خطبتنا لهذه الجمعة .

الكاتب : أبو الفتوح   المشاهدات : 556   الردود : 2    ‏2002-08-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-30
  1. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    ملخص الخطبة

    1- ضرر المعاصي على القلب كضرر السموم على البدن 2- ما نزل بلاء إلا بذنب , ولا رُفع إلا بتوبة 3- شؤم المعصية يتعدى المذنب إلى غيره من المخلوقات 4- عاقبة الذنوب في الدنيا 5- فضيلة الاستغفار والتوبة


    الخطبة الأولى



    أما بعد:

    عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوه في السر والعلن ولا تعصوه، واعلموا أن الذنوب والمعاصي – تضر في الحال والمآل، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان.

    وما في الدنيا والآخرة شر وداء، إلا وسببه الذنوب والمعاصي فبسببها أخرج آدم عليه السلام من الجنة، وأخرج إبليس من ملكوت السموات، وأغرق قوم نوح، وسلطت الريح العقيم على قوم عاد، وأرسلت الصيحة على قوم ثمود، ورفعت قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها الله عليهم، فجعل عاليها سافلها، وأرسل على قوم شعيب سحب العذاب كالظلل.

    فسبب المصائب والفتن كلها الذنوب فالذنوب والمعاصي ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في أجساد إلا عذبتها، ولا في أمة إلا أذلتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها.

    وللمعاصي آثار وشؤم، تزيل النعم، وتحل النقم.

    قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة.

    وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53].

    إذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنـــوب تزيل النـــعم

    وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112]. فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء:160].

    روى أحمد عن ثوبان – رضي الله عنه -: ((إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ))([1]). وفي الحديث الآخر: ((الذنوب تنقص العمر)).

    ومن شؤم المعصية أنها تمنع القطر، وتسلط السلطان، ففي سنن ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ((لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤن وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القِطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا))([2]). وقال مجاهد في قوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ [البقرة:159]. قال: دواب الأرض تلعنهم، يقولون: يمنع عنا القطر بخطاياهم.

    وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم.

    وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم)).

    وشؤم المعصية بلغ البر والبحر، كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

    ومن شؤم المعصية أنها تورث الذل، وتفسد العقل،و تورث الهم، وتضعف الجوارح، وتعمي البصيرة، وأعظم من ذلك كله تأثيرها على القلب.

    كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن))، كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14].

    وقال حذيفة رضي الله عنه: القلب هكذا مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع الخير، فلا يجد له مساغاً([3]).

    وقال الحسن: الذنب على الذنب، ثم الذنب على الذنب حتى يغمر القلب فيموت([4]). فإذا مات قلب الإنسان لم ينتفع به صاحبه. قال عبد الله بن المبارك:

    رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها

    وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

    والأحسن من هذا قول الله عز وجل: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [الأعراف:100].

    قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.

    وقال سليمان التميمي: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته.

    ومن خطورة المعاصي أنها تضعف الحفظ، وربما أذهبته، وتحرم صاحبها العلم، كما قال الشافعي – رحمه الله -:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يعطاه عاصي

    اتقوا الله - عباد الله - ولا تقترفوا الذنوب، ولا تستهينوا بها، قالت عائشة رضي الله عنها: أقلوا الذنوب، فإنكم لن تلقوا الله عز وجل بشيء أفضل من قلة الذنوب.

    خل الذنوب صغـيرها وكبيرها فهو التقى

    واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

    لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

    قال بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت.

    وقال بشر: لو تفكر الناس في عظمة الله، ما عصوا الله عز وجل.

    قال وهيب بن الورد: اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك.

    ومن خطورة السيئة وشؤمها فعل السيئة بعدها: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40].

    قال أبو الحسن المزين: الذنب عقوبة الذنب.

    وكما قال القائل:

    وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها

    وقد بين الله عز وجل أن سبب كفر بني إسرائيل وقتلهم الأنبياء أنهم اقترفوا المعاصي قال الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61].

    واعلموا – عباد الله – أن الذنب دين في ذمة فاعله لا بد من أدائه. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: البر لا يبلى والإثم لا ينسى.

    قال الفضيل بن عياض: ما عملت ذنباً إلا وجدته في خلق زوجتي ودابتي.

    ونظر أحد العباد إلى صبي فتأمل محاسنه، فأتي في منامه وقيل له: لتجدن غبها بعد أربعين سنة.

    وقال ابن سيرين حين ركبه الدين واغتم لذلك: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال أحد السلف: نسيت القرآن بذنب عملته منذ أربعين سنة.

    ومن أضرار الذنوب والمعاصي أنها تثخن صاحبها عن العبادة، كما قال رجل للحسن: يا أبا سعيد! إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك.

    وقال الحسن أيضاً: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.

    وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته.

    وقال بعض السلف: كم من أكلة – يعني من حرام – منعت قيام ليلة، وكم من نظرة – يعني حرام – منعت قراءة سورة.

    وقال أبو سليمان الداراني: لا تفوت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب.

    لذا فإن المؤمن العاقل يجتهد في البعد عن الذنوب، ويهجر أهل الذنوب والمعاصي، فإن شؤم معصيتهم يبلغه.

    ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قال: قلت: يا رسول الله! يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم))([5]).

    ولما تزلزلت المدينة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله لئن عادت مرة أخرى لا أساكنكم فيها.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات، والذكر الحكيم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.






    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) قال في الفتح الرباني (14/2066): خرجه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححه وأقره الذهبي. وقال البوصيري في الزوائد (3/247): إسناد حسن.

    ([2]) قال البوصيري في الزوائد (3/246): رواه الحاكم، وقال: حديث صحيح الإسناد. قال البوصيري: هذا حديث صالح العمل به.

    ([3]) الدر المنثور (8/446).

    ([4]) الدر المنثور (8/447).

    ([5]) البخاري (4/284)، ومسلم (2884).




    يتبع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-08-30
  3. المفتش

    المفتش عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-05-23
    المشاركات:
    741
    الإعجاب :
    0
    أقول قولي هذا، وأستغفر الله الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    اللهم اغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، إني كنت من الظالمين .

    وفقك الله إلى نشر الخير يا أبا الفتوح ونفع بك الأمة وجعلك من أهل الصلاح والإصلاح .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-08-30
  5. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    مكملات الخطبة

    أيها المسلمون:

    يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس "عليه السلام": للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون الحسنى: أي الجنة, وزيادة: أي النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة لأنهم عملوا الحسنات فلذلك لا يصابون بالذلة يوم القيامة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون فإذا كان هؤلاء السعداء... فمن هم الأشقياء؟.

    قال الله سبحانه وتعالى: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وهذا من فضله ومنّه وكرمه ومع ذلك.. مع أن الله يكتبها سيئة واحدة والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون من أكبر صفات أهل النار أنهم عياذًا بالله يقترفون السيئات والمعاصي فتبدو وجوههم يوم القيامة قطعًا من الليل مظلمًا من سوادها وظلمتها كأنها قطع من الليل مظلم يجعلها الله عز وجل كذلك آية ليعرف الفائز من الخاسر... يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "إن للحسنة ضياءًا في الوجه ونورًا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق" إن للحسنة ضياءًا في الوجه ونورًا في القلب يتنور القلب بالحسنة ويبدو ذلك في الوجه, فيتقوى القلب بالطاعة, وقوة في البدن وسعة في الرزق فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا.

    ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكذبون.

    وسعةً في الرزق ومحبةً في قلوب الخلق ـ فإن الله إذا أحب عبدًا أحبه عباده ـ ثم يقول ابن عباس رضي الله عنهما في المقابل: "وإن للسيئة سوادًا في الوجه وظلمة في القلب ووهنًا في البدن ـ أي ضعفًا في البدن ـ ونقصًا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق", إن السيئة حسبما تبدو لكثير من الناس أمر فيه لذة ينعم الإنسان به, لكن الذنب في الحقيقة ظلمة في نفس صاحبه ـ ظلمة ولا يشعر بها مع الزمن, هذه الظلمة تظهر على وجهه فيصبح مبغوضًا عند من يحبهم الله عز وجل من الخلق, عند الصالحين, هذه الظلمة تبدو في تصرفاته وتبدو في أفكاره وتبدو في اقتراحاته فلا يهتدي إلى الحق ولا يجد إلى ما يرضي ربه سبيلاً.

    وهذه الآثار التي ذكرها حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إنما هو على سبيل المثال وليس هو على الحصر, أخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها" فهذه من آثار الذنوب والمعاصي, أن الإنسان ينسى الحق الذي أخذه في يوم من الأيام.

    وإن للمعاصي والذنوب أصولاً ذكرها الله تعالى. يقول الإمام ابن القيم في كتابه القيم " الفوائد": إن أصول المعاصي كلها صغارها وكبارها ثلاثة: تعلق القلب بغير الله, وطاعة القوة الغضبية والقوة الشهوانية وهي الشرك والظلم والفواحش.. ثم يفصل فيقول: فغاية التعلق بغير الله الشرك وأن يدعي مع الله إله آخر, وغاية طاعة القوة الغضبية القتل, وغاية طاعة القوة الشهوانية الزنا... ولذلك جمع الله سبحانه وتعالى بين هذه الثلاثة فقال في كتابه: والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون, فذكر الله تعالى نتيجة التعلق بغير الله ألا وهو الشرك, و ذكر الله نتيجة طاعة القوة الغضبية, ألا وهو القتل, وذكر الله عز وجل غاية طاعة القوة الشهوانية ألا وهو الزنا.. وكثير من الناس قد يغفل عن أصول هذه المعاصي وأن لها فروعًا فما يعود يحس بهذه الذنوب بل كثير من الناس قد يغفل حتى عن أصول هذه المعاصي.. عن تعلق القلب بغير الله عن القتل عن الزنا فيقع فيها فلا يشعر بشيء من ذلك البتة تلك القلوب التي غطاها الران فما باتت تحس بشيء ومات عندها الشعور فأصبحت لا تشعر بألم الذنب الذي هو والله أشد من ألم الجروح وذلك عند المؤمنين الطائعين.

    والسبب الرئيسي إخوة الإيمان في عدم إحساسنا بذنوبنًا ومعاصينا هو إلفة الذنوب والمعاصي لكثرة إقترافها تمامًا كإلفتنا لمخلوقات الله العظيمة.. كالسماء وما فيها والأرض وما عليها مما ذرأ الله من مخلوقاته العظيمة, وتعجب الناس جميعًا حين سمعوا عن نزول أول إنسان على سطح القمر وما زلنا نتعجب من كل إختراع جديد يخرج على أيدي الناس, وننسى ما هو أدق وأبدع في الخلقة من تلك المخترعات البشرية.. ننسى مخلوقات الله تعالى التي ذرأها والتي أمرنا أن نتفكر فيها إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم كذلك الذنوب تمامًا حينما يألفها القلب فإنه لا يعود يشعر بها..

    أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن الرسول أنه قال: ((تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا, فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء, وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء, حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه... وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض)) وهذا ما كان يخيف سلفنا الصالح أن يتعودوا على المنكرات والمعاصي فتألف قلوبهم وبذلك لا يحسون بها, فهذا أبو الحسن الزيات يقول: والله لا أبالي بكثرة المنكرات والبدع وإنما أخاف من تأنيس القلب بها؛ فإن الأشياء إذا توالت مباشرتها أنست بها النفوس, وإذا أنست القلوب بشيء قلّ أن تتأثر به, لو نظر الناس في السابق إلى امرأة متبرجة ترقص لأنكروا ذلك ولوسموها بأقبح الصفات ولرجموها وأبعدوها, لكن حينما ألف الناس الصور العارية ـ حينما ألف الناس النساء المتبرجات في الصحف والمجلات وعلى شاشة التلفاز, حينما ألف الناس هذا أصبحوا لا يحسون بهذا المنكر لأن نفوسهم ترى هذه المنكرات ـ لأن عيونهم تراها ليل نهار وتباشرها فتأنس بها النفوس فيجلس الإنسان مع أهله أمام شاشة التلفاز ويعرض عليها ما يغضب الله تعالى ولا يرضي الرسول وتأنس القلوب بذلك, ويدعي المدعي بأن فيها حلاً للمشكلات الإجتماعية وبأن فيها خيرًا, والله ليس فيها إلا الشر, وأي مشكلات إجتماعية هذه التي تحل بهذا الأسلوب, تحل بالنساء الكاسيات العاريات أي مشكلات إجتماعية التي تحل على لسان الساقطات والساقطين من الممثلين والممثلات, مشكلاتنا الإجتماعية حلولها معروفة عندنا في الكتاب والسنة وبرجوعنا إلى ديننا..

    أقول: هذا ما كان يخيف سلفنا الصالح, أن يألف المنكرات فتأنس القلوب بها.. وإن أشد من إلفة المنكر أن يألف الإنسان المنكرات والبدع, أن يألف الإنسان العقوبة على هذه المنكرات, فيصل إلى درجة لا يشعر أن الحال الذي هو عليه عقوبة لذنب قد اقترفه.. لا يشعر حين ينزل الله عز وجل مصيبة عليه.. أن هذه المصيبة لذنب قد اقترفه, فتراه يأكل الربا عياذًا بالله, يترك الصلاة, يقترف الزنا, فإذا أصابه الله عز وجل بجائحة في نفسه أو ماله فينقل إلى مستشفى أو يفقد شيئًا من بدنه أو يفقد شيئًا من ماله لا يرجع إلى الذنوب التي كان قد اقترفها وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير فينسى أن هذه العقوبة هي لذنب قد اقترفه..

    يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: واعلم أن من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب.. فإن العقوبة تتأخر, وإن من أعظم العقوبة ألا يُحس الإنسان بها, وأن تكون في سلب الدين ـ يتأخر قليلاً قليلاً عن الطاعة ـ وطمس القلوب وسوء الاختيار للنفس, فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض ـ كما قال عز وجل: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين فيبلغ أغراضه رغم أنه مقيم على معاصيه وذنوبه, فهذا من قوله: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين.. هذا في مسألة عدم الإحساس بالعقوبة.

    ومن أمثلة ذلك عدم توفيق البعض لصلاة الفجر زمنًا طويلاً, فينام عن الصلاة أو قد يصليها بعد وقتها كما حذر النبي من ذلك, فلا يعود مع الزمن يشعر بألم الذنب الذي هو فيه... بينما كان سلفنا الصالح يعود بعضهم الآخر إذا فاته صلاة جماعة عَلّه أن يكون مريضًا.. علّه أن يكون منشغلاً فيعودوه ظنًا منهم أنه كذلك. ولا يزال العبد يقترف هذه الذنوب ويباشرها ويستأنس بها حتى تكون سببًا إلى هلاكه.. إذ ربما تكون هذه الذنوب سببًا في سقوطه ورجوعه إلى طريق الضلال الذي يطلق عليه الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: القتل وهل هناك أشد قتلاً من أن ينحرف الإنسان من طريق الهداية إلى طريق الضلالة والاعوجاج. أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًا على صراط مستقيم... يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل, رب جرح يقود إلى القتل, وكذلك رب ذنب يقيم عليه الإنسان ويصر عليه يكون سببًا في هلاكه ورجوعه إلى طريق الضلال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من الزلل وأن يرزقنا الطاعة دائمًا أبدًا إنه هو ولي ذلك والقادر عليه..

    ويتجاوز خوف أصحاب النبي من ذنوبهم إلى درجة قلّ أن يصل فيها أحد منّا, وصل خوفهم إلى درجة الإحساس بعدم قبول حسناتهم. يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: لقد لقيت أقوامًا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم. يقول ذلك للتابعين.. إذا كنتم تتورعون عن المحرمات فإني لقيت أصحاب النبي يتورعون عن كثير من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام.. لقيت أقوامًا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم، ولقد لقيت أقوامًا كانوا من حسناتهم أشفق ألاَّ تقبل منهم من سيئاتكم.

    هذا الكلام للتابعين أيضًا.. يقول إذا كنتم تخافون من سيئاتكم أن يعاقبكم الله عز وجل بها فإني لقيت أصحاب النبي لا يخافون على سيئاتهم ولكن يخافون على حسناتهم ألا ترفع إلى الله عز وجل مصداقًا لقول الله سبحانه وتعالى: الذين يؤتون ما آتوا ـ أي من الحسنات والطاعات ـ وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون كما قال النبي : ((هم الذين يصومون ويتصدقون ويصلون ويخافون ألا تقبل منهم)), أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون... بل كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يربطون الحرمان من الطاعة باقتراف ذنب من الذنوب.

    قال أبو داود: "دخلت على رجل ـ يسمى كرز ـ في بيته فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: إن بابي لمغلق لا يطرقه أحد من السائلين ـ من السائلين للعلم أو المال ـ إن بابي لمغلق وإن ستري لمسبل ومُنِعْت جزيء أن أقرئه في البارحة ـ أي منعت من قيام الليل في البارحة أن أقرأ وردي ـ وما ذلك إلا لذنب قد اقترفته. فانظر كيف ربط الحرمان من الطاعة باقترافهم الذنوب.

    ولهذا لما قيل لسعيد بن جبير ـ رحمه الله تعالى ـ من أعبد الناس؟ قال: أعبد الناس رجل ارتكب الذنوب فكلما عمل طاعة تذكر ذلك الذنب فاحتقر عمله. هؤلاء هم أعبد الناس في نظر سعيد بن جبير قوم عملوا الذنوب ويتوبون فيها فإذا عملوا طاعة لم يغتروا بطاعاتهم تلك. بل نظروا إلى ذنوبهم تلك, فيحتقرون أعمالهم. حتى يصلوا إلى المسارعة في الخيرات مصداقًا لما سبق من قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.

    فإذا كان الذنب ظلمة في القلب وسوادًا في الوجه فعلى الإنسان أن يطفىء هذه الظلمة وأن يذهب هذه المذلة التي قال عنها الحسن البصري: "إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين لابد أن تجد ذل المعصية على وجوههم أبى الله إلى أن يذل من عصاه"... لكي يذهب المذنب هذه الظلمة ويبددها وينقلب إلى عزة بعد مذلة ينبغي عليه أن يأخذ بسراج التقوى والتوبة... التوبة ذلك السراج الذي يطفأ الإنسان به ظلمة هذه الذنوب, فالله سبحانه وتعالى يقول: وتوبُوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون, والرسول يقول: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) وفي رواية: ((أكثر من مائة مرة)).

    فإذا كان سيد البشر عليه الصلاة والسلام يستغفر الله, وإذا كان المؤمنون مطالبون من قبل الله بالتوبة, فما أجدر أصحاب الذنوب أن يسارعوا إلى تبديد ظلمهم وظلماتهم التي يعيشون فيها بهذا السراج الذي إذا حمله العبد أضاء له الطريق.

    وإن هذا السراج يحتاج منا إلى وقود حتى يبقى مشتعلاً, ووقوده كما قال العلماء: العلم والصبر... فإن الذي لا يقف على الداء لا يقف على الدواء, وإن سبب العصيان هو الغفلة والشهوة ومن جهة أخرى الشبهة، فيزيل الإنسان الغفلة والشهوة بالصبر على الطاعة وترك المعاصي والسيئات, ويزيل الإنسان وحشة الشبهة بالعلم؛ ولهذا يقول علاَّمة الشام محمد جمال الدين القاسمي: "لا تكون التوبة إلا بمعجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر".

    التوبة هي السراج لا يدوم هكذا مشتعلاً إلا بأن تمده بالعلم وأن تمده كذلك بالصبر حتى تبقى على وتيرة واحدة في الطاعة.

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر أنفسنا, وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، اللهم إنا نعوذ بك من شر الشيطان وشركه, اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته ولا همّـاً إلا فرجته ولا دينًا إلا قضيته ولا ضالاً إلا هديته.
     

مشاركة هذه الصفحة