قصةالإرهاب الكسروي القديم في توافق تاريخي عجيب(كتبت قبل الحرب على العراق)

الكاتب : وليد العمري   المشاهدات : 784   الردود : 4    ‏2007-03-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-03-05
  1. وليد العمري

    وليد العمري عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-03-28
    المشاركات:
    568
    الإعجاب :
    0
    (1)
    المذبحة الأولى للإرهاب العالمي
    قصـــة
    (معــركة، وقصيدة ، وأمّة....)

    للدكتور/ مقبل أحمد العمري _هجرة العماريه_قبائل الحداء
    ____________________________________________

    1-مقدمة:
    أيتها السيدات والسادة:
    حيث أن التصريح بمكنون القلوب والضمائر لم يعد حراً في هذا الزمن العربي الأشد رداءةً , ولما صار كل جهر فكري بمفاهيم الظلم , والاستبداد الاستعماري مدرجاً في نطاق النشاط السياسي , ولما صار هذا النشاط نوعاً من مجاهرة الظالم العداء فيما يحيط نفسه ويملي على غيره بسياجات من مفاهيم الإرهاب والاستعباد , وأنَ من ليس معه فهو مع الإرهاب , حتى أصبحت الأقلام الشريفة , والنفوس الأبية , والضمائر المجروحة , والأوراق البيضاء , والأحبار السوداء , والحمراء , والزرقاء , وكل ألوان الطيف من الدفاتر , والمحابر أعضاءً في تنظيم القاعدة.
    ولما صارت النفوس والهمم والطاقات موقوفة تماماً فإن هي جأرت اتهمت بالتحريض , وإنْ هي بلغت سجلت بلاغاتها في سجلات البلاغات الكاذبة , وإن هي سكبت دموعاً قيل أنها دموع في عيونٍ وقحة , وإن هي انتحرت أدرجت في سجلات المنظمات الانتحارية الإرهابية , أما إذا خرجت عن حدودها ومألوفها فشتمت الحاكمين ولعنت المستعمرين , وهو ما يفعله الضعيف ليس إلا ... اعتبر ذلك خروجاً عن اللياقة والأدب!!
    ومن أجل هذا أيها القارئ العربي العزيز , والقارئة الفاضلة قرر صاحب هذا اليراع أن يتخذ الأدب سبيلاً للإيقاظ وطريقاً للاستنهاض , وذهب **** الإرهاب الكسروي القديم , ويغض الطرف عن الإرهاب المغولي الجديد، ويستجلي بطولات , وتفاهات العرب الأقدمين , ويترفع عن شتيمة العرب المحدثين.
    فمن بطون تراثكم التاريخي وكهوف قصائدكم العصماء أيها القراء الأعزاء والقارئات العزيزات نبدأ المسير نحو ذاتكم العربية الأصيلة , وفي اتجاه قلوبكم وضمائركم المجروحة علنا نمسح عنكم الغبار الذي ران على نخوتكم فأعماها , و نكشف لكم السبب الذي طرأ على قوتكم فأقعدها.
    فتعالوا إذاً مع هذا اليراع المكدود , والفؤاد المهدود ليطوف بكم بين موقعة: ((ذي قار)) وبين قصيدة الشاعر المغوار ميمون بن قيس الملقب بالأعشى، وبين أمة ركعت للاستعمار.
    2- العرب بين مألوف القديم ومعهود الحديث:
    المكان:- (( ذي قار)) وهي:- مياه لبني بكر بن وائل بن ربيعة ببطحاء (ذي قار) بين الكوفة , وواسط وتقع الآن في العراق الذي ينتهكه إرهاب الكسرى الجديد , وخاقان الأرض والسماء (هولاكو).
    والزمان الذي وقع فيه يوم: ((ذي قار)) , أو يوم البطحاء , أو يوم الحنو , وقراقر , ويوم الجبايات, وكلها مواقع من ذي قار , حدثت فيها إحدى ملاحم العرب العظيمة- وحسبما قال التاريخ - كان الزمان قبل الإسلام , أوعند مبعث النبي الهمام , أو بعد هجرته علية الصلاة والسلام , وعند تجهزه لغزوة بدر, وجملة فقد أنحصر زمان هذه الموقعة جمعاً بين تناقضات المؤرخين في أوائل القرن السابع الميلادي - بين تأريخ610 للميلاد وتأريخ 624ميلادية.
    وبعيداً عن حدود المكان والزمان دعونا ننطلق ، ونحدثكم عن السبب الذي حدا بالملك العربي النعمان بن المنذر إلى مقارعة الإرهاب والطغيان , والخروج , وإعلان العصيان عن طاعة الملك كسرى أبرويز بن هرمز أنوشروان؟!
    لقد كان العرب في ذلك الحين – وكما هم اليوم- شيعاً وأحزاباً خزايا خائفين يعيش بعضهم تحت وطأة الإرهاب الكسروي المهين , ويرتمي بعضهم في بلاط الكسرى اللعين , وقد ألف أن يجعل منهم جواسيساً , ويضرب بهم سيوفاً وسياطاً على بني جلدتهم أجمعين.
    وقد كان أولئك من المستعربين يزينون له غزو من يشاء من أعرابهم , ويلهمونه قتل من يشاء وأحياء من يشاء منهم , وكانوا جملةً يمسكون للكسرى القديم بتلابيب أمة , ويقبضون له بمقابض القهر والاستبداد الفارسي ضد أمة مقهورة ممزقة جعل أولئك منها – كما جعلنا هؤلاء – تابعين للكسرى إقتصادياً وسياسياً.
    وقد جرت عادة الكسرى أن يعين عليهم ملكاً من عنده لا يريهم إلا ما يرى , ولا يهديهم أبداً إلى سبيل الرشاد , وتماماً كما يفعل بنا أبرويز الحديث , وقد غدا يعين لنا الحكومات , والملوك والرؤساء , والجنرالات , والقواد , ويحفظ لنا طرائق الموت , والحياة وأوقات السلم , والحرب , ويقنن لنا مفاهيم السياسة , والإرهاب , والاقتصاد.
    وفي مثل هذا الواقع وبين مألوف القديم والحديث حدثت هذه القصة الحقيقية الوقائع ، والأشخاص: فلما مات المنذر بن ماء السماء , وكان له اثنا عشر ولداً يسمون بالأشاهب من فرط جمالهم استشار الكسرى أجهزة مخابراته العربية المتعددة فيمن يوليه على العرب , وأي ذنبٍ يمكن أن يكون - بعد موت - المنذر خلفاً لذنب بشرط أن يكفيه أمر العرب؟
    وأجمعت أجهزة المخابرات العربية – آنذاك – وهي مكونه من أشخاص لهم حظوتهم في بلاط كسرى على اختيار النعمان أحد أبناء المنذر ملكاً بعد أبية على حيرة وعاصمة العرب, وكان عدي بن زيد أحد أهم تلك الأجهزة المخابراتيه , وقد أشار على الكسرى بالنعمان فأمره باستدعاء أبناء المنذر , وسألهم واحداً واحداً, فكانت إجابة النعمان الأجدر بالملك الذليل فماذا ترونه قد قال له الكسرى؟!
    لقد قال الكسرى للنعمان –كما قال لأخوته الذين لم يوفق أحدهم في الإجابة – أتكفيني العرب؟! فقال النعمان (( نعم))، وقال الكسرى: وكيف:((بإخوتك))؟!, فرد النعمان كما يرد كل خوانٍ أثيم: ((إن عجزتُ عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز)) , وهنا بدت علائم البشرى على كسرى وتلألأت أساريره , وفضل النعمان على غيره , وقابله بالرضا والعجب , وملكه على حيرة العرب , وألبسه تاجاً قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب, وهنا صنع المستعمر , والمستبد لنفسه مستبداً ومستعمراَ لينفذ مشيئته الكسرويه في الشعوب والقبائل العربية كما يفعل بنا أكاسرة العرب في تنصيب قرضايات العرب.
    3- ثأر العرب من بعضهم بين القديم والمتجدد:
    لكن أيها السادة والسيدات .. معاشر القراء العرب والقارئات العربيات ....
    ولأن الخونة لا يهنأون , ولأن العرب كعادتهم لا يتفقون , ولأن المنافقين والعملاء بالرذيلة والبغضاء معروفون , وإن حسبتهم جميعاً فقلوبهم شتى , ولأنهم عن ثأرهم من قومهم لا ينامون – بينما ينامون عن ثأرهم مع أعدائهم ملئ الجفون – فقد كان عدي بن مرينا , وهو أحد أجهزة مخابرات الكسرى كان يسعى كما هي العادة اليعربية لدى الإدارة الكسروية بتعيين الأسود بن المنذر , بدلاً عن النعمان فغلبه عدي بن زيد , وعين النعمان كما سبق ورأيناهم بنا يفعلون.
    من أجل ذلك بادر ابن (مرينا) , وأسرع بالوقيعة بين النعمان , وعدي بن زيد , وكما هي عادة العرب تألب أعراب ابن (مرينا) والأسود بن المنذر على أعراب عدي بن زيد والملك النعمان , فزعم هؤلاء الأعراب أن عدياً قال: (أن الملك النعمان إنما هو عامله وإنه هو الذي ولاه ما ولاه) , وأكدوا للنعمان ذلك بأن كتبوا له رسالة على لسان زيد حتى أضغنو عليه , فكتب إليه النعمان قائلاً: ( عزمت عليك إلا زرتني فقد اشتقت إليك) , فأستأذن عدي كسرى فأذن له , ولما بلغ عند الملك النعمان حبسه النعمان في مكان لا يزوره أحد.
    وذهب العميل المغدور يستعطف العميل المغرور , ويذكره بما قدمه له , وأنه بريء مما نسب إليه فقال:-
    ما حملت الغل من أعدائكم ولدى الله من العلم المـــُسر
    لا تكونن كآسي عظـــمه بأساً حتى إذا العظم جــــبر
    عاد بعد الجبر يبغي وهــنه ينحونَ المشي فيه فأنكــسر
    وأذكـرالنعمىالتي لم أنسها لك في السعي إذا العبد كفر
    وإضافة إلى هذه الوقيعة كان المنافقون من الأعراب قد أبلغوا كسرى بحبس النعمان لعدي , فأرسل بأمر إطلاقه , إلا أن الكيد والدهاء والحقد السياسي قد بلغ بالنعمان مبلغاً عظيماً , حين أرسل من يقتل عدياً في سجنه ليخبر الكسرى أنه مات في سجنه قبل قدوم أمره فحزن الكسرى لذلك حزناَ شديداً.
    وبذلك التدبير النعماني اليعربي في تصفية الخصوم , وبذلك الاحتيال الخسيس الذي قد يستطيع أمثال النعمان إبدائه أمام من ملكوهم زمام الأمور , كأن يقتلون خصومهم بواسطة حادث سير معتبر , أو خلل فني في طائرة هيلوكبتر , أو بالموت بالقضاء والقدر , أو بزعمهم أنه حادث غير مدبر, أو أن المعني من الخصوم فكر وقدر , وعبسَ , وبسر , فلما رأى نفسه مذنباً خجل من ذنبه إليهم فأنتحر , وما إلى ذلك من أقاصيص الحاكمين بأمر الكسرى ويزدجر.
    المهم أنه بهذا التدبير الشيطاني قتل عدي بن زيد، وقيل أنه أفاق ضمير الحاكم بأمر الكسرى يوماً فأعتذر , فقد لقي النعمان زيداً ابن عدي ابن زيد , وأعتذر له عن قتل أبيه , وسعى له عند سيده الكسرى أن يجعله في بلاطه مكان أبيه , فأتخذه الكسرى كاتباً ومستشاراَ وهنا حفر النعمان لنفسه قبراً بيده وبدأت مؤامرة جديدة وثأر جديد.
    وكشأن الأعراب يبيع بعضهم بعضاً ويثأر بعضهم من بعض فقد تعهد زيد بن عدي بالثأر لأبيه من الملك النعمان , وما أن تسلم عمله في بلاط كسرى حتى بدأ يعد للأمر عدته.

    4-تزيين العملاء لنسائهم وبلدانهم في عيون أعدائهم:
    أيها السادة الأفاضل .. والسيدات :
    كان الإرهاب الكسروي قد بلغ دخائل النفوس , حتى أن الكسرى إذا أعجب بإحدى النساء في مملكته , أو زينها الأعراب العملاء في بلاطه - كما يزينون له أوطانهم اليوم- حملت إليه عنوةً , وفي هذه الأثناء تذكر كسرى أنَ المنذر الأكبر كان قد أهدى جده أنوشروان امرأة أصابها من الغارة على الحارث بن أبي شمر الغساني , وأنه أعجب بهذا الجمال العربي , وأمر من يكتب له من الأعراب صفاتها , وأمر بإثبات هذه الصفة في القصر , فكانوا يبعثون له من تكون على هذه الصفة من النساء في الأمصار , إلا أنهم لشدة إستهجانهم واحتقارهم للعرب لا يبعثون إليهم , وخيراً فعلوا لأن ذلك ما يشتد على العربي الشريف.
    بيد أن الأعراب أنفسهم , وأجهزة مخابراتهم القديمة المتجددة هم الذين – وللأسف الشديد – وصفوا لكسرى صفات نسائهم , وأثبتوا هذه الصفة في قصره , فما هي تلك الصفات التي فجرتها امرأة عربية واحدة , وكتبتها يد عربية آثمة؟ ما هي صفات المرأة التي يعشقها الكسرى , كما تعشّقها له الأعراب الأراذل؟! هذا ما سيدهشكم عند قراءته على التوْ:
    لقد أثبت أولئك الأراذل الوصف التالي للمرأة المثالية والتي يحتاجها الكسرى:-
    (( معتدلة الخلق , نقية اللون والثغر , بيضاء , قمراء , وطفاء , غزيرة أهداب الحاجبين , كحلاء , دعجاء , حوراء , عيناء , قنواء , شماء , برجاء , زجاء , دقيقة الحاجبين , أسيلة الخد , شهية المقبل , كثيفة الشعر سوداؤه , ليست بفطساء , ولا سوداء , عظيمة الهامة , طويلة العنق , عريضة الصدر , كاعبة الثدي , ضخمة المنكب والعضد , حسنة المعصم , لطيفة الكف , جميلة البنان , ضامرة البطن , دقيقة الخصر , تامة الخلق , مكتنزة الفخذين , ضخمة المأكمتين , مفعمة الساق , مشبعة الخلخال , لطيفة الكعب والقدم , قطوف الخطى , نؤوم الضحى , ناعمة المتجرد , حبيبة , رزينة , ذليلة الأنف , عزيزة النفر , سموعاً للسيد , كريمة الخال , تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها , وعلى نسب فصيلتها دون جماع قبيلتها , قد أحكمت أمور الأدب فرأيها رأي أهل الشرف , وعملها عمل أهل الحاجة , صناع الكفين , قطيعة اللسان , رقيقة الصوت , تزين الصديق , وتشين العدو , إذا أردتها أشتهيت , وإذا تركتها أنتهت , تحملق عيناها , وتحمر وجنتاها , وتذبذب شفتاها , وتبادرك الوثبة إذا قمت , ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست...)) .
    هذه أيها العربي الأبي ، وأيتها العربية الشريفة , هي مواصفات المرأة التي يحتاجها الكسرى والتي زينتها له العرب بألفاظهم ومرادفاتهم , ومحسناتهم البديعية , فسجعوها له سجعاً , وصوروها له تصويراً بل كأنهم قد خلقوها له خلقاً جديداً من بعد خلق وأنى لهم ذلك أنى يوفكون!!
    إنَ هذا التصوير الجنسي للمرأة العربية لا يمكن أن تنسجه مخيلة إبليس ذاته , وقد حيزت له كل وسائل الغواية , والإغراء , وهاهم أبالسة العرب في بلاط الكسرى , قد نجحوا فيما عجز عنه من حلف بعزة الله ليغوينهم أجمعين , حتى أن الكسرى , لا يحتاج إلى إمرأةٍ حقيقية بهذه الصفات , ويكفيه أن يدس في سريرة هذه الوصفةُ الجنسية , ليجب علية الغسل سبع مرات إحداهن بالتراب.

    وللقصة بقيية تأتي إن شاء الله .......
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-03-05
  3. وليد العمري

    وليد العمري عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-03-28
    المشاركات:
    568
    الإعجاب :
    0
    (2)الجزء الثاني :وإذ زيَن عرب الكسرى نساءهم بهذه الدقة المتناهية التي يعجز عنها الشيطان بدمه ولحمه فقد زيد على ذلك بأن قال له زيد بن عدي:( أيها الملك إنَ عند عبدك النعمان من بناته, وأخواته , وبنات عمه وأهله ما يزيد على عشرين إمرأة بهذه الصفة , فأكتب فيهن وابعثني مع رجل من ثقاتك).؟!!
    وجاء زيد مع المبعوث الكسروي إلى الملك النعمان ليبعث بنسائه وبناته سبايا وجواري للبلاط الكسروي , والذي أتفق أعراب الماضي والحاضر أنه لا يمتنع عليه شيء , حتى قال بعض متأخريهم كما قال جماع متقدميهم , وهم يخوفون , ويرهبون شعوبهم بقولهم: (( هذا هولاكو )) , ( وهذا جنكيز خان ) , (وهذا كسرى) , و(دي أمريكا) , في توافق مريب بين جبناء الماضي , ورعاديد الحاضر.
    وبهت النعمان لوقع الطلب الكسروي , وقد تيقظت فيه بعض كبرياء العروبة , وسرت في عروقة الملكية العميلة بعض قيم الشرف , والكرامة , فقال للرسول والمبعوث الكسروي متسائلاً ومستغرباً: ((أما في مها السواد , وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته؟!!))، وهنا تدخل المبعوث الكسروي وهو يسأل زيداً بالفارسية قائلاً: (( ما المها وما العين؟!)) يقصد الذين ذكرهم النعمان , في تساؤله وإستهجانه للطلب الكسروي , ويرد زيد موضحاً بالفارسية أن معنى ذلك: ( كاوان) أي: البقر وهو معنى البقر في لغتهم لا يبتعد كثيراً عن معنى البقر في لغة الـ: (cowboy) في توافق تأريخي عجيب !!
    أعتذر النعمان لزيد وللمبعوث الكسروي وقال لهم: (( إن الذي طلب الملك ليس عندي)) , وأرسل رسالة يعتذر فيها عن تلبية الطلب مع كثير من الهدايا.
    لكن البطش والإرهاب لا يريد إلا طلبة وبغيته من الشعوب , ولو سفك دماءها , وأعتور ونهش أعراضها ، فقد سأل الكسرى زيداً قائلاً: (( أين ما وعدت به؟!)) يقصد النساء العربيات !!!
    فقال زيد: موضحاً وواشيا: ( قد قلت للملك وعرفته ببخلهم بنسائهم على غيرهم , وإن في ذلك لشقائهم وسوء اختيارهم وسل هذا الرسول ماذا كان رد النعمان عليك؟!) ، وسأل الكسرى الرسول فقال : ( إن النعمان قد قال أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟!) فوقع هذا القول في قلب كسرى , وبدت ملامح الغضب على وجهه , ولم يزد أن قال: ( ربَ عبدٍ قد أراد ما هو أشد من هذه ثم صار أمره إلى الثباب – أي إلى الخسران والندم- فلم يغن عنه قوله شيئاً) , وما لبث أن كتب للنعمان كتاباً يأمره أن يقدم عليه فعرف النعمان بعقله ودهائه أنه مقتول لا محالة.
    4- النعمان يعرض نفسه على قبائل العرب.
    لما رأى النعمان بنور عقله ونفاذ بصيرته أن الكسرى قاتله لا محالة , وأنه قد قتل نفسه برفضه رغبة كسرى , وليس ذلك فحسب , بل وقتل العرب جميعاً وغزو أراضيهم , وسبي جميع نسائهم , وفي صحوة مباغته لهذا الذنب الكبير , أستطاع أن يفرق بين مسائل الشرف , والكرامة , والعرض , وبين مجرد العمالة والتبعية , وتبين له جلياً أن تبعية وعمالة الماضي , هي التي جرت إلى ذل الحاضر , وأدرك من قريب أن من فرط بالقليل من الكرامة والعزة , سوف يفرط بالكثير , وها هو الأمر قد بلغ نسائة , وأخواته , وبناته , وهاهو قد اتخذ القرار ورفض , بيد أنه قدر أن يتحمل مسئوليته كملك , وأن يدفع ثمن قراره لوحده فلربما اكتفى الإرهاب الكسروي بقتله لوحده , وصان بدمه أعراض قومه , ودمائهم وأراضيهم وكبريائهم ولكن هيهات.....!!
    جمع النعمان نسائه , وبناته , وأهله , وحاشيته , واخبرهم بما عزم عليه , وجمع أمواله , وحلقته (أي سلاحه ) , وهي تزيد علي ألف شكة ، وذهب يعرض نفسه علي العرب ليجد فيهم من يجيره , وبين القبائل العربية المتناحرة عرض نفسه علي طي فقالوا: (( لولا صهرك لقتلناك فإنه لا حاجة لنا بمعاداة كسرى ولا طاقة لنا به)) , ومثل قولهم قال له جميع العرب , إلا بني رواحه بن قطيعه من عبس قالوا: (إن شئت قاتلنا معك!!) ، فقال النعمان: ( ما أحب أن أهلككم فإنه لا طاقة لكم بكسرى) , بيد أن هذا التخاذل العربي لم يكن ليعبر عن العروبة في شيء , وإنما هو عارٌ لصيق بأولئك الذين تخاذلوا , ولن تجدب أرحام النساء العربيات أن تلد رجلاً واحداً ليحمل في الناس نخوة العروبة , وكبريائها بل ولوائها ذات يوم , ولقد كان ذلك , حين نزل النعمان هائماً على وجهه (بذي قار) , وقصد بعد يأس شيخ بني شيبان ( هاني بن مسعود بن عامر بن أبي ربيعه بن ذهل بن شيبان) , وكان سيداً منيعاً فاستجار به , فأجاره بيد أنه خاطبه بلغة العقل , التي تدل على عراقة الجد وكرم المحتد قائلاً: ( قد لزمني ذمامك وأنا مانعك كما أمنع نفسي , وأهلي , وولدي منه , ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل , وإن ذلك غير نافعك لأنه مهلكي ومهلكك , وعندي رأي لست أشير به عليك لأدفعك عن جواري , ولكنه الصواب انَ كل أمرٍ يجمل بالرجل أن يكون عليه , إلا أن يكون بعد الملك سوقةً , والموت نازل بكل أحد ولأن تموت كريماً خيراً من أن تتجرع الذل , وتبقى سوقة بعد الملك – هذا إن بقيت – فأمض إلى ملكك وأرسل إليه هدايا ومالاً , وألق نفسك بين يديه , فإما أن صفح عنك فعدت ملكاً عزيزاً , وإما أن أصابك فالموت خيراً من أن تتلعب بك صعاليك العرب وتتخطفك ذئابها , وتأكل مالك , وتعيش فقيراً مجاوراً أو تقتل مقهوراً... ) , وهنا قال النعمان: ( فكيف بحرمي؟ أي نسائي وبناتي؟) , قال هاني: ( هن في ذمتي لا يخلص إليهن حتى يخلص إلى بناتي..) , فقال النعمان: هذا وأبيك الرأي الصحيح ولن أجاوزه , وذهب إلى كسرى بعد أن أستودع أمانته لدى رجل حمل على كاهله شرف العروبة كلها.
    وما أن بلغ النعمان مشارف المدائن , حتى أستقبله عند أبوابها الخائن زيد بن عدي , ودار بين الرجلين حديثاً مقتضباً. قال النعمان: (( فعلتها يا زيد والله لئن عشت لأقتلنك قتله لم يقتلها عربي قط ..)) ، ولكن هيهات أن يتم للنعمان ذلك وهذه القتلة التي يتوعد بها صاحبه قد صارت من نصيبه فقد رد عليه عدي بن زيد قائلاً: (( امض لشأنك نُعيم فقد والله أخيت لك أخيه لا يقطعها المهر الأرن..)) أي: أنني قد صنعت لك عروةً تربط إليها , ولا تنفك عن رقبتك أبداً , وهكذا تبادلت العروبة أحقادها ونفثت خبائثها , وأمراضها بين رجلين أحدهما عميل سابق ذهب يكفر عن سيئاته ويموت نيابة عن أمة ساسها بالقهر والإرهاب الكسروي – وهو على كل حال أفضل من صاحبه – ورجل خان أمته وبني جلدته وكان سبباً في هتك أعراضهم وإذلالهم - ولم يصح ضميره إلى اليوم.
    5- النعمان يلقي مصرعه والتاريخ يعيد نفسه:
    وحسب أرجح الروايات – وبإختصار شديد – فقد شد الإرهاب الكسروي وثاق الملك النعمان في سجن (ساباط) ، ثم أعد له مهرجاناً إرهابياً عظيماً , حيث ألبسه وزينه بتاج وملابس الملوك ثم جمع كل عرب فارس وخونة البلاط في ميدان عام , ليذلهم , ويرهبهم , وهم يشهدون مصرع ملكهم الذي لم يكن ليحزن عليه أحد , لولا أن الإرهاب قد كشف عن سريرته الخبيثة , ونيته الآثمة في قتل كبرياء العرب , كل العرب فتعدى الأمر مجرد الاستهداف الشخصي للملك النعمان , والذي ألقي تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات , ليعين الإرهاب الكسروي خائناً اخراً على ملك الحيرة , وهو: إياس بن قبيصة الطائي – بنفس الأسلوب الذي فعله الكسرى الجديد في نموذج ( قرضاي ) ، وعلاوي ، وغيره من العلاقمة والمستعربين , الذين يحكمون بأمر الإرهاب الكسروي الحديث.
    ووفقاً للمنافقين من الأعراب أرسل الكسرى , وبعد أن قتل الملك النعمان رسالة يهدد البطل العربي :( هاني بن مسعود الشيباني ) , ليسلم إليه سلاح العرب ونساء العرب قائلاً: ( إن النعمان إنما كان عاملي , وقد أستودعك ماله وأهله والحلقة - أي السلاح – فابعث بها، ولا تكلفني أن أبعث إليك وإلى قومك بالجنود تقتل المقاتله وتسبي الذرية)؟! , أليس التأريخ يعيد نفسه؟ لولا أن كان السلاح الذي ينشده الإرهابي كسرى من العراق هو ألف شكة سمح للنعمان باقتنائها يوم كان يد الإرهاب على العرب ولم يعد مقبولاً أن يملكه عربي بعد هذا العصيان , وصار السلاح الذي يريده الكسرى اليوم من نفس العراق والعراقيين , هو سلاح نووي وكيماوي لا وجود له إلا في عقول العلماء العراقيين الذين أستطاعوا معرفة كيف يصنع الإرهاب سلاحه , فلم يصنعوا بعد ما صنع , ولم يقتلوا بعد ما قتله من البشر بهذا السلاح.
    وبعبارات أدق كان الكسرى القديم يريد السلاح الذي يضاهي بعض سلاحه , وإمعاناً في الإذلال يسوق نساء العرب جواري في قصوره وحلائل في مخدعه , وجاء الكسرى الحديث ليطلب سلاح العرب وعلماء العرب ليذل في هذه الأمة قوتها وعقلها الذي تجرأ أن يثبت للعالم جدارة لا تقل جدارةً عن العقل المسيحي , وتزيد عليه أنها جدارة جاءت من فراغ تكنولوجي , ومن جدب معرفي , أو تقدم صناعي.
    كان الكسرى القديم يطالب بألف شكة سلاح هي قوام سلاح االعراق , وصار الكسرى الجديد يطالب بخمسمائة عقل هي قوام ثروة العراق والعرب , ولعل السبب الذي جعله يكتفي بنهب العقل والقوة دون أن يضيف إليه سرقة الشرف والعرض والنساء , هو شعوره أن هذه المسألة قد تجاوزها الزمن اليعربي الحديث , وأنه ليس بمستبعد عليه أن يبات سرير كل حاكم بأمره , فضلاً عن نسائه وجواريه , ونساء شعبه أجمعين , وهذا ما يختلف عنه عربان الكسرى الجديد عن عرب الكسرى القديم , مع أن التاريخ يعيد نفسه.
    وعلى إثر تهديد كسرى أنوشروان رد البطل العربي هاني بن مسعود بدبلوماسيه مشهودة ظن أنها تجدي دفعاً للعدوان لبعض الوقت فقال: (إن الذي بلغك باطل وما عندي قليل ولا كثير , وإن يكن الأمر كما قيل , فإنما أنا أحد رجُلين , إما رجل أستودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من إستودعه إياها , وأنىَ يسلم الحر أمانته , أو رجل مكذوب عليه فليس ينبغي لملك أن يأخذني بقول عدو حاسد..).
    ولعلم القارئ العزيز والقارئه المبجلة – إن حكمة البطل العربي هاني بن مسعود قد زادت الإرهاب الكسروي غيضاً وحنقاً لما يعلمه وقومه إن لهذه الحكمة دوراً في نقل ملكهم إلى العرب , وهو ما حدث بعد ذلك حقيقةً حين بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وفتحت أرض فارس على إيدي فرسان العرب والمسلمين.
    من أجل هذا أرسل الإرهاب الكسروي من بلاطه أحد :(الملطخين) العرب ليهدد هاني بن قيس , ويخوفه ومن معه من البطش والإرهاب الكسروي – تماماً كما أرسل الإرهاب الكسروي الحديث عدد من هؤلاء المنبطحين للرئيس العراقي صدام حسين ليحملونه على تنفيذ القرارات الأطلسيه التي صدرت في ثياب مجلس الأمن - فلما نفذ هذه القرارات الجائرة عبر (12) عاماً من الذل , والتركيع , والحصار حتى دخل المفتشون , والجواسيس إلى قصره الرئاسي , أرسل آخرين لينصحونه بمغادرة العراق , وليقتله الكسرى في منفاه كما قتل الملك النعمان في توافق تأريخي عجيب!! ، فلما رفض صدام الخروج أجاز الغازي لنفسه الدخول.
    لقد كان ذلك العربي الخائن هو النعمان بن زرعه بن هرمي من ولد السفاح التغلبي – وكان من العرب الخائنين في بلاط كسرى – وقد جاء هذا الصعلوك يخير العرب العراقيين القدامى على لسان الكسرى بين إحدى ثلاث:- إما أن يعطوا ما بأيديهم من سلاح ، ونساء لسيده الإرهابي , وإما أن يتركوا ديارهم , وإما أن يحاربوا , وكان ردهم بعد تشاور أن كل خيار أمرَ من الآخر, ولذلك ولوا أمرهم رجل منهم هو: (حنظلة بن ثعلبه العجلي)، فاختار الحرب وكان النعمان بن زرعه – كأمثاله من المستعربين الجدد – قد خوفهم من الفرس وقال أن الأفضل لهم أن يسلموا بنفس عبارة ((دي أمريكا)) في هذا الزمان , فبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجهلتين فقالوا لحنظلة: (( يا أبا معدان هذا ابن أختك النعمان بن زرعه قد جاءنا والرائد لا يكذب أهله ... ))، فقاطع حنظله سائلاً القوم: (( فما الذي أجمع عليه ملؤكم ؟؟)) أي: ما قال لكم في إجتماعكم هذا , وما رددتم عليه؟! فقالوا لقد قال لنا أن اللحى – أي المال – أفضل من الوهي – أي الضعف – وإن في الشر خياراً , ولأن يفتدي بعضكم بعضاً خير من أن تصتلموا جميعاً – أي تُستؤصلوا كلكم ))؟!!!! فيا للتأريخ ما أعجبه كيف يعيد نفسه اليوم !!!
    ألم يقل بعض عربان اليوم – نفس ما قاله ذلك الخائن – سواءً للعراقيين أو للفلسطينيين ؟ بعض أموالكم وأعراضكم أفضل من ضعفكم , وبعض الشر على بعضكم , ولا كله عليكم جميعاً , ولأن تضحوا بتسليم , وقتل بعض إخوانكم خيرٌ من أن تموتوا جميعاً , وبعض الأرض أفضل من لا شيء!!
    ومع هذا التخوين والإرهاب النفسي الذي لا تركن إليه إلا كل الأنفس الخائنة لم يسلم العرب من الضعف والتضعيف , ولم تغن خيانتهم عن إهانتهم وإذلالهم – ولم يغن تفريطهم بإخوانهم عن تهديد وغزو بلدانهم , وفيما بعد قتلهم جميعاً!! كما رأينا وسنرى!!
    لكن حنظلة بعد أن سمع ما نقل على لسان إبن أخته رد قائلاً :(( فقبح الله هذا رأياً ولا تجر أحرار فارس غُرِ لها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع الصوت..)) , وهنا أتخذ أحرار العرب بقيادة هاني بن مسعود , وحنظلة بن ثعلبه - قرار الحرب - فماذا نتج عن هذا القرار ؟!
    والبقية تأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأتي:
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-03-05
  5. وليد العمري

    وليد العمري عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-03-28
    المشاركات:
    568
    الإعجاب :
    0
    ) الجزءالثالث من القصة
    -------------------------------------------------------------------------------
    6- سيناريوهات الحرب وانتصارات العرب.
    أفقد تهور الظالم الغشوم , وغرور المستبد الظلوم , أفقد بعض أحرار العرب قدرتهم على الاحتمال وقد فاق صلفه , وجبروته , وإرهاب قوته كل احتمال , فكان لابد من المواجهة ... هذا هو قرار العرب ببطحاء (ذي قار) ، وهي نفس بطحاء عراق الأمس واليوم.
    وبلغ الإرهاب الكسروي قرار المواجهة ، وكان أول ما أتخذه الكسرى من قرار , هو إلقاء القبض على عرب البلاط , وفارس , حتى أولئك الذين كانوا بعض نعاله وجواسيسه , وأودعهم السجن, وقيل بل قتلهم جميعاً , ولم تشفع لبعضهم خيانتهم ولم تجد بعضهم شفاعة الشافعين.
    وقد كان قوام الجيش العربي المقاوم , والرافض للإرهاب والإذلال الكسروي القديم هو: بني شيبان على رأسها قائدها البطل هاني بن مسعود , وصنديد فرسانها الخالد حنظله بن ثعلبه , وسواهم من بني عجل , إضافة إلى بعض أحرار العرب الذين انضموا إليهم متأخرين , وهم بعض اليشكريين , وبعض أفناء ربيعه , وذلك بعد سفارة طويلة لهند بنت النعمان في أحياء وقبائل العرب , تستنصرهم , وتستجديهم , وتؤلبهم , وتعيرهم , وتذكي حماسهم خصوصاً قبائل بكر بن وائل بن ربيعه.
    هذا هو قوام الجيش العربي المقاوم , وهو جيش ينقصه السلاح والعتاد , والمؤن , والتدريب , ولا يملك من مقومات القوة إلا العزيمة التي سكنت في أفئدة رجاله الصناديد , وحب أولئك الرجال للموت أحراراً , وكراهيتهم للحياة خضعاً مستعبدين , إنه جيش سلاحه الكرامة والنخوة والكبرياء , ورفض الذل والاستعباد فحسب.
    أما جيوش الإرهاب الكسروي فهي صورة من التحالف الدولي الجديد الذي تعود أن يقوده كسرى أنوشروان هذا الزمان , فقد تكونت من قسمين هما:-
    القسم الأول: العرب الذين يقاتلون لسبب أو لآخر تحت لواء كسرى , كما في حروب العرب والمسلمين الحديثة ضد العراق , وفلسطين , وليبيا , والسودان , وأفغانستان مع القوى الكسروية الحديثة , وقد كان العرب إما ناقم من بني شيبان فحارب ثائراً كما فعلت الكويت وبعض دويلات حفر الباطن اليوم!! وإما طامع في المغانم , مؤمل في تحقيق بعض المكاسب الذليلة التي لا تغني , كما فعلت مصر وسوريا في حرب الخليج الثانية , وكما فعلت الأردن , وتركيا , وإما خائف من بطش الكسرى مؤثراً السلامة كما فعلت بعض الدول في غزوالعراق, وأفغانستان , وما سمي بالحرب ضد الإرهاب , وهي حرب ضد المسلمين في العالم.
    وجملة فقد كان جيش العرب الكسروي بقيادة ثلاثة من الخونة هم: النعمان بن زرعه – الخائن الذي مر ذكره – وقد عقد له الكسرى لواء تغلب ، والنمر , والثاني: خالد بن يزيد البهراني , وقد عقد له كسرى على قضاعة , وإياد , والثالث: هو الملك الخائن: إياس بن قبيصه الطائي , وقد عقد له الكسرى على العرب ومعه كتيبتاه الشهباء , والدوسر , فكانت العرب ثلاثة آلاف مقاتل , إضافة إلى كتيبتي كسرى المذكورتين , هذا هو القسم الأول من جيش كسرى.
    أما القسم الثاني: فهو جيش الفرس الخالص , وكانوا ألفان من أشهر الفرسان المقاتلين والذين كانوا يسمون بالأساوره فعقد ,( للهامرز) على ألف من الأساوره , وعقد لآخر اسمه: (خنابرين) على ألف منهم , وهم بكل عدتهم وعتادهم الحديث كما كانوا بفرسانهم وفيلتهم ونشابهم , وكان كسرى قد أمرهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا إلى شيبان :(النعمان بن زرعه) ، فإن أتوهم بسلاح النعمان , ونسائه , (ومائة غلام) رهناً بما أحدث سفهاؤهم قبلوا منهم ما لم قاتلوهم.
    ولما بلغ النعمان بهذا العرض الأكثر سخافةً وإستخفافاً إنتدب إليه حنظله بن ثعلبة والذي هدده قائلاً: ((والله لولا أنك رسول ما أتيت إلى قومك سالماً)) ، فعاد الرسول الخائن أدراجه يحمل نذر الحرب , وينبئ عن بزوغ فجرٍ من المقاومة والتصدي في صحراء ذي قار العراقية ولاتزال...
    قام حنظلة بعد أن أنصرف ذلك الخائن فأمر بقبة فضربت بوادي ذي قار , وقال لهاني بن مسعود: ((يا أبا أمامه إن ذمتكم ذمتنا عامه وأنه لن يوصل إليك حتى تفني أرواحنا فاخرج هذه الحلقه – أي السلاح - ففرقها بين قومك فإن تظفر فسوف ترد عليك وإن تهلك فأهون مفقودً ))/، واستأذن هاني بن مسعود من هند بنت النعمان , فأذنت له , فأمر بها , وفرقت بين القوم , وباتت بكر بن وائل يتهيئون للحرب.
    قال التاريخ العربي العابق بالبطولات: فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم , وأمر حنظلة بالنساء جميعاً فوضعها خلف الناس ثم قال: (( يا معشر بني بكر قاتلوا عن نسائكم أو دعوا ... يا معشر بكر : إن النشاب التي مع العجم تعرفكم , فإذا أرسلوها إليكم لم تخطئكم فعاجلوهم باللقاء ,وإبدأوهم بالشدة )) , ثم قام البطل الكبير هاني بن مسعود صاحب: (ذي قار) , فخطب الناس قائلاً: (( يا بني بكر يا آل شيبان مهلك معذور خير من رجاء معرور – أي مهزوم - وأن الحذر لا يدفع القدر , وأن الصبر من أسباب الظفر , المنية ولا الدنية , واستقبال الموت خيرٌ من إستدباره , والطعن في الثغر خير وأكرم من الطعن في الدبر , يا قوم جدوا فما من الموت بدُ فتحٌ لو كان له رجال , أسمع صوتاً , ولا أرى قوماً , يا آل بكر شدوا وإستعدوا وأن لا تشدوا تردوا )).
    وقال عمرو بن جبله اليشكري:-
    يا قوم لا تغرركم هذي الخرق ولا وميض البيض في الشمس بـــرق
    من لم يقاتل منكم هذي الفرق فـجـنـبـوه اللــحم واسـقوه الـمرق
    ثم قام حنظله بن ثعلبه إلى وضن راحلة إمرأته فقطعه ثم تبع النساء الراكبات يقطع وضن جمالهن لئلا يفر عنهن الرجال , فسمي من ذلك اليوم: (( مقطع الوضين)).
    ودقت ساعة الصفر , وكان هاني بن مسعود قد وزع جيش المدافعيين إلى ميمنة , وميسرة , وقلب فجعل في الميسرة بني عجل قوم ثعلبه , وفي الميسرة بني شيبان , وفي القلب أفناء ربيعه , وبرز من كتيبة الهامرز قائد مسور اسمه: (المرزبان) في أذنيه درتان , ليتحدى الناس للبراز فبرز له يزيد بن حارثه من بني يشكر , وهو أخو بني ثعلبه , فشد عليه بالرمح فطعنه , ودق صلبه , وأخذ حليه وسلاحه , فقال سويد بن أبي كاهل يفتخر على جموع العرب قائلاً:-
    وفينا يزيدُ إذا تحدَى جموعهم فلم تقربوه المرزبان المشــهرُ
    وبارزه مـنا غـلامٌ بــصارمٍ حسامٌ إذا لاقــى الضريبة يــبترُ
    ثم أن القوم أقتتلوا صدر النهار أشد قتال رآه الناس إلى أن زالت الشمس , فشد الحارث بن شريك على (الهامرز) فقتله , وقتلت بنو عجل (خنايربن) القائد الآخر لجيش الفرس , وذهب العرب يقتلونهم ضرباً حتى أنهزم الفرس , وفرت جحافلهم أمام أبطال العرب المعدودين , ولم تغن عنهم موازين القوة وتفوقهم العددي , وخبرتهم القتالية , وأسلحتهم المتفوقة , وآلتهم المتطورة , وإمبراطوريتهم المتسعة , وإرهاب كسراهم , وجبروته , والذي بلغ آفاق الأرض!! وقد تبعهم بكر بن وائل يقتلونهم بقية يومهم وليلتهم حتى أصبحوا , وقد شارفوا السواد , ودخلوه في طلب القوم فلم يفلت منهم كبير أحد , وأقبلت بكر بن وائل على الغنائم فقسموها بينهم وقال الديان بن جندل:
    إن كـنت ساقيةً يوماً عـلـى كـر م فاسقي فوارسَ ذهل واسق شيبانا
    واسقي فوارس حامـوا عن د يارهم واعلـى مفارقـهم مســكاً وريحــانا
    فلما لاح فجر هذا الإنتصار العربي على الإرهاب الكسروي , بلغ هذا النصر النبي الخاتم (ص) ، وكان قد بعث فقال: (( هذا يوم أنتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا)).
    ومنذُ لطمت أبطال العرب الإرهاب الكسروي لطمتها لم تعرف العروبة هزيمةً قط حتى تسلموا مملكة كسرى وهدوا خرافة قيصر , وحكموا العالم بالعدل , والحق إلى أن حكمهم أمثال يزيد بن عدي , وإياس بن قبيصه , والنعمان بن زرعه , وخالد بن يزيد البهراني , وغيرهم من الخونة المستسلمين المنهزمين.
    7- والآن هل ... ؟
    هل يمكن أن يكرر التاريخ نفسه ؟وهل من حنظلة جديد يقف بشجاعة الرجال بجانب العراق الجديد ؟
    وهل يكتب للرئيس العراقي صدام حسين ، والمقاومة العراقية أن يضربوا نفس شجاعة البطل هاني بن مسعود الشيباني , رغم تخاذل الأعراب من حولهم , بين ناقم , وخائف ؟!! خصوصاً وقد ركب الكسرى الجديد خيله وخيلائه , وقد بلغ تهوره حداً لا يطاق , ولا يحتمل , فقدم من مبررات حمقه وجهله ما يبرر نقمة الله عليه ؟!
    هل يمكن أن يفعلها صدام أو أحد العراقيين كما فعلها هانئ الشيباني وعمر المختار ,وعبد الناصر وليخسأ الخاسئون ؟
    وهل من مذبحة جديدة للإرهاب الأمريكي كما ذبح الإرهاب الفارسي في ذي قار إنا لمنتظرون***.
    8- قصيدة الأعشى يصف بطولات العرب في معركة ذي قار.

    إن الأغر بأنا كــان قال لــنا أوصيكمُ بثلاث إنــني تـــلفُ
    الضيف أوصيكم بالضـيف إن لـه حقاً علي فأعــطيه واعــترفُ
    والجار أوصيكم بالـجار إن لــه يوماً من الدهر يثنيه وينـصرفُ
    وقاتلوا القوم إن القتل مكرمـــةً إذا تلوى بكف المعصم الـــعرفُ
    لما التقينا كشفنا عن جمـاجـمنا ليعــرفوا أننا بـكرٌ فينصـرفوا
    قالوا البقية والهندي يحــصدهم ولا بقية إلا النار فانكــــشفوا
    وجند كسرى غداة الحنو صـبحهم منا غطا ريف ترجوا الموت فانـصرفوا
    جحاجــحٌ وبنو ملك غـــطارفةُ من الأعاجم في آذانها الـــنــطفُ
    إذا أمــالوا إلى الشاب أيديــهم ملنا ببيض فظل الــهامُ يختــطفُ
    وخيل بـــكرٍ فما تنفك تطحـنهم حتى تولوا وكــاد اليوم ينتـــصفُ
    لو أن كل مـعدٍ كـان شاركــنا ي يوم (ذي قار) ما أخطأهم الشـرفُ
    لما أتونا كأن الليل يــقدمــهم مطبق الأرض يغـــشاهم به ســدفُ
    وضعنتنا خلفنا كحلاً مدامـــعها أكبـادها وجف مــــما ترى تـجفُ
    حوا سرا عن خـدودٍ عاينت عـبراً ولاحـها وعلاها غُبـــرةُ كســفُ
    من كل مرجانه فـي البحر أخرجــها غوا صها ووقاها طينها الصــــدفُ
    - تنويه:
    1. لمن يود الرجوع إلى ما كتبه التاريخ حول هذه الملحمة العربية الخالدة يرجع إلى كتب التاريخ ومنها:- كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني – جـ2, جـ4, جـ6, جـ8 , والكامل في التاريخ لأبن الأثير , وكل كتب التاريخ العربي القديم.
    2. لمن يود التعرف على الشاعر العربي ميمون بن مهران - الملقب بالأعشى – الرجوع إلى الكتب السالفة الذكر + ديوان الأعشى - مطبوعات دار صعب 1980 ( صـ52 ), وكذلك للرجوع إلى النص الكامل للقصيدة والقصائد الأخرى عن ملحمة (ذي قار) العظيمة ومنها قوله عن بني شيبان:-
    هم ضربوا بالحنو ((حنوقراقرٍ)) مقدمة الهامرز حتى تولـتِ
    أذاقوهـــم كأســاً من الموت مرةً وقد بذخت فرسانهم وأذلتِ
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-07-22
  7. الوليد اليماني

    الوليد اليماني عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-01-09
    المشاركات:
    841
    الإعجاب :
    0
    ((قصه عجيبه ))ايه والله توافق تاريخي تحياتي لك عزيزنا
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-07-22
  9. الوليد اليماني

    الوليد اليماني عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-01-09
    المشاركات:
    841
    الإعجاب :
    0
    ((قصه عجيبه ))ايه والله توافق تاريخي تحياتي لك عزيزنا
     

مشاركة هذه الصفحة