الفِصام النكدْ)كما سمّى سيد قطب أمراً مماثلاً، وذلك في التحليل النفسي هو من نتائج(غرور السلاح)، فإن السلاح إذا أمسك به مقاتل لم يتسلح بفكرٍ ولم تفركه تجربةٌ ومعاناةٌ سابقة: أسس في نفسِ المجاهد نوعاً من الكبرياء يزدري معها مواقف السلميين في الأمر بالمعروف، والذي أعلى درجاته الآن: الأمر بالجلاء والنهي عن منكر الأميركان، بل من الخطأ أن نصفهم بالسلميين، لأنهم يعتقدون الجهاد ويدعمون كلُ حرٍ، ويدعون بكل خيرٍ لكل مقتحم شجاع، ولكنهم وجدوا أن خطة ونظرية دفع الاحتلال تستوعب أشكالاً عديدةً من أنواع الدفع، فاختاروا النوع السلمي منها استكمالاً لقتال المقاتلين، أو وضعهم القدر في هذا المحل السلمي بحكم الضرورة التخطيطية.

    إن من الخطأ بمكان أن يرى المقاتل في العمل السلمي تخلفاً عن درجة القتال، بل هما سواء، وبينهما تكامل، وينبغي أن يقوم حِلفٌ قوي أوله حُسن الظن ويمر بآداب الأخوة والتشاور، ويرشح أن ينتهي إلى نهايات وحدة القرار وتبادل الدعم، ولربما تكون أساليب السياسيين وكلمات الإعلاميين وتنبيهات الدستوريين أشد تأثيراً في تحصيل النتائج من طلقةٍ ورشقةٍ ولغمٍ وقنبلة، ومن يقرأ التاريخ يجد الكثير من العبر، ويكتشف أن الرأي والرمي وجهان لعملٍ واحد، وجميع الفلاسفة والمفكرين وأهل التنظير والتخطيط يقرّون بذلك، إلا قادة المقاومة العراقية فإنهم أبطأ في اكتشاف هذا التلازم بين الجبهتين، وقدموا ظن السوء بمن أراد أن يخدم القضية عبر الطرق السلمية، وغمزوا رجالاً من الدعاة لهمٌ تاريخٌ ناصع وأداء فكري وافر.

    ومن هنا فإن العمل السلمي ينبغي أن يكون مفصلاً في النظرية العراقية في دفع الاحتلال، وأن يوكل إلى أهله من الدعاة المخضرمين الذين لهم ظهيرٌ عالمي، وأن يتم تفهم التأولات التي مالوا إليها حين اقتربوا من المؤسسات التي أفرزتها حالةُ الاحتلال، والتي تلتقي مع التقريرات الأصولية والقواعد الشرعية والإفتاءات الفقهية، ولئن لم تكن العصمة قد أنبغت لهم على طول الخط، وبدر منهم تصريحٌ مفضولٌ أو تصرف مرجوحٌ: فإن حُسن نواياهم يشفع لهم، ومبدأ الاجتهاد يعفيهم من لزوم صواب النتائج ما داموا على مقدماتٍ صالحة.

    وينبغي أن يكون في علم قيادات المقاومة أنهم بحاجةٍ مؤكدة للرهط الآخر الذي يعمل عملاً سلمياً ، وذلك لأن العمل السلمي أطول شوطاً، وأبعد دواماً، وأوسع امتداداً في الساحة المحلية والعالمية، وقد تبقى بعض نتائج القتال طافية عائمة تريد أن يستثمرها عملٌ سلميٌ ناجح، بينما العملُ القتالي تحكمه ظروفٌ وشروط إن تتوسع حيناً فإنها تضيق في أحيان، وفيه مدٌ وجزرٌ، وفيه تمهيدٌ ثم تبعاتٌ وأحمالٌ ثقيلة لاحقة، وقد تشتدُ الظروف الأمنية حتى يعسُرَ الجهاد، والمجاهد الذكي عليه أن يتوقع ذلك، وأن يرفق بنفسه وبصحبهِ وبجنوده قبل أن يرفق بالآخرين، وذلك يتطلب منهُ تأسيس صداقات عميقة مع رجال المقاومة السلمية، وهذه الصداقات تتطلب بدورها أنواعاً من حُسن الظن والتفويض والتوكيل لهم، بل وادخارهم لأداء أعمال صعبة لا يستطيع أداءها المقاتل، فضلاً عن أن إطلالتهم المعرفية العلمية الحضارية تكون واسعةً وتنعكس عَبَر التخطيط الماهر الذي يتطور إلى جزءٍ مهم في إتقان العملية القيادية الميدانية، وكلُ ذلك إنما يثمر في ظرفٍ واحدٍ فقط يتلخص في أن ينظر المقاتل نظرةً تكامليةً مع الأداء السلمي.

    والفرع الرئيس لهذه القضية ينبغي أن يتمثل في قناعةٍ لدى المقاومة بأنها إنما تؤدي دوراً مرحلياً قدرياً في تاريخ العراق المعاصر يكلفها بالتحرير وتحقيق الجلاء أو أدنى درجات التدخل الأميركي في السياسة العراقية المستقبلية، وأن تؤدي دورها هذا بالتعاون مع الجهود السلمية، ثم تكون بعد التحرير قوةً سياسية كباقي القوى والأحزاب والتيارات تؤدي وظيفتها السياسية وفقاً لمبدأ الشورى وممارسة الانتخاب وقواعد تبادل السلطة، وأن تتجانس مع الأعراف التي تستعيرها الحياة السياسية العراقية القادمة من الحياة الغربية التي لامناص من التعامل معها في هذه المراحل التي لا تؤسس فيها الحكومات والحياة السياسية على الأحكام الشرعية بشكل كامل، ولا يجوز بأي وجهٍ من الوجوه أن تجنح المقاومة إلى دعوى حقها في احتكار السلطة بعد التحرير، وأن تضع في حسابها استمرار القتال لأية حكومة عراقية تكون جادةً في إجراء الانتخابات وإشراك جميع أبناء الشعب العراقي في الحياة السياسية.

    و على المقاومة أن تعلم أن المعادلة العراقية إنما هي معادلةٌ بالغة الصعوبة تتدخل فيها المذهبيات والقوميات والإقليميات وآثار العولمة، وكل احتكار سيرجعنا إلى أوليات قصة الاضطراب، ويبقى العراق دائراً في الدوامة والمحيط المفرغ، ولتنظر المقاومة إلى ما آل إليه أمرُ احتكار جبهة التحرير الجزائرية للسلطة من فساد إداري وتخريب وشلل اقتصادي رغم ما كانت عليه أولاً من بذلٍ وقتالٍ بطولي للمستعمر الفرنسي، وفي قصص ثورات أخرى مواعظ وعِبَر تسوق منظرّي المقاومة العراقية إلى الجهر بأن وظيفة التحرير إنما هي مجرد وظيفة مرحلية لا تستطرد نحو تأسيس حقٍ دائمٍ لأي بطل قائم، وأن التواضع الجهادي والأخلاق السياسية يمثلان شرطاً في نظرية دفع الاحتلال لا يُتاح لأمنية أحد من المواطنين أن تتجاوزه.


    ضرورة الترحيب بمساندة أحرار العالم للعراق


    (2) وبمقابل ذلك الحلف الداخلي مع أصحاب العمل السلمي: فإن المقاومة بحاجةٍ مؤكدةٍ إلى حلفٍ خارجي مع الأحزاب والتيارات العالمية وجماعات الخضر في أوربا وأميركا واستراليا واليابان وعموم آسيا ، وبدرجةٍ أخرى أقل مع كل القوى المعادية للعولمة في دول العالم الثالث، وقد لا يتمثل هذا الحليف في حزبٍ وتيارٍ سياسيّ وإنما في مراكز بحثية ومؤسسات إعلامية وجمعيات تخصصية من أهمها جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات الإغاثية، والتي تمثل شبكة واسعةً تتعدد طرق إسنادها للقضية العراقية، والمحرك الرئيس لهذا الإسناد إما أن يكون هو الفكر المنتصر للحرية، وإما هي الضرورات والمصالح التي تتخوف أن يحرمها الاحتكار الأميركي للنفط العراقي وعموم نفط المنطقة منه ويوقعها في أزمة طاقةٍ خانقةٍ في المستقبل البعيد مرةً بعد مرة كلما أرادت أميركا ممارسة ضغط سياسي على أوربا والشرق لتمرير خططها وحروبها، وهو ما تسعى إليه أميركا جاهدة بعد نجاحها في أن تكون الطرف الرئيس في معادلة الأمن الغذائي لجميع أمم الأرض عن طريق الضغط بمنع الحنطة.

    وهذا التحالف سهلٌ في اللسان صعبٌ في التطبيق ، ويكشف مرةً أخرى احتياج المقاومة العراقية احتياجاً حتمياً إلى المجموعة الدعوية العراقية الممارسة للمقاومة السلمية، وذلك لأن هذه المجموعة العراقية هي الوسيط الذي لابدَّ منه والجسر الموصل إلى رجال دعوةٍ إسلامية عالميةٍ مبثوثة في جميع بلاد الغرب والشرق فضلاً عن بلاد أمة الإسلام، ممن لهم جنسيّات غربية أو إقامة طبيعية في تلك البلاد ولهم تجريب وافر وتخصص عميق متكامل وأداءٌ جماعي تحكمه خطةٌ وقرارات مرجعية، وفقط هذه المجموعة هي المؤهلة لإجراء هذه التحالفات وتجميع الإيجابيات المتنوعة المتناثرة في أرجاء العالم لتركيزها في أرض العراق.

    ومما ينبغي الالتفات إليه، أن هذا التحالف ينبغي أن نقدم له بمقدمتين تربويتين متبادلتين بين الجهتين العراقية والعالمية: العراقية في أن تعلم بوجود هذه الإمكانات العالمية للإسناد، وفي أن ترضى بالتعاون والتعامل مع حليفٍ يحملُ عقيدة أهل الكتاب أو عقيدة شركية بوذية أصنامية لكنه ينتصر للمستضعفين ويؤمن بظاهر الديمقراطية وقد استبدت به مشاعر الحرية استبداداً جعل حماسته توازي حماسة العراقي المظلوم، ولسنا نظنُ أن ما في قلب رجل الدولة البريطاني غالوي من كُرهٍ للعولمة الأميركية هو أقل مما في قلبِ خطيبٍ يعتلي درجات منبرٍ في الفلوجة، بل لعله أوعى وأعرف بلغة السياسة وشواهدها وحججها الدامغة لبوش ورامسفيلد، وليس الذي في قلب عمدة لندن من حريقٍ يتأجج بأقل، ولا في قلبِ أي رجل من رجال الديغولية الفرنسية بأقل، والذي مع الفيلسوف الأميركي(جومسكي)من منطق وجدالٍ ينقض حجج وجَدلَ العولمة الأميركية، والخطط الصهيونية: هو أكثر وأوضح وأجدرُ أن يفهمه الأحرار الغربيون، لأنه يتكلمُ مراعياً مفاهيمهم وموازينهم المعرفية ويتقيدُ بمنهجية بلغ فيها من المهارة ما يجعلها مقنعة لكبار المفكرين والساسة، أما التربية التمهيدية لهذا التحالف فإنما تكونُ عَبْر تقديم هذا التحالف كمشروع سياسي حضاري متكامل يستندُ إلى الجذر القديم للتحالف الذي كان بين الدولة العثمانية ورجل الدولة الألماني السياسي البارع القوي بسمارك، تبعاً لبراءة السياسة الألمانية من الممارسة الاستعمارية لأحد ديار الإسلام، وهو التحالف الذي حرص السلطان عبد الحميد على رعايته وتمتينه طيلة أيام حكمه وجعل تسليح الجيش العثماني معتمداً على السلاح الألماني، ومكّنهُ من القيام بمناورات بارعة في عالم السياسة الدولية ضد المطامع الاستعمارية البريطانية والفرنسية والروسية، واشتهرت قبل قرن من الزمان زيارة إمبراطور ألمانيا لاسطنبول التي جاءت تطويراً لذلك التحالف، ثم قام رجال الاتحاد والترقي أيضاً بتطوير ذلك التحالف الذي أدخلهم الحرب العالمية الأولى، ثم انتقلت مفاهيم وعواطف ذاك التحالف العثماني إلى السياسة العراقية بين الحربين العالميتين عَبَر تشبّع جيل رجال الدولة العراقية من ساسة وقادةٍ عسكريين بالتربية العثمانية وآثار التحالف العثماني الألماني، وكان سفير ألمانيا في بغداد المسمى(غروبه)قبل الحرب العالمية الثانية قد دفع عصبة العقداء الأربعة ورشيد عالي الكيلاني في هذا التوجّه الذي يستندُ إلى إحياء الحلف العثماني القديم، حتى أثمر التفاهم المشترك في ذلك إلى قيام حركة رشيد عالي ضد الوجود البريطاني الاستعماري في العراق سنة 1941م واستقدام سرب طائرات ألمانية إلى بغداد بقيادة ابن قائد القوة الجوية الألمانية الذي قُتل غيلةً قبل دقائق من هبوط طائرته في مطار معسكر الرشيد، فالحيثيات الكثيرة لحلقات هذه التحالفات والتي تحفظها مدونات التاريخ العراقي السياسي الحديث والتاريخ العثماني تصلح كلها لإمداد خطة التربية التحالفية التي ينبغي أن تسعى لها الحركة الإسلامية العالمية استناداً لوضع المقاومة العراقية، ثم في بقايا الأدب السوفيتي السياسي وتفاصيل مواقف الأحزاب المعارضة للعولمة مددٌ آخر، ولذلك تصلح هذه الخواطر لتطبيق نسخةٍ أخرى من هذه التربية في الصين بخاصة رغم اضطرارها اليوم لمداراة أميركا سياسياً وإلى عشرِ سنوات قادمة تمكيناً لنفسها من إنجاز خطتها الاقتصادية التي يُرادُ لها أن تتفوق على الاقتصاد الأميركي، وفي الموقف الروسي الحالي غبش، لكنهُ لا يوصلنا إلى درجة الزهدِ بأعمال تبديها روسيا في الانتصار لنا والدعوة لجلاء الأميركان.

    ومن اللائق حين نذكر الإسناد العالمي أن لا نكتفي بالتعميم والإطلاق على هذا النحو، وإنما الصواب أن نقدم مشروعاً تفصيلياً لوجوه التعاون والإسناد.

    من ذلك طلب معونة الأحزاب الأوربية في عملية الانتخابات البرلمانية والبلدية ونقل تجربتهم لنا، وتدريبنا على مستلزماتها، وصولاً إلى الخبرة السياسية كلها، فإنهم يجيدونها ونحن نكادُ أن نكون أهل سذاجة فيها، وهذه الخبرة التي ستنعكس على رجال المقاومة السلمية انعكاساً إيجابياً ستنعكس بدورها على عملية استثمار نتائج المقاومة المسلحة.

    وكذلك التعاون في التثقيف السياسي الجماهيري والوسائل الإعلامية ، وصولاً إلى إهداء البرامج التي يمكن أن تذاع في الفضائيات التي ستمتلكها المجموعة الدعوية العراقية، ويدخل في ذلك ظهور كبار الساسة العالميين الموالين للقضية العراقية في ندوات وبرامج وحوارات في هذه الفضائيات، لأن أميركا تصرف الكثير في هذا المجال، وأنشأت قناة(الحرة)في هذا السياق بغية غسل دماغ جيل العراقيين والعرب.

    تخصيص الزمالات الدراسية خارج إطار التعاون مع الحكومة العراقية ، بل مع المجموعة الدعوية الإسلامية وجمعيات المجتمع المدني، من أجل صناعة التخصصات العالية في جميع نواحي الحياة، وينبغي أن يعلم هؤلاء الحلفاء العالميون أن فرصة المشروع العلماني العراقي ضعيفةٌ جداً، وأن الجيل العراقي الحاضر يستولي عليه توجهٌ إسلامي عارمٌ لا بد لهم أن يتعاملوا معه برفقٍ، لأنه حتى الآن استطاع اللبث الناجح مع المفهوم الوسطي الإسلامي البعيد عن التطرف، وذلك ما يحتاجه الغرب والشرق فعلاً من أجل معاكسة الخطة الأميركية في التشنيع على الإسلام المتطرف، وفي نزعة التشجيع لأعمال التخريب والتفجير التي تمكّن أميركا من رفع راية محاربة الإسلام كله انطلاقاً من الفكرة الفلسفية والتخطيطات الاستراتيجية التي تزعم دخول عصر صراع الحضارات ووجوب تفوق الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية، وأمثال ذلك من الأفكار التي لم تجد لها تسويقاً جيداً في أوربا والشرق ولبث أكثر أحرار العالم مع فكرة تعاون الحضارات وتمازجها.

    بل لنا أن نجهر بكلامٍ جريء فنزعم أن هذا الحلف ينبغي أن يصل إلى درجة الحرص على تحسين الأحوال الاقتصادية للجمهرتين العراقيتين المقاومتين حرباً وسلماً، عَبَر مشاريع اقتصادية يتم رصد فرصها الوظيفية لتحقيق كفايةٍ على المدى الطويل، وهناك عَبَر اتفاقية التجارة العالمية ضماناتٌ كافية تدفع أنواع الوسوسة التي توحي بالتثبيط في هذا المجال، ووجه الضرورة في ذلك أن أميركا تريدُ تكوين جيلٍ من العراقيين يتعاونون معها تعاوناً خيانياً عَبَر المادة وأنواع الفرص، والخطة الأميركية حريصةٌ اليوم على تفقير العراقي ومحو قدراته التجارية والصناعية والزراعية، بل حتى أنها حريصةٌ على حِرمانه من تحقيق الفرص الضامرة التي لا تتعدى كونها فرصاً استهلاكية، وذلك من أجل أن يبيع صوته الانتخابي لعميل وخائن، ولهُ رؤساء سماسرة في ذلك، من شيخ عشيرة؛ وعميد عائلة؛ ورئيس حزب صغير نفعي؛ مما يتطلب تربيةً تبديها الدعوة الإسلامية العراقية لعموم أبناء الشعب تؤدي إلى الحفاظ على مصالح العراق الاستراتيجية العليا في جوانب الاقتصاد والنفط وإلغاء الديون والعقوبات، ويمكن أن يكون ذلك سهلاً بمجرد أن نكفي الحاجة الاستهلاكية الملّحة للفرد العراقي، لأن العراقي يعيش في رحاب المفاهيم الحضارية العريقة التي توارثها عَبَر الحكم الإسلامي وما سبقه من مدّنيات بابل وآشور وسومر، وهو إيجابي في نزعته، استعلائي في أشواقه، حرٌ في تطلعاته، بعيدٌ في طموحاته، متفننٌ في أذواقه، منهجيٌّ في أدائهِ، لولا أن الفقر كادَ أن يكون كُفراً.


    أبطال متكافؤون من أمة التوحيد الواحدة


    (3) ثم ما بين الإسناد المحلي العراقي والإسناد العالمي درجةٌ متوسطة ثالثة تتمثل في الإمكانيات الضخمة التي تملكها الأمة الإسلامية وتستطيع أن تجعلها في خدمة المقاومة العراقية بشقيها الحربي والسلمي، فهناك مالٌ وفيرٌ، وهناك علمٌ شرعي وإفتاء، وهناك فكرٌ وتخصصات، ومنابرُ إعلامية من صحف وفضائيات، وأحزابٌ وجمعيات وجامعات، وعناصر مستقلة، من رجل دولةً متقاعد، وقيادي عسكري رفيع المستوى انتهت خدمته، وشاعرٍ بليغ، وينبغي أن توظف جميع الطاقات عَبَر مؤتمرات وندوات ومهرجانات وتجمعات منظمة من أجل الانتصار للقضية العراقية وسد حاجاتها المادية والفكرية والإعلامية والتخطيطية، والحاصل في عالم الواقع من ذلك شيءٌ كثير بادر إليه الأخيار، لكن يعوزه التكثير الكمي والتطوير النوعي والتنسيق التنفيذي، وهو ميدانٌ العمل فيه أيسر بكثير مما أشرنا إليه في الميدان العالمي، لأننا هنا نتعامل مع مسلمين يغلبُ عليهم أنهم ثقات وقد حركتهم مشاعر الإيمان المستقرة في أعماق القلوب وما هم بحاجةٍ إلى إهابةٍ وإثارةٍ إعلامية بمقدار ما هم بحاجة إلى فقه سياسي ونظر تخطيطي، وأسواق هاتين البضاعتين قريبةً جداً منهم، يبذلها دعاةٌ مسلمون ينطلقون من خلفية إرثٍ تجريبي واسع.

    ( فَدَاحة الظلم الأميركي وتنوّع أشكاله )


    والظلم مصرعه وخيمٌ، كما قال الأدباء الحكماء، ولكن عيشنا في مجتمع مدني معقد أصبح يلزمنا بأن نوظف حقائق علم النفس وملاحظاته وفنونه توظيفاً علمياً منهجياً يؤدي إلى تحقيق مصالحنا في الحالتين المتضادتين معاً، فصور العدوان الأميركي الكثيرة الماثلة للعيان والتي تفضحها عدسات الفضائيات ينبغي لطرائقنا أن تستوعب في إيصال خبرها إلى العالم كافة الأساليب في التأثير النفسي الذي يضاعف ردة الفعل وينزلُ إلى عمقٍ عميق في الانفعال وتوليد الاشمئزاز الفطري في نفوس البشر مسلمهم وكافرهم، وهذا فنٌ عريض متوسع ديدنه إلقاء المعاني في النفوس على طريقةٍ تحرك الحساسية الكامنة بحيث تتوالد وتتضاعف أحجامها لتكوين شكلٍ من النفرة والمفاصلة والتبرؤ من العدوان الأميركي، وبالمقابل ينبغي أن نستثمر الفنون النفسية ذاتها لتوليد معاني الصبر في نفوس العراقيين المعتدى عليهم، وقذف السكينة في قلوبهم والاطمئنان والثقة بعدل الله والرضا بالقدر السيئ والتحرك لدفعه وإزالته بقدرٍ خيري مقابل، وأن ندع تربيتنا تضرب على الأوتار العاطفية وتقدح محركات الطموح والثأر وعزة المؤمن التي تضعه في المحل الأعلى، ونفرةُ الحر من إغراءات الاستسلام للأمر الواقع وإلقاءات الشيطان التي تبث وسوسة الهزيمة وتنطق بتسويق دعاية التفوق المدني والحضاري والتخطيطي، بل البشرُ سواء في تحصيل درجات الذكاء، وعقل العراقي كاملٌ ويخدم خدمةً طبيعيةً تامة، إذ هو عفيفٌ منتسبٌ إلى بيئة الإيمان، بينما عقلُ الأميركي ناقص نحتته الخمور والمخدرات وأرهقته وساوس القلق، حتى إن طعامنا مختلفٌ ونتائجهُ النفسية مختلفة، فَتمْرُنا وخضرتنا وبقولنا تمدّنا بالبوتاسيوم الذي يؤدي إلى وفرة مشاعرنا الإيجابية، من بُعد الأمل البعيد والثقة بالنفس والشجاعة، بينما المواد الحافظة التي يأكلها الأميركي في معلباته وسندويج(المكدونالدز)تحرمه من البوتاسيوم، فيظل واطئاً دائراً مع المشاعر السلبية، من التشاؤم والهلع واليأس، فينكبحُ مع كلُ زعقةٍ تبثها أغنية، إذ تتصاعد بالمقابل طموحات المجاهد مع كل صيحة:"الله أكبر"تبثُـها مئذنة.

    وخلاصة ذلك أن إعلام المقاومة الحربية أو السلمية ومناهجهما التربوية ينبغي استنادهما إلى عطايا علم النفس الإسلامي وعلم النفس العام، وأن نبدي مهارةً أكثر في هذا الجانب المهم عَبْر نصائح أطباء النفس وأساتذة علم النفس في الجامعات، العراقيُّ منهم، والعربي، والإسلامي، والعالمي.

    ومظاهر العدوان الأميركي كثيرة، ولأنها الأظهر من غيرها من الحيثيات التي تشكل مفاصل القضية العراقية: فإننا سنمرُ عليها مروراً سريعاً، ونترك حشداً عظيماً من المعلومات التفصيلية فيها يمكن أن يضيفها الباحث الذي اقترحنا أن يفسّر ويشرح النظرية العراقية في دفع الاحتلال عَبْر الاقتباس من الصحف ومواقع الإنترنت والكتب المتخصصة والتقارير المتراكمة، مع مراعاة فن التوثيق والإحصاء،على غِرار ما فعل القاضي الأميركي ذي الأصل اللبناني(كلارك)في كتاباته عن الحصار الأميركي للعراق بعد حادثة الكويت.

    ومن أنواع هذا العدوان الأميركي:


    القوة تفسر القانون الدولي كما تشاء


    (1) تجاوز الجيش الأميركي على مفادِ قرار هيئة الأمم المتحدة بالتحوّل من حالة الاحتلال إلى حالة وصاية القوات المتعددة الجنسيات على العراق، فالمفهوم البدهي لهذا القرار أن تتقلص صلاحيات الجيش الأميركي وأن يقلّ تدخله في الحياة اليومية العراقية، وأن يوكل التفتيش وعلاج الأزمات الأمنية إلى جيوش عديدة يفترض فيها الحياد والتماشي مع أعراف هيئة الأمم المتحدة، إلا أن شيئاً من هذا التخفيف لم يحصل، بل ازدادت شدة القبضة الأميركية ووحشية تصرف الجنود الأميركان عند التفتيش والمداهمة واعتقال الناس، وكانت صفة الاحتلال تجيزُ في القانون الدولي وجود مقاومة تحريرية، فارتفع هذا الجواز وجنح الجيش الأميركي إلى مضاعفة الرد على كل فعلٍ من أفعال المقاومة، أو ما يظنّه مقاومة، وحصل غِطاء قانوني لتصرفه الشديد الذي غالباً ما يخرج مخرج الانتقام.


    استمرار مشكلة الولاء المزدوج


    (2) وشيء مثيلٌ حدث خلال تأسيس الحكومة العراقية الانتقالية واستلام إياد علاوي للسلطة، فإن وتيرة التدخل الأميركي زادت عمّا قبل تأسيس الحكومة، وحصل ضرر كبير على المواطنين عَبَر استمرار القصف الجوي للفلوجة مثلاً، وللنجف، وفي حملات التفتيش عن المخطوفين في قاطع اللطيفية وجبلة، وفي تلعفر، وإنما حصل المقدار الزائد من العدوان بسبب اشتراك الشرطة العراقية والحرس الوطني في هذه الحملات، مما منح العمليات الأميركية شيئاً من الغطاء القانوني.


    أحرار ... في القيود الأميركية


    (3) الإسراف في اعتقال العراقيين على مدى السنة والنصف الماضية، حتى بلغوا عشرات الألوف وبأدنى شبهة، حتى اعترف القائد الأميركي بأن تسعة من كل عشرة معتقلين تظهر براءتهم، وكانت أي وشاية من أي عدوٍ من المواطنين تجاه عدوهِ ومنافسهِ في السوق أو في الوظيفة يمكنها أن تفعل فعلها في أذى غريمه المنافس وتدعه يلبث في السجن شهوراً، وكم من جارٍ وشى بجيرانه وأدى إلى سجنهم لأن زوجته متضايقة من زوجة الجار، وتدخلت في ذلك المذهبيات أحياناً، والعداوات العشائرية ربما، بل حتى كان المترجم ينحاز ببعض الدوافع إلى تزوير إفادة المعتقل والكذب عليه، وبعض الأبرياء ما كان يمكن إطلاق سراحهم إلا برشوةٍ تقدم إلى الضابط الأميركي، وعند التفتيشات كان ذهبُ النساء ينهبه الجنود والضباط وجميع المبالغ النقدية، وأحياناً التحف النادرة في غرف الاستقبال.


    وحشيون في لباس ديمقراطي


    (4) ومن فروع هذا الاعتقال: التعذيب الذي حصل في سجن(أبو غريب) والصور المؤلمة التي تسرّبت، وحوادث الاغتصاب المريرة، والأشكال البشعة التي اشمأزت منها نفوس الخلائق أجمعين، ثم تواترت الأحداث بأن كل ذلك إنما حصل بعلم وإذن القيادة الأميركية، وبعض درجات التعذيب وشدته لم تحصل حتى في سجون صدام، وثبت اشتراك بعض رجال الموساد الإسرائيليين في هذه الجرائم، مما يفضحُ مزاعم أميركا التي رافقت غزوها بأنها أرادت تمكين العراقيين من الرفل بالحرية ونقل الصورة الديمقراطية الأميركية إلى العراق.


    تجفيف المنــــــابع


    (5) الإسراف في قتل العلماء العراقيين من خبراء الفيزياء النووية وبقية العلوم ، وإطلاق يد الموساد الإسرائيلي في ملاحقتهم وتصفيتهم جسدياً أو على الأقل في تهجيرهم إلى أميركا بالإكراه وتحت وطأة التهديد بالقتل والمحاكمة بغية تجفيف منابع الصناعة العراقية؛ وتخويف بقية العلماء في البلاد العربية والإسلامية بأن يحصل لهم مثل الذي حصل لإخوانهم من العراقيين.


    الأجير الجافل المنهار


    (6) القتل الجزاف الكثير الذي يرتكبه الجندي الأميركي الخائف القلق المعتلي لإحدى المدرعات، فإن أي خطأ مروري يرتكبه سائق يؤدي إلى إحراق سيارته وقتل من فيها، أو أي محاولة للتجاوز في طريق السفر أو عند الاختناقات المرورية، فإنها تقابل برمي مباشر من دون تحقق، وقد يكون القتلى أصحاب شأن، مثل مقتل الخبير الزراعي الكبير الدكتور أحمد عبد الهادي الراوي على الطريق السريع قرب الرمادي، ثم من بعده رمي رئيس جامعة النهرين في بغداد الدكتور خالد الجودي وإصابته إصابة خطرة ومقتل سائقه، في حوادث كثيرة ذهب ضحيتها الألوف من دون أن يكون هناك تعويض أو اعتذار، وكان مقتل الدكتور كيلان محمود رامز أحد أركان وزارة الخارجية العراقية في حادث اقتحام جزافي لمخزن قرب داره، وقريب من هذا القتل الثأري الانتقامي لألوف من العراقيين يتجمهرون حول الدبابات المحترقة التي تصيبها المقاومة لمشاهدة المنظر الغريب، فتأتي طائرات الهليكوبتر وتطلق عليهم صاروخاً يقتل الكثير منهم، وحادثة مقتل المتجمهرين في عرس في مدينة حصيبة تمثل نوعاً آخر من الجزاف، والقصص كثيرة، والضحايا ألوف.


    لا أرحمك ... ولا أدع رحمة الله تنزل عليك


    (7) تعمد الإدارة الأميركية إذلال العراقيين عن طريق الإبقاء على مشكلة الكهرباء وعدم الإسراع في إجراء الصيانة، مما يولد رهقاً عظيماً لكل الناس وإحراجاً للمرضى وتفويتاً لمصالح الشركات والمعامل والمكاتب التجارية وعموم أصحاب المهن، مروراً بالأذى الذي يلحق طلاب الجامعات والمدارس وموظفي الدولة وتعطيل استخدام المجاري والصرف الصحي، وكثير من أنواع الخدمات الأخرى، وإجراء المحتل لهذه العقوبة وانتقامه من الناس في صورة فوضى الخدمات أمر يدل على الطبيعة الأخلاقية المتردية لدى رجال الإدارة الأميركية لم نسمع بمثله بمكان آخر من غير الأميركان، وفي الأمر برهان على أن الحرب لم تكن موجهة ضد صدام وإنما ضد الشعب العراقي، في محاولة لكسر معنويته وتعكير جوانب حياته لصالح الخطط الإسرائيلية التي تخاف من تطلعات الشعب العراقي الأبي لتحرير فلسطين.


    نهبٌ مكشوف


    (8) الإضرار بمصالح الميزانية العراقية عبر فرض نظام يبيع النفط العراقي إلى الشركات الأميركية بثمن يقلُ تسعة دولارات عن سعر البورصة اليومي، وذلك يجعل الخسارة مليارية خلال سنة، وهي حق الشعب، واقتطاع من قوته وخدماته، بل حصل ما هو أكثر من ذلك عدواناً في قصة غريبة خلاصتها أن الكونغرس لما أقر صرف عشرين مليار دولار كنفقات للجيش الأميركي في العراق: زعمت الإدارة الأميركية أن الإجراء الروتيني الأميركي حال دون صرفها، ولا يوجد في الميزانية الأميركية بندٌ بديل، فصرفوا على عمليات الاحتلال من الوديعة العراقية المحجوزة لدى أميركا، وذلك يعني انهم يستأجرون القتلة ويدفعون لهم من مال القتيل ثم يأخذون أجرة من تركته لتكفينه وقبره، ثم الحديث كثير عن ممارسة الضباط الأميركان تجاه خطة إعادة إعمار العراق وإحالة المناقصات على المقاولين بأضعاف أسعارها العرفية، وشراء التجهيزات بعشرة أضعاف قيمتها الحقيقية من المعامل الأميركية لحساب دوائر الدولة والبلديات، بل تم رصد أسعار تصل إلى عشرين ضعف وأكثر، وانتفعت قيادات الجيش الأميركي عبر هذا الافتيات على حقوق المواطن العراقي، وطبقة الخونة من المترجمين والموظفين الملحقين بالإدارة الأميركية في العراق هي التي قامت بدور الوساطة والتمرير لهذه العقود الظالمة.


    أرض السواد تـَبْيَض


    (9) تحطيم قدرات المزارع العراقي من خلال عدم شراء الحنطة العراقية لتغذية الشعب العراقي في خطة النفط مقابل الغذاء التي أوجبتها الأمم المتحدة، وشراء الحنطة الأميركية فقط واستيرادها لتغذية الشعب العراقي بأمواله وفق نظام البطاقة التموينية، فبارت الحنطة العراقية، وتوقفت الحقول عن الإنتاج، وكان ذلك وما يزال هو جزء مقصود ضمن الخطة الأميركية لتحطيم العراق من خلال منع تنفيذ الخطة العراقية لتحقيق الأمن الغذائي العراقي، والذي هو هدف تحرص عليه كل حكومة وكل شعب، وواضحٌ أن الغرض من ذلك هو استمرار تركيع الشعب العراقي في المستقبل عبر جعل لقمة عيشه في اليد الأميركية تتصدق بها متى تشاء وتمنعها متى تشاء، ولتصير اللقمة أداة ضغط على صانع القرار العراقي اليوم وفي المستقبل، ويدخل ضمن هذه الخطة الكيدية انقطاع خدمات وزارة الزراعة للمزارعين، والشُح في شراء الأسمدة والمبيدات.


    وحق العراقي الوشَل


    (10) إفراغ المخزون المائي في بحيرات السدود الإروائية العراقية بشكل مستمر منذ حصول الاحتلال وحتى الآن، في تصرف غريب ليس له تفسير واضح سوى تعمد تقليل منتوج الطاقة الكهربائية التي يحصل عليها العراق من بضعة سدود، وجعل الخطة الزراعية تتضرر أيضاً نتيجةً لقلة المياه، وهذه المياه لم تتجمع في البحيرات إلا خلال سنين طويلة من حجزها، ويحدث هذا في الوقت الذي تستعد فيه تركيا لإيصال مياه دجلة والفرات المتجمعة في سد أتاتورك الجبار وسدود تركية أخرى إلى إسرائيل عبر سورية بعد فرض معاهدة صُلح عليها مع إسرائيل، مما هو داخل في الخطة الاستراتيجية لإنقاذ إسرائيل من ورطتها المائية التي يمكن أن تدمرها في المستقبل بدون مثل هذا الحل، وتدور إشاعات عن أن تجفيف الأهوار العراقية في عهد(صدام)قد أدى إلى خلل بيئي وارتفاع درجة حرارة الأرض التي تيبست مما تولدت منه أضرار على طبقة من الزئبق الأحمر النادر الموجود تحتها، والتي تشكل أكبر مخزون من هذا المعدن في العالم، وأن الإدارة الأميركية استعملت مخزون السدود من المياه لإعادة الأهوار في جنوب العراق من اجل تبريد حقول الزئبق الأحمر الثمين، ويحتاج هذا القول إلى تدقيق علمي من أهل الخبرة لا نستطيع أن نقحم أنفسنا فيه حالياً.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-03-10
  15. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    ( سدُ النقص وعلاج الخلل في الأداء الجهادي )


    هذا الاستعراض المتوسع الذي طاف بنا مع نقاط القوة والضعف في الجانبين العراقي والأميركي، وما تضمنه النظر التخطيطي من السعي نحو طلب الإسناد وموعظة المرونة: يؤدي بنا في النهاية إلى محاولة نقدية لتعيين طبيعة الحاجات المفصلية المهمة التي يجدر بالمقاومة أن تنتبه إلى ضرورتها وتعمل على توفيرها لنفسها، لتكون الدائرة تامة، وليتكامل البناء النظري والعملي، فيكون الإتقان، والمصارحة في ذلك أصلٌ، ولا عيب على بشر أن يكون ناقص الأداء يسعى نحو تمام، إنما النقص أن يكون ذهول عن اكتشاف مستلزمات التطور، أو يكون في الإصرار على مغالطة النفس وتصديق مزاعم المادحين أن العمل ولِدَ ناضجاً، بل سُنة الحياة أن نستجيب للتحدي وننفعل بالحدث ونُسرع النفرة، ثم يكون الاستدراك وتكون الإضافة عَبْر التشاور والائتمار ومنح أذن صاغية لمجربٍ ولخبير تخطيط يُشير. وهذه النصائح حُزمة يشهد لها الواقع وتقررها تجارب فقه الدعوة وأصول الثورة، وأهمها:


    الاجتهاد الوسطي وسيط صلح وخيرٌ بين الأطراف


    (1) حاجة المقاومة إلى فكر شرعي صحيح، صفته الوسطية ، لأن الفكر الثوري المطلق قد داخلته الأنماط العلمانية والتكلفات الشيوعية والتوجهات القومية، وإذا لبثنا مع الإطلاق والتعميم فإن البركة ترتفع وجمهور المسلمين يصد، إذ الأمة الإسلامية في مرحلتها هذه قد اقتربت خطوات من الرشد، وتابت من جزاف الأحزاب العلمانية، وعمّت فيها صحوة إيمانية قويةٌ تريدُ إصلاح الحياة كلها، ومن أهم ذلك عندها الردُ على العولمة عَبَر مشروع حضاري إسلامي شمولي، وضبط التصرفات الثورية في القتال والهدنة والتحالف بضوابط الفقه وحدود الحلال والحرام، في بعدٍ عن الشبهات وعن التمييع والتفريط، وعن الغلّو والإفراط، وأبدت المقاومة العراقية في أول أمرها نضوجاً عقيدياً واحتراماً للمفتين، ثم تساهلت بعد أشهر فدخل ساحتها متنطعٌ وتكفيريٌ يوسع المسلمين اتهاماً، ويمنعُ أشبار الجنة عن باذل وشهيد، ويحكم على أمثل المجاهدين والمقاومين أن يكونوا بين مغتالٍ وطريد، وهذا الحال من الغبش وانحراف الفهم ستتولد منه آثار سلبية كثيرة تظل تتراكم حتى ينوء بثقلها كتف المقاومة، ويحصل فصامٌ بين رجالها والناس، ويضعف المدد الشعبي، وتلتهي بمعارك داخلية وقيل وقال وإبهامات كثرة السؤال، ولابدّ من ارتفاع الصوت الرشيد، والاحتكام إلى عرف الشرع والتخريج الأصولي للقضايا والمواقف والخطط وعموم الأفعال، والخروج من فردانية الفتوى إلى جماعيتها، ومن تقديم أحداث الأسنان إلى تمكين الكهول وذوي الهيئات والشيبات، وأُمور إصلاحية كهذه بإمكانها أن لا تبدأ من الصفر، بأن يكون التواضع والإقرار بأن الله تعالى قد وزّع الفضل بين عباده الصالحين، ولئن سَعُدَ رهطٌ بحمل السلاح فلقد رَشُدَ من قبلهم رهطٌ حملوا الأقلام فدونوا فقه الدعوة والجهاد، والرجوع إلى حروفهم يجعل ثلة الجهاد تبدأ وتتوغل في الوعي من حيث انتهت تأملات الدعاة ورواة التجربة وورثة علم مالك والشافعي.


    تناسق الأهداف وشمولية الوسائل في مشروع كامل


    (2) حاجة المقاومة إلى فكر سياسيٍّ متقدم ، وتلك هي صنعة دعاة الإسلام وقادتهم، ولابدَّ من مرور المقاومة عَبَر كتاباتهم وتوسعها في استشارتهم وتوظيف رؤاهم لصالح الخطة الجهادية، وأصل هذا الفكر السياسي الإسلامي: مجموعة اجتهادات استنباطية على الطرائق الأصولية مبنية على النظرات المصلحية والمقاصدية ومراعاة الضرورات، لكنها تضاف إليها مقارناتٌ بما عند الأديان الأخرى ومقولات الفلاسفة وتفسيرات المؤرخين وإحصاءات الواقع التي تصفه وصفاً دقيقاً، وطبيعة التفكير بتكييفه هذا تتيح خيارات عديدة وبدائل، لذلك لا ينبغي أن تستمر المقاومة مع الخيار وبديله ومع الصواب المتعدد الوجوه والجواز المتنوع، بل تأتمر وتناقش وتطيل النظر وتشاور المخضرمين الذين بكروا في الانطلاق من جانب المحراب تبكيراً جعل دهرهم الإيماني طويلاً: ليخرجوا من حيرة الخيارات العديدة إلى مشروع سياسي للمقاومة والجهاد، واضح المعالم، دقيق الإشارة، محدد الغاية والأُسلوب، يكون ضابطاً للأداء، وقاضياً حكماً عندما تستبد سكرة طارئة بذهن مجاهد أتعبه البذل، فمال إلى اختصار الطريق، أو تطلعات عنقٌ يشرئب يرى لمعة المنصب فيشرعُ يساوم كأنه يعقد صفقةً مع دّلاّل سوق لا عقداً مع حوريات الفراديس.


    قلبٌ يضطرم ... يردف العقل المتقد


    (3) حاجة المقاومة إلى تربية منهجية داخلية لأعضائها تديم الجذوة وتستفز الكوامن وتثير الأشواق إلى الشهادة وتمنح المجاهد الخلق القويم والتجرد والإخلاص وخفض الجناح ومودة المؤمنين ، وتعلمه معاني الأخوة في الله والاستغفار لمقاوم سلمي مكافئ له يدأب في عرصات العمل السياسي مثابراً في عمل مكمل رديف، ثم يلقنه هذا المنهج أحكام الجهاد وآدابه، وأسرار الأركان الأمنية، وأوصاف الواقع، بحيث يخرج من الازدحام الحاصل سالماً غانماً قد أناب عنه بحسن سيرته وكيلاً استبد به الإعجاب بشجاعته فطفق يقّلد ويرث.

    وأول هذه المنهجية التربوية: أن يتم فيها تدارس هذا المتن في" النظرية العامة العراقية لدفع العولمة الأميركية " ، ومختصرات أُهديت للمجاهدين هذّب بها الدعاة كتباً جيدة استوعبت طرائق الجهاد في سبيل الله وآدابه، ورسائل ألِّفَتْ لتلائم حاجة الجهاد العراقي بخاصة، ويمكن أن نتداول بموازاة هذا المنهج عشرات القصائد الحماسية التي نطق بها شعراء الإسلام في تمجيد النفرة الجهادية العراقية، حتى ليدخل ضمن ذلك: الفن التجريدي الإسلامي فيما أبدع من لوحات تشكيلية، والكثير من الإنجازات الإعلامية المصاحبة للحملة الجهادية والأفلام التسجيلية التي أفرزتها: يكمن فيها مغزى تربوي عميق يسعف المجاهد قبل أن يطرب لهُ مشاهدٌ مُساندْ، والجهدُ في كل ذلك يدور على خبرة متراكمة توافرت لدى رجال الدعوة الإسلامية العراقية، وهذا البذلُ للنمط التربوي هو أحد وجوه التحالف المفترض بين المقاومة والدعوة.


    عند المركز البؤري موعد كل ثوري


    (4) حاجة قيادات المقاومة إلى تنسيق وتعاون ميداني من المفترض أن تنتج عنه رؤية تخطيطية مشتركة وتقاسم للأدوار وتكامل في الأداء ، في خطوات تتطور لتنتج مذهباً عراقياً في الجهاد له سمته الخاص وقواعده النسبية المنسجمة مع حقائق الساحة العراقية، ويمكن أن يكون هذا المشروع التنظيري لدفع الاحتلال هو أساس هذا المذهب، وتزيده الاستدراكات والإضافات والشروح والشروط متانة ونضوجاً، ولو شئنا لقلنا ونحن الصادقون: إن الجهاد العراقي بحاجة إلى قيادة واحدة تأمر وتنهى فيطيعها الجميع، ولكنا نعلم أن هذه الأُمنية ليست غير أُغنية، وأنها ليست غير أطياف من الأحلام، لا يأذن الواقع بتصديقها وإن صدقتها العواطف وأيدتها التجارب، لأن ما بين الأطياف العديدة: مسافات بعيدة يمكن اختصارها إلى المنتصف ليكون اللقاء في الوسط، ولكن لا يمكن أن تلغيها نشوةٌ تستبد ساعة بقلوب مخلصين يُنصتون لخطيب بليغ يعظ بالوحدة فتحلق الأرواح برهةً ثم تكتشف أنها قد طارت بلا أجنحة فتهبط سريعاً إلى أرض الواقع ومعوقات التنفيذ والتطبيق العملي.


    رأس النفيضة


    (5) حاجة الجهاد العراقي إلى رمزٍ يقود ، ومثالٍ يشخص للعيان، يصّرخ ويبث الحماسة ويشرح الغوامض ويقيم العلاقات وينتصب قدوة للجميع، لأن الأعمال النفسية والوشائج العاطفية هي أساس أعمال الجوارح، وطاقات الأُمة الإسلامية عظيمة في مقاديرها ولكنها تحتاج من يستفزها ويوظفها في طريق واحد، وكل ذلك يحتاج أنواعاً من الثقة ليس من اليسير أن يتأكد الناس من وجودها لدى أُلوف من المجاهدين، ولكن يسهُلُ على الناس وعلى المجاهدين أن تلتقي آمالهم وتطلعاتهم وطموحاتهم لتتمثل في شخصٍ واحدٍ يسهُلُ على الطرفين تمييز إخلاصه وفقههِ ونصيحتهِ لله ولرسوله وللمؤمنين.


    حظ الجيل العراقي الحاضر: أن يمثل الوعد الرباني


    (6) حاجة المقاومة إلى الانتقال من المحلية إلى نظر عام يحقق مصلحة الأمة الإسلامية كلها ، ذلك أن التنظير للجهاد العراقي يكشف لنا ولكل مراقب يقيس الأمور وفق مفاد العقل والمنطق: أن الارتباط الوثيق الذي ربطت أميركا بموجبه مصالحها الاستراتيجية بالمصالح الاستراتيجية الإسرائيلية: جَعَل ورطتها في احتلال العراق تظهر كأنها قَدَر رباني كتبه الله ليكون ورطة مستقبلية لإسرائيل أيضاً، وأن التلازم بين القضيتين الفلسطينية والعراقية أصبح تاماً وحاصلاً في عالم الحقيقة كقضيتين مركزيتين للعالم الإسلامي، مما يعني وفقاً لعلوم التخطيط وعلم استشراف المستقبل أن أميركا إذا انهزمت في العراق وخرجت منه مخذولة توجعها ضربات المقاومة العراقية ووضعت نهاية لعدوانها على العراق: فإن ذلك سيكون بداية لانتكاسة استراتيجية إسرائيلية سياسية وعسكرية، وسيهبط خطها البياني وينحدر بسرعة، وتنتعش المقاومة الجهادية الفلسطينية وتنال مزيداً من الدعم، ويتولد إحباط لدى كل يهودي، وستتراكم إيجابيات كثيرة لصالح القضية الفلسطينية تجعل إسرائيل في مركز ضعيف دولياً وينقطع عنها الدعم الأوربي ربما، وتنقطع الهجرة اليهودية إليها، وتظل معنويات الأمة الإسلامية في تصاعد لتكون بداية نهاية إسرائيل، وقد يقع الفتح المبين ويتحقق وعد سورة الإسراء، وفي هذا ما ينقل القضية العراقية من كونها محلية إلى كونها قضية مركزية للأمة، وجمهرة المجاهدين والداعمين لهم مدعوة إلى تمييز هذه الفرصة القَدَرية الكبرى، ومضاعفة الجهد، والضرب على الخاصرة الأميركية المكشوفة، واللواذ بمفاد المنطق المتكامل المودع في"النظرية العراقية العامة لدفع الاحتلال الأميركي"، والدوائر السياسية والإعلامية للمقاومة العراقية بشكل أخص: مدعوة لفهم هذه الفرصة الذهبية، ووعي تأثيراتها الإيجابية العديدة الوجوه، ثم تفهيمها للشعب العراقي: أن يصبر ويزيد البذل والإصرار والتحدي، وللأمة الإسلامية: أن تثق وتؤمن وتجزل الدعم، فإنّ وعد الله كان مأتيا.

    ( سَعْدُ ... الرافل بقبلات الحسناء ونجابة الأُم )


    وذاتَ صباحٍ استيقظ الداعيةُ المهندس سعد في ثلث الليل الأخير، فاغتسل وتهجد وترنم واستغفر، ثم طبع قُبلاته على وجنات زوجهِ وبنيه، وخرج مع إخوانه المجاهدين لعمليةٍ خططوا لها في التاجي- شمال بغداد - قرب المعسكر الأميركي، ومع إطلالة الفجر الصادق تقدم رتلٌ للعدو من مدرعة وسيارتي همر، فانطلقت عليها القذائف والصليات، وتركت المركبات الثلاثة تحترق بمن فيها وبدأ المجاهدون بالانسحاب، إلا أن سعداً كان يحلم أن يحوز رشاشة(البكتا)الثقيلة ليخوض معركتهُ القادمة، فاعتلى المركبة يحاول تفكيك روابطها، فكانت الهليكوبتر أسرع منهُ، فصلتهُ صَلية فاستشهد، وانسحب إخوانه ليرووا خبر الإيمان إذا استيقظ وعَمرَ القلوب وسقى همم الخير.

    وكانت أمّهُ ترى فيما يرى النائم تلك اللحظات سعداً في قصرٍ صغيرٍ مُنيرٍ أبيض، فاطلعت من النافذة، فرأت ولدها واقفاً وسط البهو يقّبل امرأة حسناء في غُلالةٍ حمراء ولها شعرٌ طويل، فأنكرت عليه وقالت:

    تفعلُ هذا يا ولدي وأنت متزوج ولك أولاد؟؟؟

    فالتفت إليها سعد مبتسماً وقال: يا أُمي أين أنا، وأين أنت؟؟

    واستيقظت الأم ففزعت وقالت لولدها الآخر:

    إمشِ بنا إلى بيتِ سعدٍ فإنه قد استشهد، فوصلت بعد قليل، ووجدت إخوته في الله يبثون إليها التهاني، فزغردت تزفه إلى حوريته.

    وكذلك وفاء العراقي يكون، وتلك قصةٌ من قصص أصالة العراق واندفاع العراقيُّ إذا آمن ووعى واعتز بالله


    وبهذا نكون قد أنهينا الجزء الأول.. قمرنا العالي ويليه بإذن الله الجزء الثاني شمسنا الساطعة...
    ابقوا معنا:D
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-03-11
  17. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    "شمسنا الساطعة"


    تكميل لمعاني رسالة قمرنا العالي
    و رؤى صريحة في القضية العراقية المعاصرة
    مع دعوة لتعاضد الخطين الجهادي و السياسي
    و بيان وجوب اشتراك اهل السنة و الجماعة في الانتخابات القادمة

    مثلما في قصص السندباد العراقي وعلاء الدين البغدادي: وجدَ ( بوش ) التكساسي قنينةً قذفتها على الرمالِ أمواج المحيط السياسي، ففتحها وفرك الخاتم الذي في فمها فخرج ماردٌ عملاق زعم أنهُ ظل محبوساً تحت أثقال التحجيم ألفاً وأربعمائةِ سنة، وقال قولتهُ التي شهرها أدبُ ألفِ ليلة: شبيك لبيك، لكنه استأذن أن يبدأ بسد جوعهِ، فتناول من ماكدونالد سندويجةً على طريقة الوجبة السريعة، وكان بإمكانه أن يكتفي بنكهتها، أو أن يضيفَ لها قليلاً من الكمون الذي يُبرِدُ المعدة، ومعهُ الكثير من الزعفران الإيراني الذي تمسكُ بهِ يُمناه، فتكونَ وجبتهُ من أشهى ما يأكلهُ البشر، لكنهُ أبى النصيحة وتجاوز الوصفات، فأضافَ للقمتهِ حفنةً من الفلفل الأسود، فصعدت نكهتهُ الحادة إلى أنفِه، فعطسَ عطسةً اهتزت لها جنباتُ رأسهِ وأقطارُ جسمهِ، ففتحَ حلقهُ من شدةِ العطسةِ فانقذفت اللقمةُ خارجةً ووقعت على التراب وبقيَ محروماً جائعاً ليس يواسيهِ إلا أثرُ طعمها اللذيذ الذي بقي على أطراف لسانهِ لمّا ذاق.

    طفرةٌ… فوق نَهرٍ عريض

    هذا هو حال التحالف الحزبي الذي يتصدرهُ إبراهيم الجعفري وعبد العزيز الحكيم، والفلفل الأسود هو المقاومةُ وحلفاؤها وأنصارها ورجالُ بيئتها، الذينَ أسرع التحالف الحزبي إلى التنكيل بهم والتعرض لهم والعدوان عليهم وإرهابهم بحملات التفتيش والمداهمة والحصار، وبكافة أنواع التعامل القاسي الشديد الذي خرج إلى مبالغةٍ وتجاوزٍ لأعراف الخطط الأمنية في كافة الدول، مما ولّد رِدّة فعل عند المجاهد المظلوم وأنصاره، في وقت يكسبهُ إثخانهُ في العدو الأمريكي حرارةً وحدةً ونكهةً تدعُ الهادئ عَطّاساً والجنيّ تـَـفّالا، وما كان لمن خرج من القمقمِ أن يرتكب العجلة ويلغي المنطق ويطفر النهر العريض، لأن الماء العميق قد يُغرق حتى المَرَدة، وفي حكمة الأممِ أن ما بين الشاطئين إذا كان بعيداً فإن العبور يكونُ بِبناءِ عمودٍ أول يسمونهُ عمود الثقة، مع عمود ثانٍ من المصلحة، ثم عمودٍ ثالثٍ من الموازنة، ورابعٍ من التخطيط، وخامس من التدريج، ثم يكونُ بناء جسرٍ عريضٍ تحملهُ هذه الأعمدة، فيكونُ العبورُ السليم، لكن من عزفَ عن تجارب الأممِ وأسكرتهُ أفكارُ الاحتكارِ استعجلَ وتهوّر، فطفرَ، فخانتهُ العضلات، وفي النهرِ تماسيح.

    إن تخطيطات الأحزابِ الطائفيةِ قد ظهر فشلُها مع الخطوة الأولى التي خطتها بعد الانتظار الطويل والانفرادِ بالانتخابات ووقوعِ الحُكمِ في يدِها، فقد كان بإمكانها أن تـتعامل مع أهلِ السُنـّةِ بالمودةِ وتحبيب النفس ومد يد المصافحةِ ورفعِ شعار التكامل والتعاون والمصلحة الجامعة، وإغراء أهل السُنةِ هؤلاء بتجاوز الماضي وإظهار الحرصِ على صفاءِ العلاقات الاجتماعية والعودة إلى أنماط الإخاء، ولكنّ ذلك لم يحدث، مما يدلُّ على غياب التخطيط واضطراب المنطق وتغليبِ نزعات الثأر والانتقام على ما يُمليهِ الظرف من عملٍ عقلانيٍ هادئ يضمنهُ المركز التفوقي الحاضر للأحزاب الطائفية، وهذه نقطةُ الخطأ الكبرى في مسيرتها الحاضرة، فإن استقراء التجارب العالمية، الإسلامية والكُفرية معاً: يُفيدُ بوضوح بأن العنف يُنتجُ العنف، والإرهاب السياسي يؤدي إلى إرهابٍ مقابل، وأن الظلمَ لهُ مصرعٌ وَخِيمٌ ولا يدوم، وأن أساليب الضغطِ والتنكيلِ قد تجاوزها الزمن، وأن الناس تعشقُ الحريةَ وحياةَ العزّةِ، ثم يزيدها الإيمان رِفعةً وعناداً وبذلاً وتضحيةً، وأن تكرار أسلوب(صدام حسين)يجعلُ القصّةَ مُعادة، والمواعظُ شاخصة، وقد أسرفت الآداب والفنون بعد الفكر ودلائل الشرعِ في بيانها وإيضاحها والبرهنةِ على صوابها، ولكن المنهومَ الذي يريدُ أن يختصر الزمنَ يضعُ أصابعهُ في آذانهِ ويُعرِض عن نبراتِ صدقِ المواعظ لِيُرضيَ نـَهمهُ، فتغلبه ثوابت الشرع وحقائق الحياةِ وقوانين النفس، والمسألةُ النفسيةُ بخاصةٍ هي الركنُ الأظهر في الفِراسة بما ستؤدي إليهِ الطرقُ الشديدةُ الكابتةُ الظالمةُ من سلوكٍ عند المقابلِ المظلوم، سيّما إذا كان شريفاً عزيزاً، ولهُ تراثٌ من المناقبِ والبطولةِ والسيرةِ الساميةِ، والتحليل البسيط يُبدي بوضوحٍ أن توكيل الأحزاب الطائفيةِ لبيان جبر في رسمِ السياسةِ الأمنيةِ إنما هو خطأٌ محضٌ، لأنّ الرجلَ غيرُ مؤهّلٍ ثقافياً ونفسياً لنظرٍ بعيدٍ يستفيدُ من الموازناتِ والمحاكمات العقلانية، ويبدو أن دائرةَ المستشارين من حولهِ ومن حول القيادات البارزةِ الأخرى ليس لها من الثقافةِ التخطيطيةِ والمهارةِ السياسيةِ ما يجعلها تُبصِرُ ضرورةَ التوافق مع العُرفِ العالميِّ الجديدِ في استحداثِ طرائقِ الحوار وتقديم الخدمات والاستعانةِ بآثار الوسائل الإعلاميةِ والفكرية، وهذا الفقرُ السياسيُّ والتخطيطيُّ أقحمها في تبنّي واعتقاد صوابِ ما يُمكنُ أن نُسمّيهِ(سياسةُ إحداثِ الصدمة)، فإن الذي حدثَ من فوريةِ استعمالِ الشدةِ مع أولِ تشكيلِ حكومةِ الجعفري يجعلُ المراقبَ يعتقدُ هذا الذي نقولهُ من فلسفة القمعِ بالصدمةِ الإرهابيةِ، ولكنَّ هذا النمط من التصرفِ يتناقضُ مع حقائقِ النفسِ ومع حقائقِ التاريخِ العراقيِّ المعاصرِ القريب، ومع حقائقِ المعادلةِ العراقيةِ، وذلك من وجوهٍ عديدةٍ:

    أولُ ذلكَ أنّ المقاومةَ هي رقمٌ صعبٌ في المعادلةِ العراقيةِ، بحيث أنّ أمريكا لا تـتجاهلهُ الآن، فكيفَ تـتجاهلهُ أطرافٌ أخرى في المعادلةِ العراقيةِ؟ وهذه المقاومةُ الجهاديةُ لها انتصاراتٌ وإثخانٌ في العدوّ جعلها تشعرُ بعزة تستحقها، وبتفوقٍ نفسيٍّ منحها ثقةً وإقداماً وطموحاً عريضاً في امتلاكِ المستقبل، وجعلها تثقُ بنفسها أنها القوةُ المركزيةُ المحوريةُ التي ترتبطُ بها بشكلٍ أو بآخر الحياة السياسية المستقبلية بعد جلاء الاحتلال، فكيف تؤثرُ في هذا الواثق العزيز المعتدِّ بنفسهِ والثريُّ ببطولاته صدمةٌ أو هزةٌ؟
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-03-11
  19. أبو أريج

    أبو أريج قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-08-09
    المشاركات:
    2,521
    الإعجاب :
    0
    ن الوهم في رأسِ قادة الائتلاف الشيعي هو الذي جعلهُم يحلمون بأن الصدمةَ ستحدثُ في رجال المقاومةِ أو في بيئتها الحاضنة، والذي حدثَ فعلاً أن المقاومة امتصت الصدمة الأولى، وتوحّدت صفوفُ أهل السُنةِ بالمقابل، وكثُرَ التطوعُ في الحياةِ الجهاديةِ للتعويضِ عمّن استُشهِدَ أو اعتُقِل، وأصبحَ هناكَ مُحرِّكٌ معنويٌّ جديد تولَّدَ من حياة التحدي، وتعمَّقَ من خلال شعورِ أهل السُنةِ بأن المعركةَ مصيريةٌ وتاريخية، فاستفزّت خطةُ الصدمةِ كوامنَ الاستعدادات السُـنّية السابتة وأطلقتها من عقال الإسراف السّني في حُسن الظنّ والتأول، وقد تولّدَ من ذلك تطورٌ نوعيّ في البيئة المساندةِ للعمل الجهادي، ورسخت قناعات سُنية أوسع من السابق تؤمِن بأن الممارسة الجهادية تجلب حراسةً للحقوق وحمايةً للناس بمقدارٍ يماثلُ ما تحققهُ من ضغطٍ على المحتل الأميركي، وبذلك أصبح التلازمُ والارتباط بين المجاهد وبيئته الحاضنة شديداً، وإذا تولّتهُ يد التخطيط الماهرة فإنها ستجعلُ آثارهُ في الاتجاهينِ مضاعفة.

    ومن وجوه التناقضِ أيضاً هبوط سُمعة الأحزاب الشيعيةِ العراقية خارج العراق، في البلاد العربية، والعالم الإسلامي، والغرب والشرق، وتحولت القوى السياسية والأحزاب العالمية ومراكز البحث ووسائل الإعلام إلى"شاهد عدل"يحكمُ بالحياد وبمفاد ما يرى من تجربةٍ حيّة أن الائتلاف الشيعي الحاكم يُخالف أبجديات السياسة، ويتنكرُ لطبائع الديمقراطيةِ التي انتظروها منه، ويُصادرُ الحرّيات، ويعاكسُ مبادئ الوحدة الوطنية العراقية، ويمهّدُ للتقسيم، ويتوكل عن إيران في تنفيذ ما تريد، مع عجزٍ في الرؤيةِ الاقتصادية والخدمية، وسطحية الفكر السياسي، وأشواق دموية أسرعت إلى إدخال طريقة التعذيب بالمثقب الكهربائي"الدريل"لأول مرة في تاريخ التحقيق الأمني العالمي المعاصر، وطريقة قلع العيون، وإفراغ مشط كامل من الطلقات في جسم المعتقل في الساعة الخامسة والعشرين إذا لم يعترف، في وسائل أخرى هبطت بسمعة الجعفري وحزبه والأحزاب الحليفة له في الأوساط العالمية، بينما ارتفعت سمعة المقاومة الجهادية والمنظمات السُنية عموماً، وظهرت على أنها مظلومة، وسلمية، وحريصة على الحوار، وصاحبة ذوق ومصداقية ونزاهة وأبعاد حضارية في السلوك السياسي والاجتماعي، وهذا التباين في الانطباعين الحاصلين في الدوائر السياسية والإعلامية خارج العراق له آثار استراتيجية عظيمة على مستقبل الطرفين العراقيين المتنافسين، وكان من المفروض عقلاً أن ينتبه الجعفري إلى السلبيات التي ستقف أمامه، لكن شهوة الانتقام غلبته، وطغت العاطفة الثأرية على العقل، وكأنه قروي ساذج، إذ هو المثقف الواسع الإطلاع، وللأصل الأعجمي دور في هذا السلوك النفسي جزماً، وأغراه أيضاً سكوت الحليف الكردي عن النقد، لتخليه عن مصالح العراقيين غير الأكراد واقتصاره على المطالبة بالحقوق الكردية فقط، وكأن قضية القمع قضية عربية محضة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عبر مباركته أعمال فيلق بدر ودعوته لأداء مماثل من قبل ميليشيا البيشمركه الكردية، وهذه السياقات العملية تجنح بالعملية التحليلية التي يحاولها خبراء القضية العراقية إلى اعتقاد وجود عامل نفسي محرك لدى الطرفين أساسه دوافع الثأر والانتقام والتشنج وليس الموازنات العقلية والمصلحية، فالأكراد تحركهم ذكريات القمع الذي تعرضوا له، وعبد العزيز الحكيم تدفعه نحو السلوك الدموي مقاتل أشقائه العديدين الذين دفعت بهم السياسة الفارسية الشعوبية إلى المواجهات مع سلطة صدام الدموية، فكان حتفهم، وأما الفن التخطيطي ورؤية مصالح العراق العليا وتقديمها، فهذه أمور مستبعدة.

    ورؤية الناس لهذه الحقائق والمحركات النفسية جعلتهم يكفرون بالأصنام السياسية المنـتصبة في الساحة، ليس أهل السُنة والجماعة فقط، بل وشطر المجتمع الشيعي العراقي أيضاً، فإن فيهم عقلاء يرفضون العدوان والتوتر، وفيهم من تربطه المصاهرات العائلية بأهل السُنة، وفيهم العلماني الذي يحلم بحياة ديمقراطية ويرفض قصر النظر الذي يستولي على قيادات فيلق بدر ونظريات وزارة الداخلية القمعية، النابعة من إيحاء التاريخ الصفوي وخطة"قُم"الخمسينية لتشييع العراق وتحقيق الامتداد الإيراني نحو نصيرية الشام وشيعة جبل عامل في لبنان، وفي المجتمع الشيعي العراقي أيضاً فئة التجار وأصحاب الأعمال والخدمات الذين يضر بمصالحهم الوضع المتوتر ويريدون الاستقرار من أجل عودة تجاراتهم إلى وضعها الطبيعي، وإغراء جمع المال يكون أحياناً أقوى من الإملاء العقائدي، وكل هذه الأصناف الرافضة للتوتر والموجودة داخل الدائرة الشيعية نحتـت من معنى انتصارات الأحزاب الشيعية خلال مواسم الحرب الأميركية وما قبلها أيام المعارضة في بريطانيا، وما بعدها أيام المصافحة مع الغازي، والأحزاب الشيعية معرضة لهبوط قيمتها وتقلص نفوذها، بل وهناك عامل أخلاقي أيضاً يعمل عمله بشكل بطيء يتمثل في استثمار الأحزاب الشيعية للمسوغات الفقهية في زواج المتعة المؤقت وتحويرها إلى عوامل إغراء ووسيلة ربط وجذب للشباب من خلال ترويج حملات في أوساط شباب وشابات الجامعات العراقية لتسهيل التمتع وتوفير فنادق قرب الجامعات لهذا الغرض، والأمر مع أنه حلال في الفقه الشيعي إلا أنه موصوف لاختيار فردي من خلال الاسترسال اليومي للحياة الاجتماعية، وهو يتحول اليوم إلى حملة واسعة منظمة تجد الفتاة نفسها بعد التورط في ندم وقد تحرم من فرصة الزواج، لأن راغب الزواج في المجتمع العراقي كله-سُنيّه وشيعيهِ-يشترط العذرية، ومن هنا فإن أكثر العوائل الشيعية لا ترضى لبناتها هذا الطريق الوعر، وهو موصوف في فقههم للمستضعفات لا لبنات العوائل الشريفة، والأخ لا يرتضيه لأخته، ولا الأب لبنته، لذلك يرفضان أن تـتحول المتعة إلى وسيلة تجميع حزبي على حساب الشرف.

    والأمر يتعلق أيضاً بخطأ كبير تورط فيه حزب الدعوة بما يقارب تورط المجلس الأعلى في الارتباط بالمخطط الإيراني الشعوبي التخريبي تجاه العراق، مما شرحناه مراراً وأصبح واضحاً عند من يتابع الأطراف المؤثرة في القضية العراقية، ولكن الجديد في هذا الشأن: أن الاختراق الإيراني الذي وصل إلى أقصى العمق العراقي عبر تسهيلات هذين الحزبين الشيعيين له بدأ يُلاقي خطوطاً دفاعية عروبية مستحكمة رافضة له قوامها العشائر الشيعية نفسها، والفصائل العلمانية والقومية في البناء السياسي الشيعي، وبقايا اليسار، والجمهرة المثقفة بخاصة، وبعض التيار الصدري، وكان الرفض قد بدأ بتململ وهمس يتخفى عن أعين الحوزة والأحزاب، وصار يتوسع بتدريج، ثم أسرعت بإنضاجه اليوم قباحة التدخلات الإيرانية في الأرض العراقية، وسفورها الفاحش، وغلوائها، حتى أصبح نداء التصدي للتدخل الإيراني هو النداء الأقوى في يوميات الممارسة الشيعية الحاضرة، وبدأ التفكير بتحالفات مع أياد علاوي من أجل التخلص من الضغط الإيراني، بل والتحالف مع الحزب الإسلامي العراقي الذي يستند إلى قاعدة سُنية في الأصل، وتستعد وزارة الداخلية للتضييق على هذا التيار الجديد في البيئة الشيعية إذا نجحت خططها في شل المقاومة، وهيهات أن يكون ذلك بعدما امتصت المقاومة الصدمة الأولى وشرعت في الرد وتوجيه الضربات الموجعة للشرطة والحرس، وبخاصة معاركها في داخل بغداد وما حولها التي خرجت منها منـتصرة دون تقديم ثمن، وكل ذلك يضيف نجاحاً للموقف السُني الواعي الذي بادر مبادرة شجاعة للتصدي للزحف الإيراني نحو العراق، وصبر على أذى ناله بسبب ذلك تجسّد في كثرة الاغتيالات للوجوه السُنية، وكثرة الاعتقالات، والحرمان من الفرص، وآخر الأذى: الوحشية في التعذيب الذي اقترن بعملية"البرق"التي ابتدعتها وزارة الداخلية بالتعاون مع قادة فيلق بدر، من خلع الأسنان، وتكسير العظام، وثقبها بالمثقب، وقلع العيون، ووسائل غوغائية أخرى تدل على انحراف أخلاقي وشذوذ نفسي غريب في نوعه وواضح في دلالته على أن الكتلة الحزبية الشيعية غير مؤهلة لتعاطي السياسة والحكم والاستفادة من معطيات الحياة العصرية، وأنها محكومة بأفكار القرون الغابرة، وأنها خاضعة لإملاء التشنج والاستبداد، والمقاومة العراقية الخالصة ما زالت تؤمن بحرمة الدم العراقي وأنها تصطدم بخط أحمر يمنعها أن تقترب من الشرطة والحرس الوطني إذا التزما الحكمة ولم يؤذيا أحداً من المجاهدين وأبناء الشعب، ولكن خطة"البرق"التي نقلتهما إلى المصادمة والمبادأة بالتحرش نيابة عن الجيش الأميركي هي التي منحت المقاومة حق الدفاع بمقدار ما يندفع به الأذى دون إسراف، تخريجاً على حق المسلم في دفع الصائل، وهو الحيوان الناطح أو المجنون الذي يمسك سلاحاً ويؤذي الناس، وأما تحديد مقدار الدفع وتضييقه فإنه يُخرّج فقهياً على أحكام الفئتين المسلمتين إذا اقـتـتلتـا، فإنه لا يجوز في حكم الشرع الإجهاز على الجريح في معارك المؤمنين، ولا يجوز قتل المسلم الذي يولي الأدبار هارباً من المعركة، وذلك هو المأثور بالسند الصحيح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في معركتي صفين والنهروان، وحكم الدفع مُخرّجٌ على أحكام الضرورات، وهي تـُقدر بمقاديرها التي تحقق مقصد النجاة من الأذى، ليس أكثر
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة