انتصارات السفهاء

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 456   الردود : 0    ‏2002-08-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-25
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    علي بن طلال الجهني *


    السفيه قد يكون شجاعا أو جبانا، وقد يكون متدينا، وقد يكون فاجرا مغامرا، يخلو فؤاده من الرحمة خلو فؤاد أم موسى من الخوف عليه، وقد يمنحه خالقه قدرا معقولا من الذكاء ويحرمه من أدنى درجات الحكمة.
    كل هذه الفئات من مخلوقات الله قديمة قدم التاريخ، ومعروفة ومشهورة في تاريخ أمتنا في فجر الاسلام حينما حاول الخوارج، وقد كانوا عربا اقحاحا زهادا اتقياء لا تفارق الدموع مقلاتهم خوفا من سخط الله وطمعا في رحمته، فحاولوا الوصول الى الجنة، فأخطأوا الطريق اليها، كما يُروى عن الامام علي (كرم الله وجهه)، فذبحوا كل من خالفهم من المسلمين اذا ظفروا به ذبح الشاة، ولا تهم التفاصيل إن كان طفلا أو امرأة لم يتمكنوا من سبيه أو سبيها، أو رجلا، كهلا كان أو شيخا.
    والخوارج، لم يكونوا كفارا، ولا جبناء اتصفوا بالعيا، بل كانوا خُطباء فصحاء وشعارا بلغاء، ما كان ينقصهم الايمان، كانت تنقصهم الحكمة والتبصر. كانوا يفهمون آيات القرآن على وجه الافراد، لا تنزيلا كاملا تفسره أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصرفاته. ولا مجال في ذلك الوقت لحديث ضعيف أو موضوع، فكبار الصحابة من المهاجرين والانصار وأمهات المؤمنين أحياء يرزقون. كان الخوارج يحفظون القرآن ويعرفون السنة، جزءا جزءا، وقصر نظرهم عن الاسلام ككل. فسلخوا الآيات والأحاديث من سياقها، غير متعمدين بالطبع، فقادهم حفظهم لوسائل البحث عن الطرق المؤدية الى الجنة الى الانحراف عن الطريق الصحيح الى فردوسها.
    وفي القرون الوسطى ـ في عصور الجهل والظلام ـ استحل القرامطة محرمات الله، وأسالوا الدماء في صحن الكعبة ولطخوا أروقتها بدماء الطائفيين، ورموها بالمنجنيق، ونقلوا الحجر الاسود الى شرق الجزيرة العربية، وكانوا مثلا للطغاة القساة المتكبرين.
    أما في وقتنا الحاضر، فأفضل مثلٍ للسفهاء، الباحثين عن الجنة، ولكنهم ساروا في الطريق المعاكس للجادة المعبدة الواضحة المؤدية اليها، «جنود القاعدة وطالبان وبعض قاداتهما». ولا نحتاج لضرب أمثلة للسفهاء من قادة واتباع فُجار قساة، غامروا بمقدرات أمتهم، فحلت المصائب بالأمة كافة. أرادوا الغنم لهم والغرم على غيرهم، فلم يغنم منهم ولا منا أحد، وخسرت الأمة كافة.
    فالقاعدة ومجيروها من الطالبان تُغري السذج من اتباعها بهزيمة أمريكا أولا، ثم بقية سكان الكرة الارضية، فالكفر في مذهبهم يشمل جميع اراضي العرب والمسلمين، حكاما ومحكومين، اذا استثنينا، الاقلية الصغيرة التي تريد ان تكون من مجنديها سواء بالتفجيرات أو بالدعوة لضلالها في مواقع الانترنت، كل جندي حسب استطاعته ومواهبه!
    وبعد ان واجهوا حربا لا قبل لهم بها، طرأت عليهم فجأة فاجعة الأمة، وقضيتها الرئيسة «احتلال فلسطين» فاستخدموا القضية استخدام الفجار من القادة المغامرين آملين ان يؤدي هذا الى انضمام الأمة كلها معهم الى ارتكاب الجرائم والمذابح. وأعظم درجات الأذى التي سببها وجود دولة «اسرائيل» للأمة العربية، هو تولي الحكم نكرات أتوا على ظهور دبابات لا يعرفهم من ذي قبل أحد ـ منذ عبد الطريق لوصولهم الى الحكم حسني الزعيم ـ فلم يحرروا شبرا، وغدا شرهم على كل المستويات اضعاف خيرهم للاقطار التي حكموها ولفلسطين وللأمة كافة على حد سواء.
    وقبل جرائم (11) سبتمبر الماضي لم يُعر أحد انتباها لما ننشر أو نذيع، أما فيما بعدها، فصار العالم أجمع يتفحص بعناية وقصد كل ما نَدْرُس ونُدَرّسْ، وكل ما نقوله في مساجدنا من خُطب ووعظ، حتى صرنا متهمين، في ديننا ودنيانا، حتى نثبت للعالم كله، العكس. وكما توقع المتنبي بدقة استثنائية، قبل ما يزيد على ألف عام، وكأنه يعيش بيننا ويقرأ صحفنا وصحف غيرنا، ويزور مواقع الانترنت، ويشاهد الفضائيات، حينما قال:
    وجُرمٌ جرّه سفهاءُ قوم
    وحل بغير جارمه العذابُ
    حتى الجرائم الفردية التي يرتكبها مهاجرون عرب أو سياح، لا ينظر اليها بتجرد كما هي، وإنما يصيب أذاها المجتمعات العربية والمسلمة كافة اينما وجدت.
    وإذا كُنا لا نستطيع الحيلولة دون ان يرتكب أي فرد عربي أو مسلم جريمة من الجرائم كما يرتكبها غيره من الافراد، فيحسن بنا الدقة والرصانة فيما ننشر ونذيع عن غيرنا، وأن نتحاشى عبارات التحريض والاثارة وترديد العنتريات. لقد كان كل ما نقول او ننشر في الماضي القريب، شيئا محليا او اقليميا، يكتب ويقال لاعتبارات خاصة بنا.
    اما بعد 11 سبتمبر فإن كل ما نكتب ونقول يترجم حالا وينقل بسرعة مذهلة الى جميع مواقع الانترنت التي تحيط بالكرة الارضية كالمعصم في اليد. فإن كان معناه خيرا للعالم اجمع، اغفل تماما، وان كان فيه احتقار وانتقاص من الآخرين، او كان يكرر خرافات تاريخية تنم عن معاداة «للسامية» لفقها كهنة قدماء لاغراضهم، او اختلقها قياصرة روسيا في القرن التاسع عشر، لايهام مواطنيهم بأن سبب مصائبهم ينحصر في الاقلية اليهودية بينهم. ثم كرر بعدهم هذه الافتراءات، (ستالين وهتلر) وغيرهم من النازيين الجدد الى يومنا هذا في غرب اوروبا وشمال امريكا، اما لاغراض سياسية بحتة، او لأسباب عنصرية ممقوتة. مثل هذه الاقوال هي التي تجد طريقها الى شاشات الانترنت والتلفزيونات وتكرر في الصحف والاذاعات، كشواهد على عنصريتنا ولتسفيهنا تحقيقا لاهداف اعدائنا. وقبيل الحادي عشر من سبتمبر، كادت حكومة السفاح شارون ان تنهار، لانه اساء الى سمعة اسرائيل في اوروبا وامريكا اولا، ثم بين المواطنين الاسرائيليين.
    وفي صباح 11 سبتمبر 2001 اغاث شارون، وجدد امله لتحقيق احلامه المريضة، التي لم يحققها من سبقه في الحكم من مؤسسي حزبه كالارهابيين الراحلين (بيغن وشامير)، مجموعة ارهابية ضالة، من ابناء جلدتنا وتتحدث لغتنا، وللاسف باسم الاسلام. ثم توالت هباتنا وهدايانا لليكود وانصاره في امريكا، على اطباق من ذهب وفضة، فحاول انصار الليكود في امريكا واسرائيل، مساواة حرب امريكا والعالم اجمع للارهاب بحرب شارون الارهابية ضد العزل المظلومين المعذبين في فلسطين.
    واذا اعترض على تصرفات حكومة اسرائيل من فيه خير من مواطنين غربيين، حتى وان كانوا يهودا امريكيين صاح وناح اصدقاء الليكود في امريكا هذا تناقض!.
    كيف تطلب الولايات المتحدة من دول العالم كله دعمها ومساندتها في محاربة الارهاب، وفي الوقت ذاته تلام اسرائيل التي تدافع عن امن مواطنيها بحربها للارهابيين الفلسطينيين؟ واخذ انصار اسرائيل يرددون في كل لجنة حكومية وفي كل المنتديات وفي كل القنوات، انظروا ماذا يقول العرب من اقوال عنصرية تؤجج نيران الارهاب. الارهاب ليس فنا من فنون السياسة بالنسبة الى العرب والمسلمين. وانما الارهاب هو سياستهم، اسمعوا ماذا يقولون وماذا يرددون، وبما يهددون ويتوعدون، ثم احكموا عليهم! اليس العرب والمسلمون من اعاد ترجمة كتاب «بروتكولات حكماء صهيون» الذي لفقه قياصرة روسيا، ولا يشك عاقل سوى مطلع، بأنه كذب وخرافات وافتراءات. ولم يسبقهم الى اعادة ترجمته وتوزيعه على الناس، بعد القياصرة، الا هتلر واتباعه! انظروا من يتكلم، انهم هؤلاء العرب بلحمهم وشحمهم.
    وفي مساء الاربعاء 21 اغسطس قرأت مقالا للدكتور غازي القصيبي نشرته «الحياة» تحت عنوان «ليس من صالح السعودية دخول مواجهة مع امريكا» وكما هي عادته، كتب د. غازي مقالا شاملا متعمقا وافيا مختصرا. حتما لا يستطيع كاتب هذه السطور كتابة مثله، وما كان سيكتب ما كتب، لو انه رأى جواهر القصيبي قبل بعث مقاله هذا لنسخه، ولذلك سيكتفي بأن يذكر ما يشبه خاتمة مقال الدكتور القصيبي والذي جاء فيه «على انه اذا تقبلنا الحملة على السعودية باعتبارها جزءا من الواقع السياسي الامريكي الجديد، فما الذي بوسعنا ان نفعله حيالها؟ الرد العاطفي الانفعالي يتطلب ان (نجهل فوق جهل الجاهلينا) والردود العاطفية الانفعالية، بخاصة خلال الازمات هي اقرب وسيلة للانتحار السياسي. المنطق يفرض علينا ان نتعامل مع الولايات المتحدة كما تعامل معها حلفاؤها في الغرب بكثير من الصبر، وكثير من الحوار، وكثير من الزيارات (بمختلف انواعها ومستوياتها).
    ان العقل والمنطق السديد، يملي علينا ان نخاف الله في انفسنا وفي امتنا، ونحتاط ونعقل بعقال قوي الاحكام عواطفنا، فلا نطلق لجام ألسنتنا واقلامنا بما لا ينفع الا اعداءنا ولا يضر غيرنا حتى لو رأينا يوميا الاقوال التي بطبيعة الحال تستفزنا والنظرة الدونية العنصرية الحقيرة التي تفقد كل «إياس» ذكاءه ورجاحة عقله، وكل «أيوب» صبره وحلمه.
     

مشاركة هذه الصفحة