يهود مسرح باكثير

الكاتب : Good Doer   المشاهدات : 725   الردود : 1    ‏2001-04-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-04-15
  1. Good Doer

    Good Doer عضو

    التسجيل :
    ‏2001-03-26
    المشاركات:
    105
    الإعجاب :
    0
    يهود مسرح باكثير (1)

    محمد جمعة

    في مؤتمر الأدباء العرب السابع ببغداد عام 1969 ألقى الكاتب والأديب الإسلامي "علي أحمد باكثير" محاضرة بعنوان: "دور الأديب العربي في المعركة ضد الصهيونية"، ركَّز فيها على الأصالة العربية التي تمنع الأديب من التبعية الفكرية والسياسية والأدبية، وحدد فيها مهمة الأديب في مواجهة الصهيونية.. كان ذلك في أواخر عهده بالحياة؛ حيث تُوفي في السنة نفسها – رحمه الله.

    أما البداية؛ فهو "باكثير" المهتم بقضية فلسطين، والذي يؤرقه ما تلقاه أمته من شذاذ الآفاق (الصهاينة) فكتب خمس مسرحيات طويلة، عالج فيها قضية فلسطين ومشكلة اليهود قبل النكبة وبعدها، منها: "شيلوك الجديد"، وهي عنوان لكتاب يضم مسرحيتين، كتبهما عام 1944، ونشرهما معًا عام 1945، وكانت الأولى بعنوان "المشكلة" في أربعة فصول، والثانية بعنوان "الحل" في ثلاثة فصول، وهي تكمل الأولى، وكذلك حلٌّ لها.

    مسرحية المشكلة

    وتدخلنا في جو النكبة قبل حدوثها بأربع سنين؛ إذ فيها رصد أمين ودراسة متكاملة لما كان يجري في تلك الحقبة بأسلوب فني رفيع، ولعل هذا يعود كما يخبرنا الدكتور "عبد الله محمود الطنطاوي" في دراسته القيمة عن مسرح باكثير، والتي نشرتها مؤخرًا دار القلم بدمشق، إلى اهتمام "باكثير" بقضية فلسطين؛ فيتابع كل ما كان يكتب عنها في الصحف والدوريات..

    وذات يوم قرأ أن الزعيم الصهيوني "جابوتنسكي" خطب في مجلس العموم البريطاني، فضرب المنضدة بيده، وقال: "أعطوني رطل اللحم.. لن نتنازل أبدًا عن رطل اللحم"؛ مشيرًا بذلك إلى الوعد الذي قطعه "بلفور" لليهود بإعطائهم وطنًا قوميًّا في فلسطين، وإلى مسرحية شكسبير"تاجر البندقية"، و"شيلوك" اليهودي الذي يريد اقتطاع رطل لحم من جسد خصمه وعدوه اللدود "بسانيو"، فاهتبلها باكثير فرصة، ورأى في هذا القول حجة على اليهود لا لهم؛ فكتب مسرحية "شيلوك الجديد" في جزأيها: المشكلة والحل.

    في الفصل الأول من المشكلة نرى "خليل الدوّاس" بعد أن يفقد أملاكه ويبيعها لليهود، يصبح قوّادا عندهم؛ فيقود "راشيل" الفتاة اليهودية اللعوب، إلى عبد الله الفياض، لقاء أجر مادي تافه، هو خمسون جنيها.

    وحين يتم استيلاء اليهود على أملاكه يأخذ مائتي جنيه، ثم يسلط اليهود فتياتهم على الفياض ويجرونه إلى موائد القمار ليوقعوه في حرج مادي؛ مما سهل على شيلوك بالتواطؤ مع المحامي اليهودي البارع "كوهين إسحق" أن يوقعا عبد الله على صك، باع بموجبه كل أراضيه لهم لقاء سندات كمبيالات تسحب على دفعات، ويستعمر شيلوك الأفدنة ويوطّن مائتي يهودي مهاجر من "بولونيا".. وهكذا تستمر المسرحية في سرد ألاعيب اليهود للاستيلاء على أراضي فلسطين، وعالج باكثير الكثير من القضايا في هذه المسرحية لعل أهمها:

    1- عامل الجنس في صرف العرب (بعض العرب) عن المسار الصحيح الذي كان يجب أن يسيروا فيه.

    2- تسلط الموظفين اليهود على العرب وغطرستهم، وكأن البلاد بلادهم، وكأن العرب غرباء، ويظهر ذلك في تسلط شيلوك ووكلائه من المرابين، وإقراض الفلاحين بالربا الفاحش.

    3- فرض اللغة العبرية لتكون لغة ثالثة في فلسطين إلى جانب العربية والإنجليزية.

    4- مدارس العرب تديرها أيد أجنبية بتخطيط من اليهود من أجل إفساد الأجيال العربية الصاعدة.

    5- رصد التيارات المسيطرة على الزعماء الصهاينة واتجاهاتهم.

    .... continue
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-04-17
  3. Good Doer

    Good Doer عضو

    التسجيل :
    ‏2001-03-26
    المشاركات:
    105
    الإعجاب :
    0
    يهود مسرح باكثير ( 2)

    فصول "الحل"

    مكانها محكمة القدس، وزمانها المستقبل، في الفصل الأول تذكير بتاجر البندقية، ورطل اللحم، وكيف أن شيلوك الجديد يسخر من شكسبير ويطالب برطل اللحم، ويفصح بأنه يريد التهام البلاد العربية كلها لا فلسطين وحدها، ثم يفند مندوب عرب فلسطين مزاعم شيلوك، ويذكر اليهود بمعاملة العرب الطيبة لهم، فيما كانت كل شعوب العالم تضطهدهم، ويرد على مزاعم الكتاب المقدس الذي يطالب بإقامة مملكة إسرائيل العظمى... وهكذا.

    إلى أن تظهر شخصية نادية زوجة الفياض ومندوبة الجامعة العربية، والتي تطالب بهدم تل أبيب سدوم القرن العشرين، ويقبل اليهود على أن تمنحهم بريطانيا أستراليا كمكان بديل، ثم الخاتمة فيها أن فلسطين عربية ولا يمكن لأحد أن يقتطع منها جزءًا ليكون لليهود.

    مسرح السياسة

    ويذكر د.عبد الله الطنطاوي في دراسته عن باكثير أنه كتب زهاء سبعين تمثيلية سياسية، استوحاها من الظروف والحوادث التي عاصرها، وقد نشرت كلها في جريدة الإخوان المسلمين بين عامي 1945-1948.. جمع باكثير 12 تمثيلية منها 6 عن اليهود والقضية الفلسطينية، و6 تناول فيها قضايا العرب والمسلمين، وجمع كل ذلك في كتاب أسماه مسرح السياسة، والتمثيليات الـ 6 التي عالج فيها القضية الفلسطينية هي: السكرتير الأمين، ونقود تنتقم، وراشيل والثلاثة الكبار، وليلة 15 مايو، ومعجزة إسرائيل، ومسرحية المقراض.

    السكرتير الأمين: تجري أحداثها في منزل السكرتير العام للأمم المتحدة، وهي مكونة من أربعة فصول وشخصياتها: السكرتير العام، وزوجته، وموشيه شرتوك اليهودي الذي يشتري ضمائر الوزراء، وتتحدث عن عمالة السكرتير العام لليهود، وقد عالجت عدة نقاط هي:

    1- عمالة "مسز روزفلت" زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق للصهاينة، وقد عبّر عنها السكرتير العام قائلا: "نجحت اليوم في عقد قران "المسز روزفلت" نهائيا على شيخكم صهيون".

    2- شراء الصهاينة لذمم كبار الموظفين.

    3- تآمر رئيس الولايات المتحدة "ترومان" وكبار المسئولين مع بني صهيون.

    أما مسرحية "نقود تنتقم" فهي مسرحية ساخرة، يصور فيها باكثير- بفنية ساخرة- النقود التي يتقاضاها السكرتير العام، وقد انحازت النقود التي تأتي من العرب، وراحت تنتقم من السكرتير العام عن طريق الطعام ملتصقا بجدار المعدة، ويأبى أن ينزل رغم كل المسهلات، وهذه إسقاط لإمكانية انتقام العرب بنقودهم مثل البترول.

    وهو ينعت الأمم المتحدة على لسان زوجة السكرتير العام بأنها "خدعة يهودية"، وأن اليهودية العالمية اختبأت تحت شعار السلام العالمي وجمعت الأموال من جميع الأمم لهذا الغرض.

    وفي مسرحية راشيل والثلاثة الكبار: يصور لنا باكثير، راشيل رمز الصهيونية الفاجرة التي تحلم بولادة المسيح رمز دولة إسرائيل؛ حيث سيجمع الشتات اليهودي، كما تصور الثلاثة الكبار بنوابهم يخضعون تحت أقدام الصهيونية، كل منهم يدعي أنه والد لهذا المسخ الجديد: دولة إسرائيل، وتقول راشيل بكفر واضح: "كل من يملك أن ينفعنا أو يضرنا فهو إلهنا"، وتصور جري هذه الدول وإيثارها مصلحة إسرائيل على مصلحتها واعتراف 33 دولة بهذا المسخ.

    مسرحية "المقراض"

    وأحداثها تدور في مكتب الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض وشخصياتها هي: الرئيس الأمريكي، وسكرتيرته، ومسز روزفلت، وكوهين سفير إسرائيل، وجونبول سفير بريطانيا.

    وتظهر لنا هذه المسرحية عددًا من الحقائق أهمها:

    - السفير الإسرائيلي هو الطفل المدلل، بل السيد في نظر الرئيس الأمريكي، وهو مقدم على السفير البريطاني.

    - اليهود يتحكمون في البيت الأبيض؛ يدخلون فيه متى يشاءون ويبتعدون عنه متى يشاءون..

    - أما المقراض الذي هو عنوان المسرحية؛ فهو مشروع القرض المصري لإيران، والذي اتفق عليه الدكتور "مصدق" مع "النحاس باشا" بعد مماطلة أمريكا في إعطاء قرض لإيران بإيعاز من إسرائيل، وتظهر المسرحية مدى الضغط على إيران لانتزاع اعترافها بإسرائيل.

    أما مسرحية "إمبراطورية في المزاد"؛ فهي موجهة بالأساس إلى الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس؛ إذ يبرز فيها باكثير النفوذ الصهيوني في الأحزاب البريطانية حزب العمال، وحزب المحافظين، والحزب الشيوعي، وترويج اليهود للشيوعية التي صارت موضة لدى أبناء الطبقة الإرستقراطية، ويضاف إلى ذلك أهمية مؤتمر الشعوب في "دلهي" وكشف سياسة بريطانيا في ضرب الكتلتين المتصارعتين لبناء إمبراطوريتها، وإبادة مصر لضمان سلامة إسرائيل، واستمرار العون الأمريكي لها.

    أما الفصل الثالث منها؛ فيتضمن استجابة الجيل الجديد لمبادئ مؤتمر دلهي وقيام الثورة الفرنسية، وتخلي أمريكا عن بريطانيا، وقد تنبأت المسرحية بقيام الكتلة الثالثة من أجل حل المشكلات الدولية، وهذا يوضح عبقرية باكثير، والكتلة الثالثة هي التي سُميت باسم عدم الانحياز بعد ذلك.

    إله إسرائيل

    وهي مسرحية يظهر فيها مدى فهم باكثير للمشكلة اليهودية منذ بدايتها، وهي ثلاث مسرحيات متكاملة في مسرحية واحدة:

    الأولى "الخروج": وتجري أحداثها في عهد سيدنا موسى في خمسة مشاهد.

    الثانية "ملكوت السماء": وتجري أحداثها في عهد سيدنا عيسى في أربعة فصول.

    الثالثة "الحية": زمانها العصر الحديث، وهي خمسة مشاهد، في نهايتها يصور باكثير إبليس وهو يكاد يتخلى عن شياطينه ويتخذ شعب إسرائيل بديلا لهم شعبه المختار، ولكن أبناءه اليهود ينكرونه أي إبليس ويتنكرون لفضله بعد أن سرقوا رسالته، وبعد أن أقام لهم دولة في فلسطين.

    ويجمع إبليس شياطينه ويستشيرهم في التوبة ولكنها خدعة، إذ ماذا تفيد التوبة وقد ترك خلفه ستة عشر مليونا من الأبالسة يفسدون في الأرض، وهؤلاء الأبالسة هم اليهود، ولكنه يلجأ إلى حيلة بنزوع الشياطين من اليهوديات الشيطانات من رجال اليهود؛ فيرتفع الشياطين قليلا إلى مستوى اليهود، وينخفض اليهود قليلا إلى مستوى الشياطين؛ فيبقى إبليس وحده، قليلا بلا نظير في الخبث..

    وينسلخ اليهود عن إنسانيتهم؛ فلا تربطهم بالإنسانية والبشر غير صلة العداوة إلى أن يقوم ملكوتهم، فينتقموا من البشر جميعا، ويسخروهم تسخير الأنعام، ولكن هيهات..

    وتعد التوراة الضائعة آخر المسرحيات التي كتبها باكثير، وكان ذلك عام 1967 بعد هزيمة يونية، ولم تنشر إلا بعد وفاته بقليل، وهي تتألف من ثلاثة فصول وعدة مشاهد خيالية وواقعية، يصور فيها حوارا بين "صلاح الدين" و"ريتشارد قلب الأسد"؛ حيث يصب ريتشارد لعناته على العرب والمسلمين؛ لأنهم تركوا اليهود يعيثون في الأرض فسادا.

    ويشاهدان سويا "هرتزل" في وادٍ من أودية جهنم ومعه "هتلر" زعيم النازية؛ لأنهما ميزا بين الشعوب البشرية، الأول قال: "اليهود شعب الله المختار"، والثاني قال: "الألمان فوق الجميع".

    وفي العصور الحالية يتشفى اليهود بالعرب المحروقين بالنابالم، ويأكل أحدهم- كوهين اليهودي الألماني- بشهية منقطعة النظير، وهو يرى العرب المحروقين، ويبلغ الحقد مداه حين يأمر مدير أحد الفنادق في القدس ليحضر أحد العرب الذين شوهتهم قنابل النابالم؛ ليراه ويمتع به ناظريه وروحه، وهو يأكل لتزداد شهيته وهو ينظر إلى العرب المحروقين.

    ويأتي المشهد الخيالي الثاني: صلاح الدين وريتشارد يتمنيان رؤية كلبي اليهود تشرشل وبلفور؛ فيظهران في حالة سيئة من جراء ما لقيا من عذاب الجحيم.

    وقد ظهر في هذه المسرحية مدى تفاؤل باكثير في تحقيق النصر على الصهاينة، من خلال تطور أحداثها فيما بعد، إلى درجة تصور معها أن اليهود سيقفون يوما ما على حقيقة الدور القذر الذي تنهض به إسرائيل، وساعتها سيقفون ضدها وضد حكامها.

    وهكذا يكاد يكون "باكثير" الوحيد بين كتاب المسرح العربي- إن لم يكن بين الأدباء العرب كافة - الذي أهمته القضية الفلسطينية في وقت مبكر جدًّا، وتنبه إلى الأخطار الصهيونية في مسرحية "شيلوك الجديد" التي كتبها عام 1944.
     

مشاركة هذه الصفحة