«مقصلة» حب للويس الرابع عشر

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 533   الردود : 1    ‏2002-08-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-24
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    د. نجم عبد الكريم



    حكم فرنسا حكما مطلقا حوالي نصف قرن، فصعد بها من دولة متخلفة في أوروبا، إلى قمة النفوذ في السياسة والأدب والفن في العالم كله، فأطلقوا عليه لقب (الملك الشمس).. إنه لويس الرابع عشر.
    لقد أغمض الفرنسيون عيونهم عن الكثير من أفعاله. أغمضوها عن يده الحديدية التي حكم بها البلاد، دون برلمان، كما كان يحكم بوزارة شكلية لا ترد له رغبة، وتتخذ كل قراراتها لتعزيز نفوذه.
    وسكت الفرنسيون عن علاقاته النسائية، التي طفحت روائحها في كل انحاء فرنسا، كما سكتوا عن زيجاته الكثيرة، العلنية والسرية، ومخالفاته لشريعتهم الرسمية وتقاليد ملوكهم الموروثة.
    فإذا تجاسرت منطقة من مناطق فرنسا على المطالبة بدولة عصرية على غرار الدولة البريطانية، قال قولته المشهورة: (الدولة أنا، وأنا الدولة).
    وشاء القدر ان تدخل حياته امرأة، وتتسبب له بفضيحة مدوية كادت ان تهز عرشه..!! فضيحة لا يزال صداها يتردد في صفحات التاريخ، ولا يزال المؤرخون حائرين في تفسيرها حتى اليوم! المرأة اسمها (لويز دي لا فاليير).. قدمتها له الآنسة: هنريت الانجليزية، وهي شقيقة زوجته.
    وهذا هو السؤال الذي حير المؤرخين: كيف تُقدم شقيقة زوجة الملك على تقديم فتاة جميلة، وأنيقة، وفي عمر الزهور، الى زوج شقيقتها، ليضمها الى قائمة عشيقاته، ثم لتغدو بعد ذلك احب النساء اليه، بعد ان اصابه الجنون بحبها والتعلق بها؟!
    كتبت هنريت في مذكراتها: إن دوافعها من وراء ذلك كانت ذات شقين:
    الشق الأول: هو اخراج اختها من دائرة بغض الملك لويس الرابع عشر، اذ كان يكرهها، ولا يدع فرصة تمر دون ان يسخر منها وكثيرا ما كان يصب عليها جام غضبه لاتفه الاسباب، ولم يكن ليتورع عن توجيه الاهانات لها أمام الناس. مع انها كانت كالزهرة الرفافة، شديدة التدين، مخلصة لزوجها كل الاخلاص.. ولكنه كان يبغضها. اما الشق الثاني: كما كتبت هنريت في مذكراتها: انها ارادت ان تنقذ نفسها من براثنه.. فلويس كما هو معروف عنه صاحب مزاج غريب.. وهنريت عندما جاءت مع اختها لحضور حفلات الزفاف، لم يكن في نيتها البقاء في فرنسا، فبعد ان امضت شهر الاحتفالات، قررت العودة الى لندن، لكن سفير انجلترا طلب اليها البقاء في باريس مع اختها الملكة، لأن ملامح فشل الزواج كانت تبدو واضحة منذ البداية.
    فالملك لا يزور زوجته الا في المناسبات الرسمية.. واذا دخل جناحها لا يمكث فيه غير ساعة أو بعضها، واذا اطال بقاءه، فلكي يطيل عذابها بكلماته القارصة، وألفاظه الجارحة.
    فكان من رأي السفير ان تبقى هنريت مع شقيقتها لتخفف عنها مما تلاقيه.
    ولما اظهر الملك لويس الرابع عشر، رغبته بعودة شقيقة زوجته الى بلادها، لجأت هنريت الى الحيل النسائية التي تتقنها المرأة بالغريزة، فأخذت تلاينه، وترضي غروره بالمديح والاطراء.. وكان لويس شابا جميلا، بل يكاد ان يكون أجمل ملك في أوروبا كلها..
    ولا تنكر هنريت في مذكراتها، انها حاولت ايقاعه في غرامها على أمل ان يغدو لها نفوذ عليه تستخدمه لصالح شقيقتها.. فكأنها بذلك تقوم بمقاومة الرذيلة، برذيلة ابشع منها..!!
    ومع هذا فلم تفلح في ايقاع لويس في غرامها ولكنه صار يطمئن اليها، ويأتمن جانبها.. وصار اذا بلغ به الضيق، كثيرا ما يلجأ اليها بهمومه لتسري عنه، وتخفف من ضيقه.
    ولم يكن بينها وبينه علاقة غرامية كاملة، ولكن كان بينهما نوع من التفاهم، وهي تلتمس له الاعذار، فمن كان في سنه ووسامته وفتوته، وتهافت الحسان من كل حدب وصوب عليه، الى جانب استسلام كل رجال الدولة بالعمل على تحقيق رغباته وفوق هذا وذاك، فهو يمتلك السلطة التي تدير الرؤوس.
    لكل هذه العوامل، فإنها تتعامل معه بحذر شديد، وتسايره، فأصبحت هي الصديقة الاثيرة لديه.
    ولكن علاقتها به، ما حالت دون وقوعها في غرام شاب فرنسي، سعت الى الزواج منه، في وقت سريع رغم اعتراضات لويس التي تعاملت معها بذكاء وحنكة.
    ولما تزوجت، حدث تغيير عجيب في مزاج الملك الفرنسي، حيث أخذ يتحبب الى شقيقة زوجته المتزوجة حديثا، ويتابعها بغرامه الى الحد الذي اعرب لها عن استعداده لتطليق شقيقتها، والزواج منها!! بعد ان يُرسل زوجها الى معركة لا يعود منها.
    لكن هنريت اقنعته ان زواجا كهذا سيجر عليه وعليها ويلات لا حد لها، فهو سيثير غضب البابا لخرقه نواميس الكنيسة، في زواج الاختين، كما سيثير غضب انجلترا بسبب طلاق اميرة تنتمي الى الاسرة المالكة.
    ورغم عدوله عن مشروع الزواج منها، بعد ان اقنعته بذلك، فقد ظل يتابعها بحبه واشعاره العاطفية، التي كانت الافواه تتناقلها سرا في صالونات باريس.
    وكان يمكن ان يدير النفوذ الجديد رأس شقيقة الملكة، ولكنها كانت تحب زوجها، ولم تجد حيلة من الحاح الملك الا بأن تلقي في طريقه بمن تنسيه هيامه بها.. وكان ان وقع اختيارها على الآنسة لويز دي لا فاليير، وكانت في زيارة خارج باريس لقصر والد لويز ـ وهو من اشراف فرنسا ـ فشاهدتها في الحديقة مع فتى جميل، وسرعان ما اختلت الى امها، وحدثتها بما يجول في خاطرها، لكن الام تساءلت: ابنتي تذهب الى باريس؟! وماذا تعرف هذه الفتاة الرقيقة في أمور البلاط الملكي، وأصول التصرف في هذا المجتمع الذي تشرق فيه شمس مولانا الملك؟!!
    .. لكن هنريت تعهدت للأم بأن تجعل من ابنتها وصيفة لها، وستشرف بنفسها على تعليمها.. فقالت الام: لكن ابنتي على وشك الزواج من ذلك الفتى الذي ترينه معها في الحديقة!! وهو نجل الفيكونت (دي براجلون)، فقالت هنريت: ما احسب ان الفتى يعارض ان تكون خطيبته وصيفة لشقيقة ملكة فرنسا!!
    فاستسلمت الأم قائلة: لا أملك ان ارد رغبة لك يا صاحبة السمو.. ولكنني استحلفك بالله يا سيدتي، ان تصونيها، مما قد تتعرض له فتاة غرة، ووديعة، وجميلة مثلها من اغراءات في بلاط الملك. وتعهدت لها هنريت بالقول: ستكون كابنتي.. وسأحميها مما أحمي منه طفلتي الصغيرة.
    وكانت هنريت شقيقة ملكة فرنسا تضمر تماما عكس ما تعهدت به، اذ جعلت من لويز وصيفتها الخاصة، بالقرب منها، على أمل ان يراها الملك اذا جاء الى قصرها ليبثها غرامه كالعادة.. فيقع نظره على الشابة الخارقة الجمال، فيخر ساجدا أمام سحر روعتها.
    ولكن لويس الرابع عشر حينما رأى الفتاة للمرة الأولى قال لهنريت: بحق السماء. لقد اسأت اختيار وصيفتك يا صاحبة السمو!! لكن هنريت تجيبه ممازحة اياه في مرح: لم لا تقول يا صاحب الجلالة، انها أجمل فتاة في فرنسا كلها.
    فيقول: لا انكر أنها رائعة.. ولكنها يجب ان تتعلم اشياء كثيرة. وبالفعل بدأت دروسها الاولى في الرقص، وكان لويس يفاجئها بحضوره اثناء التدريب، وبعد ان تكررت زياراته، واذا بكيوبيد يلعب لعبته المعروفة، وترسل لويزا سهام جمالها الرائع، ليخر لويس الرابع عشر صريع غرامها.
    ومع ان الفتاة قاومت ملاحقته لها، وتودده المستمر، في حياء وخفر الفتاة الريفية، وتحججت للملك بأنها تحب فتاها. فما كان منه الا ان استدعى الفتى، وجعل منه ياوراً خاصاً له، وكان يهدف الى ان يسقطها من عين حبيبها.
    وصار يكتب لها قصائد عاطفية مثيرة، والفتاة الريفية كانت تتأثر بتلك القصائد، وتظنها منابع صدق تبثها خلجات الملك العاشق لها والمغرم بجمالها والمحب لها الى درجة الجنون، وكانت تقف مشدوهة امام ما يمطرها به من اشعار، ولا تدري كيف ترد عليه.. وأعربت مرة عن قلقها لهنريت التي وعدتها بأنها سوف تجد لها مخرجاً، وتنقذها من حيرتها.
    ولجأت هنريت الى الشاعر المركيز دان جو طالبة منه ان يسدي لها خدمة، فأجابها دون تردد: من أجلك يا صاحبة السمو أفعل كل شيء!! فصارحته بحاجتها الى استخدام ملكاته الشعرية، بحيث يكتب شعرا الى الملك لويس على لسان لويز دي لافاليير، لان الملك يحبها، ويمطرها بقصائده، والمسكينة الفلاحة الريفية الساذجة، لا تعرف ان ترد على اشعاره.. مع انها بدأت تميل الى مبادلته الحب، ولكنها لا تحسن التعبير عن ذلك.. والشعر الذي يرسل به اليها يا ماركيز، يكاد يحرك الجماد.. ولست اطلب منك اكثر من ان تكتب قصائد عاطفية قصيرة، كأنها صادرة من لويز لترد به على شعره.
    لكن الماركيز دان جو يصيح: كلا.. كلا.. يا صاحبة السمو.. فهذا مستحيل.. مستحيل.. مستحيل..!! فتتساءل هنريت: لماذا هذه الثورة بحق السماء؟!. ثم اني اتعهد لك بأن ما تكتبه عن لسانها للملك سيبقى سرا مغلقا بيننا!! واذا شئت كتمناه ايضا عن لويز نفسها فيزداد الماركيز دان جو اصرارا، باستحالة امكانية اقدامه على كتابة الشعر!!.
    فتقول له: ولماذا هذه الاستحالة يا ماركيز؟! فتنتاب دان جو نوبة هيستيرية من الضحك، وهنريت تنظر اليه وهي في غاية الدهشة فيفاجئها بقوله: لأني.. لأني انا الذي اكتب قصائد الملك التي يبعث بها الى الآنسة لويز!!؟ فلا تملك هنريت نفسها، فتضحك هي الأخرى في دهشة: إذاً انت صاحب القصائد العاطفية التي ينسبها الملك الى نفسه!؟.
    فيرجوها الماركيز دان جو ان يبقى هذا سرا، فلو علم به الملك، لقطع رأسه!!.
    فتنتهز هنريت الفرصة لتقايضه: لن اخبر الملك بشرط!!
    اعرف ما تطلبين!!.. ان اكتب قصائد موجهة للملك على لسان لويز!!.. يا له من موقف.. ان اكتب.. وارد على نفسي.. وفعلت قصائد الماركيز (دان جو) للطرفين فعلها.. وتربعت لويز دي لافاليير على قلب الملك وعقله باحكام شديد.. واحتل لويس مكانا ناعما ورقيقا في قلب الحسناء الصغيرة، وقبلت منه ما كانت شقيقة الملك ـ هنريت ـ قد رفضته.. قبلت لويز ان تكون الزوجة السرية الى حين التخلص من الملكة الرسمية بالطلاق او بالسم.. حيث كانت السموم لعبة القصور، بل كان لكل شريف من اشراف البلاد صانع سموم خاص به..!!.
    ولما اوشك لويس الرابع عشر ان يهم بالخلاص من زوجته، فوجئ بأن في احشائها منه طفله المرتقب.. ولي العهد.. الذي صار فيما بعد لويس الخامس عشر فعدل على الفور عن فكرة تطليقها او الخلاص منها بالسم..!
    ولما سألته معشوقته الأثيرة لويز عن وعده لها قال: لا استطيع الآن فعل شيء يا حبيبتي..!! لنضع مصالح الدولة فوق عواطفنا الخاصة..!؟
    فانهارت الصبية تماما، واصيبت بنوبة من الهذيان والجنون، فرت على اثرها من القصر، ذاهبة الى المكان الوحيد الذي ظنته بعيدا عن سيطرة الملك لويس الرابع عشر، حيث مكثت في الدير بينما رجال الملك يبحثون عنها في كل مكان ويسومون العذاب كل من حامت حوله الشبهات في المساعدة على فرارها، ولقي خطيبها!! السابق المسكين ابشع انواع المهانة والعذاب.
    وفي النهاية تم العثور عليها بعد ان اقتحم رجال الملك الدير، واخرجوا لويز بالعنف، رغم ان تعاليم الكنيسة تحرم ذلك، واعادوها الى القصر، لان لويس الرابع عشر، قد اصابته لفحة جنون، كادت ان تهز عرشه، بعد ان تفشت اخبار القصر الى الناس، فاستثارت حفيظة الشعب ضد الملك الذي احب لويز دي لافاليير حبا دخل في اول قائمة تاريخ العشاق في العالم، ولكنه انتهى بمأساة رهيبة، يعرفها المؤرخون باسم مأساة (الرجل المقنع)..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-08-24
  3. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    طابت ليالي العمر ياناس طابت سنينة ..
    العشق والسحر توامان ياسيدي لكن حيرتي أيهما افتك من الآخر وأشد صرعاً :)
    لحظات جميلة رسمتها الأسطر ومشاهد أكثر روعاً لبريق الفكر ودنيا القصور وحوادث الليالي .

    كل التقدير والمحبة ..
     

مشاركة هذه الصفحة