مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية أ.د. يوسف القرضاوي

الكاتب : الحبيشي   المشاهدات : 1,972   الردود : 50    ‏2007-03-09
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-03-09
  1. الحبيشي

    الحبيشي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-07-17
    المشاركات:
    3,228
    الإعجاب :
    0
    مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية

    أ.د. يوسف القرضاوي
    28/10/2003


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا وقائد دربنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، أولئك هم المفلحون، ورضي الله عمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد..

    فقد تنادى الكثيرون في المشرق والمغرب -ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001- إلى الحوار بين الأديان، وخصوصاً الدينين الكتابيين الكبيرين: المسيحية والإسلام، وتجاوب الكثيرون مع هذه الدعوة، والتقى المسلمون والنصارى في عدة لقاءات ومؤتمرات في أكثر من بلد، وشاركتُ شخصيًّا في حضور مؤتمرين كبيرين: أحدهما في روما بدعوة من جمعية سانت جديو الشهيرة، وهو المؤتمر الذي سموه (القمة الإسلامية المسيحية) نظراً لأهمية الذين شاركوا فيه من الجانبين، والثاني كان في القاهرة بدعوة من المجلس الأعلى العالمي للدعوة والإغاثة ومنتدى الحوار الإسلامي، وكان التركيز فيه على نصارى الشرق أكثر من غيرهم. كما شاركت في مؤتمرات ولقاءات أخرى، وإن لم تكن على هذا المستوى.

    وهنا تعالت أصوات كثيرة داخل العالم الإسلامي تنادي: لماذا لا يتحاور المسلمون بعضهم مع بعض؟ أليس هذا من الأولويات؟ أليس الحديث يقول: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"؟

    تُرى هل ما بيننا نحن -المسلمين- من الخلاف أوسع وأكبر مما بيننا وبين أهل الأديان الأخرى؟ ولماذا إذن لا نتحاور، بغية التفاهم والتقارب؟

    ولا شك أن منطق الدين والعلم والواقع يؤكد أن حوار المسلمين بعضهم مع بعض أحق وأولى بالاهتمام من الحكماء والعقلاء من أبناء الأمة، وإذا كنا مأمورين بالحوار مع مخالفينا من أهل الديانات الأخرى، بقوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] أفلا نحاور من يجمعنا به العقيدة الواحدة، والقبلة الواحدة، وكلمة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)؟

    لهذا أعتقد بأن اهتمامنا بالحوار الإسلامي المسيحي لا يجوز أن يزيد على اهتمامنا بالحوار الإسلامي الإسلامي، ولا سيما بين الفئتين الكبيرتين: السنة والشيعة، بغية التقريب بينهما بالحق لا بالباطل.

    إن اللقاء والحوار وتبادل الأفكار يساعدنا على أن يفهم بعضنا بعضا، ويقترب بعضنا من بعض، ويزيل الجفوة، وينشئ المودة، ويجلو كثيرا من الغوامض، ويزيح الكثير من الشبهات؛ وذلك إذا خلصت النيات، وصحت الأهداف، وقويت العزائم، وغلب العقل على الهوى، والحكمة على التهور، والوسط على الشطط.

    على أن هنا عاملا مهمًا يدعو الأمة كلها، بجميع مذاهبها ومدارسها وطوائفها أن تتقارب وتتلاحم وتتضامن فيما بينها، وهو الخطر الداهم الذي يهدد الأمة جمعاء، إن لم تقف له بالمرصاد، إنه خطر تجمعت فيه اليهودية والصليبية والوثنية، رغم ما بين بعضها وبعض من خلافات، ولكن جمعهم العدو المشترك وهو الإسلام، وصدق قول الله تعالى: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية: 19].

    وإذا جاز للأمة -وما هو بجائز- أن تفترق في أيام الرخاء والعافية، فلا يجوز لها أن تتفرق في أيام الشدة والبلاء، فإن الشدائد تجمع المتفرقين، والمحن توحد المختلفين، والأخطار تقرب المتباعدين، ورحم الله أحمد شوقي حين قال: إن المصائب يجمعن المصابين!

    لهذا كتبت هذه الورقة راجيا بها أن أضيء شمعة في طريق التقريب بين الجماعات والمدارس الإسلامية في هذا الوقت العصيب الذي تتعرض فيه الأمة لكل أنواع الغزو: الديني، والثقافي، والاقتصادي، والسياسي، والعسكري، وهي أحوج ما تكون إلى وحدة الهدف، ووحدة الصف، وأن تعتصم بحبل الله جميعاً ولا تتفرق، وواجب علماء الأمة أن ينبهوها إلى ذلك، حتى لا تغلب على أمرها، وتسقط في يد أعدائها، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.


    يتبع ،،،
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-03-13
  3. الحبيشي

    الحبيشي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-07-17
    المشاركات:
    3,228
    الإعجاب :
    0
    معرفة الآخر من مصادره .. وحسن الظن به

    أ.د يوسف القرضاوي
    28/10/2003


    أول ما ينبغي أن تقوم عليه محاور الحوار الإسلامي الإسلامي، هو حسن الفهم؛ فمما لا ريب فيه أن حسن الفهم مطلوب في كل شيء، قبل البدء في أي عمل حتى يكون السير فيه على بصيرة؛ لأن صحة التصور ضرورية في صحة العمل والتصرف. ولهذا كان العلم في الإسلام مقدما على العمل، كما ترجم لذلك الإمام البخاري في صحيحه، واستدل لذلك بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد: 19] فأمر بالعلم قبل أن يأمر بالاستغفار.

    ومن هنا كان أول ما نزل من القرآن: (اقرأ) وثاني ما نزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: 1-4]، فكانت القراءة وهي مفتاح العلم والفهم مقدمة على المطالبة بالأعمال.

    ونعني بـ(حسن الفهم) حسن التعرف على حقيقة موقف الطرف الآخر، وذلك بأخذ هذا الموقف من مصادره الموثقة، أو من العلماء الثقات المعروفين، لا من أفواه العامة، ولا من الشائعات، ولا من واقع الناس؛ فكثيرا ما يكون الواقع غير موافق للشرع.

    ومن المهم أن نفرق بين الأصول والفروع، وبين الفرائض والنوافل، وبين المتفق عليه والمختلف فيه، وبين الشائعات والحقائق، وبين ما يلزم به الفقه وما يعمله الناس من عند أنفسهم.

    خذ مثلا قضية (تحريف القرآن)؛ فهناك من علماء الشيعة من قالوا: إن القرآن الكريم محرف؛ بمعنى أنه ناقص، وليس كاملا، وألفوا في ذلك كتبا، واستدلوا على ذلك ببعض الروايات التي تسند رأيهم من (الكافي) ومن غيره من كتبهم المعتبرة عندهم.

    ولكن هذا الرأي ليس متفقا عليه؛ فهناك من علمائهم من رد عليه، وفند شبهاته، وهذا هو الذي يجب أن نعتمده، ولا نعتمد الرأي الآخر.

    والذي يجعلنا نعتمد رأي نفاة التحريف في القرآن جملة أمور:

    1ـ أنهم جميعا متفقون على أن ما بين دفتي المصحف كله كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    2ـ أن المصحف الذي عند الشيعة في كل العالم اليوم هو المصحف الذي يوجد عند أهل السنة؛ فالمصحف المطبوع في إيران هو نفسه المطبوع في السعودية وفي مصر وفي باكستان والمغرب وغيرها من بلاد العالم الإسلامي.

    3ـ أن هذا القرآن -الذي يدعي البعض تحريفه- هو الذي يفسره مفسرو الشيعة من قديم إلى اليوم، لا يوجد قرآن غيره يقومون بتفسيره، وهو الذي يتحدثون عن بلاغته وإعجازه إلى اليوم.

    4ـ أن هذا القرآن هو الذي يستدلون به على معتقداتهم في كتبهم العقائدية، وهو الذي يحتجون به على الأحكام في كتبهم الفقهية.

    5ـ أن هذا القرآن هو الذي يعلمونه لأولادهم في المدارس الدينية والحكومية، وعلى شاشات التلفاز وغيرها.

    فهذا ما جعلنا نؤكد وجوب التفرقة بين المتفق عليه والمختلف فيه، والمتفق عليه هو الذي يلزمنا.

    وخذ مثلا قضية حرص الشيعة في صلاتهم على السجود على حصاة؛ فالشائع عندنا –أهل السنة- أن الدافع إلى ذلك هو تقديس الشيعة لهذه الحصاة؛ لأنها من طينة كربلاء التي قتل فيها الحسين، أو دفن فيها رضي الله عنه. وقد كنت أنا شخصيا أعتقد ذلك في أول الأمر، حتى زارنا في الدوحة في الستينيات من القرن العشرين الإمام موسى الصدر الزعيم الشيعي المعروف في لبنان، ورئيس المجلس الشيعي الأعلى بها، وقد تباحثنا في بعض الأمور، ومنها هذه الحصاة، فعلمت منه أن الشيعة الجعفرية يشترطون أن يكون السجود على جنس الأرض، فلا يجيزون السجود على السجاد أو الموكيت، أو الثياب أو نحوها.

    ونظرا لأن أكثر المساجد أصبحت مفروشة بما لا يجوز السجود عليه في مذهبهم؛ فقد حاولوا أن يوفروا لكل مصل حصاة من جنس الأرض يصلي عليها، وليس من الضروري أن تكون من طينة كربلاء، ولا من غيرها. وقد عرفت ذلك بالقراءة والدراسة في كتب الجعفرية، وعندي عدد منها، من (المختصر النافع) إلى (جواهر الكلام).

    وعندما زرت إيران سنة 1998م تأكدت من ذلك؛ فقد زارني كثير من العلماء في حجرتي في الفندق الذي أنزل فيه، وصلوا عندي، ولم يكن معهم هذا الحجر، بل وجدتهم أخذوا ورقة "كلينكس"، ووضعوها أمامهم ليسجدوا عليها بدلا من الحجر أو الحصاة، واعتبروا الكلينكس من جنس الأرض؛ لأنه ليس من المنسوجات كالسجاجيد ونحوها.

    المهم أن فكرة (الطينة المقدسة) التي كانت ثابتة عندي قد زالت بسؤال العلماء الثقات والأخذ عنهم، والاطلاع على المراجع العلمية الموثقة، بدل الأخذ بما يشاع عند عوام الناس دون استناد إلى بينة أو دليل.

    وقد قال آية الله الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف): إن المستحسن عند الشيعة هو اتخاذ تربة طاهرة طيبة، ليتيقن من طهارتها من أي أرض أخذت، ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلها في ذلك سواء[1].

    وهذا المبدأ -حسن الفهم- كما أطالب به أهل السنة في موقفهم من الشيعة.. أطالب به -من غير شك- الشيعة في موقفهم من السنة، وضرورة تفرقتهم بين الأصول والفروع، وبين الفرائض الأساسية والنوافل الهامشية، وبين المتفق عليه بين أهل السنة والمختلف فيه بينهم -وما أكثره!- وبين الشائع عند العوام والحقيقة عند أهل العلم الثقات، وبين عمل الناس وما يوجبه الشرع.

    حسن الظن بالآخر

    والمحور الثاني المطلوب في الحوار الإسلامي الإسلامي أو التقريب بين المذاهب هو حسن الظن بين الطرفين، وأساس ذلك أن الإسلام يقيم العلاقة بين أبنائه على حسن الظن؛ بمعنى أن يحمل حال غيره على أحسن المحامل، وإن كان يحتمل معنى آخر، وتصورا آخر.

    وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 12] وهذا الظن الآثم هو ظن السوء بالآخرين. يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية [2]: "يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فيجتنب كثير منه احتياطا. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا.

    وذكر ابن كثير هنا ما أخرجه ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: "ما أطيبك وأطيب ريحك! وما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك ماله ودمه "وإن نظن به إلا خيرا" [3].

    وذكر حديث الشيخين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا".

    والواجب ظن الخير بالمسلمين ما لم يثبت لنا عكسه بيقين، قال تعالى في حديث الإفك: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) [النور: 12]، وقال سبحانه يذم المنافقين: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) [الفتح: 12].

    إن سوء الظن يجعل الناس عند صاحبه متهمين، ينظر إليهم بمنظار قاتم أسود يخفي مزاياهم وحسناتهم، وينظر إلى عيوبهم وسيئاتهم من خلال ميكروسكوب ويضخمها؛ فيجعل الحبة قبة كما يقولون.

    ولقد كنت ذكرت في كتابي (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) من علامات التطرف ومظاهر الغلو (سوء الظن بالناس) وقلت هناك: (تجد الغلاة دائما يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، فلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون عن العيوب، ويتقممون الأخطاء، ليضربوا بها الطبل، ويجعلوا من الخطأ خطيئة، ومن الخطيئة كفرا)!!

    وإذا كان هناك قول أو فعل يحتمل وجهين: وجه خير وهداية، ووجه شر وغواية، رجحوا احتمال الشر على احتمال الخير، خلافا لما أثر عن علماء الأمة من أن الأصل حال المسلم على الصلاح، والعمل على تصحيح أقواله وتصرفاته بقدر الإمكان.

    وقد كان بعض السلف يقول: إني لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرا آخر لا أعرفه! من خالف هؤلاء في رأي أو سلوك –تبعا لوجهة نظر عنده– اتهم في دينه بالمعصية أو الابتداع أو احتقار السنة، أو ما شاء لهم سوء الظن.

    ولا يقتصر سوء الظن عند هؤلاء على العامة، بل يتعدى إلى الخاصة، وخاصة الخاصة؛ فلا يكاد ينجو فقيه أو داعية أو مفكر إلا مسه شواظ من اتهام هؤلاء. فإذا أفتى فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله، ورفع الحرج عنهم، فهو في نظرهم متهاون بالدين. وإذا عرض داعية الإسلام عرضا يلائم ذوق العصر، متكلما بلسان أهل زمانه ليبين لهم؛ فهو متهم بالهزيمة النفسية أمام الغرب وحضارة الغرب.. وهكذا.

    ولم يقف الاتهام عند الأحياء بل انتقل إلى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فلم يدعوا شخصية من الشخصيات المرموقة إلا صوّبوا إليها سهام الاتهام؛ فهذا ماسوني، وذلك جَهْمِيّ، وآخر معتزلي. حتى أئمة المذاهب المتبوعة –على ما لهم من فضل ومكانة لدى الأمة في عصورها كافة– لم يسلموا من ألسنتهم ومن سوء ظنهم.

    بل إن تاريخ الأمة كله –بما فيه من علم وثقافة وحضارة- قد أصابه من هؤلاء ما أصاب الحاضر وأكثر؛ فهو عند جماعة تاريخ فتن وصراع على السلطة، وعند آخرين تاريخ جاهلية وكفر، حتى زعم بعضهم أن الأمة كلها قد كفرت بعد القرن الرابع الهجري![4].

    وقديما قال أحد أسلاف هؤلاء لسيد البشر صلى الله عليه وسلم بعد قسمة قسمها: "إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! اعدل يا محمد فإنك لم تعدل!"، ومنهم من قال له: "اتق الله يا محمد"[5].

    إن ولع هؤلاء بالهدم لا بالبناء ولع قديم، وغرامهم بانتقاد غيرهم وتزكية أنفسهم شنشنة معروفة، والله تعالى يقول: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: 32].

    إن آفة هؤلاء هي سوء الظن المتغلغل في أعماق نفوسهم، ولو رجعوا إلى القرآن والسنة لوجدوا فيهما ما يغرس في نفس المسلم حسن الظن بعباد الله، فإذا وجد عيبًا ستره ليستره الله في الدنيا والآخرة، وإذا وجد حسنة أظهرها وأذاعها، ولا تنسيه سيئة رآها في مسلم حسناته الأخرى، ما يعلم منها وما لا يعلم.

    أجل.. إن التعاليم الإسلامية تحذر أشد التحذير من خصلتين: سوء الظن بالله، وسوء الظن بالناس، وأصل هذا كله الغرور بالنفس، والازدراء للغير، ومن هنا كانت أول معصية لله في العالم؛ معصية إبليس، وأساسها الغرور والكبر (أنا خير منه).

    وحسبنا في التحذير من هذا الاتجاه الحديث النبوي الصحيح: "إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم"[6]. جاءت الرواية بفتح الكاف "فهو أهْلَكَهُمْ" على أنه فعل ماض؛ أي: كان سببا في هلاكهم باستعلائه عليهم وسوء ظنه بهم، وتيئيسهم من روح الله تعالى. وجاءت بضم الكاف أيضا؟ "فهو أهلكُهم" أي أشدهم وأسرعهم هلاكا، بغروره وإعجابه بنفسه، واتهامه لهم.

    والإعجاب بالنفس أحد المهلكات الأخلاقية التي سماها علماؤنا (معاصي القلوب) التي حذر منها الحديث النبوي بقوله: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه"[7].

    هذا مع أن المسلم لا يغتر بعمله أبدا، ويخشى أن يكون فيه من الدخَل والخلل ما يحول دون قبوله وهو لا يدري، والقرآن يصف المؤمنين السابقين بالخيرات، فيقول في أوصافهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: 60]، وقد ورد في الحديث أن هذه الآية فيمن عمل الصالحات، ويخاف ألا يقبل الله منه.

    ومن حكم ابن عطاء: ربما فتح الله لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قدر عليك المعصية؛ فكانت سببا في الوصول، معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا. وأصل هذا من حكمة للإمام علي رضي الله عنه قال: سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك.

    وقال ابن مسعود: الهلاك في اثنين: العجب والقنوط، وذلك أن السعادة لا تدرك إلا بالسعي والطلب، والمعجب بنفسه لا يسعى لأنه قد وصل، والقانط لا يسعى لأنه لا فائدة للسعي في نظره)[8] انتهى.

    لهذا أرى أن أول ما ينبغي أن نطرحه من طريقنا لكي نقرب الأمة بعضها من بعض هو سوء الظن، وأن نغلب فضيلة حسن الظن فيما بيننا، كما هو شأن أهل الإيمان.

    حكيت لأحد المتشددين مواقف لبعض الشيعة، رأيت فيها الصدق والاستقامة والاعتدال والإخلاص، فما كان من هذا الأخ إلا أنه قال: هذا فعله تقيّة! فالتقية جزء من تكوين الشيعة الديني.

    وذكرت لمتشدد آخر أن العلماء في إيران عندما زرتهم قدموني لأصلي بهم إماما، وأنا في دارهم، فقال: هذا من باب التقيّة! قلت: وما الداعي إلى التقية، ولست ممن يرجى ويخشى، ولم أطلب هذا ولم أتوقعه؟ والتقية إنما يقوم بها الضعيف، وبعد نجاح الثورة الإسلامية، وإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران أصبح القوم أقوياء.

    إن حمل كل عمل طيب، أو تصرف صالح من الشيعة، على أنه من باب (التقية) هو ضرب من سوء الظن، لا مبرر له ولا داعي إليه.

    يتبع ،،،
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-03-14
  5. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    المحاولات اليائسه للتقريب بين السنه والشيعة كالحرث في الماء

    وقد اعترف القرضاوي بنفسه قبل اقل من شهرين بذلك

    وفي النهاية كلام ائمة المذاهب ( الشافعي واحمد وابو حنيفه ومالك ) وكلام اعلام المسلمين وائمتهم يخالف كل من يقول بالتقريب

    فالحق لا ولن يتقارب مع الباطل

    ومحاولات التقريب بين السنه والشيعه

    كمحاولات الخلط بين الماء والبول

    فتامل
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-03-14
  7. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    المحاولات اليائسه للتقريب بين السنه والشيعة كالحرث في الماء

    وقد اعترف القرضاوي بنفسه قبل اقل من شهرين بذلك

    وفي النهاية كلام ائمة المذاهب ( الشافعي واحمد وابو حنيفه ومالك ) وكلام اعلام المسلمين وائمتهم يخالف كل من يقول بالتقريب

    فالحق لا ولن يتقارب مع الباطل

    ومحاولات التقريب بين السنه والشيعه

    كمحاولات الخلط بين الماء والبول

    فتامل
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-03-16
  9. خيرة الله عليكم

    خيرة الله عليكم عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-05-06
    المشاركات:
    600
    الإعجاب :
    1
    جاهدك الله .... تقول الماء والبول لطائفتين يجمعهما الشهادتين واللتين هما أصل
    الإسلام وجوهره.!!!!!!!!!!!!!

    وبعدين بلاش إفتراء على شيخنا الفاضل حفظه الله ورعاه !!!!
    هو كان ولا يزال من أكبر الدعاة للتقريب بين المذاهب وحديثه الذي تقول عليه قبل اسبوعين
    يبدو أنك فهمته بالشقلبان كما هي عادة أمثالك من المتحجرين !!!!!

    وقبل كل شئ وبعده نقول أن لعنة الله على الكاذبين!!!!!!!!

    وخيرة الله عليكم يااااااااااااااااااا !!!!
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-03-16
  11. خيرة الله عليكم

    خيرة الله عليكم عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-05-06
    المشاركات:
    600
    الإعجاب :
    1
    جاهدك الله .... تقول الماء والبول لطائفتين يجمعهما الشهادتين واللتين هما أصل
    الإسلام وجوهره.!!!!!!!!!!!!!

    وبعدين بلاش إفتراء على شيخنا الفاضل حفظه الله ورعاه !!!!
    هو كان ولا يزال من أكبر الدعاة للتقريب بين المذاهب وحديثه الذي تقول عليه قبل اسبوعين
    يبدو أنك فهمته بالشقلبان كما هي عادة أمثالك من المتحجرين !!!!!

    وقبل كل شئ وبعده نقول أن لعنة الله على الكاذبين!!!!!!!!

    وخيرة الله عليكم يااااااااااااااااااا !!!!
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-03-16
  13. طافح من روحه

    طافح من روحه عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2007-02-05
    المشاركات:
    640
    الإعجاب :
    0
    تحية خالصة مي لك اخي الحبيشي على هذا الموضوع
    و على فكرة للتوضيح هناك بعض السلفيين اصلا يهاجمون الشيخ القرضاوي و ما فلتوا احد في حالة لا شيعي و لا سني
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-03-16
  15. الحبيشي

    الحبيشي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-07-17
    المشاركات:
    3,228
    الإعجاب :
    0
    أخي الكريم ، للأسف أن المنطق هذا هو الشائع من الطرفين ، و أنا أتمنى أن أجد أمثالك نشيطين في هذا المجلس عسى أن يعم هذا الفهم ،،،
    تحياتي ،،،
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-03-16
  17. الحبيشي

    الحبيشي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-07-17
    المشاركات:
    3,228
    الإعجاب :
    0
    شكراً أيها الطافح ، وبصراحة طفحنا من كثرة الكلام في هذه المواضيع التي لا فائدة منها إلا زيادة الفرقة ، وإشعال الأحقاد أكثر مما هي مشتعلة ، المشكلة أنه ليس السلفيون فقط يهاجمون الشيعة ، بل كثير ممن يدعي الانتماء لغيرهم من الطوائف ( المعتدلة ) ،،،
    تحياتي ،،،
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-03-16
  19. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    الشهادتين لها شروط عشرة يا هذا

    وقد اظلم البول عندما اشبه الروافض به

    الذين يقولون ان قراءننا محرف

    والذين يقولون ان عائشة زانيه

    والذين يقولون ان الصحابه كفره


    واما القرضاوي فقد سمعته وسمعه الملايين في قناة الجزيرة برنامج الشريعة والحياه قبل شهرين تقريبا وكلامه واضح جدا

    وفي النهاية القرضاوي ليس بمعصوم يؤخذ من كلامه ويرد

    ومن اشتغل في التقريب فهو كالذي يحرث في الماء ولن يجتمع الماء الطاهر مع البول النجس

    ولنا في كلام السلف وائمة المذاهب كمالك وابو حنيفة والشافعي واحمد وغيرهم بل وكلام علي بن ابي طالب والحسين بن علي وزيد بن علي وال البيت ما يغنينا في معرفة الرافضة وتصنيفهم

    ولعنة الله على الكاذبين
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة