الإسلام والعنف

الكاتب : أحمدالسقاف   المشاهدات : 1,206   الردود : 14    ‏2007-02-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-02-24
  1. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    مناقشة الجماعات في شرعية العنف وجدواه

    ضرورة إقناع الجماعات في أمرين مهمين
    الأساليب التي تستخدمها الجماعات للرد على الحكومات
    ضرورة إقناع الجماعات في أمرين مهمين

    ينبغي على أهل العلم و الفكر وأهل الرأي و الحكمة أن يجادلوا جماعات العنف بالتي هي أحسن كما أمر الله تعالى وأن يناقشوهم, أو قل يناقشوا قادتهم وعقلاءهم بالحكمة و المنطق الهادئ, ويقنعوهم بالحجة البالغة في أمرين مهمين.



    أحدهما: مدى شرعية العنف بالصورة التي يمارسونها, ويشهدها الناس وإنها لا تستند إلى محكمات الشرع لا في نصوصه البينة ولا في مقاصده الكلية.



    والثاني: مدى جدوى هذا العنف لو افترضنا شرعيته, هل غير وضعا" فاسدا ؟ أو أقام حكما عادلا ؟ أو حقق هدفا من الأهداف الكبرى للأمة؟؟



    لقد أعلنت جماعات (الجهاد) ومن في حكمها مثل جماعة التكفير و الجماعة الإسلامية, و السلفية الجهادية, انتهاء بـ (تنظيم القاعدة), الحرب على الحكومات القائمة واختارت أسلوب الصدام المسلح, ولم تكتف بالبيان و البلاغ, أو التربية و التوجيه, أو أسلوب التغيير السلمي بالكفاح الشعبي في الجامعات و النقابات و المساجد والكفاح السياسي بدخول حلبة الانتخابات, ودخول البرلمانات لمقاومة التشريعات المخالفة للإسلام أو لحريات الشعب ومصالحه.

    إلى أعلى

    الأساليب التي تستخدمها الجماعات للرد على الحكومات

    ولما كانت هذه الجماعات لا تملك القوة العسكرية المكافئة أو المقاربة لقوة الحكومات, فقد اتخذت أساليب في المصادمه تتفق مع إمكاناتها.



    منها أسلوب الإغتيال ومنها أسلوب التخريب للمنشآت الحكومية.

    وهذان الأسلوبان يصحبهما في الغالب إصابة مدنيين براء, ليس لهم في الثورة ولا في الطحين, كما يقول المثل, ففيهم أطفال ونساء وشيوخ وكثيرا ما ينجو المقصود بالإغتيال في حين يقتل عدد من المدنيين غير المقصودين.



    ومعلوم أن قتل من لا يقاتل في الحرب بين المسلمين و الكفار لا يجوز, فكيف يقتل المسلمين ؟ وفي الحديث (لزوال الدنيا أهون عند الله قتل امرئ مسلم بغير حق ).



    كما أن تدمير المنشآت الحكومية إنما هو في الحقيقة تدمير لممتلكات الشعب في النهاية.

    ومن أساليبهم ضرب السياح وهم قوم (مستأمنون) بلغة الفقه الإسلامي قد أعطوا الأمان من قبل الدولة التي أمنتهم بإعطائهم سمه (تأشيرة) الدخول فيجب أن يحترم أمانهم ولا تخفر ذمتهم, ولا يعتدى عليهم في نفس ولا مال, ولو كان الذي أعطاهم الأمان عبد من المسلمين فقد جاء في الحديث (المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم) وقال عليه الصلاة و السلام (ذمة المسلمين واحدة, فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين ).



    وقال الرسول الكريم لأم هانئ وقد أجارت أحد أحمالها من المشركين (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ).



    وقد فصلنا الحديث عن الأمان في دراستنا الموسعة عن ( فقه الجهاد).

    وقد تبين للدارسين و المراقبين لأعمال العنف و المقاومة المسلحة أنها لا تحقق الهدف منها فلم تسقط بسببها حكومة بل لم تضعف بسببها حكومة.



    كل ما يمكن أن تنجح فيه جماعة العنف في بعض الأحيان قتل رئيس دولة أو رئيس وزارة أو وزير, أو مدير أمن أو نحو ذلك, ولكن هذا لا يحل المشكلة فكثيرا ما يأتي بدل الذاهب من هو أشد منه وأذكى وأقسى في التعامل مع الإسلاميين, حتى يقول القائل:



    رب يوم بكيت منه, فلما

    صرت في غير بكيت عليه



    أو كما قال الآخر:

    دعوت على عمرو فمات, فسرني

    بليت بأقوام, بكيت على عمرو
    د/يوسف القرضاوي
    الرابط
    http://www.qaradawi.net/site/topics...35&version=1&template_id=119&parent_id=13#top
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-02-24
  3. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    مناقشة الجماعات في شرعية العنف وجدواه

    ضرورة إقناع الجماعات في أمرين مهمين
    الأساليب التي تستخدمها الجماعات للرد على الحكومات
    ضرورة إقناع الجماعات في أمرين مهمين

    ينبغي على أهل العلم و الفكر وأهل الرأي و الحكمة أن يجادلوا جماعات العنف بالتي هي أحسن كما أمر الله تعالى وأن يناقشوهم, أو قل يناقشوا قادتهم وعقلاءهم بالحكمة و المنطق الهادئ, ويقنعوهم بالحجة البالغة في أمرين مهمين.



    أحدهما: مدى شرعية العنف بالصورة التي يمارسونها, ويشهدها الناس وإنها لا تستند إلى محكمات الشرع لا في نصوصه البينة ولا في مقاصده الكلية.



    والثاني: مدى جدوى هذا العنف لو افترضنا شرعيته, هل غير وضعا" فاسدا ؟ أو أقام حكما عادلا ؟ أو حقق هدفا من الأهداف الكبرى للأمة؟؟



    لقد أعلنت جماعات (الجهاد) ومن في حكمها مثل جماعة التكفير و الجماعة الإسلامية, و السلفية الجهادية, انتهاء بـ (تنظيم القاعدة), الحرب على الحكومات القائمة واختارت أسلوب الصدام المسلح, ولم تكتف بالبيان و البلاغ, أو التربية و التوجيه, أو أسلوب التغيير السلمي بالكفاح الشعبي في الجامعات و النقابات و المساجد والكفاح السياسي بدخول حلبة الانتخابات, ودخول البرلمانات لمقاومة التشريعات المخالفة للإسلام أو لحريات الشعب ومصالحه.

    إلى أعلى

    الأساليب التي تستخدمها الجماعات للرد على الحكومات

    ولما كانت هذه الجماعات لا تملك القوة العسكرية المكافئة أو المقاربة لقوة الحكومات, فقد اتخذت أساليب في المصادمه تتفق مع إمكاناتها.



    منها أسلوب الإغتيال ومنها أسلوب التخريب للمنشآت الحكومية.

    وهذان الأسلوبان يصحبهما في الغالب إصابة مدنيين براء, ليس لهم في الثورة ولا في الطحين, كما يقول المثل, ففيهم أطفال ونساء وشيوخ وكثيرا ما ينجو المقصود بالإغتيال في حين يقتل عدد من المدنيين غير المقصودين.



    ومعلوم أن قتل من لا يقاتل في الحرب بين المسلمين و الكفار لا يجوز, فكيف يقتل المسلمين ؟ وفي الحديث (لزوال الدنيا أهون عند الله قتل امرئ مسلم بغير حق ).



    كما أن تدمير المنشآت الحكومية إنما هو في الحقيقة تدمير لممتلكات الشعب في النهاية.

    ومن أساليبهم ضرب السياح وهم قوم (مستأمنون) بلغة الفقه الإسلامي قد أعطوا الأمان من قبل الدولة التي أمنتهم بإعطائهم سمه (تأشيرة) الدخول فيجب أن يحترم أمانهم ولا تخفر ذمتهم, ولا يعتدى عليهم في نفس ولا مال, ولو كان الذي أعطاهم الأمان عبد من المسلمين فقد جاء في الحديث (المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم) وقال عليه الصلاة و السلام (ذمة المسلمين واحدة, فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين ).



    وقال الرسول الكريم لأم هانئ وقد أجارت أحد أحمالها من المشركين (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ).



    وقد فصلنا الحديث عن الأمان في دراستنا الموسعة عن ( فقه الجهاد).

    وقد تبين للدارسين و المراقبين لأعمال العنف و المقاومة المسلحة أنها لا تحقق الهدف منها فلم تسقط بسببها حكومة بل لم تضعف بسببها حكومة.



    كل ما يمكن أن تنجح فيه جماعة العنف في بعض الأحيان قتل رئيس دولة أو رئيس وزارة أو وزير, أو مدير أمن أو نحو ذلك, ولكن هذا لا يحل المشكلة فكثيرا ما يأتي بدل الذاهب من هو أشد منه وأذكى وأقسى في التعامل مع الإسلاميين, حتى يقول القائل:



    رب يوم بكيت منه, فلما

    صرت في غير بكيت عليه



    أو كما قال الآخر:

    دعوت على عمرو فمات, فسرني

    بليت بأقوام, بكيت على عمرو
    د/يوسف القرضاوي
    الرابط
    http://www.qaradawi.net/site/topics...35&version=1&template_id=119&parent_id=13#top
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-02-24
  5. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    الإسلام والعنف
    نظرات تأصيلية

    العنف في اللغة

    قال في القاموس: العَُِنف - مثلثة العين - مقابل الرفق. ومن اللغويين: من اقتصروا على ضم العين.

    فكلمة العنف تتضمن معنى: الشدة والغلظة.

    وقد جاءت بعض الأحاديث النبوية تقابل الرفق بالعنف، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".[1]

    وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب الرفق، ويبغض العنف، ويدعو أصحابه إلى الرفق في كل شيء.

    روت عنه عائشة قوله: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".[2]

    وقال: "إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق. ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير".[3]

    وقد لاحظت أن هذه المادة (ع ن ف) لم ترد في القرآن لا مصدرا ولا فعلا ولا صفة.

    مصطلح (العنف) في عصرنا ومفهومه

    وقد اشتهرت كلمة (العنف) في عصرنا، وأصبحت مصطلحا شائعا مجرَّما ومذموما، وهو يشمل مجالات عدة: في المجال الأسري: في العلاقة بين الزوج وزوجته، وبين الوالدين والأولاد، وبين رب الأسرة وربتها والخدم، وفي المجال الاجتماعي: في العلاقة بين أرباب العمل والعمال، وبين الأقوياء والضعفاء بصفة عامة. وفي المجال التربوي: في العلاقة بين المعلمين والتلاميذ. وفي المجال التشريعي: في تشديد العقوبات على المجرمين حيث يتهم بعض الغربيين (الحدود) أو العقوبات الإسلامية بالعنف والقسوة.

    وأكثر ما اشتهر العنف في عصرنا في المجال السياسي، وهو المقصود بالحديث عند الإطلاق. وقد اشتد النكير عليه، والتجريم له في الآونة الأخيرة، وإن لم يحدده من أطلقوه وجرموه.

    وأكثر من يُتهم بالعنف المسلمون، وأكثر من يتهمهم به الغربيون. والواقع يقول: إن الغربيين هم أكثر الناس عنفا، وإن المسلمين في العالم كله هم ضحايا هذا العنف، ودماؤهم وحرماتهم مستباحة في كل مكان.

    وحديثنا في هذه الورقة عن (العنف السياسي) وموقف المسلمين منه.

    فما المراد بلفظ: (العنف) في المجال السياسي الذي ذمّه من ذمّه، وجرّمه من جرّمه؟

    وهل اتهام المسلمين بالعنف صحيح؟ وإن صح هذا، فهل الإسلام هو الذي دعاهم إلى العنف؟

    فلنحاول أن نحدد ـ ولو بالمقاربة ـ مفهوم (العنف) المقصود في بحثنا هذا، وفي مؤتمرنا هذا.

    العنف في المفهوم الشائع هو: استخدام القوة المادية أو العسكرية لقهر الخصوم بلا ضابط من شرع أو خلق أو قانون، وبلا مبالاة بما يحدث من جرائها من أضرار على المدنيين والبرآء. وقد يحدث هذا العنف من الأفراد، أو من الجماعات، أو من الحكومات.

    ولكنا نلاحظ ـ عند التطبيق ـ أن بعض الجماعات تتهم بالعنف، وهي منه براء.

    ولكن العنف فيما أرى هو: استخدام الشدة والغلظة، في غير موضعها، أو في غير أوانها، أو بأكثر مما يلزم، أو بغير حاجة إليها، أو بدون ضوابط استعمالها.

    وإنما قلت: (الشدة)، ولم أقل: استخدام القوة المادية أو العسكرية، كما هو الشائع والمقصود لدى الكثيرين.

    لأن العنف ـ في نظر الإسلام ـ لا يقتصر على القوة المادية أو العسكرية، بل العنف يشمل ـ فيما يشمل ـ الكلام والجدال.

    والإسلام يرفض العنف بلا مبرر، سواء كان في القول أم في الفعل.

    ولهذا كان منهج الدعوة في الإسلام قائما على الرفق لا على العنف، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء: 53).

    فأمر عباده المؤمنين أن يتحروا ـ في خطابهم لغيرهم ـ الكلمة التي هي أحسن، وليس مجرد الكلمة الحسنة، فإذا كانت هناك كلمتان أو عبارتان: إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها، فعلى عباده أن يختاروا التي هي أحسن.

    وهكذا يجب أن يتحرى المسلم (الأحسن) في خطابه وفي جداله، وفي دفعه لسيئة غيره، كما قال سبحانه: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة التي تتجسد فيها المعاني والمثل العليا التي جاء بها القرآن، فقد كان خلقه القرآن. روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا (أي في تحيتهم للنبي): السام عليك (أي الموت والهلاك عليك) قلت: بل عليكم السام واللعنة! فقال: "يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قلت: أولم تسمع ما قالوا؟! قال: "قلت: وعليكم"!.[4]

    فهؤلاء اليهود الخبثاء لم يراعوا أدب الخطاب مع الرسول الكريم، بل لوّوا ألسنتهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فبدل أن يقولوا: السلام عليكم يا محمد، قالوا: السام عليك! أي الهلاك والموت. ولكن الرسول الكريم لم يشأ أن يجعل من ذلك معركة، ورد عليهم قائلا: وعليكم، أي الموت يكون علينا وعليكم، وعلم زوجه عائشة الشابة المتحمسة الرفق في الأمر كله.

    وإذا كان الإسلام يرفض العنف في القول، فأولى أن يرفض العنف في الفعل. بمعنى استخدام القوة المادية أو العسكرية في غير موضعها، أي بالحق والباطل، وفي العدل والظلم.

    العنف عند عرب الجاهلية

    وقد كان العرب في جاهليتهم يمدحون الاتصاف بأخلاق القوة والبطش، لا بأخلاق الرحمة والعدل. وحسبك أن تعلم أن منهم من قتلوا أولادهم - ولا سيما البنات - من إملاق واقع، أو خشية إملاق متوقع. وأفظع من ذلك أن يقتلوهم بطريقة الوأد {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 8، 9).

    يقول شاعرهم زهير بن أبي سلمى في معلقته:

    ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم، ومن لا يظم الناس يظلم!

    فكأن الشاعر يحث الناس على أن يبدءوا هم بالظلم، حتى لا يُظلَموا، على نحو ما قال من قال: تغدّ بخصومك قبل أن يتعشوا بك!

    وقال شاعر جاهلي آخر في معلقة أخرى اشتهرت، وهو عمرو بن كلثوم:

    لنا الدنيا ومن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا

    بغاة ظالمين، ومــا ظلمنا ولـكنا سنبدأ ظـالـمـينا


    وفيها:

    ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا!

    وكان مما يساعد على انتشار هذه الأخلاق: (العصبية) العمياء، التي تجعل المرء ينتصر لقومه في الحق وفي الباطل، على ظاهر قولهم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما).

    لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا!

    وقد وُصِف أحد زعمائهم بأنه رجل إذا غضب: غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه: فيم غضب؟!

    فلما أكرمهم الله بالإسلام، أنشأهم خلْقا جديدا، فغير عقائدهم، وغير أفكارهم، وغير سلوكهم. وعلمهم استقامة الفكر، واستقامة الخلق، واستقامة السلوك، وأن يقوموا بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وألا يجرمنهم شنآن قوم وعداوتهم لهم على ألا يعدلوا، وأن يدوروا مع الحق حيث دار. فلا يشهروا سيفهم إلا لإحقاق حق، أو إبطال باطل، أو إقامة عدل، أو نصرة مظلوم.

    وقد فسر لهم الرسول كلمة (انصر أخاك ظالما) تفسيرا جديدا: أن تمنعه من الظلم، فذلك نصرك له.

    لقد أبطل الإسلام حروب الجاهلية، ودعا المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة، وأن يخضع الجميع لقوة الحق، لا لحق القوة، مؤثرا السلم على الحرب، والتسامح على التعصب.

    فهو لا يلجأ إلى القوة إلا مضطرا لدفع اعتداء، أو لدرء فتنة في الدين، أو لإنقاذ مستضعفين، أو نحو ذلك. مما يجعله يخوض المعركة كارها، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} (البقرة: 216).

    ولكنه حين تنتهي المعركة بغير قتال، كما في غزوة الأحزاب، يعلق عليها بمثل هذه العبارات القرآنية: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (الأحزاب: 25).

    وما أروعها وأبلغها من كلمة تدل على مدى رغبة الإسلام في السلم، وحرصه عليه، (وكفى الله المؤمنين القتال) فلم يكن المؤمنون حريصين على القتال لذاته. ولكنهم يضطرون إليه اضطرارا.

    وحين انتهت غزوة الحديبية بالصلح وتوقيع الهدنة ـ بعد أن كادت الحرب تندلع نارها، وبايع الصحابة نبيهم على الموت تحت الشجرة ـ نزلت سورة الفتح منوهة بهذا الصلح التاريخي، وفيها يخاطب الله رسوله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا... الآيات) وسأل أحد الصحابة: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، هو فتح"[5] فلم يكن ليتصور فتحا بغير حرب ولا قتال.

    ويعلم الرسول أصحابه فيقول: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".[6]

    فهو يعتبر السلام من العافية المحمود التي يحرص عليها المسلم، ويدعو الله أبدا أن يوفرها له؛ فهو يسأله العافية في الدنيا والعفو في الآخرة: "اللهم إني أسألك العفو والعافية".[7]

    بل كان النبي الكريم يكره مجرد كلمة (حرب) ولا يحب أن يسمعها، ولهذا قال: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأقبح الأسماء: حرب ومرة".[8]

    ولكن على المسلمين إذا ناداهم المنادي للدفاع عن الدين والنفس والأهل والوطن والحرمات: أن يهبوا سراعا، ولا يتخلفوا أو يثّاقلوا إلى الأرض، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ . إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} (التوبة: 38، 39).

    هل العنف طبيعة عند المسلمين؟
    هذه هي طبيعة الإسلام، وموقف المسلمين، ولكنا ـ للأسف ـ نرى الغربيين يصورون المسلمين كأنما هم سباع مفترسة، وأن هذا ليس أمرا طارئا عليهم، وإنما هو كامن في ثقافتهم المتوارثة، التي يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، والمستمدة من عقيدتهم.

    فعقيدة المسلمين تقوم على الإيمان بإله جبار قهار منتقم، والمسلمون مطالبون أن يتخلقوا بأخلاق الله، فيتشبهوا به في جبروته وقهره وانتقامه، ولهذا لم تأخذ المسلمين في أعدائهم رأفة في دين الله، وقد أمر الله رسولهم بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (التوبة: 73).

    وهذا التصوير للمسلمين: خاطئ وظالم بلا ريب.

    فالله تعالى في العقيدة الإسلامية، كما أنه موصوف بالجبروت والقهر والانتقام: هو موصوف كذلك بالرحمانية والرحمة والرأفة والإحسان والإنعام. كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة: 98)، { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنعام: 165)، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} (الرعد: 6)، (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) (الحجر: 49، 50) وانظر هنا كيف جعل المغفرة والرحمة من أسمائه، وجعل العذاب من أفعاله؟ {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} (غافر: 3).

    وهكذا نجد التوازن بين أسماء القوة وأسماء الرحمة، بين أسماء الجلال وأسماء الجمال، كما يسميها علماء المسلمين.

    ومن تدبر القرآن وجد أسماء الجمال والرحمة والإحسان هي الغالبة، وهي الأكثر ورودا وتكرارا في كتاب الله تعالى.

    بل الواقع أن القرآن لم يذكر اسم (الجبار) لله تعالى إلا في موضع واحد، في أواخر سورة الحشر، ضمن مجموعة من الأسماء الحسنى، فقد قال تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر: 22، 24، 25). ومعنى اسم (الجبار): هو صاحب السطوة الذي يخضع الآخرين لإرادته، ويجبرهم على ما يريد.[9] ولذا وضع بين العزيز والمتكبر، وكلها تدل على القوة. وهذه مطلوبة لتهديد الطغاة والمستكبرين في الأرض بغير الحق، ليعرفوا حجمهم، في مقابلة قوة الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

    ومع ذلك وضع معها اسم (السلام) الذي يتنادى به الناس اليوم، فلا غرو أن اشتهر بين المسلمين وحدهم: اسم (عبد السلام). وبجواره اسم (المؤمن) الذي يؤمن الناس من الخوف، ويهبهم الإيمان والأمان.

    ولم يذكر اسم (القهار) في القرآن إلا ست مرات في سياقات تقتضيها: كما في سورة الرعد {قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الآية: 16). وكما في سورة يوسف حيث قال للسجينين معه، وقد كانا من عباد الأوثان: {يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ليقارنا بين آلهتهم المزعومة وبين هذا الإله العظيم.

    وفي سورة (ص) حيث يقول تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الآية: 65). والله تعالى يأمر رسوله هنا: أن ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الألوهية، وأنه ليس إلا منذرا، وأن الإله الحق هو الله الواحد القهار. فهذه الأسماء توضع في سياقها، لتحقق هدفا.

    أما اسم (المنتقم) فلم يَرِدْ في القرآن مفردا بهذه الصورة، إنما جاء ـ بصيغة أخرى (ذو انتقام) في سياق الوعيد للكفرة والظالمين، كما في سورة آل عمران: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (الآية: 4).

    وفي سورة إبراهيم في سياق التنديد بالظالمين وموقفهم من الرسل والأنبياء: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (الآية: 47).

    وفي سورة الزمر في مجال الرد على من يخوفون الرسول بالأصنام! فقال تعالى: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} (الزمر: 36، 37).

    وجاء بصيغة الجمع في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (السجدة: 22).

    وكذلك في سورة الدخان {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} (الآية: 16).

    وكل هذه الأسماء تدل على صفات (الجلال) لله تعالى، كما أن هناك أسماء تدل على صفات (الإكرام) له سبحانه؛ فهو ـ كما وصف نفسه ـ (ذو الجلال والإكرام) (الرحمن: 27)، وقد يعبر عنها بصفات (الجمال). وهذه الصفات أو الأسماء أكثر ورودا في القرآن الكريم.

    فإذا نظرنا إلى أسماء الرحمة والرأفة والمغفرة والبر والحلم والإحسان وغيرها، نجدها تكررت في القرآن مرات ومرات.

    خذ ما يتعلق باسم الرحمن الرحيم، فنجد 113 سورة في القرآن بدأت بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم). ونجدها في سورة الفاتحة التي يتلوها المسلم في صلاته في اليوم (17) سبع عشرة مرة على الأقل في صلواته اليومية: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم).

    ونجد اسمي (الرحمن الرحيم) قد تكررا في القرآن مقترنين خمس مرات.

    غير المرات المائة وثلاث عشرة في البسملة في أوائل السور.

    ونجد قوله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف: 156). فقيد العذاب بالمشيئة، وأطلق الرحمة بلا قيد.

    ونجد في دعاء الملائكة للمؤمنين: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر: 7).

    ونجد في القرآن سورة تسمى (سورة الرحمن) بدأت بقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ البَيَانَ).

    ونجد القرآن يعتبر اسم (الرحمن) علما على الله تعالى، كاسمه جل شأنه (الله) كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى}. وهذا الاسم تكرر في القرآن (57) سبعا وخمسين مرة، غير مرات البسملة.

    ونجد اسم (الرحيم) قد تكرر في القرآن (95) خمسا وتسعين مرة، غير مرات البسملة.

    تارة مع اسم (الرحمن) وتارة مع أسماء أخرى، مثل اسم (الغفور)، كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).

    وتارة مقترنا باسم (الرؤوف)، كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 143).

    وتارة مع اسم (البَرّ)، كما في قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} (الطور: 28).

    وطورا مع اسم التواب {إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة: 118).

    وطورا مع اسم العزيز (تنزيل العزيز الرحيم) (يس: 5).

    ونجد في القرآن وصفه تعالى بأنه (أرحم الراحمين) خمس مرات، وأنه (خير الراحمين) مرتين.

    فكيف يزعم هؤلاء: أن إله المسلمين إله لا صفة له إلا البطش والجبروت والنقمة والشدة، وأن المسلمين تعلموا منه هذه الصفات.

    وأين هذا مما جاء في (سفر الخروج) من أسفار التوراة مما يؤمن به اليهود والنصارى جميعا من وصف الإله بالغيرة والانتقام، حتى إنه يعاقب الأبناء بذنوب الآباء، والأحفاد إلى الجيل الرابع بآثام الأجداد.

    يقول الله تعالى: (لأني أنا الرب إلهك، إله غيور، أفتقد آثام الآباء في البنين، حتى الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ).[10]

    هذا مع أن القرآن الكريم واضح كل الوضوح في تحميل كل إنسان وزر عمله، ولا يسأل عنها غيره، ولا يعاقب على ذنب جناه سواه، ولو كان أقرب الناس إليه. يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر: 38) ويقول: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 164).

    ويقرر أن هذا متفق عليه بين كتب السماء جميعا: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 36، 37، 38).

    لقد أعلن القرآن: أن رسالة محمد ليست إلا رحمة للناس جميعا، كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107.

    وعبر محمد عن نفسه، فقال: "إنما أنا رحمة مهداة".[11]

    وخاطبه الله تعالى مثنيا عليه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159).

    وكان خلق الرحمة أظهر الأخلاق في رسالته، وأبرزها في سيرته.[12] وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".[13] و"من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله".[14]

    ومدح القرآن الأبرار من عباده بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} {الإنسان: 8، 9}.

    وذم بني إسرائيل بقسوة قلوبهم، فقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} {البقرة: 74}.

    واعتبر القسوة عقوبة من الله لمن اتصف بها، فقال عن بني إسرائيل {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (المائدة: 13).

    وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الماعون: 1-3).

    فاعتبر القسوة التي تؤدي إلى قهر اليتيم، وإهمال المسكين من دلائل الكفر، والتكذيب بالدين.

    هل حضارة الغربيين حضارة مسيحية؟

    ولقد رأينا الغربيين يزعمون أنهم مسيحيون: وأن حضارتهم القائمة اليوم (حضارة مسيحية)[15] ويتباهون بأن المسيحية ديانة سلام ومحبة، وأن المسيح لم يرفع سيفا في وجه أحد، بل قال لأتباعه: "من ضربك على خد الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين، ومن أراد أن يأخذ قميصك، فأعطه إزارك"[16]!! وبهذا لا يقاوم الشر بالشر، ولا يدفع القوة بالقوة. بل دعا المسيح أتباعه أن يحبوا أعداءهم، ويباركوا لاعنيهم![17]

    فما نصيب هذه المقولة من الصحة؟ وهل الغربيون مسيحيون حقا؟ وهل للمسيحية ووصاياها ـ كما جاء بها الإنجيل ـ أثر في حياتهم؟ وهل طبق النصارى أتباع المسيح هذه التعاليم والوصايا في حياتهم وفي علاقاتهم بغيرهم من الأمم وأهل الأديان؟ بل هل طبقوها في علاقاتهم بعضهم ببعض؟.

    التاريخ الحافل، والواقع الماثل، يقولان: إن النصارى أتباع المسيح ـ في جملتهم ـ كانوا أبعد الناس عن هذه الوصايا. ولم يدر منهم أحد خده الأيسر لمن ضربه على خده الأيمن، بل هم ابتدءوا العالمين بالضرب على كلا الخدين، بلا مبرر ولا سبب إلا العدوان.

    ولقد قتل المسيحيون طوال التاريخ من أبناء الشعوب المخالفين لهم، ما تشيب من هوله الولدان، بل قتل بعضهم من بعض بالملايين: مـا لا يزال التاريخ القريب يذكره ولا ينساه.

    قتل الكاثوليك من البروتستانت في بداية ظهورهم بالملايين، وقتل البروتستانت من الكاثوليك ـ بعد انتصارهم عليهم ـ بالملايين.[18]

    وقتل بعضهم من بعض في الحربين العالميتين في القرن العشرين، بالملايين. وكلهم مسيحيون، يؤمنون بالإنجيل، ويدينون بدين المسيح عليه السلام.

    حتى قال بعض الباحثين من المسيحيين الأوربيين: لم يصدق المسيح عليه السلام في نبوءة من نبوءاته، مثلما صدق في قوله: ما جئت لألقي على الأرض سلاما بل سيفا![19]

    وبهذا أثبت التاريخ، وأثبت الواقع كلاهما: أن أتباع دين المحبة والسلام هم أكثر أهل الأديان دموية، وأسرعهم إلى العدوانية، وأشدهم قسوة ووحشية في التعامل مع الآخرين.

    وهذا ما نراه رأي العين، ونلمسه لمس اليد، في يومنا هذا من القوة العالمية العظمى، القوة (المتألهة) في العالم، وهي (قوة أمريكا) التي تتصرف في الأرض، تصرف الإله في السماء، فهي (لا تُسأل عما تفعل) ولا يقف أمام رغبتها شيء، وقد رأينا أثرها العسكري في أفغانستان والعراق. وقد جسدت موقفها الديني والأخلاقي فيما صنعته في سجون العراق، وخصوصا (سجن أبو غريب). وقبلها في أسرى (جوانتانامو) الذين عوملوا معاملة، لا يقرها دين ولا أخلاق ولا عرف ولا قانون!

    كما تجسد موقفها كذلك في مساندتها المطلقة والدائمة للصهيونية ودولتها المدللة (إسرائيل) التي تمدها بالمال والسلاح لتقتل الفلسطينيين وتدمر منازلهم، وتجرف أراضيهم، وتحرق مزارعهم، وتقلع أشجارهم، وتضم أراضيهم إليها بالقوة الطاغية، وتعزلهم وتمزقهم بعضهم عن بعض بوساطة الجدار العازل، وتخرب كل البنى التحتية لمجتمعهم.

    وأمريكا يحكمها اليوم: اليمين المسيحي المتطرف، وعلى رأسه بوش الابن، الذي يتقرب إلى الله أو إلى المسيح بقتل المسلمين وتعذيبهم وتجويعهم! وهو يستخدم (العنف) في الأرض باسم السماء، ويعتبر نفسه ـ كما يعتبره أنصاره المقربون منه ـ رسول السماء. حتى قال بعضهم: ليست الانتخابات هي التي جاءت ببوش إلى البيت الأبيض، الله هو الذي جاء ببوش! على نحو ما كان يعتقد (جنكيز خان) في حروبه القديمة، التي دمر بها ممالك، وهدم حضارات!!.

    التوراة والعنف

    ومن أراد أن يعرف فضل ما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في شأن استخدام القوة مع المخالفين، بالنسبة لما كان عليه الوضع في الشرائع القديمة، والأمم السابقة، فعليه أن ينظر ـ ولو نظرة سريعة عاجلة ـ إلى ما اشتملت عليه (التوراة) الحالية، التي يؤمن بها اليهود والنصارى جميعا، على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: أنه ما جاء لينقض الناموس (الذي جاء به موسى)، بل جاء ليتممه.[20]

    ولا أدري أقرأ الغربيون الذين يتهمون الإسلام بأنه (دين السيف)، والذين يزعمون أنهم يؤمنون بـ (الكتاب المقدس) ومنه التوراة: هذه النصوص التي سأوردها أم لم يقرءوها؟ وإذا قرءوها فهل وَعَوْها أو لم يعوها؟

    فأنصت أخي القارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال، واستخدام القوة أو العنف مع المخالفين.

    تقول التوراة في (سفر تثنية الاشتراع) في (الإصحاح العشرين) تحت عنوان (شرائع حصار وفتح المدن البعيدة) وأعتقد أن هذا العنوان من وضع ناشري التوراة، في الفقرة العاشرة وما بعدها:

    (وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا). انتهى.

    هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل، أو لليهود المؤمنين بشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها: إذا أجابت دعوة السلم والصلح، فجميع أهلها عبيد لهم بلا استثناء! وإذا لم تسلّم لهم فليحاربوا، وإذا سقطت في أيديهم، فعليهم أن (يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف) هكذا أمرهم الرب الإله. ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلاء بديلا لقتلهم بحد السيف: أن يدخلوا في دين اليهودية مثلا، أو يدفعوا لهم جزية، أو غير ذلك. ولم يستثن أمر (الرب الإله) أحدا من الذكور: لا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.

    وقد قال القرآن هنا: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد: 4)، فاكتفى القرآن في قتال الأعداء: أن يثخنوهم، أي يضعفوهم، وفي هذه الحالة عليهم أن يشدوا الوثاق. أي: يأسروا بدل أن يقتلوا.

    وقال القرآن أيضا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29)، فجعل للأعداء المحاربين فرصة تنجيهم من القتل، ومن الدخول في الإسلام جبرا، وهي إعطاء الجزية عن يد أي عن قدرة، وهي مبلغ زهيد في مقابل التكفل بالدفاع عنهم.

    شرائع حصار وفتح مدن أرض الموعد

    أما شعوب المنطقة التي يطلق عليها (أرض الموعد) أو (أرض الميعاد) فتقول التوراة في شأنها: (أما مدن الشعوب التي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تستبْقوا فيها نسمة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثِّيِّين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمركم الرب إلهكم، لكي لا يعلِّموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادة آلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الرب إلهكم[21]) انتهى.

    هذه الشعوب الستة، يجب أن تباد إبادة تامة، دون أن يبدءوا بالدعوة، أو تقبل منهم جزية، أو يعقد معهم صلح أو هدنة. ليس هناك إلا السيف. والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة، ولا ذنب لها إلا أنها سكنت ما سمَّوه (أرض الميعاد) قبلهم.

    ويعلق شراح التوراة على هذه الفقرة فيقولون: "كيف يمكن لإله رحيم أن يأمر بإهلاك كل المراكز الآهلة بالسكان؟ لقد فعل ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الأوثان، التي كانت، ولا بد، ستجلب الخراب عليهم (20:18) وفي الحقيقة، لأن بني إسرائيل لم يقضوا تماما على هذه الشعوب الشريرة كما أمرهم الله، تعرضوا باستمرار لاضطهادهم، وإلى الكثير من سفك الدماء والتخريب، أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات الله قبل كل شيء!! اهـ.

    وهكذا ترى هؤلاء الشراح برَّروا هذه الإبادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الرب الإله! بل أظهروا الأسف على نجاة أناس من الشعوب التي لم يبدها سيف إسرائيل!.

    فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟

    إن البلاد القريبة - التي يطلق الشراح عليها (أرض الموعد) - (لا تُستبقى فيها نسمة حية!) يعني: إبادة كاملة، الاستئصال لأهل هذه البلاد! فلا تستبعد ما صنعه الأوربيون المسيحيون حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية، من استئصال الهنود الحمر، أهل البلاد الأصليين!! ولا تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى (أستراليا) واكتشفوها وقضوا على سكانها الأصليين. وقد استخدم هؤلاء وأولئك في إبادة السكان الأصليين وسائل وأساليب لا تمت إلى الأخلاق، ولا إلى الإنسانية بصلة، ووصفها بـ (الوحشية) ظلم كبير للوحوش؛ لأن الوحوش لا تقتل من الحيوانات الأخرى إلا ما تحتاج إليه لأكلها. فإذا شبعت كفّت. وهؤلاء لا يشبعون من قتل، ولا يرتوون من دماء، وإن سالت مدرارا.

    إن فكرة استئصال الأمم والشعوب والأخرى وإبادتها: (فكرة توراتية) أصيلة توارثها قراء التوراة من اليهود والنصارى. وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، لا بالنسبة إلى (الأمم البشرية) فحسب، بل بالنسبة إلى (الأمم الحيوانية) أيضا. فلم يجز الإسلام إبادة نوع أو أمة من العجماوات لسبب من الأسباب، وقال في ذلك رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها"[22] أي بإبادتها وتخليص الناس من أذاها.

    ولكنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى الأمر نظرة أعمق، فرأى أن هذه الكلاب (أمة) - بتعبير القرآن - لها خصائصها وصفاتها التي ميزتها عن غيرها من الأجناس التي خلقها الله، وإنما خلقها لحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وقد قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} (الأنعام: 38).

    وبهذه النظرة المتسامية سبق الإسلام بنحو أربعة عشر قرنا: ما تنادت به البشرية اليوم من ضرورة الحفاظ على الأجناس الحية من الانقراض، وهو ما يسمونه (مبدأ نوح) عليه السلام.[23] وذلك حين حمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين، ليحافظ على أجناس الحيوانات التي يتوقع أن يهلكها الطوفان.

    فانظر إلى هذا الأفق الرفيع الذي ارتقى الإسلام بالبشرية إليه، في المحافظة على أجناس الدواب والطيور وغيرها، واعتبارها (أمما أمثالنا) وقارن بينه وبين ذلك الحضيض الذي انحدر إليه الغربيون الذين رضعوا فكرة التوراة الاستئصالية مع لبان أمهاتهم. فاقترفوا من جرائم الإبادة ما يندى له جبين التاريخ.

    وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصابات اليهودية الصهيونية بأهل فلسطين، وشعب فلسطين؟ لقد قاموا بجملة مذابح بشرية رهيبة، من قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، بلا هوادة ولا رحمة، ولا مراعاة لأي اعتبار إنساني، كما فعلوا في (دير ياسين) وغيرها، حتى بقروا بطون الحوامل، وأخرجوا الأجنة من أحشائها، وعبثوا بها بسنان أسلحتهم، وهم يتضاحكون! وقتلوا الابن أمام عين أبيه، وعين أمه الوالهة! وذبحوا الأب والأم أمام أعين أبنائهما وبناتهما، وبهذه الوحشية أدخلوا الرعب في قلوب الفلسطينيين، ففروا من ديارهم مذعورين، وتركوها لهؤلاء السفاحين الإرهابيين.

    لقد كان هؤلاء المجرمون السفاحون يطبقون شريعة التوراة التي لُقّنوها: ألا تدعوا فيها نسمة حية!!.

    هذه هي شريعة التوراة بالنسبة لهذه الشعوب: دمِّروها عن بكرة أبيها! لا تبقوا فيها نسمة حية! هكذا أمر الرب الإله موسى وقومه وأتباعه: أن يفعلوا بهذه المدن وأهلها حين تقع في أيديهم، وقد أمروا أمرا ملزما: أن يبدءوا بقتالهم وقتلهم. لا يدعونهم إلى دين يعتنقونه، أو يقبلون منهم جزية يدفعونها، فليس لهم خيار إلا السيف.

    وقد طبق موسى[24] ويوشع من بعده وداود هذه التعاليم حرفيا، فأبادوا شعوبا بأسرها، وقتلوا عشرات الألوف ومئات الألوف من مخالفيهم بلا هوادة ولا رحمة، فكانوا كما خاطب الله بني إسرائيل في القرآن: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (البقرة: 74).

    فأين هذا مما جاء به القرآن من قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} البقرة: (190-191). ولم يسمح القرآن بالاعتداء على الأعداء، حتى مع شدة بغضهم للمسلمين وشدة بغض المسلمين لهم (وهو الشنآن) وحتى مع صدهم للمسلمين عن العبادة في المسجد الحرام، كما قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا} (المائدة: 2).

    وأين هذا مما جاء به القرآن ـ حتى بعد ما سموه (آية السيف) ـ من قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} التوبة: 6)؟.

    وأين هذا من قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِن يُّرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 61-62).

    وأين هذا من أخلاقيات الحرب التي جاء بها الإسلام؟ فلا يقتل إلا من يقاتل. ولا تقتل امرأة ولا وليد، ولا شيخ كبير. ولا أعمى أو زمن أو راهب في صومعة أو فلاح يحرث الأرض أو غيرهم من المدنيين الذين لا شأن لهم بالحرب.

    لقد أمر القرآن الكريم عند لقاء الجيوش في الحرب: أن يضربوا رقاب أعدائهم، حتى يثخنوهم، (أي يضعفوهم) فإذا أثخنوهم وكسروا شوكتهم كفوا عن القتل، ولجئوا إلى الأسر، وبعد الأسر يخير المسلمون بين المن على الأسرى ومفاداتهم بمال أو بأسرى المسلمين. يقول تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (محمد: 5).

    فأين من هذا ما قرأناه في التوراة التي تقول: (أبيدوهم عن بكرة أبيهم)؟!

    لقد شرع الإسلام الأسر بعد الإثخان، كما شرع إحسان معاملة الأسرى، كما أمر النبي أصحابه به في أسرى بدر أن يستوصوا بهم خيرا. وقال تعالى في مدح الأبرار من عباده: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} (الإنسان: 8)

    ونهى المسلمين عن الانتقام من جثث القتلى والتمثيل بها بعد موتها، وحذر رسول الله قواده من ذلك، كما نهى عنه الخلفاء الراشدون.

    وحين أرسل إلى أبي بكر الخليفة الأول برأس قائد من قواد الأعداء، أنكر ذلك، وقال: بغيتم! كما قال: لا تأتوا بالجيف إلى مدينة رسول الله![25]

    ولما قيل له: إنهم يفعلون ذلك برؤوس قادتنا! قال: آستنان بفارس والروم؟ والله لا يحمل إلي رأس بعد اليوم. إنما يكفي الكتاب والخبر.[26]

    بين العنف والإرهاب

    هل العنف والإرهاب شيء واحد؟ أم بينهما فرق؟

    بعض الذين تحدثوا في الموضوع لم يجعلوا بينهما فرقا.

    ورأيي: أن بينهما عموما وخصوصا، كما يقول أهل المنطق؛ فكل إرهاب عنف، وليس كل عنف إرهابا.

    إذ العنف - فيما رأينا -: أن تستخدم فئة من الناس: القوة المادية في غير موضعها، وتستخدمها بغير ضابط من خُلُق أو شرع أو قانون.

    ومعنى (في غير موضعها): أن تستخدم القوة حيث يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي أحسن، وهي حين تستخدم القوة لا تبالي من تقتل من الناس، ولا تسأل نفسها: أيجوز قتلهم أم لا؟ وإذا سألت يوما، فهي تعطي نفسها سلطة المفتي والقاضي والشرطي.

    هذا هو العنف الذي نجرمه. أما الإرهاب فهو: أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وتخويفهم وإيذائهم بوجه من الوجوه، وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في رأيك.

    ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة ـ عادة ـ أية قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، إنما يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة، مثل: حكومة الطائرة المخطوفة، أو حكومة الركاب المخطوفين لتحقيق مطالب له: كإطلاق مساجين أو دفع فدية، أو نحو ذلك، وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة، أو فجروها بمن فيها.

    كما يدخل في ذلك: احتجاز رهائن لديه، لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولكن يتخذهم وسيلة ضغط: لتحقيق مطالبه أو يقتل منهم من يقتل، كما تفعل جماعة أبو سياف في جنوب الفلبين وغيرهم من الجماعات المماثلة.

    ومن ذلك: قتل السياح في مصر، كما في مذبحة الأقصر، لضرب الاقتصاد المصري، للضغط على الحكومة المصرية.

    ومن ذلك: ما حدث في الحادي عشر سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، من اختطاف الطائرات المدنية بركابها: من المدنيين الذين ليس بينهم وبين خاطفيها مشكلة أو نزاع، واستخدامها (آلة هجوم) وتفجيرها بمن فيها، للضغط والتأثير على السياسة الأمريكية.
    وكذلك ضرب المدنيين البرآء: في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وهم أناس ليس بينهم وبين ضاربي البرجين مشكلة، ولا علاقة لهم بصنع القرار السياسي، وكلهم موظفون عاديون يؤدون عملهم اليومي الذي يعيشون منه، ومنهم مسلمون وغيرهم.

    وإذا كنا ندين العنف بصفة عامة، فنحن ندين الإرهاب بصفة خاصة، لما فيه من اعتداء على أناس ليس لهم أدنى ذنب يؤاخذون به. والقاعدة التي جاء بها القرآن وكتب السماء[27]: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 38) ولما فيه من ترويع البرآء الآمنين، وترويعهم في نظر الإسلام: ظلم عظيم.

    وقد أصدرت فتوى - منذ بضعة عشر عاما -: بتحريم خطف الطائرات، وذلك بعد حادثة خطف الطائرة الكويتية، وبقاء ركابها فيها محبوسين: ستة عشر يوما، كما قتلوا واحدا أو اثنين من ركابها.

    كما أفتيت بتحريم حجز الرهائن والتهديد بقتلهم، إنكارا على ما اقترفته جماعة (أبو سياف) في الفلبين، فهؤلاء الرهائن لا جرم لهم، إلا أن القدر أوقعهم في أيديهم.

    وكذلك أصدرت بيانا ـ عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ـ دِنْتُ فيه هذا العمل ومقترفيه، أيا كان دينهم، أو جنسهم أو وطنهم.

    وليس هذا موقفا شخصيا مني، ولكني استمددته من الإسلام ومصادره: من قرآنه وسنته، وفقه شريعته، على اختلاف مذاهبه.

    بين الجهاد المشروع والعنف الممنوع

    ومن اللازم هنا: أن نميز بوضوح بين (الجهاد) الذي فرضه الإسلام دفاعا عن الدين أو الدار (الوطن) أو الحرمات والمقدسات.. وبين (العنف) الذي نَدينه ونجرّمه.

    فكل من الجهاد والعنف يستخدم القوة المادية في تحقيق هدفه.

    ولكن الجهاد يتميز بوضوح هدفه، ووضوح وسائله، والتزامه بأحكام الشرع، ومكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام: قبل القتال، وأثناء القتال، وبعد القتال.

    أما (العنف) - كما يقوم به بعض الجماعات التي تنسب إلى الإسلام - فينقصه الوضوح في الرؤية، سواء للأهداف أم للوسائل، أم للضوابط الشرعية، وعامة من يقوم به من الشباب المتحمس، الذي لم يتسلح بفقه الشرع، ولا بفقه الواقع، وتغلب عاطفته عقله، وحماسته علمه، ويرى الناس والحياة بمنظار أسود، فيغلب سوء الظن، ويسارع بالاتهام بالفسوق، بل بالكفر الصريح، والكفر الأكبر المخرج من الملة.

    فالجهاد يستخدم القوة في موضعها، وفي أوانها، وبقدر ما توجبه ضرورة الجهاد، ومع الأعداء الذين اعتدوا على الإسلام وأهله، ففتنوهم في الدين أو أخرجوهم من ديارهم، أو عذبوا المستضعفين من المؤمنين، وجاروا على حقوقهم، أو الذين احتلوا أرضه، وانتهكوا حرماته، وداسوا مقدساته، فالجهاد هنا مشروع، عملا بقول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190).

    مشروعية الجهاد في فلسطين

    ومما لا شك فيه: أن أفضل أنواع الجهاد في عصرنا، وأولاها بالمشروعية والفضل: الجهاد لتحرير فلسطين، أرض الإسراء والمعراج، وأرض المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث المسجدين العظيمين، الذي ربطه الله بالمسجد الحرام، فهذا مبتدأ الإسراء، وهذا منتهاه {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} (الإسراء: 1).

    هذه الأرض المقدسة ابتليت بأخبث وأفجر وأشرس أنواع الاستعمار، وهو: الاستعمار الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي الإرهابي الوحشي،[28] الذي لا يرعى لإنسان كرامة ولا حرمة، ولا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يعرف في تعامله عدلا ولا رحمة.

    هذا الاستعمار فرض نفسه - بالأسلوب الدموي والعنف الوحشي - على منطقة ليست له، ولم يكن له فيها وجود قبل أقل من قرن من الزمان، واستطاع بالقوة والكيد ومساعدة الغرب - بريطانيا أولا وأمريكا ثانيا - أن ينتصر على أهل الديار، وأن يشتتهم في الآفاق.

    ومن المقرر فقها: أن على المسلمين في فلسطين أن ينفروا خفافا وثقالا، لطرد العدو الكافر، الذي احتل ديارهم، فهذا فرض عين على جميعهم، كل بما يقدر عليه، وتسقط هنا الحقوق الفردية، حتى إن المرأة لتخرج للجهاد والمقاومة بغير إذن زوجها، والابن بغير إذن أبيه، والخادم بغير إذن سيده؛ لأن حق الجماعة في بقائها والحفاظ عليها ـ أي على حريتها وسيادتها ـ مقدم على حقوق الأفراد من الأزواج والآباء والسادة.

    فإن عجز أهل فلسطين عن طرد العدو وتحرير الأرض - أو تقاعسوا عن ذلك وجبنوا - كان على أقرب الجيران إليهم أن يقاتلوا بجوارهم - أو يحلوا محلهم عند قعودهم - حتى يطردوا العدو الغازي الكافر.

    فإن عجز الجيران أو تقاعسوا عن مقاومة العدو ـ كما هو الحاصل اليوم في دول الطوق ـ وجب على من يليهم، ثم من يليهم حتى يشمل المسلمين كافة.

    هذا ما تفرضه أحكام الشريعة، وما يقرره الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه ومدارسه.

    وهذا هو الواقع بالنسبة لفلسطين، فقد بذل الفلسطينيون أقصى ما عندهم، وقدموا أروع البطولات في الصمود، والعمليات الاستشهادية، والمقاومات الاستبسالية في المدن والقرى والمخيمات، برغم قلة إمكاناتهم من السلاح العتاد والمال، ورغم ضربهم بالصواريخ والدبابات والطائرات، وتدمير منازلهم، وتجريف أراضيهم، وإحراق مزارعهم، واقتلاع أشجارهم، وتهجيرهم من مساكنهم، والتصميم على حصارهم وتجويعهم، حتى يركعوا ويستسلموا للعدو الصهيوني الغاشم. ومع هذا لم تلن لهذا الشعب قناة، ولم يطأطئ له رأس، ولم ينحن له ظهر. ولكن من البَيِّن: أن قدرات الشعب الفلسطيني لا تستطيع قهر العدو الإسرائيلي الذي غدا اليوم يملك ترسانة هائلة من الأسلحة، بما فيها السلاح النووي المحظور ملكه على العرب أجمعين.

    وهنا قد انتقل واجب الجهاد العيني على جيرانهم وأشقائهم من العرب، ولكن للأسف الشديد عجز العرب من حول الفلسطينيين أو قل: استخذَوْا ووهنوا واستكانوا، وتركوا الفلسطينيين وحدهم بإمكاناتهم المحدودة، يواجهون أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط، مؤيدة بإمكانات أعظم قوة عالمية في الأرض، وهي قوة الولايات المتحدة الأمريكية. على حين خاض العرب حرب فلسطين سنة 1948م، وكانت الجامعة العربية وليدة ـ بنت ثلاث سنوات ـ ولم تترك الأمر للفلسطينيين.

    وهنا ينتقل واجب الجهاد العيني إلى المسلمين كافة في أنحاء العالم، عليهم أن ينفروا خفافا وثقالا، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، كل بما يقدر عليه.

    وهذا واجب المسلمين تجاه أي جزء من أرض الإسلام يحتله عدو غاز كافر، فكيف إذا كان هذا الجزء هو أولى القبلتين وأرض الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى؟.

    هنا يتأكد الوجوب على الأمة؛ إنقاذا للمسجد الأقصى ولمقدسات الأمة في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، كما وصفها القرآن الكريم.

    فإذا تقاعست الحكومات عن هذا الواجب المقدس، فعلى الشعوب والجماهير المسلمة: أن تضغط على حكامها بكل ما تستطيع، أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، بواسطة العلماء والدعاة والمفكرين، ورجال الصحافة والإعلام، وأهل الرأي والحكمة، وكل من يمكنه أن يقول كلمة حق، حتى تستجيب لهم الحكومات في النهاية، فإنها لا تستطيع أن تنفصل عن شعوبها انفصالا تاما، لأنه أشبه بانفصال الجسد عن الروح. وعلى الأقل: تتيح الفرصة للقادرين والراغبين من أبناء شعوبنا في الجهاد والاستشهاد، بفتح الطريق لهم ليحققوا آمالهم. ولن تزال طائفة من هذه الأمة قائمة على الحق حتى يأتي أمر الله، حتى يقاتل عصابة في آخر هذه الأمة الدجال.

    ولا تزال الأمة تأمل في رجال أحرار مؤمنين يقودون الأمة إلى الجهاد، ويلبون أشواقها إلى التحرر، مثل الدور الذي قام به من قبل: عماد الدين زنكي وابنه البطل نور الدين محمود الشهيد، وتلميذه صلاح الدين الأيوبي، الذي حقق الله النصر الأول على يديه.

    فهذا الجهاد مشروع بلا ريب، بل مفروض على أهل فلسطين خاصة، وعلى المسلمين عامة، وهم آثمون إذا قصروا أو تهاونوا فيه.

    العمليات الاستشهادية أعلى أنواع الجهاد اليوم

    أما العمليات الإستشهادية التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فهي لا تدخل في دائرة الإرهاب المجرّم والمحظور بحال من الأحوال، وإن كان من ضحاياها بعض المدنيين، وذلك لعدة أسباب:

    أولا: أن المجتمع الإسرائيلي -بحكم تكوينه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي العنصري الاغتصابي- مجتمع عسكري لحما ودما، مجتمع عسكري كله، أي أن كل من جاوز سنّ الطفولة منه، من رجل أو امرأة، مجند في جيش إسرائيل، كل إسرائيلي جندي في الجيش، إما بالفعل، وإما بالقوة، أي هو جندي احتياط، يمكن أن يستدعى في أي وقت للحرب. وهذه حقيقة ماثلة للعيان، وليست مجرد دعوى تحتاج إلى برهان. وهؤلاء الذين يسمونهم (مدنيين) هم في حقيقة أمرهم (عساكر) في جيش بني صهيون بالفعل أو القوة. وخصوصا سكان (المستوطنات) منهم التي أقاموها بالعنف، وأنشئوها قلاعا للعدوان.

    ثانيا: أن المجتمع الإسرائيلي له خصوصية تميزه عن غيره من سائر المجتمعات البشرية، فهو – بالنسبة لأهل فلسطين – (مجتمع غزاة) قدموا من خارج المنطقة - من روسيا أو من أمريكا، أو من أوربا أو من بلاد الشرق- ليحتلوا وطنا ليس لهم، ويطردوا شعبه منه، أي ليحتلوا فلسطين ويستعمروها، ويطردوا أهلها، ويخرجوهم من ديارهم بالإرهاب المسلح، ويشتتوهم في آفاق الأرض، ويحلو محلهم في ديارهم، وأموالهم. ومن حق المغزو أن يحارب غزاته بكل ما يستطيع من وسائل، ليخرجهم من داره، ويردهم إلى ديارهم التي جاءوا منها، ولا عليه أن يصيب دفاعه رجالهم أو نساءهم، كبارهم أو صغارهم، فهذا الجهاد (جهاد اضطرار) كما يسميه الفقهاء لا جهاد اختيار، جهاد دفع لا جهاد طلب. ومن سقط من الأطفال والبرآء فليس مقصودا، إنما سقط تبعا لا قصدا، ولضرورة الحرب.

    ومرور الزمن لا يسقط عن الصهاينة: صفة الغزاة المحتلين المستعمرين، فإن مضي السنين لا يغير الحقائق، ولا يحل الحرام، ولا يبرر الجريمة، ولا يعطي (الاغتصاب) صيغة (المِلْكية) المشروعة بحال. فهؤلاء الذين يسمون (المدنيين) لم يفارقهم وصفهم الحقيقي: وصف الغزاة البغاة الطغاة الظالمين. {أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.

    ثالثا: يؤكد هذا أن الشريعة الإسلامية – التي هي مرجعنا الأوحد في شئوننا كلها – تصف غير المسلمين بأحد وصفين لا ثالث لهما، وهما: مسالم ومحارب. فأما المسالم، فالمطلوب منا أن نبره ونقسط إليه، و إما المحارب فالمطلوب منا أن نحاربه، ونقابل عدوانه بمثله. كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ . فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} البقرة: (190-193).

    ويقول تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8، 9).

    فالصنف الأول (المسالم) ليس له من المسلمين إلا البر والقسط.

    بخلاف الصنف الثاني (المحارب) أو (الحربي).

    وهؤلاء هم الذين يسميهم الفقهاء (الحربيين). ولهم في الفقه أحكامهم الخاصة بهم.

    ومن المقرر شرعا: أن (الحربي) لم يعد معصوم الدم والمال، فقد أسقط بحربه وعدوانه على المسلمين عصمة دمه وماله.

    رابعا: يؤكد ذلك أن فقهاء المسلمين: اتفقوا -أو اتفق جمهورهم- على جواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الجيش المهاجم للمسلمين، أي اتخذ العدو منهم تروسا ودروعا بشرية يحتمي بها، ويضعها في المقدمة، ليكونوا أول من نصيبهم بنيران المسلمين أو سهامهم وحرابهم، فأجاز الفقهاء للمسلمين المدافعين أن يقتلوا هؤلاء المسلمين البرآء، الذين أكرهوا على أن يوضعوا في مقدمة جيش عدوهم –لأنهم أسرى عنده أو أقلية ضعيفة، أو غير ذلك – إذ لم يكن لهم بد من ذلك، وإلا دخل عليهم الجيش الغازي، وأهلك حرثهم ونسلهم. فكان لا بد من التضحية بالبعض، مقابل المحافظة على الكل، وهو من باب (فقه الموازنات) بين المصالح والمفاسد بعضها وبعض.

    فإذا جاز قتل المسلمين الأبرياء المكرهين للحفاظ على جماعة المسلمين الكبرى، فإنه يجوز قتل غير المسلمين، لتحرير أرض المسلمين من محتليها الظالمين: أحق وأولى.

    خامسا: إن الحرب المعاصرة تجند المجتمع كله، بكل فئاته وطوائفه، ليشارك في الحرب، ويساعد على استمرارها، وإمدادها بالوقود اللازم من الطاقات المادية والبشرية، حتى تنتصر الدولة المحاربة على عدوها. وكل مواطن في المجتمع عليه دور يؤديه في إمداد المعركة، وهو في مكانه؛ فالجبهة الداخلية كلها – بما فيها من حرفيين وعمال وصناع – تقف وراء الجيش المحارب، وإن لم تحمل السلاح. ولذا يقول الخبراء: إن الكيان الصهيوني ـ في الحقيقة ـ (إسرائيل) كله جيش.

    سادسا: أن الأحكام نوعان: أحكام في حالة السعة والاختيار، وأحكام في حالة الضيق والاضطرار، والمسلم يجوز له في حالة الاضطرار ما لا يجوز له في حالة الاختيار، ولهذا حرم الله تعالى في كتابه في أربع آيات: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ثم قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 173).

    ومن هنا أخذ الفقهاء قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وإخوتنا في فلسطين في حالة ضرورة لا شك فيها، بل هي ضرورة ماسة وقاهرة، للقيام بهذه العمليات الاستشهادية، لإقلاق أعدائهم وغاصبي أرضهم، وبث الرعب في قلوبهم، حتى لا يهنأ لهم عيش، ولا يقر لهم قرار، فيعزموا على الرحيل، ويعودوا من حيث جاءوا. ولولا ذلك لكان عليهم أن يستسلموا لما تفرضه عليهم الدولة الصهيونية من مذلة وهوان يفقدهم كل شيء، ولا تكاد تعطيهم شيئا!.

    أعطوهم عشر معشار ما لدى إسرائيل من دبابات ومجنزرات، وصواريخ وطائرات، وسفن وآليات، ليقاتلوا بها. وسيدعون حينئذ هذه العمليات الاستشهادية. وإلا فليس لهم من سلاح يؤذي خصمهم، ويقض مضجعهم، ويحرمهم لذة الأمن وشعور الاستقرار، إلا هذه (القنابل البشرية): أن (يُقَنْبل) الفتى أو الفتاة نفسه، ويفجرها في عدوه. فهذا هو السلاح الذي لا يستطيع عدوه -وإن أمدته أمريكا بالمليارات وبأقوى الأسلحة- أن يملكه، فهو سلاح متفرد، ملكه الله تعالى لأهل الإيمان وحدهم، وهو لون من العدل الإلهي في الأرض لا يدركه إلا أولو الأبصار. فهو سلاح الضعيف المغلوب في مواجهة القوي المتجبر، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} (المدثر: 31).

    الرد على شبهات المعارضين

    الذين يعارضون العمليات الاستشهادية يعارضونها لشبهات ثلاث:

    1ـ أنها تدخل في (الانتحار) أي قتل النفس، وإلقائها في التهلكة، والانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام.

    2ـ أنها كثيرا ما تصيب المدنيين الذين لا يحاربون من النساء والأطفال، وهؤلاء يحرم قتلهم في الإسلام، حتى في حرب المواجهة بين الجيوش، وحتى الرجال الذين يُقتلون هم من المدنيين الذين لا يحملون السلاح.

    3ـ أنها أدت إلى إلحاق الأذى والضرر بالفلسطينيين، بسبب عمليات الانتقام الفظيعة التي تقوم بها دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) من قتل وتدمير وإحراق واستباحة للمحرمات. فلو كانت هي مشروعة أصلا لأصبحت محظورة بنتائجها وآثارها. والنظر إلى (مآلات الأفعال) مطلوب شرعا.

    العلميات الاستشهادية أبعد ما تكون عن الانتحار

    فأما الذين يعارضون العمليات الاستشهادية بأنها نوع من (الانتحار) أو (قتل النفس) فهم جد مخطئين، فإن الهدف مختلف تماما بين (الاستشهادي) وبين (المنتحر). ومن ناحية أخرى: من يحلل نفسية (الاستشهادي) ونفسية (المنتحر) يجد بينهما بونا شاسعا.

    فالمنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، لإخفاقه في صفقة أو في حب أو في امتحان، أو غير ذلك، فضعف عن مواجهة الموقف، فقرر الهرب من الحياة بالموت.

    أما الاستشهادي، فهو لا ينظر إلى نفسه، إنما يضحي من أجل قضية كبيرة، تهون في سبيلها كل التضحيات، فهو يبيع نفسه لله، ليشتري بها الجنة، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} (التوبة:111).

    فإذا كان المنتحر يموت فارا منسحبا، فإن الاستشهادي يموت مقداما مهاجما.

    وإذا كان المنتحر لا غاية له إلا الفرار من المواجهة، فإن الاستشهادي له غاية واضحة، هي تحقيق مرضاة الله تعالى، كما قال تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه (أي يبيعها) ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد} البقرة: (207).

    إصابة المدنيين

    أما شبهة إصابة المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال والموظفين والعمال وغيرهم من طبقات المجتمع المدني، ممن لا يحملون السلاح.

    فقد رددنا على هذه الشبهة بما يبطلها فيما مضى، وأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري كله، وأنه مجتمع من الغزاة... إلخ، فليراجع ما كتبناه.

    وبالنسبة للأطفال، نرى الاستشهاديين لا يتعمدون قتل الأطفال، ولا يقصدون ذلك أصلا، ولكن هذا يأتي تبعا، وبحكم الضرورة التي لا يمكن تخطيها. ومن المعلوم: أن للضرورات أحكامها، التي بها تباح المحظورات، وتسقط الواجبات.

    الإضرار بالفلسطينيين

    وأما شبهة الإضرار بالفلسطينيين، وأنها عادت عليهم بالقتل والتدمير والإحراق، بسب عمليات الانتقام الصهيونية، فإن ذراع إسرائيل أطول، وقدرتها على الانتقام أقوى، وهي تكيل بالصاع صاعين، بل عشرة أصوع.

    فنجيب هنا بما يلي:

    أولا: أن إسرائيل كانت دائما هي البادئة بالشر والأذى، والمقاومة هي التي تحاول أن ترد وتدافع عن نفسها، وهذا واضح وضوح الشمس لا يستطيع أن ينكره أحد. ويكفي أن إسرائيل ـ بحكم الشرعية الدولية كما يسمونها ـ تعتبر دولة محتلة لأرض الغير، وأن الفلسطينيين يدافعون عن وطنهم المحتل، ويقاومون عدوا غازيا لهم.

    ثانيا: أن هذا العدوان طبيعة في إسرائيل، منذ قامت وإلى اليوم. بل هي لم تقم إلا على المجازر والاستباحة للدماء والحرمات والأموال. وما كان بالذات لا يتخلف. فلو أغمد الفلسطينيون أسلحتهم الخفيفة القليلة لاستمر الإسرائيليون يقتلون ويذبحون ويدمرون.

    ثالثا: لا ينبغي أن نضخم في أثر الضربات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ونغفل آثار الضربات الاستشهادية في كيان بني صهيون، وما تحدثه من رعب وذعر وتهديد للمستقبل، وشعور بعدم الاستقرار، حتى فكر كثيرون في الرحيل، ورحل بعضهم بالفعل. ناهيك بما تحدثه من أثر في السياسة والسياحة والاقتصاد وغيرها.

    وهو ما جعل إسرائيل وأمريكا من ورائها تحاولان بكل جهد وحيلة: إيقاف العمليات الاستشهادية بأي ثمن، ومن ذلك تحريض السلطة الفلسطينية على ضرب المقاومة والتخلص منها بدعوى مقاومة الإرهاب.

    فإذا كنا نشكو، فهم أكثر شكوى منا، وقد قال تعالى: {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} (النساء: 104).

    جماعات العنف المنسوبة إلى الإسلام
    لقد اشتهر في العقود الأخيرة في عدد من البلاد العربية والإسلامية: تكوين جماعات إسلامية الوجهة، أطلقت على نفسها (جماعة الجهاد). ويعنون بالجهاد ـ أول ما يعنون ـ جهاد السلطات والحكومات الظالمة، التي تحكم بلاد المسلمين، ولا تقيم شرع الله، الذي فرض الله على الأمة أن تحتكم إليه في شئونها كلها: الدينية كالعبادات، والدنيوية كالمعاملات. وكما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة: 183) قال في نفس السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178) فتنفيذ القصاص كتنفيذ الصيام، كلاهما فرض فرضه الله على المؤمنين.

    وكما قال تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة: 6). قال في نفس السورة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة: 38) فلماذا نأخذ بآية الطهارة، ونجمّد آية حد السرقة؟ وكلتاهما أمر من الله جل وعلا؟.

    قامت جماعات الجهاد في مصر وفي الجزائر وفي غيرهما، لمقاومة الحكام الجائرين، بل الكافرين في نظرهم، بعد أن فشل منطق الوعظ والإرشاد مع هؤلاء، ولم يعد يجدي معهم غير القوة التي يستخدمونها بعنف وقسوة ضد خصومهم. قالوا: ولو كان الحوار مع هؤلاء الحكام يجدي لحاورناهم، ولكن هيهات لا يقاوم السيف بالقلم، ولا السنان باللسان!.

    كيف نواجه جماعات العنف في ديارنا؟
    لقد بحث الكثيرون في (ظاهرة العنف) واجتهد من اجتهد في تشخيص الداء، وفي وصف الدواء.

    وقد تبين من الدراسات الجادة: أن العنف ليس ظاهرة إسلامية، بل هو ظاهرة عالمية. وجد في أمريكا ذاتها، ووجد في أوربا (في بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا) ووجد في آسيا (في الهند واليابان) ووجد في إسرائيل نفسها، كما وجد في بلاد إسلامية شتى.

    والذي يهمنا هنا هو علاج العنف في داخل بلادنا العربية والإسلامية: وذلك بالنظر بعمق إلى الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، ومنها: الظلم الواقع على بلادنا من القوى العظمى، وأجلى ما يتمثل: في قضية فلسطين، قضية الشعب الذي اغتصبت أرضه، وأخرج من دياره، وشتت في الآفاق، وفرض عليه كيان دخيل مغتصب، وحتى حين أرغمته الظروف الإقليمية والدولية على الاعتراف بهذا الكيان الظالم، احتل ما بقي من أرضه في الضفة والقطاع، وغدا يتحكم في رقبته، في مأكله ومشربه، في مائه وهوائه، في حركته وانتقاله، ويحاصره ويجوعه، ويضرب شعبه بالطائرات من فوق، والدبابات والمجنزرات من تحت. وأمسينا نشاهد بأعيننا من خلال الشاشات: مئات المنازل تدمر بما فيها من متاع وأثاث وأسباب للحياة، ويترك أهلوها في العراء، حقيقة لا مجازا. والعالم يتفرج على هذه المهزلة أو المأساة، ومجلس الأمن لا يحرك ساكنا، والعرب صامتون صمت القبور، والحكام ـ مع هذا كله ـ على صلة وثيقة بأمريكا التي هي وراء هذا كله. فهو يتم بإذنها ورضاها وعونها ومشاركتها الإستراتيجية. وهناك مظالم أخرى تراها كل عين في أفغانستان وفي العراق.

    ومن أسباب العنف: ما يقوم به الحكام في ديارنا العربية والإسلامية من مظالم وانحراف عن النهج القويم الذي يحقق رضا الله تعالى بتطبيق شرعه، وإقامة عدله في الأرض، وإحلال حلاله وتحريم حرامه، ويحقق آمال الشعوب في حياة الحرية والكرامة، ورعاية الحقوق، وتوفير العيش الكريم الذي يليق بالإنسان المستخلف في الأرض.

    كل هذا من أسباب العنف التي لا يرتاب فيها، ولكنا لا نراها كل الأسباب، ولا أهم الأسباب، كما يرى بعض الدارسين.

    فإن الذي يتعمق في واقع هذه الجماعات الإسلامية التي اتخذت العنف سبيلا لها: يجد بوضوح: أن وراءها أسبابا فكرية ـ هي الأكبر تأثيرا ـ هي التي دفعت هؤلاء الشباب اليوم إلى ما اندفع إليه أسلافهم من قبل من الخوارج، الذين عُرِفوا بأنهم كانوا صوّاما قوّاما قرّاء للقرآن، ومع هذا استحلّوا دماء المسلمين من غيرهم، إذ كانت آفتهم في عقولهم وأفهامهم، وليست في ضمائرهم ونياتهم.

    هناك خلل فكري في رؤيتهم للدين، ورؤيتهم للناس، ورؤيتهم للحياة. والخلل الفكري لا يواجه بالسجون والتعذيب والتنكيل، فإن هذا قد لا يزيدهم إلا تشددا وتعصبا لأفكارهم.

    أجل، المواجهة الأمنية لا تكفي هنا، بل لا بد من مواجهة فكرية علمية معهم، يقوم بها رجال ثقات في علمهم، ثقات في دينهم، غير متهمين بأنهم من علماء السلطة، أو عملاء الشرطة.

    وقد بعث سيدنا علي رضي الله عنه إلى الخوارج الذين ثاروا عليه: سيدنا عبد الله بن عباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن، ليحاجهم ويحاورهم، وما زال يحاورهم ويجادلهم بالحجة والإقناع، حتى رجع منهم عدة آلاف، وبقي بعضهم مصرين على باطلهم.

    وهذا ما ينبغي أن نفعله مع هذه الجماعات التي ارتكبت ما ارتكبت في مصر والجزائر والمملكة السعودية والمغرب وغيرها. وأن نصبر على محاجتهم، ونطيل الوقوف معهم، لنعذر إلى الله، ونقيم الحجة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة.

    مناقشة فقه جماعات العنف

    لا بد أن نعرف: أن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات، التي تنسب للإسلام، إنما هو إفراز لفلسفة معينة، تتبناها هذه الجماعات، وثمرة لفقه خاص له وجهته ومفاهيمه وأدلته، التي تستند إليها هذه الفئة من الناس.

    ومن نظر إلى جماعات العنف، القائمة اليوم في عالمنا العربي (مثلا: جماعة الجهاد.. الجماعة الإسلامية.. السلفية الجهادية.. جماعة أنصار الإسلام.. تنظيم القاعدة): وجد لها فلسفتها ووجهة نظرها، وفقهها الذي تدعيه لنفسها، وتسنده بالأدلة من القرآن والسنة، ومن أقوال بعض العلماء، ومن الواجب: أن نناقش فقههم هذا ونرد عليه[29].

    صحيح: أنها كثيرا ما تعتمد على المتشابهات وتدع المحكمات، وتستند إلى الجزئيات وتهمل الكليات، وتتمسك بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما يعارض هذه الظواهر من نصوص وقواعد، وكثيرا ما تضع الأدلة في غير موضعها، وتخرجها عن سياقها وإطارها، ولكن ـ على أي حال ـ: لها فقه مزعوم يبرر العنف، ويستند إلى التراث، ويروج لدى بعض الأغرار من الشباب، والسطحيين من الناس، الذين يقفون عند السطوح، ولا يغوصون في الأعماق، أساسه فقه الخوارج قديما، الذين كانوا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

    مبررات العنف الداخلي

    بدأت هذه الجماعات: العنف في داخل أوطانها أنفسها، أي العنف ضد الأنظمة الحاكمة.

    فعلى أي أساس بررت ذلك وأجازته: من الوجهة الشرعية، في نظرها على الأقل؟

    تكفير الحكومات القائمة

    إن فقه جماعات العنف، يقوم على أن الحكومات المعاصرة: حكومات غير شرعية، بل هي ـ بصريح العبارة ـ حكومات كافرة؛ لأنها لم تحكم بما أنزل الله، واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق: القوانين التي وضعها المخلوق، وبهذا: وجب الحكم عليها بالكفر والردة، والخروج من الملة، ووجب قتالها حتى تدع السلطة لغيرها. إذ كفرت كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان.

    ويؤكد فقه هذه الجماعات: عدم شرعية هذه الحكومات، أو كفر هذه الأنظمة الحاكمة بأمر آخر، وهي: أنها توالي أعداء الله من الكفار، الذين يكيدون للمسلمين، وتعادي أولياء الله من دعاة الإسلام، الذين ينادون بتحكيم شرع الله تعالى، وتضطهدهم وتؤذيهم. والله تعالى يقول: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة:51).

    ومن دلائل ذلك عند هذه الجماعات: أن هذه الأنظمة فرطت في الدفاع عن المسجد الأقصى، وأرض الإسراء والمعراج، بل بعضها وضع يده في يد الدولة الصهيونية، واعترف بها، وبعض آخر سار في ركاب الأمريكان حماة إسرائيل، وأطلقوا لهم العنان، ليصرفوا أمورهم، ويغيروا مناهجهم، قصدا إلى تغيير ثقافتهم وتفكيرهم، وبذلك يغيرون هويتهم الإسلامية، وشخصيتهم التاريخية!.

    والحكومات المعاصرة: تدافع عن نفسها، وتعارض هذه التهم بدعاوى مختلفة، منها: أنها تعلن أن دينها الرسمي هو الإسلام، وأنهم ينشئون المساجد لإقامة الصلاة، ويعينون الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويؤسسون المعاهد الدينية، والكليات الشرعية، ويوظفون الوعاظ ومدرسي الدين في المدارس وغيرها، ويحتفلون برمضان وعيدي الفطر والأضحى، ويذيعون تلاوة القرآن في الإذاعات والتلفازات، إلى غير ذلك: من المظاهر الدينية، التي تثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه. التي خلاصتها: أنها تؤمن بالإسلام عقيدة لا شريعة، وعبادة لا معاملة، أو تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض.

    كما أن بعض دساتير هذه البلاد يعلن: أن الشريعة مصدر رئيس، أو المصدر الرئيس للتقنين. وبعضها: يعتذر عن عدم تحكيم الشريعة بضعفه أمام قوى الضغط الغربي، وبعضها يقول: تطبيق الشريعة لا يتم دفعة واحدة، وإنما يحتاج إلى التدرج!.

    وبعضهم يقول: نحن لا نوالي الأمريكان، ولكن نداريهم، لأننا أضعف من أن نقاومهم، فنحن نعاملهم بقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} (آل عمران: 28).

    وبعضهم... وبعضهم... يلجأ إلى أعذار شتى يتعلل بها، جلها ليس مقنعا، ولكن تسقط عنهم تهمة (الكفر البواح).

    فتوى ابن تيمية

    كما تعتمد جماعات العنف: على فتوى الإمام ابن تيمية ـ في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام ـ كالصلاة أو الزكاة، أو الحكم بما أنزل الله: في الدماء والأموال والأعراض، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخره. وهو ما اعتمد عليه كتاب (الفريضة الغائبة) لجماعة الجهاد، وجعل هذه الفتوى: الأساس النظري لقيام جماعته، وتسويغ أعمالها كلها.

    ويستدلون هنا: بقتال أبي بكر ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، لمانعي الزكاة.

    فكيف بمن يمتنعون عن تطبيق أكثر أحكام الشريعة، برغم مطالبة جماهير الناس بها، بل هم أشد الناس خصومة لهؤلاء، وتضييقا عليهم، ومعاداة لهم؟!.

    ونسي هؤلاء، أن الذي يقاتل هذه الفئة الممتنعة: ولي الأمر، كما فعل سيدنا أبو بكر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح الأمر فوضى!.

    حكومات مفروضة على الأمة قسرا

    وتعتمد جماعات العنف أيضا: على أن هذه الأنظمة غير شرعية، لأنها لم تقم على أساس شرعي من اختيار جماهير الناس لها، أو اختيار أهل الحل والعقد، وبيعة عموم الناس، فهي تفتقد الرضا العام، الذي هو أساس الشرعية، وإنما قامت على أسنة الرماح بالتغلب والسيف والعنف. وما قام بقوة السيف: يجب أن يقاوم بسيف القوة، ولا يمكن أن يقاوم بسيف القلم!

    ونسي هؤلاء ما قاله فقهاؤنا من قديم: أن التغلب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقرّ له الوضع، ودان له الناس.

    وهذا ما فعله عبد الملك بن مروان، بعد انتصاره على ابن الزبير رضي الله عنه، وقد أقره الناس، ومنهم بعض الصحابة: مثل ابن عمر وأنس وغيرهما، حقنا للدماء، ومنعا للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم.

    وهذا من واقعية الفقه الإسلامي، ورعايته لتغير الظروف، وحرصه على حقن الدماء، وسد أبواب الفتن، التي إذا فتحت قلما تسد، فهو يقبل أهون الشرين، وأخف الضررين، عملا بفقه الموازنات.

    حكومات تقر المنكر وتحل ما حرم الله

    وترى جماعات العنف كذلك: أن هذه المنكرات الظاهرة السافرة ـ التي تبيحها هذه الحكومات ـ: من الخمر، والميسر، والزنى، والخلاعة والمجون، والربا، وسائر المحظورات الشرعية: يجب أن تغير بالقوة لمن يملك القوة، وهي ترى أنها تملكها، فلا يسقط الوجوب عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد، كما في الحديث الشهير: "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه".[30]

    ويغفل هؤلاء: الضوابط والشروط اللازمة لتغيير المنكر بالقوة، التي قررها العلماء. وقد بيناها في بعض كتبنا.[31]

    وبعض هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كله: أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن من لم يكفّر الكافر: فهو كافر!.

    وبهذا توسعوا وغلوا في (التكفير)، وكفّروا الناس بالجملة.

    وعلى هذا: لا يبالون من يُقتل من هؤلاء المدنيين، الذين لا ناقة لهم في الحكومة ولا جمل: لأنهم كفروا فحلت دماؤهم وأموالهم!.

    كما يرون بالنظر إلى الأقليات غير المسلمة: أنهم نقضوا العهد، بعدم أدائهم للجزية، وبتأييدهم لأولئك الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية، ولرفضهم للشريعة الإسلامية. و بهذا لم يعد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا ذمة، وحل دمهم ومالهم. وبهذا استحلوا سرقة محلات الذهب: من الأقباط في مصر، كما استحلوا سرقة بعض المسلمين أيضا.

    وهم يرون: أن السياح وأمثالهم، الذين يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية، والذين يعدّهم الفقهاء (مستأمنين) ولو كانت دولهم محاربة للمسلمين، يرون هؤلاء مستباحي الدم، لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها: محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين. والواجب: أن يقاتل هؤلاء ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم!!.

    وكذلك يقول هؤلاء عن الدول الغربية ـ التي يقيم بعض هؤلاء فيها ـ وقد أعطتهم: حق الأمان، أو حق اللجوء السياسي: لمن طردوا من بلادهم الأصلية، فآوتهم هذه الدول من تشرد، وأطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف.

    يقول هؤلاء بكل جرأة وتبجح: إن هذه الدول كلها كافرة، محاربة للإسلام وأمته، ويجب أن نقاتلهم جميعا حتى يُسلموا فيَسْلَموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولما سئل بعضهم عن إقامته في هذه البلاد، قال: إنها كدورة المياه، نستخدمها للضرورة، رغم نجاستها.

    وهؤلاء الكفار: دماؤهم حلال، وأموالهم حلال للمسلمين، بنصوص الدين.

    ويذكرون هنا آيات وأحاديث: يضعونها في غير موضعها، فإذا واجهتهم بغيرها: من الآيات والأحاديث، التي هي أكثر منها وأظهر وأصرح، قالوا لك: هذه نسختها آية السيف!.

    وإن كنت لاحظت نوعا من التطور في (فقه القاعدة) ظهر في المبادرة الأخيرة التي أطلقها زعيم القاعدة أسامة بن لادن في شهر إبريل 2004م يدعو فيها الأوربيين أن يتعهدوا بالتخلي عن أمريكا وعدم التصدي لقتال المسلمين، وهو يعهد لهم ـ في مقابل ذلك ـ ألا يتعرض لهم بأذى لا في بلادهم ولا في سفاراتهم ولا في مصالحهم في الداخل أو الخارج.

    وهذا يعتبر نقلة مهمة في فقه زعيم القاعدة وجماعته، فقد كانوا من قبل يرون قتال اليهود والنصارى جميعا، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهم في هذه المبادرة يكفّون أيديهم عمن كفّ يده عن المسلمين، ولم يساند أمريكا في حربها على العالم الإسلامي.

    هذا هو فقه جماعات العنف باختصار، الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا في بعض البلاد من مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان: ضد مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين.

    وهو بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخطل من كل جانب. ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية: لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطئوا فيه: في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.

    خلل مركب في فقه جماعات العنف

    فهناك خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير المسلمين، واعتقادهم وجوب قتال كل الكفار، وإن كانوا مسالمين. وهذا ناقشناه باستفاضة في كتابنا (فقه الجهاد)[32].

    وهناك خلل في العلاقة بأهل الذمة من النصارى والأقباط وغيرهم، وما لهم من حقوق مرعية، وحرمات مصونة.

    وهناك خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة، وما له من شروط يجب أن تراعى.

    وهناك خلل في فقه الخروج على الحكام، وما صح فيه من أحاديث وفيرة تقيده وتضبطه، ولا تدع بابه مفتوحا على مصراعيه لكل من شاء.

    وعلينا أن نناقش ذلك كله في ضوء الأدلة الشرعية.

    أزمة هؤلاء فكرية في الدرجة الأولى

    لقد تبين أن آفة هؤلاء في الأغلب: في عقولهم، وليست في ضمائرهم، فأكثرهم مخلصون، ونياتهم صالحة، وهم متعبدون لربهم، شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج الذين كفّروا عامة المسلمين، وكفّروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واستحلوا دمه، ودماء المسلمين معه، وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد.

    قالت الأحاديث في الصحيحين: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".[33]

    فهم: صوّام قوّام، قُرّاء عُبّاد، ولكن قراءتهم للقرآن لا تجاوز حناجرهم، أي لم تدخل إلى أعماق قلوبهم وعقولهم: ليفقهوه حق الفقه، ويتعرفوا على أسراره ومقاصده، دون أن يجعلوا همهم: الوقوف عند ألفاظه وظواهره.

    وقد أدى بهم هذا الفقه الأعوج إلى: استباحة دماء المسلمين الآخرين وأموالهم، حتى استباحوا دم فارس الإسلام وابنه البكر، علي ابن أبي طالب، وقال شاعرهم يمدح قاتله:

    يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

    إني لأذكره يومـا فـأحسبه أوفـى البرية عند اللـه ميزانا

    حسن النية لا يبرر الأعمال الطائشة

    ولقد حذر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من الأعمال الطائشة، والتصرفات الرعناء، التي قد يقوم بها بعض الناس الطيبين، بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة، دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكروا في وخيم عواقبها، وذلك لقصر نظرهم، وضيق أفقهم، فما لم يتنبه المجتمع لهم، ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم سيودون بالمجتمع كله، وينتهي بهم طيشهم ـ مع حسن نيتهم ـ إلى هلاكهم وهلاك الجماعة كلها معهم.

    ولذا حذر الرسول الكريم الجماعة ـ ممثلة في أهل البصيرة وأولي العلم والحكمة ـ أن تتيقظ لهم، وتأخذ على أيديهم، تمنعهم من تنفيذ ما فكروا فيه، وعقدوا عليه العزم، حفظا لوجود الجماعة كلها، وحرصا على حياتها وحياتهم معها.

    وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك مثلا حيا رائعا ناطقا، هو مثل ركاب السفينة الواحدة التي تتكون من طابقين أو أكثر، وبعض الناس في أعلاها، وبعضهم في أسفلها. فلو أراد ركاب الطابق الأسفل أن يخرقوا في نصيبهم خرقا، ليستقوا منه الماء مباشرة من النهر أو البحر، بدعوى أنهم يخرقون في نصيبهم وهم أحرار فيه، وأنهم لا يريدون أن يؤذوا من فوقهم بكثرة المرور عليهم بين حين وآخر.

    وليس أفضل من أن نقرأ هذا الحديث النبوي الرائع بصيغته كاملا، كما جاء في صحيح البخاري:

    عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا".[34]

    إن الحديث يبين لنا المسئولية التضامنية المشتركة للأمة، وأنها لا يجوز لها أن تدع بعض أبنائها يتسببون في غرقها بجهلهم وسوء تصرفهم، وإن كانوا مخلصين، فالإخلاص لا يكفي وحده، ولكن لا بد من تحري الصواب مع الإخلاص.


    مناقشة جماعات العنف في شرعيته وجدواه
    ينبغي على أهل العلم والفكر، وأهل الرأي والحكمة: أن يجادلوا جماعات العنف بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى، وأن يناقشوهم، أو قل: يناقشوا قادتهم وعقلاءهم بالحكمة والمنطق الهادئ، ويقنعوهم بالحجة البالغة، في أمرين مهمين:

    أحدهما: مدى شرعية العنف بالصورة التي يمارسونها، ويشهدها الناس، وأنها لا تستند إلى محكمات الشرع لا في نصوصه البينة، ولا في مقاصده الكلية.

    والثاني: مدى جدوى هذا العنف، لو افترضنا شرعيته: هل غير وضعا فاسدا؟ أو أقام حكما عادلا؟ أو حقق هدفا من الأهداف الكبرى للأمة؟.

    لقد أعلنت جماعات (الجهاد) ومن في حكمها، مثل: جماعة التكفير، والجماعة الإسلامية، والسلفية الجهادية، انتهاء بـ (تنظيم القاعدة): الحرب على الحكومات القائمة، واختارت أسلوب الصدام المسلح، ولم تكتف بالبيان والبلاغ، أو التربية والتوجيه، أو أسلوب التغيير السلمي بالكفاح الشعبي في الجامعات والنقابات، والمساجد، والكفاح السياسي بدخول حلبة الانتخابات، ودخول البرلمانات، لمقاومة التشريعات المخالفة للإسلام، أو لحريات الشعب ومصالحه.

    ولما كانت هذه الجماعات لا تملك القوة العسكرية المكافئة أو المقاربة لقوة الحكومات، فقد اتخذت أساليب في المصادمة تتفق مع إمكاناتها.

    منها: أسلوب الاغتيال.

    ومنها: أسلوب التخريب للمنشآت الحكومية.

    وهذان الأسلوبان، يصحبهما ـ في الغالب ـ إصابة مدنيين برآء، ليس لهم في الثور ولا في الطحين، كما يقول المثل، ففيهم أطفال ونساء وشيوخ، وكثيرا ما ينجو المقصود بالاغتيال، في حين يقتل عدد من المدنيين غير المقصودين.

    ومعلوم أن قتل من لا يقاتل في الحرب بين المسلمين والكفار لا يجوز، فكيف يقتل المسلمين؟ وفي الحديث: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق".[35]

    ومعلوم كذلك: تشديد الإسلام في أمر الدماء، حتى إن القرآن يقرر مع كتب السماء: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32). ويقول رسول الإسلام: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه حتى يصيب دما حراما". رواه البخاري عن ابن عمر.

    كما أن تدمير المنشآت الحكومية إنما هو في الحقيقة: تدمير لممتلكات الشعب في النهاية.

    ومن أساليبهم: ضرب السياح، وهم قوم (مستأمنون) بلغة الفقه الإسلامي، قد أُعطُوا الأمان من قبل الدولة، التي أمنتهم بإعطائهم سمة (تأشيرة) الدخول، فيجب أن يحترم أمانهم، ولا تخفر ذمتهم، ولا يعتدى عليهم في نفس ولا مال، ولو كان الذي أعطاهم الأمان عبد من المسلمين، فقد جاء في الحديث: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم"[36] وقال عليه الصلاة والسلام: "ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".[37]

    وقال الرسول الكريم لأم هانئ وقد أجارت أحد أحمائها من المشركين: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".[38]

    وقد فصلنا الحديث عن الأمان في دراستنا الموسعة عن (فقه الجهاد).

    هل يحقق العنف هدفا؟
    وقد تبين للدارسين والمراقبين لأعمال العنف والمقاومة المسلحة: أنها لا تحقق الهدف منها، فلم تسقط بسببها حكومة، بل لم تضعف بسببها حكومة. كل ما يمكن أن تنجح فيه جماعة العنف في بعض الأحيان: قتل رئيس دولة أو رئيس وزارة أو وزير، أو مدير أمن أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يحل المشكلة، فكثيرا ما يأتي بدل الذاهب من هو أشد منه وأنكى وأقسى في التعامل مع الإسلاميين، حتى يقول القائل:

    رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه!

    أو كما قال الآخر:

    دعوت على عمرو فمات، فسرني بليت بأقوام، بكيت على عمرو!

    خسائر جماعات العنف

    لقد انتصرت الحكومات دائما على جماعات العنف التي لم تكسب شيئا، بل خسرت على عدة مستويات:

    1- مستوى الخسائر الشخصية، فكثيرا ما يُقتل هؤلاء الشباب، ومن لا يقتل منهم يساق إلى السجون، ويقضي سنين كثيرا ما تطول، ويتعرض للأذى البدني والنفسي، ويخسر كثير منهم جامعته إن كان طالبا، أو وظيفته إن كان موظفا، أو تجارته إن كان تاجرا، وتتعرض أسرته للضياع المادي والأدبي في غيبته. وهذه خسائر كبيرة وحقيقية، وقد رأيناها ولمسناها. وهي لهم إن شاء الله في ميزانهم بنياتهم ـ إن كانوا مخلصين في نياتهم، وكانت أعمالهم مبنية على اجتهاد صادر من أهله في محله ـ ولكنها بمقياس دنيانا: خسائر مجانية!.

    2- مستوى الخسائر للدعوة الإسلامية نفسها، في الداخل والخارج، باستغلال حوادث العنف، التي تحدث من هذه الجماعات، لتشويه صورة الإسلام وأهله، وتصوير الإسلام بأنه خطر على العالم، وتصوير المسلمين بأنهم وحوش، لا قلوب لهم، ولا تعرف الرحمة إلى أفئدتهم سبيلا، وخصوصا بعد حوادث قاسية، مثل مذبحة الأقصر في صعيد مصر، وحوادث (بن طلحة)[39] وغيرها في الجزائر، وما حدث فيها من فظائع مروعة، تتفتت منها الأكباد، ويندى لها الجبين.

    3- إعطاء الذريعة لضرب التيار الإسلامي كله: معتدله ومتطرفه، رفيقه وعنيفه، وقطع الطريق على تيار (الوسطية الإسلامية) وما يقدمه من أطروحات للحوار مع الآخر، والتسامح مع المخالفين، وطرح رؤى جديدة في الإصلاح، والتنمية والتغيير السلمي.

    4- خسائر على مستوى الوطن، بشغل بعضه ببعض، وضرب بعضه ببعض، بدل أن ينشغل بالتنمية والإبداع وتطوير نفسه، وتجديد شبابه، وتجنيد قواه كلها للمساهمة في نهضته ورقيه، حتى لا يتخلف عن عالمه وعصره، وحتى يقف جميع أبناء الوطن الواحد جبهة متراصة في وجه العدو الحقيقي للأمة.

    مراجعات شجاعة ومستنيرة للجماعة الإسلامية بمصر

    ومما يجب أن نسجله هنا بكل اعتزاز وإنصاف: ما أعلنته (الجماعة الإسلامية) في مصر، وأيدها زعيمها الروحي الشيخ عمر عبد الرحمن، المسجون في أمريكا -فك الله أسره-، (وهي: صنو جماعة الجهاد) من إعلان مبادرة لوقف العنف، والجنوح إلى السلم، والتخلي عن أسلوب المواجهة المسلحة مع الحكومة، ونقد ما وقع لها من أخطاء في طريق الصدام المسلح أو الجهاد، أعلنت الجماعة ذلك جهارا في المحكمة في الخامس من شهر يوليو سنة 1997، أثناء نظر القضية العسكرية (235) حين فوجئ الحاضرون بأحد الإخوة المتهمين في القضية ـ وهو يقف في مواجهة رجال الإعلام ـ يلقي بيانا مذيلا بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية، يدعو أعضاء الجماعة لإيقاف العمليات القتالية، وحقن الدماء.

    وقد شكك بعض قياديي الجماعة في صحة هذه المبادرة، ثم ما لبثوا بعد أخذ ورد، وجذب وشد: أن اقتنعوا بها، وانضموا إلى ركب الداعين إلى السلم والصلح. وبدأ تأييدهم فرادى يتوالى، ثم أعلنوا بجملتهم بيانهم في 28 مارس سنة 1999 بالتأييد الكامل للمبادرة، ووقف جميع عمليات العنف تماما، والبيانات المحرضة عليها.

    ثم أصدر الإخوة من قيادات الجماعة الإسلامية: سلسلة من الدراسات الإسلامية والواقعية، تشرح هذه المبادرة ومبرراتها والتدليل عليها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وشروح الأئمة، سموها: سلسلة (تصحيح المفاهيم). قال ناشر هذه السلسلة: هي إحدى الثمار الطيبة لهذه المبادرة، أراد لها كاتبوها: أن تكون بيانا لمفاهيم أسيء فهمها، وتصحيحا لمسارات تبين خطؤها، وتكميلا لأمور ظهر مسيس الحاجة إليها في مسيرة العمل للإسلام.

    قال: وتأتي عظمة هذه السلسلة: أنها خُطت وروجعت وأقرت بأيدي القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وأسامة حافظ، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، وعلي الشريف، وعاصم عبد الماجد، وعصام دربالة. انتهى.

    ومما لفت نظري في هذه الدراسات: أن كتبي كانت من (المحظورات) عندهم، ولكني وجدتهم ينقلون منها صفحات وصفحات، في مواضع شتى، وهذا يدل على أن القوم مخلصون في توجههم، وأنهم تحرروا من العقد القديمة، ومن أسر التعصب لمدرسة واحدة، وهذا من دلائل الرشد، والتماس الحكمة من أي وعاء خرجت.

    عشرة موانع شرعية عن قتال الأنظمة

    لقد وجد الإخوة أن الجهاد المسلح أو القتال للأنظمة الحاكمة، الذي كانوا يتبنونه ويعتقدونه أمرا واجبا شرعيا، لم يعد اليوم واجبا عليهم، لوجود موانع عدة تمنع ذلك، وعدوا عشرة موانع، ودللوا عليها، وذلك في كتابهم الأول تحت عنوان: (مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية).

    1- المانع الأول: أن يغلب على الظن أن الجهاد أو القتال أو الصدام المسلح لن يحقق المصلحة المتوخاة منه، والتي شرع من أجلها.

    2- المانع الثاني: إذا تعارض القتال مع هداية الخلق. (بل ربما أصبح منفرا لهم).

    3- المانع الثالث: العجز، أي عدم القدرة، فكل الواجبات تسقط بالعجز {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16).

    4- المانع الرابع: التهلكة، كما قال تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195).

    5- المانع الخامس: وجود مسلم أو مسلمين في صفوف المشركين، فإن حرمة دم هذا المسلم الذي اختلط بالمشركين ولم يتميز عنهم: تصون دماء هؤلاء، وتحرم المساس بهم حماية للمسلمين معهم، وفي هذا يقول القرآن: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: 25).

    6- المانع السادس: نطق الكفار بالشهادتين، وتوبة المرتد ورجوعه إلى الإسلام. ورجوع العاصي إلى الطاعة.

    7- المانع السابع: إذا كانت المفاسد والفتن المترتبة على القتال أعلى من المصالح المتوقعة منه.. أو إذا كان ما يضيعه من المصالح أعظم مما يجلبه منها.

    8- المانع الثامن، وهو خاص بأهل الكتاب، وخلاصته: أنهم إذا أدوا الجزية إلى الحاكم، وعقد لهم عقد الذمة، امتنع قتالهم، سواء دفعوا إليه باسم الجزية أم غيرها، فما داموا قد أبدوا رغبتهم في الدخول مع المسلمين في عقد ذمة: وجب إجابتهم، وامتنع قتالهم. فإن فعلوا ذلك، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا.

    9- المانع التاسع: عدم بلوغ الدعوة، ولا يجوز قتال من لم تبلغه الدعوة.

    10- المانع العاشر: عقد الصلح، والصلح خير، قال الشيخ الحصكفي في الدر المختار شرح تنوير الأبصار: ويجوز الصلح على ترك الجهاد معهم بمال منهم أو منا، لو خيرا، لقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} (الأنفال: 61) قال ابن عابدين في حاشيته: والآية مقيدة برؤية المصلحة إجماعا.[40]

    وهذا الصلح متى أبرم: امتنع القتال، سواء كان الصلح مؤقتا أم غير مؤقت.

    هذه الموانع العشرة التي ذكرتها دراسة الإخوة في الجماعة الإسلامية، وفصلوها بأدلتها في كتابهم الأول: (مبادرة وقف العنف) وختموا الكتاب بهذه الفقرة القوية المعبرة عن اتجاههم الجديد بكل جلاء.

    قالوا: (فإننا كجزء من الحركة الإسلامية يجب أن يكون واضحا أمامنا الهدف الذي نسعى إليه، ولا بد أن نقيِّم كل خطوة نخطوها على ضوء مدى مساهمتها في تحقيق هذا الهدف. وإن هدفنا الأسمى هو ما جاءت به الرسل أقوامهم: {اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (المؤمنون: 32). هدفنا تعبيد الناس لربهم أي: هداية الخلائق، ولا بد أن نتملك الشجاعة الكافية للإقدام على أي قرار نراه محققا لهذا الهدف.

    ولا بد أيضا أن نمتلك الشجاعة الكافية للإحجام عن أي قرار نراه مباعدا بيننا وبين هذا الهدف، ولا بد كذلك أن نتملك شجاعة أكبر وأكبر للعدول عن أي قرار أو خطوة قد أقدم عليها بعضنا بالفعل، ويتبين لنا أنها لن تعين على الوصول لهدفنا سالف الذكر، أعني: هداية الناس. وليس من الشجاعة في شيء أن نترك رحى الحرب دائرة بين أبناء وطننا، ونحن متأكدون أنها قبل أن تطحن جماجم وعظاما، ستطحن دعوة هذا الدين.

    بل الشجاعة هي ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأى المصلحة في ترك قتال قريش، فوادعهم حتى قال عمر: ولِمَ نعطي الدنية في ديننا؟[41].

    ومن شجاعته صلى الله عليه وسلم: تعلم خالد بن الوليد، فانسحب بالمسلمين يوم مؤتة، تاركا القتال حتى صاح فيه وفي جيشه بعض المسلمين: يا فُرَّار يا فرار.

    وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم تلقينا، ومنه تعلمنا، ومن ثَمّ أصدرنا مبادرة وقف الأعمال القتالية بمصر.[42] انتهى.

    أعتقد: أن موقف (الجماعة الإسلامية) فيمصر، ورجوعها عن أفكارها ومواقفها السابقة، وتخطئتها لنفسها في شجاعة، وإصدارها سلسلة (تصحيح المفاهيم): يؤيد جدوى الحوار مع جماعات العنف، ويرد على أولئك الذين ينادون بالمواجهة الأمنية وحدها؛ فالمواجهة الأمنية قد تهزمهم وتلزمهم جحورهم إلى حين، ولكن تظل المشكلة الفكرية باقية، ولا تزال معششة في الرؤوس، حتى تجد الفرصة مرة أخرى، فتظهر باسم جديد، وفي شكل جديد.


    --------------------------------------------------------------------------------


    [1] رواه مسلم في صحيح من حديث عائشة برقم (2593).

    [2] رواه مسلم عن عائشة برقم (2594).

    [3] رواه مسلم عن جرير (2592).

    [4] رواه البخاري في كتاب الأدب (6024) ومسلم في كتاب السلام (2165) عن عائشة.

    [5] رواه أبو داود في الجهاد (2736) عن مجمع بن جارية.

    [6] متفق عليه من حديث عبد الله بن أبي أوفى: البخاري: (2966) ومسلم (1742).

    [7] رواه أبو داود (5074) وابن ماجه (3871) والحاكم وصححه (1/517) عن ابن عمر.

    [8]رواه أبو داود في الأدب (4950) عن أبي وهب الجشمي.

    [9] وبعضهم قال: الجبار الذي يجبر كسر الضعفاء ويصلح حالهم. وإن كان ذلك بعيدا عن المفهوم من السياق. انظر: تفسير القرطبي. آخر سورة الحشر.

    [10] سفر الخروج: (20/5).

    [11] رواه الحاكم (1/35) وصححه ووافقه الذهبي، عن أبي هريرة.

    [12] انظر: فصل (من العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة) من كتابنا (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) طبعة دار الشروق بالقاهرة.

    [13] رواه أبو داود (4941) والترمذي (1925) وقال: حسن صحيح عن عبد الله بن عمرو.

    [14] رواه أحمد والشيخان والترمذي عن جرير، ورواه أحمد والترمذي عن أبي سعيد (صحيح الجامع (6597).

    [15] إن حضارة الغرب أبعد ما تكون عن المسيحية، فهي حضارة مغرقة في المادية، والمسيحية ديانة مغرقة في الروحية، وهي حضارة تبرر الإباحية والتحلل، والمسيح يقول: من نظر بعينه فقد زنى! وقد قلت من قديم: إنها ليست حضارة المسيح بن مريم، ولكنها حضارة المسيح الدجال، فهو أعور، وهي حضارة عوراء! تنظر إلى الحياة والإنسان والعالم بعين واحدة، هي العين المادية. انظر: فصل (روح الحضارة المعاصرة) من كتابنا (الإسلام حضارة الغد) ص 11-25 نشر مكتبة وهبة في القاهرة، ومؤسسة الرسالة في بيروت.

    [16] انظر: إنجيل متى. الإصحاح 5 الفقرات: 39-42. وإنجيل لوقا: 6: 30،29.

    [17] إنجيل متى: 5: 44،43. ولوقا: 6: 28،27.

    [18] انظر: ما نقله الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) بالوقائع والأرقام من كتب المسيحيين أنفسهم من مجازر ومظالم ومآثم قام بها الكاثوليك مع البروتستانت عند بداية ظهورهم، ثم عندما انتصر البروتستانت مع الكاثوليك كالوا لهم الصاع صاعين، ص 509-528 طبعة: إدارة إحياء التراث الإسلامي في قطر.

    [19] إنجيل متى: 10: 34. ولوقا: 12: 51.

    [20] في إنجيل متى: الإصحاح (5): (لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لألغي، بل لأكّمل) الفقرة (17). وانظر: إنجيل مرقص: 9: 50، لوقا: 14/35،34.

    [21] انظر: الكتاب المقدس ـ التوراة سفر التثنية: الإصحاح العشرين: 10-18 ص 392،393.

    [22] رواه أبو داود (2845) والترمذي (1489) والنسائي (4285) وابن ماجة (3204). كلهم في كتاب الصيد عن عبد الله بن مغفّل، وقال الترمذي: حسن صحيح. وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير بدرجة صحيح (5321).

    [23] انظر: كتابنا (رعاية البيئة في شريعة الإسلام) فصل: حفظ التوازن البيئي ص 152.

    [24] نحن ننزه سيدنا موسى عليه السلام من ارتكاب ما نسبوا إليه من فظائع، وليس عندنا في القرآن ولا في أحاديث الرسول: ما يدل على هذا أو يشير إليه، ولكنا نذكر هنا ما يعتقده القوم بالنظر إلى ما جاء في كتبهم المقدسة، وأثر ذلك الاعتقاد في أنفسهم وسلوكهم وعلاقاتهم بالآخرين.

    [25] انظر: المصنف لعبد الرزاق (5/306) الأثرين: 9702،9701.

    [26] رواه سعيد بن منصور في السنن جـ3 الأثر رقم (2636) والبيهقي في السنن الكبرى (9/132).

    [27] يقول الله تعالى: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفى. ألا تزر وازرة وزر أخرى) النجم: 36ـ38.

    [28] انظر في بيان أوصاف هذا الاستعمار وآثاره: كتابنا (القدس قضية كل مسلم).

    [29] ناقشنا هذا الفقه بشيء من التفصيل في الفصل الأخير من كتابنا (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) وبتوسع أكثر في دراستنا الموسعة عن (فقه الجهاد) تحت الطبع.

    [30] رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم (49) عن أبي سعيد الخدري.

    [31] انظر: كتابنا (فتاوى معاصرة) جـ 2 ص 681-691 طبعة المكتب الإسلامي ـ بيروت.

    [32] الكتاب تحت الطبع، أو قل: الإعداد، نسأل الله أن يعين على إتمامه.

    [33] رواه البخاري (3610) ومسلم (1064) عن أبي سعيد الخدري.

    [34] رواه البخاري برقم (2493).

    [35] رواه النسائي في كتاب تحريم الدماء من سننه (7/82،83) عن عبد الله بن عمر، وروى نحوه من حديث بريدة، ورواه الترمذي في الديات (1395) مرفوعا وموقوفا، ورجح الموقوف، ورواه ابن ماجه عن البراء بن عازب (2619) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون. وحسنها الحافظ ابن حجر في التلخيص، وصححه الألباني.

    [36] رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمرو، وحسن الألباني في صحيح الجامع الصغير (6712).

    [37] متفق عليه: رواه البخاري (1771) ومسلم (1371/47) عن عليّ.

    [38] متفق عليه: رواه البخاري (350) ومسلم (336/70).

    [39] اسم حي لضاحية من ضواحي الجزائر العاصمة، كان يسكنه جم غفير من الإسلاميين المخالفين لجماعات العنف.

    [40] راجع ذلك فيما كتبناه في باب (بماذا ينتهي القتال؟) من دراستنا الموسعة (فقه الجهاد).

    [41] جزء من حديث رواه البخاري (3010) و(3011) ومسلم (1785/94) عن سهل بن حنيف رضي الله عنه.

    [42] انظر: كتاب: (مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية) من سلسلة (تصحيح المفاهيم) للجماعة الإسلامية في مصر. وانظر أيضا: كتابها الآخر (تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء).
    مقال للدكتور يوسف قرضاوي

    http://www.qaradawi.net/site/topics...te_id=130&parent_id=17#تكفير الحكومات القائمة
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-02-24
  7. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    الإسلام والعنف
    نظرات تأصيلية

    العنف في اللغة

    قال في القاموس: العَُِنف - مثلثة العين - مقابل الرفق. ومن اللغويين: من اقتصروا على ضم العين.

    فكلمة العنف تتضمن معنى: الشدة والغلظة.

    وقد جاءت بعض الأحاديث النبوية تقابل الرفق بالعنف، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".[1]

    وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب الرفق، ويبغض العنف، ويدعو أصحابه إلى الرفق في كل شيء.

    روت عنه عائشة قوله: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".[2]

    وقال: "إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق. ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير".[3]

    وقد لاحظت أن هذه المادة (ع ن ف) لم ترد في القرآن لا مصدرا ولا فعلا ولا صفة.

    مصطلح (العنف) في عصرنا ومفهومه

    وقد اشتهرت كلمة (العنف) في عصرنا، وأصبحت مصطلحا شائعا مجرَّما ومذموما، وهو يشمل مجالات عدة: في المجال الأسري: في العلاقة بين الزوج وزوجته، وبين الوالدين والأولاد، وبين رب الأسرة وربتها والخدم، وفي المجال الاجتماعي: في العلاقة بين أرباب العمل والعمال، وبين الأقوياء والضعفاء بصفة عامة. وفي المجال التربوي: في العلاقة بين المعلمين والتلاميذ. وفي المجال التشريعي: في تشديد العقوبات على المجرمين حيث يتهم بعض الغربيين (الحدود) أو العقوبات الإسلامية بالعنف والقسوة.

    وأكثر ما اشتهر العنف في عصرنا في المجال السياسي، وهو المقصود بالحديث عند الإطلاق. وقد اشتد النكير عليه، والتجريم له في الآونة الأخيرة، وإن لم يحدده من أطلقوه وجرموه.

    وأكثر من يُتهم بالعنف المسلمون، وأكثر من يتهمهم به الغربيون. والواقع يقول: إن الغربيين هم أكثر الناس عنفا، وإن المسلمين في العالم كله هم ضحايا هذا العنف، ودماؤهم وحرماتهم مستباحة في كل مكان.

    وحديثنا في هذه الورقة عن (العنف السياسي) وموقف المسلمين منه.

    فما المراد بلفظ: (العنف) في المجال السياسي الذي ذمّه من ذمّه، وجرّمه من جرّمه؟

    وهل اتهام المسلمين بالعنف صحيح؟ وإن صح هذا، فهل الإسلام هو الذي دعاهم إلى العنف؟

    فلنحاول أن نحدد ـ ولو بالمقاربة ـ مفهوم (العنف) المقصود في بحثنا هذا، وفي مؤتمرنا هذا.

    العنف في المفهوم الشائع هو: استخدام القوة المادية أو العسكرية لقهر الخصوم بلا ضابط من شرع أو خلق أو قانون، وبلا مبالاة بما يحدث من جرائها من أضرار على المدنيين والبرآء. وقد يحدث هذا العنف من الأفراد، أو من الجماعات، أو من الحكومات.

    ولكنا نلاحظ ـ عند التطبيق ـ أن بعض الجماعات تتهم بالعنف، وهي منه براء.

    ولكن العنف فيما أرى هو: استخدام الشدة والغلظة، في غير موضعها، أو في غير أوانها، أو بأكثر مما يلزم، أو بغير حاجة إليها، أو بدون ضوابط استعمالها.

    وإنما قلت: (الشدة)، ولم أقل: استخدام القوة المادية أو العسكرية، كما هو الشائع والمقصود لدى الكثيرين.

    لأن العنف ـ في نظر الإسلام ـ لا يقتصر على القوة المادية أو العسكرية، بل العنف يشمل ـ فيما يشمل ـ الكلام والجدال.

    والإسلام يرفض العنف بلا مبرر، سواء كان في القول أم في الفعل.

    ولهذا كان منهج الدعوة في الإسلام قائما على الرفق لا على العنف، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء: 53).

    فأمر عباده المؤمنين أن يتحروا ـ في خطابهم لغيرهم ـ الكلمة التي هي أحسن، وليس مجرد الكلمة الحسنة، فإذا كانت هناك كلمتان أو عبارتان: إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها، فعلى عباده أن يختاروا التي هي أحسن.

    وهكذا يجب أن يتحرى المسلم (الأحسن) في خطابه وفي جداله، وفي دفعه لسيئة غيره، كما قال سبحانه: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة التي تتجسد فيها المعاني والمثل العليا التي جاء بها القرآن، فقد كان خلقه القرآن. روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا (أي في تحيتهم للنبي): السام عليك (أي الموت والهلاك عليك) قلت: بل عليكم السام واللعنة! فقال: "يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قلت: أولم تسمع ما قالوا؟! قال: "قلت: وعليكم"!.[4]

    فهؤلاء اليهود الخبثاء لم يراعوا أدب الخطاب مع الرسول الكريم، بل لوّوا ألسنتهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فبدل أن يقولوا: السلام عليكم يا محمد، قالوا: السام عليك! أي الهلاك والموت. ولكن الرسول الكريم لم يشأ أن يجعل من ذلك معركة، ورد عليهم قائلا: وعليكم، أي الموت يكون علينا وعليكم، وعلم زوجه عائشة الشابة المتحمسة الرفق في الأمر كله.

    وإذا كان الإسلام يرفض العنف في القول، فأولى أن يرفض العنف في الفعل. بمعنى استخدام القوة المادية أو العسكرية في غير موضعها، أي بالحق والباطل، وفي العدل والظلم.

    العنف عند عرب الجاهلية

    وقد كان العرب في جاهليتهم يمدحون الاتصاف بأخلاق القوة والبطش، لا بأخلاق الرحمة والعدل. وحسبك أن تعلم أن منهم من قتلوا أولادهم - ولا سيما البنات - من إملاق واقع، أو خشية إملاق متوقع. وأفظع من ذلك أن يقتلوهم بطريقة الوأد {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 8، 9).

    يقول شاعرهم زهير بن أبي سلمى في معلقته:

    ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم، ومن لا يظم الناس يظلم!

    فكأن الشاعر يحث الناس على أن يبدءوا هم بالظلم، حتى لا يُظلَموا، على نحو ما قال من قال: تغدّ بخصومك قبل أن يتعشوا بك!

    وقال شاعر جاهلي آخر في معلقة أخرى اشتهرت، وهو عمرو بن كلثوم:

    لنا الدنيا ومن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا

    بغاة ظالمين، ومــا ظلمنا ولـكنا سنبدأ ظـالـمـينا


    وفيها:

    ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا!

    وكان مما يساعد على انتشار هذه الأخلاق: (العصبية) العمياء، التي تجعل المرء ينتصر لقومه في الحق وفي الباطل، على ظاهر قولهم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما).

    لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا!

    وقد وُصِف أحد زعمائهم بأنه رجل إذا غضب: غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه: فيم غضب؟!

    فلما أكرمهم الله بالإسلام، أنشأهم خلْقا جديدا، فغير عقائدهم، وغير أفكارهم، وغير سلوكهم. وعلمهم استقامة الفكر، واستقامة الخلق، واستقامة السلوك، وأن يقوموا بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وألا يجرمنهم شنآن قوم وعداوتهم لهم على ألا يعدلوا، وأن يدوروا مع الحق حيث دار. فلا يشهروا سيفهم إلا لإحقاق حق، أو إبطال باطل، أو إقامة عدل، أو نصرة مظلوم.

    وقد فسر لهم الرسول كلمة (انصر أخاك ظالما) تفسيرا جديدا: أن تمنعه من الظلم، فذلك نصرك له.

    لقد أبطل الإسلام حروب الجاهلية، ودعا المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة، وأن يخضع الجميع لقوة الحق، لا لحق القوة، مؤثرا السلم على الحرب، والتسامح على التعصب.

    فهو لا يلجأ إلى القوة إلا مضطرا لدفع اعتداء، أو لدرء فتنة في الدين، أو لإنقاذ مستضعفين، أو نحو ذلك. مما يجعله يخوض المعركة كارها، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} (البقرة: 216).

    ولكنه حين تنتهي المعركة بغير قتال، كما في غزوة الأحزاب، يعلق عليها بمثل هذه العبارات القرآنية: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (الأحزاب: 25).

    وما أروعها وأبلغها من كلمة تدل على مدى رغبة الإسلام في السلم، وحرصه عليه، (وكفى الله المؤمنين القتال) فلم يكن المؤمنون حريصين على القتال لذاته. ولكنهم يضطرون إليه اضطرارا.

    وحين انتهت غزوة الحديبية بالصلح وتوقيع الهدنة ـ بعد أن كادت الحرب تندلع نارها، وبايع الصحابة نبيهم على الموت تحت الشجرة ـ نزلت سورة الفتح منوهة بهذا الصلح التاريخي، وفيها يخاطب الله رسوله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا... الآيات) وسأل أحد الصحابة: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، هو فتح"[5] فلم يكن ليتصور فتحا بغير حرب ولا قتال.

    ويعلم الرسول أصحابه فيقول: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".[6]

    فهو يعتبر السلام من العافية المحمود التي يحرص عليها المسلم، ويدعو الله أبدا أن يوفرها له؛ فهو يسأله العافية في الدنيا والعفو في الآخرة: "اللهم إني أسألك العفو والعافية".[7]

    بل كان النبي الكريم يكره مجرد كلمة (حرب) ولا يحب أن يسمعها، ولهذا قال: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأقبح الأسماء: حرب ومرة".[8]

    ولكن على المسلمين إذا ناداهم المنادي للدفاع عن الدين والنفس والأهل والوطن والحرمات: أن يهبوا سراعا، ولا يتخلفوا أو يثّاقلوا إلى الأرض، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ . إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} (التوبة: 38، 39).

    هل العنف طبيعة عند المسلمين؟
    هذه هي طبيعة الإسلام، وموقف المسلمين، ولكنا ـ للأسف ـ نرى الغربيين يصورون المسلمين كأنما هم سباع مفترسة، وأن هذا ليس أمرا طارئا عليهم، وإنما هو كامن في ثقافتهم المتوارثة، التي يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، والمستمدة من عقيدتهم.

    فعقيدة المسلمين تقوم على الإيمان بإله جبار قهار منتقم، والمسلمون مطالبون أن يتخلقوا بأخلاق الله، فيتشبهوا به في جبروته وقهره وانتقامه، ولهذا لم تأخذ المسلمين في أعدائهم رأفة في دين الله، وقد أمر الله رسولهم بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (التوبة: 73).

    وهذا التصوير للمسلمين: خاطئ وظالم بلا ريب.

    فالله تعالى في العقيدة الإسلامية، كما أنه موصوف بالجبروت والقهر والانتقام: هو موصوف كذلك بالرحمانية والرحمة والرأفة والإحسان والإنعام. كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة: 98)، { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنعام: 165)، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} (الرعد: 6)، (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) (الحجر: 49، 50) وانظر هنا كيف جعل المغفرة والرحمة من أسمائه، وجعل العذاب من أفعاله؟ {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} (غافر: 3).

    وهكذا نجد التوازن بين أسماء القوة وأسماء الرحمة، بين أسماء الجلال وأسماء الجمال، كما يسميها علماء المسلمين.

    ومن تدبر القرآن وجد أسماء الجمال والرحمة والإحسان هي الغالبة، وهي الأكثر ورودا وتكرارا في كتاب الله تعالى.

    بل الواقع أن القرآن لم يذكر اسم (الجبار) لله تعالى إلا في موضع واحد، في أواخر سورة الحشر، ضمن مجموعة من الأسماء الحسنى، فقد قال تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر: 22، 24، 25). ومعنى اسم (الجبار): هو صاحب السطوة الذي يخضع الآخرين لإرادته، ويجبرهم على ما يريد.[9] ولذا وضع بين العزيز والمتكبر، وكلها تدل على القوة. وهذه مطلوبة لتهديد الطغاة والمستكبرين في الأرض بغير الحق، ليعرفوا حجمهم، في مقابلة قوة الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

    ومع ذلك وضع معها اسم (السلام) الذي يتنادى به الناس اليوم، فلا غرو أن اشتهر بين المسلمين وحدهم: اسم (عبد السلام). وبجواره اسم (المؤمن) الذي يؤمن الناس من الخوف، ويهبهم الإيمان والأمان.

    ولم يذكر اسم (القهار) في القرآن إلا ست مرات في سياقات تقتضيها: كما في سورة الرعد {قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الآية: 16). وكما في سورة يوسف حيث قال للسجينين معه، وقد كانا من عباد الأوثان: {يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ليقارنا بين آلهتهم المزعومة وبين هذا الإله العظيم.

    وفي سورة (ص) حيث يقول تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الآية: 65). والله تعالى يأمر رسوله هنا: أن ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الألوهية، وأنه ليس إلا منذرا، وأن الإله الحق هو الله الواحد القهار. فهذه الأسماء توضع في سياقها، لتحقق هدفا.

    أما اسم (المنتقم) فلم يَرِدْ في القرآن مفردا بهذه الصورة، إنما جاء ـ بصيغة أخرى (ذو انتقام) في سياق الوعيد للكفرة والظالمين، كما في سورة آل عمران: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (الآية: 4).

    وفي سورة إبراهيم في سياق التنديد بالظالمين وموقفهم من الرسل والأنبياء: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (الآية: 47).

    وفي سورة الزمر في مجال الرد على من يخوفون الرسول بالأصنام! فقال تعالى: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} (الزمر: 36، 37).

    وجاء بصيغة الجمع في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (السجدة: 22).

    وكذلك في سورة الدخان {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} (الآية: 16).

    وكل هذه الأسماء تدل على صفات (الجلال) لله تعالى، كما أن هناك أسماء تدل على صفات (الإكرام) له سبحانه؛ فهو ـ كما وصف نفسه ـ (ذو الجلال والإكرام) (الرحمن: 27)، وقد يعبر عنها بصفات (الجمال). وهذه الصفات أو الأسماء أكثر ورودا في القرآن الكريم.

    فإذا نظرنا إلى أسماء الرحمة والرأفة والمغفرة والبر والحلم والإحسان وغيرها، نجدها تكررت في القرآن مرات ومرات.

    خذ ما يتعلق باسم الرحمن الرحيم، فنجد 113 سورة في القرآن بدأت بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم). ونجدها في سورة الفاتحة التي يتلوها المسلم في صلاته في اليوم (17) سبع عشرة مرة على الأقل في صلواته اليومية: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم).

    ونجد اسمي (الرحمن الرحيم) قد تكررا في القرآن مقترنين خمس مرات.

    غير المرات المائة وثلاث عشرة في البسملة في أوائل السور.

    ونجد قوله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف: 156). فقيد العذاب بالمشيئة، وأطلق الرحمة بلا قيد.

    ونجد في دعاء الملائكة للمؤمنين: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر: 7).

    ونجد في القرآن سورة تسمى (سورة الرحمن) بدأت بقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ البَيَانَ).

    ونجد القرآن يعتبر اسم (الرحمن) علما على الله تعالى، كاسمه جل شأنه (الله) كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى}. وهذا الاسم تكرر في القرآن (57) سبعا وخمسين مرة، غير مرات البسملة.

    ونجد اسم (الرحيم) قد تكرر في القرآن (95) خمسا وتسعين مرة، غير مرات البسملة.

    تارة مع اسم (الرحمن) وتارة مع أسماء أخرى، مثل اسم (الغفور)، كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).

    وتارة مقترنا باسم (الرؤوف)، كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 143).

    وتارة مع اسم (البَرّ)، كما في قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} (الطور: 28).

    وطورا مع اسم التواب {إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة: 118).

    وطورا مع اسم العزيز (تنزيل العزيز الرحيم) (يس: 5).

    ونجد في القرآن وصفه تعالى بأنه (أرحم الراحمين) خمس مرات، وأنه (خير الراحمين) مرتين.

    فكيف يزعم هؤلاء: أن إله المسلمين إله لا صفة له إلا البطش والجبروت والنقمة والشدة، وأن المسلمين تعلموا منه هذه الصفات.

    وأين هذا مما جاء في (سفر الخروج) من أسفار التوراة مما يؤمن به اليهود والنصارى جميعا من وصف الإله بالغيرة والانتقام، حتى إنه يعاقب الأبناء بذنوب الآباء، والأحفاد إلى الجيل الرابع بآثام الأجداد.

    يقول الله تعالى: (لأني أنا الرب إلهك، إله غيور، أفتقد آثام الآباء في البنين، حتى الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ).[10]

    هذا مع أن القرآن الكريم واضح كل الوضوح في تحميل كل إنسان وزر عمله، ولا يسأل عنها غيره، ولا يعاقب على ذنب جناه سواه، ولو كان أقرب الناس إليه. يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر: 38) ويقول: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 164).

    ويقرر أن هذا متفق عليه بين كتب السماء جميعا: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 36، 37، 38).

    لقد أعلن القرآن: أن رسالة محمد ليست إلا رحمة للناس جميعا، كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107.

    وعبر محمد عن نفسه، فقال: "إنما أنا رحمة مهداة".[11]

    وخاطبه الله تعالى مثنيا عليه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159).

    وكان خلق الرحمة أظهر الأخلاق في رسالته، وأبرزها في سيرته.[12] وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".[13] و"من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله".[14]

    ومدح القرآن الأبرار من عباده بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} {الإنسان: 8، 9}.

    وذم بني إسرائيل بقسوة قلوبهم، فقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} {البقرة: 74}.

    واعتبر القسوة عقوبة من الله لمن اتصف بها، فقال عن بني إسرائيل {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (المائدة: 13).

    وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الماعون: 1-3).

    فاعتبر القسوة التي تؤدي إلى قهر اليتيم، وإهمال المسكين من دلائل الكفر، والتكذيب بالدين.

    هل حضارة الغربيين حضارة مسيحية؟

    ولقد رأينا الغربيين يزعمون أنهم مسيحيون: وأن حضارتهم القائمة اليوم (حضارة مسيحية)[15] ويتباهون بأن المسيحية ديانة سلام ومحبة، وأن المسيح لم يرفع سيفا في وجه أحد، بل قال لأتباعه: "من ضربك على خد الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين، ومن أراد أن يأخذ قميصك، فأعطه إزارك"[16]!! وبهذا لا يقاوم الشر بالشر، ولا يدفع القوة بالقوة. بل دعا المسيح أتباعه أن يحبوا أعداءهم، ويباركوا لاعنيهم![17]

    فما نصيب هذه المقولة من الصحة؟ وهل الغربيون مسيحيون حقا؟ وهل للمسيحية ووصاياها ـ كما جاء بها الإنجيل ـ أثر في حياتهم؟ وهل طبق النصارى أتباع المسيح هذه التعاليم والوصايا في حياتهم وفي علاقاتهم بغيرهم من الأمم وأهل الأديان؟ بل هل طبقوها في علاقاتهم بعضهم ببعض؟.

    التاريخ الحافل، والواقع الماثل، يقولان: إن النصارى أتباع المسيح ـ في جملتهم ـ كانوا أبعد الناس عن هذه الوصايا. ولم يدر منهم أحد خده الأيسر لمن ضربه على خده الأيمن، بل هم ابتدءوا العالمين بالضرب على كلا الخدين، بلا مبرر ولا سبب إلا العدوان.

    ولقد قتل المسيحيون طوال التاريخ من أبناء الشعوب المخالفين لهم، ما تشيب من هوله الولدان، بل قتل بعضهم من بعض بالملايين: مـا لا يزال التاريخ القريب يذكره ولا ينساه.

    قتل الكاثوليك من البروتستانت في بداية ظهورهم بالملايين، وقتل البروتستانت من الكاثوليك ـ بعد انتصارهم عليهم ـ بالملايين.[18]

    وقتل بعضهم من بعض في الحربين العالميتين في القرن العشرين، بالملايين. وكلهم مسيحيون، يؤمنون بالإنجيل، ويدينون بدين المسيح عليه السلام.

    حتى قال بعض الباحثين من المسيحيين الأوربيين: لم يصدق المسيح عليه السلام في نبوءة من نبوءاته، مثلما صدق في قوله: ما جئت لألقي على الأرض سلاما بل سيفا![19]

    وبهذا أثبت التاريخ، وأثبت الواقع كلاهما: أن أتباع دين المحبة والسلام هم أكثر أهل الأديان دموية، وأسرعهم إلى العدوانية، وأشدهم قسوة ووحشية في التعامل مع الآخرين.

    وهذا ما نراه رأي العين، ونلمسه لمس اليد، في يومنا هذا من القوة العالمية العظمى، القوة (المتألهة) في العالم، وهي (قوة أمريكا) التي تتصرف في الأرض، تصرف الإله في السماء، فهي (لا تُسأل عما تفعل) ولا يقف أمام رغبتها شيء، وقد رأينا أثرها العسكري في أفغانستان والعراق. وقد جسدت موقفها الديني والأخلاقي فيما صنعته في سجون العراق، وخصوصا (سجن أبو غريب). وقبلها في أسرى (جوانتانامو) الذين عوملوا معاملة، لا يقرها دين ولا أخلاق ولا عرف ولا قانون!

    كما تجسد موقفها كذلك في مساندتها المطلقة والدائمة للصهيونية ودولتها المدللة (إسرائيل) التي تمدها بالمال والسلاح لتقتل الفلسطينيين وتدمر منازلهم، وتجرف أراضيهم، وتحرق مزارعهم، وتقلع أشجارهم، وتضم أراضيهم إليها بالقوة الطاغية، وتعزلهم وتمزقهم بعضهم عن بعض بوساطة الجدار العازل، وتخرب كل البنى التحتية لمجتمعهم.

    وأمريكا يحكمها اليوم: اليمين المسيحي المتطرف، وعلى رأسه بوش الابن، الذي يتقرب إلى الله أو إلى المسيح بقتل المسلمين وتعذيبهم وتجويعهم! وهو يستخدم (العنف) في الأرض باسم السماء، ويعتبر نفسه ـ كما يعتبره أنصاره المقربون منه ـ رسول السماء. حتى قال بعضهم: ليست الانتخابات هي التي جاءت ببوش إلى البيت الأبيض، الله هو الذي جاء ببوش! على نحو ما كان يعتقد (جنكيز خان) في حروبه القديمة، التي دمر بها ممالك، وهدم حضارات!!.

    التوراة والعنف

    ومن أراد أن يعرف فضل ما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في شأن استخدام القوة مع المخالفين، بالنسبة لما كان عليه الوضع في الشرائع القديمة، والأمم السابقة، فعليه أن ينظر ـ ولو نظرة سريعة عاجلة ـ إلى ما اشتملت عليه (التوراة) الحالية، التي يؤمن بها اليهود والنصارى جميعا، على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: أنه ما جاء لينقض الناموس (الذي جاء به موسى)، بل جاء ليتممه.[20]

    ولا أدري أقرأ الغربيون الذين يتهمون الإسلام بأنه (دين السيف)، والذين يزعمون أنهم يؤمنون بـ (الكتاب المقدس) ومنه التوراة: هذه النصوص التي سأوردها أم لم يقرءوها؟ وإذا قرءوها فهل وَعَوْها أو لم يعوها؟

    فأنصت أخي القارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال، واستخدام القوة أو العنف مع المخالفين.

    تقول التوراة في (سفر تثنية الاشتراع) في (الإصحاح العشرين) تحت عنوان (شرائع حصار وفتح المدن البعيدة) وأعتقد أن هذا العنوان من وضع ناشري التوراة، في الفقرة العاشرة وما بعدها:

    (وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا). انتهى.

    هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل، أو لليهود المؤمنين بشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها: إذا أجابت دعوة السلم والصلح، فجميع أهلها عبيد لهم بلا استثناء! وإذا لم تسلّم لهم فليحاربوا، وإذا سقطت في أيديهم، فعليهم أن (يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف) هكذا أمرهم الرب الإله. ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلاء بديلا لقتلهم بحد السيف: أن يدخلوا في دين اليهودية مثلا، أو يدفعوا لهم جزية، أو غير ذلك. ولم يستثن أمر (الرب الإله) أحدا من الذكور: لا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.

    وقد قال القرآن هنا: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد: 4)، فاكتفى القرآن في قتال الأعداء: أن يثخنوهم، أي يضعفوهم، وفي هذه الحالة عليهم أن يشدوا الوثاق. أي: يأسروا بدل أن يقتلوا.

    وقال القرآن أيضا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29)، فجعل للأعداء المحاربين فرصة تنجيهم من القتل، ومن الدخول في الإسلام جبرا، وهي إعطاء الجزية عن يد أي عن قدرة، وهي مبلغ زهيد في مقابل التكفل بالدفاع عنهم.

    شرائع حصار وفتح مدن أرض الموعد

    أما شعوب المنطقة التي يطلق عليها (أرض الموعد) أو (أرض الميعاد) فتقول التوراة في شأنها: (أما مدن الشعوب التي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تستبْقوا فيها نسمة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثِّيِّين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمركم الرب إلهكم، لكي لا يعلِّموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادة آلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الرب إلهكم[21]) انتهى.

    هذه الشعوب الستة، يجب أن تباد إبادة تامة، دون أن يبدءوا بالدعوة، أو تقبل منهم جزية، أو يعقد معهم صلح أو هدنة. ليس هناك إلا السيف. والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة، ولا ذنب لها إلا أنها سكنت ما سمَّوه (أرض الميعاد) قبلهم.

    ويعلق شراح التوراة على هذه الفقرة فيقولون: "كيف يمكن لإله رحيم أن يأمر بإهلاك كل المراكز الآهلة بالسكان؟ لقد فعل ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الأوثان، التي كانت، ولا بد، ستجلب الخراب عليهم (20:18) وفي الحقيقة، لأن بني إسرائيل لم يقضوا تماما على هذه الشعوب الشريرة كما أمرهم الله، تعرضوا باستمرار لاضطهادهم، وإلى الكثير من سفك الدماء والتخريب، أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات الله قبل كل شيء!! اهـ.

    وهكذا ترى هؤلاء الشراح برَّروا هذه الإبادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الرب الإله! بل أظهروا الأسف على نجاة أناس من الشعوب التي لم يبدها سيف إسرائيل!.

    فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟

    إن البلاد القريبة - التي يطلق الشراح عليها (أرض الموعد) - (لا تُستبقى فيها نسمة حية!) يعني: إبادة كاملة، الاستئصال لأهل هذه البلاد! فلا تستبعد ما صنعه الأوربيون المسيحيون حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية، من استئصال الهنود الحمر، أهل البلاد الأصليين!! ولا تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى (أستراليا) واكتشفوها وقضوا على سكانها الأصليين. وقد استخدم هؤلاء وأولئك في إبادة السكان الأصليين وسائل وأساليب لا تمت إلى الأخلاق، ولا إلى الإنسانية بصلة، ووصفها بـ (الوحشية) ظلم كبير للوحوش؛ لأن الوحوش لا تقتل من الحيوانات الأخرى إلا ما تحتاج إليه لأكلها. فإذا شبعت كفّت. وهؤلاء لا يشبعون من قتل، ولا يرتوون من دماء، وإن سالت مدرارا.

    إن فكرة استئصال الأمم والشعوب والأخرى وإبادتها: (فكرة توراتية) أصيلة توارثها قراء التوراة من اليهود والنصارى. وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، لا بالنسبة إلى (الأمم البشرية) فحسب، بل بالنسبة إلى (الأمم الحيوانية) أيضا. فلم يجز الإسلام إبادة نوع أو أمة من العجماوات لسبب من الأسباب، وقال في ذلك رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها"[22] أي بإبادتها وتخليص الناس من أذاها.

    ولكنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى الأمر نظرة أعمق، فرأى أن هذه الكلاب (أمة) - بتعبير القرآن - لها خصائصها وصفاتها التي ميزتها عن غيرها من الأجناس التي خلقها الله، وإنما خلقها لحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وقد قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} (الأنعام: 38).

    وبهذه النظرة المتسامية سبق الإسلام بنحو أربعة عشر قرنا: ما تنادت به البشرية اليوم من ضرورة الحفاظ على الأجناس الحية من الانقراض، وهو ما يسمونه (مبدأ نوح) عليه السلام.[23] وذلك حين حمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين، ليحافظ على أجناس الحيوانات التي يتوقع أن يهلكها الطوفان.

    فانظر إلى هذا الأفق الرفيع الذي ارتقى الإسلام بالبشرية إليه، في المحافظة على أجناس الدواب والطيور وغيرها، واعتبارها (أمما أمثالنا) وقارن بينه وبين ذلك الحضيض الذي انحدر إليه الغربيون الذين رضعوا فكرة التوراة الاستئصالية مع لبان أمهاتهم. فاقترفوا من جرائم الإبادة ما يندى له جبين التاريخ.

    وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصابات اليهودية الصهيونية بأهل فلسطين، وشعب فلسطين؟ لقد قاموا بجملة مذابح بشرية رهيبة، من قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، بلا هوادة ولا رحمة، ولا مراعاة لأي اعتبار إنساني، كما فعلوا في (دير ياسين) وغيرها، حتى بقروا بطون الحوامل، وأخرجوا الأجنة من أحشائها، وعبثوا بها بسنان أسلحتهم، وهم يتضاحكون! وقتلوا الابن أمام عين أبيه، وعين أمه الوالهة! وذبحوا الأب والأم أمام أعين أبنائهما وبناتهما، وبهذه الوحشية أدخلوا الرعب في قلوب الفلسطينيين، ففروا من ديارهم مذعورين، وتركوها لهؤلاء السفاحين الإرهابيين.

    لقد كان هؤلاء المجرمون السفاحون يطبقون شريعة التوراة التي لُقّنوها: ألا تدعوا فيها نسمة حية!!.

    هذه هي شريعة التوراة بالنسبة لهذه الشعوب: دمِّروها عن بكرة أبيها! لا تبقوا فيها نسمة حية! هكذا أمر الرب الإله موسى وقومه وأتباعه: أن يفعلوا بهذه المدن وأهلها حين تقع في أيديهم، وقد أمروا أمرا ملزما: أن يبدءوا بقتالهم وقتلهم. لا يدعونهم إلى دين يعتنقونه، أو يقبلون منهم جزية يدفعونها، فليس لهم خيار إلا السيف.

    وقد طبق موسى[24] ويوشع من بعده وداود هذه التعاليم حرفيا، فأبادوا شعوبا بأسرها، وقتلوا عشرات الألوف ومئات الألوف من مخالفيهم بلا هوادة ولا رحمة، فكانوا كما خاطب الله بني إسرائيل في القرآن: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (البقرة: 74).

    فأين هذا مما جاء به القرآن من قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} البقرة: (190-191). ولم يسمح القرآن بالاعتداء على الأعداء، حتى مع شدة بغضهم للمسلمين وشدة بغض المسلمين لهم (وهو الشنآن) وحتى مع صدهم للمسلمين عن العبادة في المسجد الحرام، كما قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا} (المائدة: 2).

    وأين هذا مما جاء به القرآن ـ حتى بعد ما سموه (آية السيف) ـ من قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} التوبة: 6)؟.

    وأين هذا من قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِن يُّرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 61-62).

    وأين هذا من أخلاقيات الحرب التي جاء بها الإسلام؟ فلا يقتل إلا من يقاتل. ولا تقتل امرأة ولا وليد، ولا شيخ كبير. ولا أعمى أو زمن أو راهب في صومعة أو فلاح يحرث الأرض أو غيرهم من المدنيين الذين لا شأن لهم بالحرب.

    لقد أمر القرآن الكريم عند لقاء الجيوش في الحرب: أن يضربوا رقاب أعدائهم، حتى يثخنوهم، (أي يضعفوهم) فإذا أثخنوهم وكسروا شوكتهم كفوا عن القتل، ولجئوا إلى الأسر، وبعد الأسر يخير المسلمون بين المن على الأسرى ومفاداتهم بمال أو بأسرى المسلمين. يقول تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (محمد: 5).

    فأين من هذا ما قرأناه في التوراة التي تقول: (أبيدوهم عن بكرة أبيهم)؟!

    لقد شرع الإسلام الأسر بعد الإثخان، كما شرع إحسان معاملة الأسرى، كما أمر النبي أصحابه به في أسرى بدر أن يستوصوا بهم خيرا. وقال تعالى في مدح الأبرار من عباده: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} (الإنسان: 8)

    ونهى المسلمين عن الانتقام من جثث القتلى والتمثيل بها بعد موتها، وحذر رسول الله قواده من ذلك، كما نهى عنه الخلفاء الراشدون.

    وحين أرسل إلى أبي بكر الخليفة الأول برأس قائد من قواد الأعداء، أنكر ذلك، وقال: بغيتم! كما قال: لا تأتوا بالجيف إلى مدينة رسول الله![25]

    ولما قيل له: إنهم يفعلون ذلك برؤوس قادتنا! قال: آستنان بفارس والروم؟ والله لا يحمل إلي رأس بعد اليوم. إنما يكفي الكتاب والخبر.[26]

    بين العنف والإرهاب

    هل العنف والإرهاب شيء واحد؟ أم بينهما فرق؟

    بعض الذين تحدثوا في الموضوع لم يجعلوا بينهما فرقا.

    ورأيي: أن بينهما عموما وخصوصا، كما يقول أهل المنطق؛ فكل إرهاب عنف، وليس كل عنف إرهابا.

    إذ العنف - فيما رأينا -: أن تستخدم فئة من الناس: القوة المادية في غير موضعها، وتستخدمها بغير ضابط من خُلُق أو شرع أو قانون.

    ومعنى (في غير موضعها): أن تستخدم القوة حيث يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي أحسن، وهي حين تستخدم القوة لا تبالي من تقتل من الناس، ولا تسأل نفسها: أيجوز قتلهم أم لا؟ وإذا سألت يوما، فهي تعطي نفسها سلطة المفتي والقاضي والشرطي.

    هذا هو العنف الذي نجرمه. أما الإرهاب فهو: أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وتخويفهم وإيذائهم بوجه من الوجوه، وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في رأيك.

    ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة ـ عادة ـ أية قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، إنما يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة، مثل: حكومة الطائرة المخطوفة، أو حكومة الركاب المخطوفين لتحقيق مطالب له: كإطلاق مساجين أو دفع فدية، أو نحو ذلك، وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة، أو فجروها بمن فيها.

    كما يدخل في ذلك: احتجاز رهائن لديه، لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولكن يتخذهم وسيلة ضغط: لتحقيق مطالبه أو يقتل منهم من يقتل، كما تفعل جماعة أبو سياف في جنوب الفلبين وغيرهم من الجماعات المماثلة.

    ومن ذلك: قتل السياح في مصر، كما في مذبحة الأقصر، لضرب الاقتصاد المصري، للضغط على الحكومة المصرية.

    ومن ذلك: ما حدث في الحادي عشر سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، من اختطاف الطائرات المدنية بركابها: من المدنيين الذين ليس بينهم وبين خاطفيها مشكلة أو نزاع، واستخدامها (آلة هجوم) وتفجيرها بمن فيها، للضغط والتأثير على السياسة الأمريكية.
    وكذلك ضرب المدنيين البرآء: في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وهم أناس ليس بينهم وبين ضاربي البرجين مشكلة، ولا علاقة لهم بصنع القرار السياسي، وكلهم موظفون عاديون يؤدون عملهم اليومي الذي يعيشون منه، ومنهم مسلمون وغيرهم.

    وإذا كنا ندين العنف بصفة عامة، فنحن ندين الإرهاب بصفة خاصة، لما فيه من اعتداء على أناس ليس لهم أدنى ذنب يؤاخذون به. والقاعدة التي جاء بها القرآن وكتب السماء[27]: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 38) ولما فيه من ترويع البرآء الآمنين، وترويعهم في نظر الإسلام: ظلم عظيم.

    وقد أصدرت فتوى - منذ بضعة عشر عاما -: بتحريم خطف الطائرات، وذلك بعد حادثة خطف الطائرة الكويتية، وبقاء ركابها فيها محبوسين: ستة عشر يوما، كما قتلوا واحدا أو اثنين من ركابها.

    كما أفتيت بتحريم حجز الرهائن والتهديد بقتلهم، إنكارا على ما اقترفته جماعة (أبو سياف) في الفلبين، فهؤلاء الرهائن لا جرم لهم، إلا أن القدر أوقعهم في أيديهم.

    وكذلك أصدرت بيانا ـ عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ـ دِنْتُ فيه هذا العمل ومقترفيه، أيا كان دينهم، أو جنسهم أو وطنهم.

    وليس هذا موقفا شخصيا مني، ولكني استمددته من الإسلام ومصادره: من قرآنه وسنته، وفقه شريعته، على اختلاف مذاهبه.

    بين الجهاد المشروع والعنف الممنوع

    ومن اللازم هنا: أن نميز بوضوح بين (الجهاد) الذي فرضه الإسلام دفاعا عن الدين أو الدار (الوطن) أو الحرمات والمقدسات.. وبين (العنف) الذي نَدينه ونجرّمه.

    فكل من الجهاد والعنف يستخدم القوة المادية في تحقيق هدفه.

    ولكن الجهاد يتميز بوضوح هدفه، ووضوح وسائله، والتزامه بأحكام الشرع، ومكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام: قبل القتال، وأثناء القتال، وبعد القتال.

    أما (العنف) - كما يقوم به بعض الجماعات التي تنسب إلى الإسلام - فينقصه الوضوح في الرؤية، سواء للأهداف أم للوسائل، أم للضوابط الشرعية، وعامة من يقوم به من الشباب المتحمس، الذي لم يتسلح بفقه الشرع، ولا بفقه الواقع، وتغلب عاطفته عقله، وحماسته علمه، ويرى الناس والحياة بمنظار أسود، فيغلب سوء الظن، ويسارع بالاتهام بالفسوق، بل بالكفر الصريح، والكفر الأكبر المخرج من الملة.

    فالجهاد يستخدم القوة في موضعها، وفي أوانها، وبقدر ما توجبه ضرورة الجهاد، ومع الأعداء الذين اعتدوا على الإسلام وأهله، ففتنوهم في الدين أو أخرجوهم من ديارهم، أو عذبوا المستضعفين من المؤمنين، وجاروا على حقوقهم، أو الذين احتلوا أرضه، وانتهكوا حرماته، وداسوا مقدساته، فالجهاد هنا مشروع، عملا بقول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190).

    مشروعية الجهاد في فلسطين

    ومما لا شك فيه: أن أفضل أنواع الجهاد في عصرنا، وأولاها بالمشروعية والفضل: الجهاد لتحرير فلسطين، أرض الإسراء والمعراج، وأرض المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث المسجدين العظيمين، الذي ربطه الله بالمسجد الحرام، فهذا مبتدأ الإسراء، وهذا منتهاه {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} (الإسراء: 1).

    هذه الأرض المقدسة ابتليت بأخبث وأفجر وأشرس أنواع الاستعمار، وهو: الاستعمار الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي الإرهابي الوحشي،[28] الذي لا يرعى لإنسان كرامة ولا حرمة، ولا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يعرف في تعامله عدلا ولا رحمة.

    هذا الاستعمار فرض نفسه - بالأسلوب الدموي والعنف الوحشي - على منطقة ليست له، ولم يكن له فيها وجود قبل أقل من قرن من الزمان، واستطاع بالقوة والكيد ومساعدة الغرب - بريطانيا أولا وأمريكا ثانيا - أن ينتصر على أهل الديار، وأن يشتتهم في الآفاق.

    ومن المقرر فقها: أن على المسلمين في فلسطين أن ينفروا خفافا وثقالا، لطرد العدو الكافر، الذي احتل ديارهم، فهذا فرض عين على جميعهم، كل بما يقدر عليه، وتسقط هنا الحقوق الفردية، حتى إن المرأة لتخرج للجهاد والمقاومة بغير إذن زوجها، والابن بغير إذن أبيه، والخادم بغير إذن سيده؛ لأن حق الجماعة في بقائها والحفاظ عليها ـ أي على حريتها وسيادتها ـ مقدم على حقوق الأفراد من الأزواج والآباء والسادة.

    فإن عجز أهل فلسطين عن طرد العدو وتحرير الأرض - أو تقاعسوا عن ذلك وجبنوا - كان على أقرب الجيران إليهم أن يقاتلوا بجوارهم - أو يحلوا محلهم عند قعودهم - حتى يطردوا العدو الغازي الكافر.

    فإن عجز الجيران أو تقاعسوا عن مقاومة العدو ـ كما هو الحاصل اليوم في دول الطوق ـ وجب على من يليهم، ثم من يليهم حتى يشمل المسلمين كافة.

    هذا ما تفرضه أحكام الشريعة، وما يقرره الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه ومدارسه.

    وهذا هو الواقع بالنسبة لفلسطين، فقد بذل الفلسطينيون أقصى ما عندهم، وقدموا أروع البطولات في الصمود، والعمليات الاستشهادية، والمقاومات الاستبسالية في المدن والقرى والمخيمات، برغم قلة إمكاناتهم من السلاح العتاد والمال، ورغم ضربهم بالصواريخ والدبابات والطائرات، وتدمير منازلهم، وتجريف أراضيهم، وإحراق مزارعهم، واقتلاع أشجارهم، وتهجيرهم من مساكنهم، والتصميم على حصارهم وتجويعهم، حتى يركعوا ويستسلموا للعدو الصهيوني الغاشم. ومع هذا لم تلن لهذا الشعب قناة، ولم يطأطئ له رأس، ولم ينحن له ظهر. ولكن من البَيِّن: أن قدرات الشعب الفلسطيني لا تستطيع قهر العدو الإسرائيلي الذي غدا اليوم يملك ترسانة هائلة من الأسلحة، بما فيها السلاح النووي المحظور ملكه على العرب أجمعين.

    وهنا قد انتقل واجب الجهاد العيني على جيرانهم وأشقائهم من العرب، ولكن للأسف الشديد عجز العرب من حول الفلسطينيين أو قل: استخذَوْا ووهنوا واستكانوا، وتركوا الفلسطينيين وحدهم بإمكاناتهم المحدودة، يواجهون أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط، مؤيدة بإمكانات أعظم قوة عالمية في الأرض، وهي قوة الولايات المتحدة الأمريكية. على حين خاض العرب حرب فلسطين سنة 1948م، وكانت الجامعة العربية وليدة ـ بنت ثلاث سنوات ـ ولم تترك الأمر للفلسطينيين.

    وهنا ينتقل واجب الجهاد العيني إلى المسلمين كافة في أنحاء العالم، عليهم أن ينفروا خفافا وثقالا، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، كل بما يقدر عليه.

    وهذا واجب المسلمين تجاه أي جزء من أرض الإسلام يحتله عدو غاز كافر، فكيف إذا كان هذا الجزء هو أولى القبلتين وأرض الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى؟.

    هنا يتأكد الوجوب على الأمة؛ إنقاذا للمسجد الأقصى ولمقدسات الأمة في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، كما وصفها القرآن الكريم.

    فإذا تقاعست الحكومات عن هذا الواجب المقدس، فعلى الشعوب والجماهير المسلمة: أن تضغط على حكامها بكل ما تستطيع، أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، بواسطة العلماء والدعاة والمفكرين، ورجال الصحافة والإعلام، وأهل الرأي والحكمة، وكل من يمكنه أن يقول كلمة حق، حتى تستجيب لهم الحكومات في النهاية، فإنها لا تستطيع أن تنفصل عن شعوبها انفصالا تاما، لأنه أشبه بانفصال الجسد عن الروح. وعلى الأقل: تتيح الفرصة للقادرين والراغبين من أبناء شعوبنا في الجهاد والاستشهاد، بفتح الطريق لهم ليحققوا آمالهم. ولن تزال طائفة من هذه الأمة قائمة على الحق حتى يأتي أمر الله، حتى يقاتل عصابة في آخر هذه الأمة الدجال.

    ولا تزال الأمة تأمل في رجال أحرار مؤمنين يقودون الأمة إلى الجهاد، ويلبون أشواقها إلى التحرر، مثل الدور الذي قام به من قبل: عماد الدين زنكي وابنه البطل نور الدين محمود الشهيد، وتلميذه صلاح الدين الأيوبي، الذي حقق الله النصر الأول على يديه.

    فهذا الجهاد مشروع بلا ريب، بل مفروض على أهل فلسطين خاصة، وعلى المسلمين عامة، وهم آثمون إذا قصروا أو تهاونوا فيه.

    العمليات الاستشهادية أعلى أنواع الجهاد اليوم

    أما العمليات الإستشهادية التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فهي لا تدخل في دائرة الإرهاب المجرّم والمحظور بحال من الأحوال، وإن كان من ضحاياها بعض المدنيين، وذلك لعدة أسباب:

    أولا: أن المجتمع الإسرائيلي -بحكم تكوينه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي العنصري الاغتصابي- مجتمع عسكري لحما ودما، مجتمع عسكري كله، أي أن كل من جاوز سنّ الطفولة منه، من رجل أو امرأة، مجند في جيش إسرائيل، كل إسرائيلي جندي في الجيش، إما بالفعل، وإما بالقوة، أي هو جندي احتياط، يمكن أن يستدعى في أي وقت للحرب. وهذه حقيقة ماثلة للعيان، وليست مجرد دعوى تحتاج إلى برهان. وهؤلاء الذين يسمونهم (مدنيين) هم في حقيقة أمرهم (عساكر) في جيش بني صهيون بالفعل أو القوة. وخصوصا سكان (المستوطنات) منهم التي أقاموها بالعنف، وأنشئوها قلاعا للعدوان.

    ثانيا: أن المجتمع الإسرائيلي له خصوصية تميزه عن غيره من سائر المجتمعات البشرية، فهو – بالنسبة لأهل فلسطين – (مجتمع غزاة) قدموا من خارج المنطقة - من روسيا أو من أمريكا، أو من أوربا أو من بلاد الشرق- ليحتلوا وطنا ليس لهم، ويطردوا شعبه منه، أي ليحتلوا فلسطين ويستعمروها، ويطردوا أهلها، ويخرجوهم من ديارهم بالإرهاب المسلح، ويشتتوهم في آفاق الأرض، ويحلو محلهم في ديارهم، وأموالهم. ومن حق المغزو أن يحارب غزاته بكل ما يستطيع من وسائل، ليخرجهم من داره، ويردهم إلى ديارهم التي جاءوا منها، ولا عليه أن يصيب دفاعه رجالهم أو نساءهم، كبارهم أو صغارهم، فهذا الجهاد (جهاد اضطرار) كما يسميه الفقهاء لا جهاد اختيار، جهاد دفع لا جهاد طلب. ومن سقط من الأطفال والبرآء فليس مقصودا، إنما سقط تبعا لا قصدا، ولضرورة الحرب.

    ومرور الزمن لا يسقط عن الصهاينة: صفة الغزاة المحتلين المستعمرين، فإن مضي السنين لا يغير الحقائق، ولا يحل الحرام، ولا يبرر الجريمة، ولا يعطي (الاغتصاب) صيغة (المِلْكية) المشروعة بحال. فهؤلاء الذين يسمون (المدنيين) لم يفارقهم وصفهم الحقيقي: وصف الغزاة البغاة الطغاة الظالمين. {أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.

    ثالثا: يؤكد هذا أن الشريعة الإسلامية – التي هي مرجعنا الأوحد في شئوننا كلها – تصف غير المسلمين بأحد وصفين لا ثالث لهما، وهما: مسالم ومحارب. فأما المسالم، فالمطلوب منا أن نبره ونقسط إليه، و إما المحارب فالمطلوب منا أن نحاربه، ونقابل عدوانه بمثله. كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ . فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} البقرة: (190-193).

    ويقول تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8، 9).

    فالصنف الأول (المسالم) ليس له من المسلمين إلا البر والقسط.

    بخلاف الصنف الثاني (المحارب) أو (الحربي).

    وهؤلاء هم الذين يسميهم الفقهاء (الحربيين). ولهم في الفقه أحكامهم الخاصة بهم.

    ومن المقرر شرعا: أن (الحربي) لم يعد معصوم الدم والمال، فقد أسقط بحربه وعدوانه على المسلمين عصمة دمه وماله.

    رابعا: يؤكد ذلك أن فقهاء المسلمين: اتفقوا -أو اتفق جمهورهم- على جواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الجيش المهاجم للمسلمين، أي اتخذ العدو منهم تروسا ودروعا بشرية يحتمي بها، ويضعها في المقدمة، ليكونوا أول من نصيبهم بنيران المسلمين أو سهامهم وحرابهم، فأجاز الفقهاء للمسلمين المدافعين أن يقتلوا هؤلاء المسلمين البرآء، الذين أكرهوا على أن يوضعوا في مقدمة جيش عدوهم –لأنهم أسرى عنده أو أقلية ضعيفة، أو غير ذلك – إذ لم يكن لهم بد من ذلك، وإلا دخل عليهم الجيش الغازي، وأهلك حرثهم ونسلهم. فكان لا بد من التضحية بالبعض، مقابل المحافظة على الكل، وهو من باب (فقه الموازنات) بين المصالح والمفاسد بعضها وبعض.

    فإذا جاز قتل المسلمين الأبرياء المكرهين للحفاظ على جماعة المسلمين الكبرى، فإنه يجوز قتل غير المسلمين، لتحرير أرض المسلمين من محتليها الظالمين: أحق وأولى.

    خامسا: إن الحرب المعاصرة تجند المجتمع كله، بكل فئاته وطوائفه، ليشارك في الحرب، ويساعد على استمرارها، وإمدادها بالوقود اللازم من الطاقات المادية والبشرية، حتى تنتصر الدولة المحاربة على عدوها. وكل مواطن في المجتمع عليه دور يؤديه في إمداد المعركة، وهو في مكانه؛ فالجبهة الداخلية كلها – بما فيها من حرفيين وعمال وصناع – تقف وراء الجيش المحارب، وإن لم تحمل السلاح. ولذا يقول الخبراء: إن الكيان الصهيوني ـ في الحقيقة ـ (إسرائيل) كله جيش.

    سادسا: أن الأحكام نوعان: أحكام في حالة السعة والاختيار، وأحكام في حالة الضيق والاضطرار، والمسلم يجوز له في حالة الاضطرار ما لا يجوز له في حالة الاختيار، ولهذا حرم الله تعالى في كتابه في أربع آيات: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ثم قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 173).

    ومن هنا أخذ الفقهاء قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وإخوتنا في فلسطين في حالة ضرورة لا شك فيها، بل هي ضرورة ماسة وقاهرة، للقيام بهذه العمليات الاستشهادية، لإقلاق أعدائهم وغاصبي أرضهم، وبث الرعب في قلوبهم، حتى لا يهنأ لهم عيش، ولا يقر لهم قرار، فيعزموا على الرحيل، ويعودوا من حيث جاءوا. ولولا ذلك لكان عليهم أن يستسلموا لما تفرضه عليهم الدولة الصهيونية من مذلة وهوان يفقدهم كل شيء، ولا تكاد تعطيهم شيئا!.

    أعطوهم عشر معشار ما لدى إسرائيل من دبابات ومجنزرات، وصواريخ وطائرات، وسفن وآليات، ليقاتلوا بها. وسيدعون حينئذ هذه العمليات الاستشهادية. وإلا فليس لهم من سلاح يؤذي خصمهم، ويقض مضجعهم، ويحرمهم لذة الأمن وشعور الاستقرار، إلا هذه (القنابل البشرية): أن (يُقَنْبل) الفتى أو الفتاة نفسه، ويفجرها في عدوه. فهذا هو السلاح الذي لا يستطيع عدوه -وإن أمدته أمريكا بالمليارات وبأقوى الأسلحة- أن يملكه، فهو سلاح متفرد، ملكه الله تعالى لأهل الإيمان وحدهم، وهو لون من العدل الإلهي في الأرض لا يدركه إلا أولو الأبصار. فهو سلاح الضعيف المغلوب في مواجهة القوي المتجبر، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} (المدثر: 31).

    الرد على شبهات المعارضين

    الذين يعارضون العمليات الاستشهادية يعارضونها لشبهات ثلاث:

    1ـ أنها تدخل في (الانتحار) أي قتل النفس، وإلقائها في التهلكة، والانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام.

    2ـ أنها كثيرا ما تصيب المدنيين الذين لا يحاربون من النساء والأطفال، وهؤلاء يحرم قتلهم في الإسلام، حتى في حرب المواجهة بين الجيوش، وحتى الرجال الذين يُقتلون هم من المدنيين الذين لا يحملون السلاح.

    3ـ أنها أدت إلى إلحاق الأذى والضرر بالفلسطينيين، بسبب عمليات الانتقام الفظيعة التي تقوم بها دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) من قتل وتدمير وإحراق واستباحة للمحرمات. فلو كانت هي مشروعة أصلا لأصبحت محظورة بنتائجها وآثارها. والنظر إلى (مآلات الأفعال) مطلوب شرعا.

    العلميات الاستشهادية أبعد ما تكون عن الانتحار

    فأما الذين يعارضون العمليات الاستشهادية بأنها نوع من (الانتحار) أو (قتل النفس) فهم جد مخطئين، فإن الهدف مختلف تماما بين (الاستشهادي) وبين (المنتحر). ومن ناحية أخرى: من يحلل نفسية (الاستشهادي) ونفسية (المنتحر) يجد بينهما بونا شاسعا.

    فالمنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، لإخفاقه في صفقة أو في حب أو في امتحان، أو غير ذلك، فضعف عن مواجهة الموقف، فقرر الهرب من الحياة بالموت.

    أما الاستشهادي، فهو لا ينظر إلى نفسه، إنما يضحي من أجل قضية كبيرة، تهون في سبيلها كل التضحيات، فهو يبيع نفسه لله، ليشتري بها الجنة، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} (التوبة:111).

    فإذا كان المنتحر يموت فارا منسحبا، فإن الاستشهادي يموت مقداما مهاجما.

    وإذا كان المنتحر لا غاية له إلا الفرار من المواجهة، فإن الاستشهادي له غاية واضحة، هي تحقيق مرضاة الله تعالى، كما قال تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه (أي يبيعها) ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد} البقرة: (207).

    إصابة المدنيين

    أما شبهة إصابة المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال والموظفين والعمال وغيرهم من طبقات المجتمع المدني، ممن لا يحملون السلاح.

    فقد رددنا على هذه الشبهة بما يبطلها فيما مضى، وأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري كله، وأنه مجتمع من الغزاة... إلخ، فليراجع ما كتبناه.

    وبالنسبة للأطفال، نرى الاستشهاديين لا يتعمدون قتل الأطفال، ولا يقصدون ذلك أصلا، ولكن هذا يأتي تبعا، وبحكم الضرورة التي لا يمكن تخطيها. ومن المعلوم: أن للضرورات أحكامها، التي بها تباح المحظورات، وتسقط الواجبات.

    الإضرار بالفلسطينيين

    وأما شبهة الإضرار بالفلسطينيين، وأنها عادت عليهم بالقتل والتدمير والإحراق، بسب عمليات الانتقام الصهيونية، فإن ذراع إسرائيل أطول، وقدرتها على الانتقام أقوى، وهي تكيل بالصاع صاعين، بل عشرة أصوع.

    فنجيب هنا بما يلي:

    أولا: أن إسرائيل كانت دائما هي البادئة بالشر والأذى، والمقاومة هي التي تحاول أن ترد وتدافع عن نفسها، وهذا واضح وضوح الشمس لا يستطيع أن ينكره أحد. ويكفي أن إسرائيل ـ بحكم الشرعية الدولية كما يسمونها ـ تعتبر دولة محتلة لأرض الغير، وأن الفلسطينيين يدافعون عن وطنهم المحتل، ويقاومون عدوا غازيا لهم.

    ثانيا: أن هذا العدوان طبيعة في إسرائيل، منذ قامت وإلى اليوم. بل هي لم تقم إلا على المجازر والاستباحة للدماء والحرمات والأموال. وما كان بالذات لا يتخلف. فلو أغمد الفلسطينيون أسلحتهم الخفيفة القليلة لاستمر الإسرائيليون يقتلون ويذبحون ويدمرون.

    ثالثا: لا ينبغي أن نضخم في أثر الضربات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ونغفل آثار الضربات الاستشهادية في كيان بني صهيون، وما تحدثه من رعب وذعر وتهديد للمستقبل، وشعور بعدم الاستقرار، حتى فكر كثيرون في الرحيل، ورحل بعضهم بالفعل. ناهيك بما تحدثه من أثر في السياسة والسياحة والاقتصاد وغيرها.

    وهو ما جعل إسرائيل وأمريكا من ورائها تحاولان بكل جهد وحيلة: إيقاف العمليات الاستشهادية بأي ثمن، ومن ذلك تحريض السلطة الفلسطينية على ضرب المقاومة والتخلص منها بدعوى مقاومة الإرهاب.

    فإذا كنا نشكو، فهم أكثر شكوى منا، وقد قال تعالى: {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} (النساء: 104).

    جماعات العنف المنسوبة إلى الإسلام
    لقد اشتهر في العقود الأخيرة في عدد من البلاد العربية والإسلامية: تكوين جماعات إسلامية الوجهة، أطلقت على نفسها (جماعة الجهاد). ويعنون بالجهاد ـ أول ما يعنون ـ جهاد السلطات والحكومات الظالمة، التي تحكم بلاد المسلمين، ولا تقيم شرع الله، الذي فرض الله على الأمة أن تحتكم إليه في شئونها كلها: الدينية كالعبادات، والدنيوية كالمعاملات. وكما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة: 183) قال في نفس السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178) فتنفيذ القصاص كتنفيذ الصيام، كلاهما فرض فرضه الله على المؤمنين.

    وكما قال تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة: 6). قال في نفس السورة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة: 38) فلماذا نأخذ بآية الطهارة، ونجمّد آية حد السرقة؟ وكلتاهما أمر من الله جل وعلا؟.

    قامت جماعات الجهاد في مصر وفي الجزائر وفي غيرهما، لمقاومة الحكام الجائرين، بل الكافرين في نظرهم، بعد أن فشل منطق الوعظ والإرشاد مع هؤلاء، ولم يعد يجدي معهم غير القوة التي يستخدمونها بعنف وقسوة ضد خصومهم. قالوا: ولو كان الحوار مع هؤلاء الحكام يجدي لحاورناهم، ولكن هيهات لا يقاوم السيف بالقلم، ولا السنان باللسان!.

    كيف نواجه جماعات العنف في ديارنا؟
    لقد بحث الكثيرون في (ظاهرة العنف) واجتهد من اجتهد في تشخيص الداء، وفي وصف الدواء.

    وقد تبين من الدراسات الجادة: أن العنف ليس ظاهرة إسلامية، بل هو ظاهرة عالمية. وجد في أمريكا ذاتها، ووجد في أوربا (في بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا) ووجد في آسيا (في الهند واليابان) ووجد في إسرائيل نفسها، كما وجد في بلاد إسلامية شتى.

    والذي يهمنا هنا هو علاج العنف في داخل بلادنا العربية والإسلامية: وذلك بالنظر بعمق إلى الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، ومنها: الظلم الواقع على بلادنا من القوى العظمى، وأجلى ما يتمثل: في قضية فلسطين، قضية الشعب الذي اغتصبت أرضه، وأخرج من دياره، وشتت في الآفاق، وفرض عليه كيان دخيل مغتصب، وحتى حين أرغمته الظروف الإقليمية والدولية على الاعتراف بهذا الكيان الظالم، احتل ما بقي من أرضه في الضفة والقطاع، وغدا يتحكم في رقبته، في مأكله ومشربه، في مائه وهوائه، في حركته وانتقاله، ويحاصره ويجوعه، ويضرب شعبه بالطائرات من فوق، والدبابات والمجنزرات من تحت. وأمسينا نشاهد بأعيننا من خلال الشاشات: مئات المنازل تدمر بما فيها من متاع وأثاث وأسباب للحياة، ويترك أهلوها في العراء، حقيقة لا مجازا. والعالم يتفرج على هذه المهزلة أو المأساة، ومجلس الأمن لا يحرك ساكنا، والعرب صامتون صمت القبور، والحكام ـ مع هذا كله ـ على صلة وثيقة بأمريكا التي هي وراء هذا كله. فهو يتم بإذنها ورضاها وعونها ومشاركتها الإستراتيجية. وهناك مظالم أخرى تراها كل عين في أفغانستان وفي العراق.

    ومن أسباب العنف: ما يقوم به الحكام في ديارنا العربية والإسلامية من مظالم وانحراف عن النهج القويم الذي يحقق رضا الله تعالى بتطبيق شرعه، وإقامة عدله في الأرض، وإحلال حلاله وتحريم حرامه، ويحقق آمال الشعوب في حياة الحرية والكرامة، ورعاية الحقوق، وتوفير العيش الكريم الذي يليق بالإنسان المستخلف في الأرض.

    كل هذا من أسباب العنف التي لا يرتاب فيها، ولكنا لا نراها كل الأسباب، ولا أهم الأسباب، كما يرى بعض الدارسين.

    فإن الذي يتعمق في واقع هذه الجماعات الإسلامية التي اتخذت العنف سبيلا لها: يجد بوضوح: أن وراءها أسبابا فكرية ـ هي الأكبر تأثيرا ـ هي التي دفعت هؤلاء الشباب اليوم إلى ما اندفع إليه أسلافهم من قبل من الخوارج، الذين عُرِفوا بأنهم كانوا صوّاما قوّاما قرّاء للقرآن، ومع هذا استحلّوا دماء المسلمين من غيرهم، إذ كانت آفتهم في عقولهم وأفهامهم، وليست في ضمائرهم ونياتهم.

    هناك خلل فكري في رؤيتهم للدين، ورؤيتهم للناس، ورؤيتهم للحياة. والخلل الفكري لا يواجه بالسجون والتعذيب والتنكيل، فإن هذا قد لا يزيدهم إلا تشددا وتعصبا لأفكارهم.

    أجل، المواجهة الأمنية لا تكفي هنا، بل لا بد من مواجهة فكرية علمية معهم، يقوم بها رجال ثقات في علمهم، ثقات في دينهم، غير متهمين بأنهم من علماء السلطة، أو عملاء الشرطة.

    وقد بعث سيدنا علي رضي الله عنه إلى الخوارج الذين ثاروا عليه: سيدنا عبد الله بن عباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن، ليحاجهم ويحاورهم، وما زال يحاورهم ويجادلهم بالحجة والإقناع، حتى رجع منهم عدة آلاف، وبقي بعضهم مصرين على باطلهم.

    وهذا ما ينبغي أن نفعله مع هذه الجماعات التي ارتكبت ما ارتكبت في مصر والجزائر والمملكة السعودية والمغرب وغيرها. وأن نصبر على محاجتهم، ونطيل الوقوف معهم، لنعذر إلى الله، ونقيم الحجة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة.

    مناقشة فقه جماعات العنف

    لا بد أن نعرف: أن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات، التي تنسب للإسلام، إنما هو إفراز لفلسفة معينة، تتبناها هذه الجماعات، وثمرة لفقه خاص له وجهته ومفاهيمه وأدلته، التي تستند إليها هذه الفئة من الناس.

    ومن نظر إلى جماعات العنف، القائمة اليوم في عالمنا العربي (مثلا: جماعة الجهاد.. الجماعة الإسلامية.. السلفية الجهادية.. جماعة أنصار الإسلام.. تنظيم القاعدة): وجد لها فلسفتها ووجهة نظرها، وفقهها الذي تدعيه لنفسها، وتسنده بالأدلة من القرآن والسنة، ومن أقوال بعض العلماء، ومن الواجب: أن نناقش فقههم هذا ونرد عليه[29].

    صحيح: أنها كثيرا ما تعتمد على المتشابهات وتدع المحكمات، وتستند إلى الجزئيات وتهمل الكليات، وتتمسك بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما يعارض هذه الظواهر من نصوص وقواعد، وكثيرا ما تضع الأدلة في غير موضعها، وتخرجها عن سياقها وإطارها، ولكن ـ على أي حال ـ: لها فقه مزعوم يبرر العنف، ويستند إلى التراث، ويروج لدى بعض الأغرار من الشباب، والسطحيين من الناس، الذين يقفون عند السطوح، ولا يغوصون في الأعماق، أساسه فقه الخوارج قديما، الذين كانوا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

    مبررات العنف الداخلي

    بدأت هذه الجماعات: العنف في داخل أوطانها أنفسها، أي العنف ضد الأنظمة الحاكمة.

    فعلى أي أساس بررت ذلك وأجازته: من الوجهة الشرعية، في نظرها على الأقل؟

    تكفير الحكومات القائمة

    إن فقه جماعات العنف، يقوم على أن الحكومات المعاصرة: حكومات غير شرعية، بل هي ـ بصريح العبارة ـ حكومات كافرة؛ لأنها لم تحكم بما أنزل الله، واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق: القوانين التي وضعها المخلوق، وبهذا: وجب الحكم عليها بالكفر والردة، والخروج من الملة، ووجب قتالها حتى تدع السلطة لغيرها. إذ كفرت كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان.

    ويؤكد فقه هذه الجماعات: عدم شرعية هذه الحكومات، أو كفر هذه الأنظمة الحاكمة بأمر آخر، وهي: أنها توالي أعداء الله من الكفار، الذين يكيدون للمسلمين، وتعادي أولياء الله من دعاة الإسلام، الذين ينادون بتحكيم شرع الله تعالى، وتضطهدهم وتؤذيهم. والله تعالى يقول: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة:51).

    ومن دلائل ذلك عند هذه الجماعات: أن هذه الأنظمة فرطت في الدفاع عن المسجد الأقصى، وأرض الإسراء والمعراج، بل بعضها وضع يده في يد الدولة الصهيونية، واعترف بها، وبعض آخر سار في ركاب الأمريكان حماة إسرائيل، وأطلقوا لهم العنان، ليصرفوا أمورهم، ويغيروا مناهجهم، قصدا إلى تغيير ثقافتهم وتفكيرهم، وبذلك يغيرون هويتهم الإسلامية، وشخصيتهم التاريخية!.

    والحكومات المعاصرة: تدافع عن نفسها، وتعارض هذه التهم بدعاوى مختلفة، منها: أنها تعلن أن دينها الرسمي هو الإسلام، وأنهم ينشئون المساجد لإقامة الصلاة، ويعينون الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويؤسسون المعاهد الدينية، والكليات الشرعية، ويوظفون الوعاظ ومدرسي الدين في المدارس وغيرها، ويحتفلون برمضان وعيدي الفطر والأضحى، ويذيعون تلاوة القرآن في الإذاعات والتلفازات، إلى غير ذلك: من المظاهر الدينية، التي تثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه. التي خلاصتها: أنها تؤمن بالإسلام عقيدة لا شريعة، وعبادة لا معاملة، أو تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض.

    كما أن بعض دساتير هذه البلاد يعلن: أن الشريعة مصدر رئيس، أو المصدر الرئيس للتقنين. وبعضها: يعتذر عن عدم تحكيم الشريعة بضعفه أمام قوى الضغط الغربي، وبعضها يقول: تطبيق الشريعة لا يتم دفعة واحدة، وإنما يحتاج إلى التدرج!.

    وبعضهم يقول: نحن لا نوالي الأمريكان، ولكن نداريهم، لأننا أضعف من أن نقاومهم، فنحن نعاملهم بقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} (آل عمران: 28).

    وبعضهم... وبعضهم... يلجأ إلى أعذار شتى يتعلل بها، جلها ليس مقنعا، ولكن تسقط عنهم تهمة (الكفر البواح).

    فتوى ابن تيمية

    كما تعتمد جماعات العنف: على فتوى الإمام ابن تيمية ـ في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام ـ كالصلاة أو الزكاة، أو الحكم بما أنزل الله: في الدماء والأموال والأعراض، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخره. وهو ما اعتمد عليه كتاب (الفريضة الغائبة) لجماعة الجهاد، وجعل هذه الفتوى: الأساس النظري لقيام جماعته، وتسويغ أعمالها كلها.

    ويستدلون هنا: بقتال أبي بكر ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، لمانعي الزكاة.

    فكيف بمن يمتنعون عن تطبيق أكثر أحكام الشريعة، برغم مطالبة جماهير الناس بها، بل هم أشد الناس خصومة لهؤلاء، وتضييقا عليهم، ومعاداة لهم؟!.

    ونسي هؤلاء، أن الذي يقاتل هذه الفئة الممتنعة: ولي الأمر، كما فعل سيدنا أبو بكر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح الأمر فوضى!.

    حكومات مفروضة على الأمة قسرا

    وتعتمد جماعات العنف أيضا: على أن هذه الأنظمة غير شرعية، لأنها لم تقم على أساس شرعي من اختيار جماهير الناس لها، أو اختيار أهل الحل والعقد، وبيعة عموم الناس، فهي تفتقد الرضا العام، الذي هو أساس الشرعية، وإنما قامت على أسنة الرماح بالتغلب والسيف والعنف. وما قام بقوة السيف: يجب أن يقاوم بسيف القوة، ولا يمكن أن يقاوم بسيف القلم!

    ونسي هؤلاء ما قاله فقهاؤنا من قديم: أن التغلب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقرّ له الوضع، ودان له الناس.

    وهذا ما فعله عبد الملك بن مروان، بعد انتصاره على ابن الزبير رضي الله عنه، وقد أقره الناس، ومنهم بعض الصحابة: مثل ابن عمر وأنس وغيرهما، حقنا للدماء، ومنعا للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم.

    وهذا من واقعية الفقه الإسلامي، ورعايته لتغير الظروف، وحرصه على حقن الدماء، وسد أبواب الفتن، التي إذا فتحت قلما تسد، فهو يقبل أهون الشرين، وأخف الضررين، عملا بفقه الموازنات.

    حكومات تقر المنكر وتحل ما حرم الله

    وترى جماعات العنف كذلك: أن هذه المنكرات الظاهرة السافرة ـ التي تبيحها هذه الحكومات ـ: من الخمر، والميسر، والزنى، والخلاعة والمجون، والربا، وسائر المحظورات الشرعية: يجب أن تغير بالقوة لمن يملك القوة، وهي ترى أنها تملكها، فلا يسقط الوجوب عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد، كما في الحديث الشهير: "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه".[30]

    ويغفل هؤلاء: الضوابط والشروط اللازمة لتغيير المنكر بالقوة، التي قررها العلماء. وقد بيناها في بعض كتبنا.[31]

    وبعض هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كله: أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن من لم يكفّر الكافر: فهو كافر!.

    وبهذا توسعوا وغلوا في (التكفير)، وكفّروا الناس بالجملة.

    وعلى هذا: لا يبالون من يُقتل من هؤلاء المدنيين، الذين لا ناقة لهم في الحكومة ولا جمل: لأنهم كفروا فحلت دماؤهم وأموالهم!.

    كما يرون بالنظر إلى الأقليات غير المسلمة: أنهم نقضوا العهد، بعدم أدائهم للجزية، وبتأييدهم لأولئك الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية، ولرفضهم للشريعة الإسلامية. و بهذا لم يعد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا ذمة، وحل دمهم ومالهم. وبهذا استحلوا سرقة محلات الذهب: من الأقباط في مصر، كما استحلوا سرقة بعض المسلمين أيضا.

    وهم يرون: أن السياح وأمثالهم، الذين يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية، والذين يعدّهم الفقهاء (مستأمنين) ولو كانت دولهم محاربة للمسلمين، يرون هؤلاء مستباحي الدم، لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها: محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين. والواجب: أن يقاتل هؤلاء ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم!!.

    وكذلك يقول هؤلاء عن الدول الغربية ـ التي يقيم بعض هؤلاء فيها ـ وقد أعطتهم: حق الأمان، أو حق اللجوء السياسي: لمن طردوا من بلادهم الأصلية، فآوتهم هذه الدول من تشرد، وأطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف.

    يقول هؤلاء بكل جرأة وتبجح: إن هذه الدول كلها كافرة، محاربة للإسلام وأمته، ويجب أن نقاتلهم جميعا حتى يُسلموا فيَسْلَموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولما سئل بعضهم عن إقامته في هذه البلاد، قال: إنها كدورة المياه، نستخدمها للضرورة، رغم نجاستها.

    وهؤلاء الكفار: دماؤهم حلال، وأموالهم حلال للمسلمين، بنصوص الدين.

    ويذكرون هنا آيات وأحاديث: يضعونها في غير موضعها، فإذا واجهتهم بغيرها: من الآيات والأحاديث، التي هي أكثر منها وأظهر وأصرح، قالوا لك: هذه نسختها آية السيف!.

    وإن كنت لاحظت نوعا من التطور في (فقه القاعدة) ظهر في المبادرة الأخيرة التي أطلقها زعيم القاعدة أسامة بن لادن في شهر إبريل 2004م يدعو فيها الأوربيين أن يتعهدوا بالتخلي عن أمريكا وعدم التصدي لقتال المسلمين، وهو يعهد لهم ـ في مقابل ذلك ـ ألا يتعرض لهم بأذى لا في بلادهم ولا في سفاراتهم ولا في مصالحهم في الداخل أو الخارج.

    وهذا يعتبر نقلة مهمة في فقه زعيم القاعدة وجماعته، فقد كانوا من قبل يرون قتال اليهود والنصارى جميعا، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهم في هذه المبادرة يكفّون أيديهم عمن كفّ يده عن المسلمين، ولم يساند أمريكا في حربها على العالم الإسلامي.

    هذا هو فقه جماعات العنف باختصار، الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا في بعض البلاد من مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان: ضد مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين.

    وهو بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخطل من كل جانب. ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية: لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطئوا فيه: في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.

    خلل مركب في فقه جماعات العنف

    فهناك خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير المسلمين، واعتقادهم وجوب قتال كل الكفار، وإن كانوا مسالمين. وهذا ناقشناه باستفاضة في كتابنا (فقه الجهاد)[32].

    وهناك خلل في العلاقة بأهل الذمة من النصارى والأقباط وغيرهم، وما لهم من حقوق مرعية، وحرمات مصونة.

    وهناك خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة، وما له من شروط يجب أن تراعى.

    وهناك خلل في فقه الخروج على الحكام، وما صح فيه من أحاديث وفيرة تقيده وتضبطه، ولا تدع بابه مفتوحا على مصراعيه لكل من شاء.

    وعلينا أن نناقش ذلك كله في ضوء الأدلة الشرعية.

    أزمة هؤلاء فكرية في الدرجة الأولى

    لقد تبين أن آفة هؤلاء في الأغلب: في عقولهم، وليست في ضمائرهم، فأكثرهم مخلصون، ونياتهم صالحة، وهم متعبدون لربهم، شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج الذين كفّروا عامة المسلمين، وكفّروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واستحلوا دمه، ودماء المسلمين معه، وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد.

    قالت الأحاديث في الصحيحين: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".[33]

    فهم: صوّام قوّام، قُرّاء عُبّاد، ولكن قراءتهم للقرآن لا تجاوز حناجرهم، أي لم تدخل إلى أعماق قلوبهم وعقولهم: ليفقهوه حق الفقه، ويتعرفوا على أسراره ومقاصده، دون أن يجعلوا همهم: الوقوف عند ألفاظه وظواهره.

    وقد أدى بهم هذا الفقه الأعوج إلى: استباحة دماء المسلمين الآخرين وأموالهم، حتى استباحوا دم فارس الإسلام وابنه البكر، علي ابن أبي طالب، وقال شاعرهم يمدح قاتله:

    يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

    إني لأذكره يومـا فـأحسبه أوفـى البرية عند اللـه ميزانا

    حسن النية لا يبرر الأعمال الطائشة

    ولقد حذر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من الأعمال الطائشة، والتصرفات الرعناء، التي قد يقوم بها بعض الناس الطيبين، بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة، دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكروا في وخيم عواقبها، وذلك لقصر نظرهم، وضيق أفقهم، فما لم يتنبه المجتمع لهم، ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم سيودون بالمجتمع كله، وينتهي بهم طيشهم ـ مع حسن نيتهم ـ إلى هلاكهم وهلاك الجماعة كلها معهم.

    ولذا حذر الرسول الكريم الجماعة ـ ممثلة في أهل البصيرة وأولي العلم والحكمة ـ أن تتيقظ لهم، وتأخذ على أيديهم، تمنعهم من تنفيذ ما فكروا فيه، وعقدوا عليه العزم، حفظا لوجود الجماعة كلها، وحرصا على حياتها وحياتهم معها.

    وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك مثلا حيا رائعا ناطقا، هو مثل ركاب السفينة الواحدة التي تتكون من طابقين أو أكثر، وبعض الناس في أعلاها، وبعضهم في أسفلها. فلو أراد ركاب الطابق الأسفل أن يخرقوا في نصيبهم خرقا، ليستقوا منه الماء مباشرة من النهر أو البحر، بدعوى أنهم يخرقون في نصيبهم وهم أحرار فيه، وأنهم لا يريدون أن يؤذوا من فوقهم بكثرة المرور عليهم بين حين وآخر.

    وليس أفضل من أن نقرأ هذا الحديث النبوي الرائع بصيغته كاملا، كما جاء في صحيح البخاري:

    عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا".[34]

    إن الحديث يبين لنا المسئولية التضامنية المشتركة للأمة، وأنها لا يجوز لها أن تدع بعض أبنائها يتسببون في غرقها بجهلهم وسوء تصرفهم، وإن كانوا مخلصين، فالإخلاص لا يكفي وحده، ولكن لا بد من تحري الصواب مع الإخلاص.


    مناقشة جماعات العنف في شرعيته وجدواه
    ينبغي على أهل العلم والفكر، وأهل الرأي والحكمة: أن يجادلوا جماعات العنف بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى، وأن يناقشوهم، أو قل: يناقشوا قادتهم وعقلاءهم بالحكمة والمنطق الهادئ، ويقنعوهم بالحجة البالغة، في أمرين مهمين:

    أحدهما: مدى شرعية العنف بالصورة التي يمارسونها، ويشهدها الناس، وأنها لا تستند إلى محكمات الشرع لا في نصوصه البينة، ولا في مقاصده الكلية.

    والثاني: مدى جدوى هذا العنف، لو افترضنا شرعيته: هل غير وضعا فاسدا؟ أو أقام حكما عادلا؟ أو حقق هدفا من الأهداف الكبرى للأمة؟.

    لقد أعلنت جماعات (الجهاد) ومن في حكمها، مثل: جماعة التكفير، والجماعة الإسلامية، والسلفية الجهادية، انتهاء بـ (تنظيم القاعدة): الحرب على الحكومات القائمة، واختارت أسلوب الصدام المسلح، ولم تكتف بالبيان والبلاغ، أو التربية والتوجيه، أو أسلوب التغيير السلمي بالكفاح الشعبي في الجامعات والنقابات، والمساجد، والكفاح السياسي بدخول حلبة الانتخابات، ودخول البرلمانات، لمقاومة التشريعات المخالفة للإسلام، أو لحريات الشعب ومصالحه.

    ولما كانت هذه الجماعات لا تملك القوة العسكرية المكافئة أو المقاربة لقوة الحكومات، فقد اتخذت أساليب في المصادمة تتفق مع إمكاناتها.

    منها: أسلوب الاغتيال.

    ومنها: أسلوب التخريب للمنشآت الحكومية.

    وهذان الأسلوبان، يصحبهما ـ في الغالب ـ إصابة مدنيين برآء، ليس لهم في الثور ولا في الطحين، كما يقول المثل، ففيهم أطفال ونساء وشيوخ، وكثيرا ما ينجو المقصود بالاغتيال، في حين يقتل عدد من المدنيين غير المقصودين.

    ومعلوم أن قتل من لا يقاتل في الحرب بين المسلمين والكفار لا يجوز، فكيف يقتل المسلمين؟ وفي الحديث: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق".[35]

    ومعلوم كذلك: تشديد الإسلام في أمر الدماء، حتى إن القرآن يقرر مع كتب السماء: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32). ويقول رسول الإسلام: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه حتى يصيب دما حراما". رواه البخاري عن ابن عمر.

    كما أن تدمير المنشآت الحكومية إنما هو في الحقيقة: تدمير لممتلكات الشعب في النهاية.

    ومن أساليبهم: ضرب السياح، وهم قوم (مستأمنون) بلغة الفقه الإسلامي، قد أُعطُوا الأمان من قبل الدولة، التي أمنتهم بإعطائهم سمة (تأشيرة) الدخول، فيجب أن يحترم أمانهم، ولا تخفر ذمتهم، ولا يعتدى عليهم في نفس ولا مال، ولو كان الذي أعطاهم الأمان عبد من المسلمين، فقد جاء في الحديث: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم"[36] وقال عليه الصلاة والسلام: "ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".[37]

    وقال الرسول الكريم لأم هانئ وقد أجارت أحد أحمائها من المشركين: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".[38]

    وقد فصلنا الحديث عن الأمان في دراستنا الموسعة عن (فقه الجهاد).

    هل يحقق العنف هدفا؟
    وقد تبين للدارسين والمراقبين لأعمال العنف والمقاومة المسلحة: أنها لا تحقق الهدف منها، فلم تسقط بسببها حكومة، بل لم تضعف بسببها حكومة. كل ما يمكن أن تنجح فيه جماعة العنف في بعض الأحيان: قتل رئيس دولة أو رئيس وزارة أو وزير، أو مدير أمن أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يحل المشكلة، فكثيرا ما يأتي بدل الذاهب من هو أشد منه وأنكى وأقسى في التعامل مع الإسلاميين، حتى يقول القائل:

    رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه!

    أو كما قال الآخر:

    دعوت على عمرو فمات، فسرني بليت بأقوام، بكيت على عمرو!

    خسائر جماعات العنف

    لقد انتصرت الحكومات دائما على جماعات العنف التي لم تكسب شيئا، بل خسرت على عدة مستويات:

    1- مستوى الخسائر الشخصية، فكثيرا ما يُقتل هؤلاء الشباب، ومن لا يقتل منهم يساق إلى السجون، ويقضي سنين كثيرا ما تطول، ويتعرض للأذى البدني والنفسي، ويخسر كثير منهم جامعته إن كان طالبا، أو وظيفته إن كان موظفا، أو تجارته إن كان تاجرا، وتتعرض أسرته للضياع المادي والأدبي في غيبته. وهذه خسائر كبيرة وحقيقية، وقد رأيناها ولمسناها. وهي لهم إن شاء الله في ميزانهم بنياتهم ـ إن كانوا مخلصين في نياتهم، وكانت أعمالهم مبنية على اجتهاد صادر من أهله في محله ـ ولكنها بمقياس دنيانا: خسائر مجانية!.

    2- مستوى الخسائر للدعوة الإسلامية نفسها، في الداخل والخارج، باستغلال حوادث العنف، التي تحدث من هذه الجماعات، لتشويه صورة الإسلام وأهله، وتصوير الإسلام بأنه خطر على العالم، وتصوير المسلمين بأنهم وحوش، لا قلوب لهم، ولا تعرف الرحمة إلى أفئدتهم سبيلا، وخصوصا بعد حوادث قاسية، مثل مذبحة الأقصر في صعيد مصر، وحوادث (بن طلحة)[39] وغيرها في الجزائر، وما حدث فيها من فظائع مروعة، تتفتت منها الأكباد، ويندى لها الجبين.

    3- إعطاء الذريعة لضرب التيار الإسلامي كله: معتدله ومتطرفه، رفيقه وعنيفه، وقطع الطريق على تيار (الوسطية الإسلامية) وما يقدمه من أطروحات للحوار مع الآخر، والتسامح مع المخالفين، وطرح رؤى جديدة في الإصلاح، والتنمية والتغيير السلمي.

    4- خسائر على مستوى الوطن، بشغل بعضه ببعض، وضرب بعضه ببعض، بدل أن ينشغل بالتنمية والإبداع وتطوير نفسه، وتجديد شبابه، وتجنيد قواه كلها للمساهمة في نهضته ورقيه، حتى لا يتخلف عن عالمه وعصره، وحتى يقف جميع أبناء الوطن الواحد جبهة متراصة في وجه العدو الحقيقي للأمة.

    مراجعات شجاعة ومستنيرة للجماعة الإسلامية بمصر

    ومما يجب أن نسجله هنا بكل اعتزاز وإنصاف: ما أعلنته (الجماعة الإسلامية) في مصر، وأيدها زعيمها الروحي الشيخ عمر عبد الرحمن، المسجون في أمريكا -فك الله أسره-، (وهي: صنو جماعة الجهاد) من إعلان مبادرة لوقف العنف، والجنوح إلى السلم، والتخلي عن أسلوب المواجهة المسلحة مع الحكومة، ونقد ما وقع لها من أخطاء في طريق الصدام المسلح أو الجهاد، أعلنت الجماعة ذلك جهارا في المحكمة في الخامس من شهر يوليو سنة 1997، أثناء نظر القضية العسكرية (235) حين فوجئ الحاضرون بأحد الإخوة المتهمين في القضية ـ وهو يقف في مواجهة رجال الإعلام ـ يلقي بيانا مذيلا بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية، يدعو أعضاء الجماعة لإيقاف العمليات القتالية، وحقن الدماء.

    وقد شكك بعض قياديي الجماعة في صحة هذه المبادرة، ثم ما لبثوا بعد أخذ ورد، وجذب وشد: أن اقتنعوا بها، وانضموا إلى ركب الداعين إلى السلم والصلح. وبدأ تأييدهم فرادى يتوالى، ثم أعلنوا بجملتهم بيانهم في 28 مارس سنة 1999 بالتأييد الكامل للمبادرة، ووقف جميع عمليات العنف تماما، والبيانات المحرضة عليها.

    ثم أصدر الإخوة من قيادات الجماعة الإسلامية: سلسلة من الدراسات الإسلامية والواقعية، تشرح هذه المبادرة ومبرراتها والتدليل عليها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وشروح الأئمة، سموها: سلسلة (تصحيح المفاهيم). قال ناشر هذه السلسلة: هي إحدى الثمار الطيبة لهذه المبادرة، أراد لها كاتبوها: أن تكون بيانا لمفاهيم أسيء فهمها، وتصحيحا لمسارات تبين خطؤها، وتكميلا لأمور ظهر مسيس الحاجة إليها في مسيرة العمل للإسلام.

    قال: وتأتي عظمة هذه السلسلة: أنها خُطت وروجعت وأقرت بأيدي القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وأسامة حافظ، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، وعلي الشريف، وعاصم عبد الماجد، وعصام دربالة. انتهى.

    ومما لفت نظري في هذه الدراسات: أن كتبي كانت من (المحظورات) عندهم، ولكني وجدتهم ينقلون منها صفحات وصفحات، في مواضع شتى، وهذا يدل على أن القوم مخلصون في توجههم، وأنهم تحرروا من العقد القديمة، ومن أسر التعصب لمدرسة واحدة، وهذا من دلائل الرشد، والتماس الحكمة من أي وعاء خرجت.

    عشرة موانع شرعية عن قتال الأنظمة

    لقد وجد الإخوة أن الجهاد المسلح أو القتال للأنظمة الحاكمة، الذي كانوا يتبنونه ويعتقدونه أمرا واجبا شرعيا، لم يعد اليوم واجبا عليهم، لوجود موانع عدة تمنع ذلك، وعدوا عشرة موانع، ودللوا عليها، وذلك في كتابهم الأول تحت عنوان: (مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية).

    1- المانع الأول: أن يغلب على الظن أن الجهاد أو القتال أو الصدام المسلح لن يحقق المصلحة المتوخاة منه، والتي شرع من أجلها.

    2- المانع الثاني: إذا تعارض القتال مع هداية الخلق. (بل ربما أصبح منفرا لهم).

    3- المانع الثالث: العجز، أي عدم القدرة، فكل الواجبات تسقط بالعجز {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16).

    4- المانع الرابع: التهلكة، كما قال تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195).

    5- المانع الخامس: وجود مسلم أو مسلمين في صفوف المشركين، فإن حرمة دم هذا المسلم الذي اختلط بالمشركين ولم يتميز عنهم: تصون دماء هؤلاء، وتحرم المساس بهم حماية للمسلمين معهم، وفي هذا يقول القرآن: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: 25).

    6- المانع السادس: نطق الكفار بالشهادتين، وتوبة المرتد ورجوعه إلى الإسلام. ورجوع العاصي إلى الطاعة.

    7- المانع السابع: إذا كانت المفاسد والفتن المترتبة على القتال أعلى من المصالح المتوقعة منه.. أو إذا كان ما يضيعه من المصالح أعظم مما يجلبه منها.

    8- المانع الثامن، وهو خاص بأهل الكتاب، وخلاصته: أنهم إذا أدوا الجزية إلى الحاكم، وعقد لهم عقد الذمة، امتنع قتالهم، سواء دفعوا إليه باسم الجزية أم غيرها، فما داموا قد أبدوا رغبتهم في الدخول مع المسلمين في عقد ذمة: وجب إجابتهم، وامتنع قتالهم. فإن فعلوا ذلك، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا.

    9- المانع التاسع: عدم بلوغ الدعوة، ولا يجوز قتال من لم تبلغه الدعوة.

    10- المانع العاشر: عقد الصلح، والصلح خير، قال الشيخ الحصكفي في الدر المختار شرح تنوير الأبصار: ويجوز الصلح على ترك الجهاد معهم بمال منهم أو منا، لو خيرا، لقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} (الأنفال: 61) قال ابن عابدين في حاشيته: والآية مقيدة برؤية المصلحة إجماعا.[40]

    وهذا الصلح متى أبرم: امتنع القتال، سواء كان الصلح مؤقتا أم غير مؤقت.

    هذه الموانع العشرة التي ذكرتها دراسة الإخوة في الجماعة الإسلامية، وفصلوها بأدلتها في كتابهم الأول: (مبادرة وقف العنف) وختموا الكتاب بهذه الفقرة القوية المعبرة عن اتجاههم الجديد بكل جلاء.

    قالوا: (فإننا كجزء من الحركة الإسلامية يجب أن يكون واضحا أمامنا الهدف الذي نسعى إليه، ولا بد أن نقيِّم كل خطوة نخطوها على ضوء مدى مساهمتها في تحقيق هذا الهدف. وإن هدفنا الأسمى هو ما جاءت به الرسل أقوامهم: {اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (المؤمنون: 32). هدفنا تعبيد الناس لربهم أي: هداية الخلائق، ولا بد أن نتملك الشجاعة الكافية للإقدام على أي قرار نراه محققا لهذا الهدف.

    ولا بد أيضا أن نمتلك الشجاعة الكافية للإحجام عن أي قرار نراه مباعدا بيننا وبين هذا الهدف، ولا بد كذلك أن نتملك شجاعة أكبر وأكبر للعدول عن أي قرار أو خطوة قد أقدم عليها بعضنا بالفعل، ويتبين لنا أنها لن تعين على الوصول لهدفنا سالف الذكر، أعني: هداية الناس. وليس من الشجاعة في شيء أن نترك رحى الحرب دائرة بين أبناء وطننا، ونحن متأكدون أنها قبل أن تطحن جماجم وعظاما، ستطحن دعوة هذا الدين.

    بل الشجاعة هي ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأى المصلحة في ترك قتال قريش، فوادعهم حتى قال عمر: ولِمَ نعطي الدنية في ديننا؟[41].

    ومن شجاعته صلى الله عليه وسلم: تعلم خالد بن الوليد، فانسحب بالمسلمين يوم مؤتة، تاركا القتال حتى صاح فيه وفي جيشه بعض المسلمين: يا فُرَّار يا فرار.

    وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم تلقينا، ومنه تعلمنا، ومن ثَمّ أصدرنا مبادرة وقف الأعمال القتالية بمصر.[42] انتهى.

    أعتقد: أن موقف (الجماعة الإسلامية) فيمصر، ورجوعها عن أفكارها ومواقفها السابقة، وتخطئتها لنفسها في شجاعة، وإصدارها سلسلة (تصحيح المفاهيم): يؤيد جدوى الحوار مع جماعات العنف، ويرد على أولئك الذين ينادون بالمواجهة الأمنية وحدها؛ فالمواجهة الأمنية قد تهزمهم وتلزمهم جحورهم إلى حين، ولكن تظل المشكلة الفكرية باقية، ولا تزال معششة في الرؤوس، حتى تجد الفرصة مرة أخرى، فتظهر باسم جديد، وفي شكل جديد.


    --------------------------------------------------------------------------------


    [1] رواه مسلم في صحيح من حديث عائشة برقم (2593).

    [2] رواه مسلم عن عائشة برقم (2594).

    [3] رواه مسلم عن جرير (2592).

    [4] رواه البخاري في كتاب الأدب (6024) ومسلم في كتاب السلام (2165) عن عائشة.

    [5] رواه أبو داود في الجهاد (2736) عن مجمع بن جارية.

    [6] متفق عليه من حديث عبد الله بن أبي أوفى: البخاري: (2966) ومسلم (1742).

    [7] رواه أبو داود (5074) وابن ماجه (3871) والحاكم وصححه (1/517) عن ابن عمر.

    [8]رواه أبو داود في الأدب (4950) عن أبي وهب الجشمي.

    [9] وبعضهم قال: الجبار الذي يجبر كسر الضعفاء ويصلح حالهم. وإن كان ذلك بعيدا عن المفهوم من السياق. انظر: تفسير القرطبي. آخر سورة الحشر.

    [10] سفر الخروج: (20/5).

    [11] رواه الحاكم (1/35) وصححه ووافقه الذهبي، عن أبي هريرة.

    [12] انظر: فصل (من العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة) من كتابنا (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) طبعة دار الشروق بالقاهرة.

    [13] رواه أبو داود (4941) والترمذي (1925) وقال: حسن صحيح عن عبد الله بن عمرو.

    [14] رواه أحمد والشيخان والترمذي عن جرير، ورواه أحمد والترمذي عن أبي سعيد (صحيح الجامع (6597).

    [15] إن حضارة الغرب أبعد ما تكون عن المسيحية، فهي حضارة مغرقة في المادية، والمسيحية ديانة مغرقة في الروحية، وهي حضارة تبرر الإباحية والتحلل، والمسيح يقول: من نظر بعينه فقد زنى! وقد قلت من قديم: إنها ليست حضارة المسيح بن مريم، ولكنها حضارة المسيح الدجال، فهو أعور، وهي حضارة عوراء! تنظر إلى الحياة والإنسان والعالم بعين واحدة، هي العين المادية. انظر: فصل (روح الحضارة المعاصرة) من كتابنا (الإسلام حضارة الغد) ص 11-25 نشر مكتبة وهبة في القاهرة، ومؤسسة الرسالة في بيروت.

    [16] انظر: إنجيل متى. الإصحاح 5 الفقرات: 39-42. وإنجيل لوقا: 6: 30،29.

    [17] إنجيل متى: 5: 44،43. ولوقا: 6: 28،27.

    [18] انظر: ما نقله الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) بالوقائع والأرقام من كتب المسيحيين أنفسهم من مجازر ومظالم ومآثم قام بها الكاثوليك مع البروتستانت عند بداية ظهورهم، ثم عندما انتصر البروتستانت مع الكاثوليك كالوا لهم الصاع صاعين، ص 509-528 طبعة: إدارة إحياء التراث الإسلامي في قطر.

    [19] إنجيل متى: 10: 34. ولوقا: 12: 51.

    [20] في إنجيل متى: الإصحاح (5): (لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لألغي، بل لأكّمل) الفقرة (17). وانظر: إنجيل مرقص: 9: 50، لوقا: 14/35،34.

    [21] انظر: الكتاب المقدس ـ التوراة سفر التثنية: الإصحاح العشرين: 10-18 ص 392،393.

    [22] رواه أبو داود (2845) والترمذي (1489) والنسائي (4285) وابن ماجة (3204). كلهم في كتاب الصيد عن عبد الله بن مغفّل، وقال الترمذي: حسن صحيح. وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير بدرجة صحيح (5321).

    [23] انظر: كتابنا (رعاية البيئة في شريعة الإسلام) فصل: حفظ التوازن البيئي ص 152.

    [24] نحن ننزه سيدنا موسى عليه السلام من ارتكاب ما نسبوا إليه من فظائع، وليس عندنا في القرآن ولا في أحاديث الرسول: ما يدل على هذا أو يشير إليه، ولكنا نذكر هنا ما يعتقده القوم بالنظر إلى ما جاء في كتبهم المقدسة، وأثر ذلك الاعتقاد في أنفسهم وسلوكهم وعلاقاتهم بالآخرين.

    [25] انظر: المصنف لعبد الرزاق (5/306) الأثرين: 9702،9701.

    [26] رواه سعيد بن منصور في السنن جـ3 الأثر رقم (2636) والبيهقي في السنن الكبرى (9/132).

    [27] يقول الله تعالى: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفى. ألا تزر وازرة وزر أخرى) النجم: 36ـ38.

    [28] انظر في بيان أوصاف هذا الاستعمار وآثاره: كتابنا (القدس قضية كل مسلم).

    [29] ناقشنا هذا الفقه بشيء من التفصيل في الفصل الأخير من كتابنا (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) وبتوسع أكثر في دراستنا الموسعة عن (فقه الجهاد) تحت الطبع.

    [30] رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم (49) عن أبي سعيد الخدري.

    [31] انظر: كتابنا (فتاوى معاصرة) جـ 2 ص 681-691 طبعة المكتب الإسلامي ـ بيروت.

    [32] الكتاب تحت الطبع، أو قل: الإعداد، نسأل الله أن يعين على إتمامه.

    [33] رواه البخاري (3610) ومسلم (1064) عن أبي سعيد الخدري.

    [34] رواه البخاري برقم (2493).

    [35] رواه النسائي في كتاب تحريم الدماء من سننه (7/82،83) عن عبد الله بن عمر، وروى نحوه من حديث بريدة، ورواه الترمذي في الديات (1395) مرفوعا وموقوفا، ورجح الموقوف، ورواه ابن ماجه عن البراء بن عازب (2619) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون. وحسنها الحافظ ابن حجر في التلخيص، وصححه الألباني.

    [36] رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمرو، وحسن الألباني في صحيح الجامع الصغير (6712).

    [37] متفق عليه: رواه البخاري (1771) ومسلم (1371/47) عن عليّ.

    [38] متفق عليه: رواه البخاري (350) ومسلم (336/70).

    [39] اسم حي لضاحية من ضواحي الجزائر العاصمة، كان يسكنه جم غفير من الإسلاميين المخالفين لجماعات العنف.

    [40] راجع ذلك فيما كتبناه في باب (بماذا ينتهي القتال؟) من دراستنا الموسعة (فقه الجهاد).

    [41] جزء من حديث رواه البخاري (3010) و(3011) ومسلم (1785/94) عن سهل بن حنيف رضي الله عنه.

    [42] انظر: كتاب: (مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية) من سلسلة (تصحيح المفاهيم) للجماعة الإسلامية في مصر. وانظر أيضا: كتابها الآخر (تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء).
    مقال للدكتور يوسف قرضاوي

    http://www.qaradawi.net/site/topics...te_id=130&parent_id=17#تكفير الحكومات القائمة
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-02-24
  9. فياض

    فياض عضو

    التسجيل :
    ‏2005-01-31
    المشاركات:
    158
    الإعجاب :
    0
    لو اختصرت الموضوع ياأخي عاشق الجنة ! وعلى العموم فإن التجارب الكثيرة أثبتت أن رفع السلاح في وجه هذه الحكومات الرديئة غير مجدِ .. لكن الاستمرار في التربية والدعوة والحسبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يأذن الله بفرجه.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-02-25
  11. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    الاصل ان الموضوع ليس موضوعا واحدا لكن الاخوة المشرفين جمعوا الموضوعين بمكان واحد لتشابه العنوان او تقاربهما
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-03-03
  13. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    لعل الاخ عمر لم يقرأ هذا الموضوع لذلك كتبت ردا حتى يكون امام ناظريه لعله يتحفنا بتعليقاته السنية
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-03-03
  15. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    لعل الاخ عمر لم يقرأ هذا الموضوع لذلك كتبت ردا حتى يكون امام ناظريه لعله يتحفنا بتعليقاته السنية
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-03-03
  17. عمـــــر

    عمـــــر مشرف_المجلس الإسلامي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-06-15
    المشاركات:
    12,652
    الإعجاب :
    1
    قرات موضوعك الذي وجهته لغير اهله يا اخي عاشق

    المفروض ان تنتقد من بدا العنف وهي حركة الاخوان

    قتلوا الامام يحيى حميد الدين

    وقتلوا النقراشي وسببوا فوضى لا حصر لها وكفروا الحكام بل والمجتمعات

    واججوا المظاهرات على عبدالناصر ومحاولات اغتياله

    هذا غير اللي حصل للسادات من معارضه ومظاهرات ومحاولات اغتيال ( بافتراض انهم لا دخل لهم من اغتياله )

    وحاولوا الانقلاب على النظام السوري و..... الخ

    هذا غير الخروج بالمظاهرات وتشويه الحاكم وتكفير المجتمعات و..... الخ

    والانتقاد يحصل لمبتدع الشي ومحدثه بدرجه اساسيه وليس فقط للمقلدين

    ( اؤكد انني اقلد منطق الاخ عاشق الجنه ورؤيته فيما كتبته اعلاه )
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-03-03
  19. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    كلام الأخ عاشق الجنة والأخ عمر في محلهما
    وأبصم عليه بالعشر أنه صحيح مائة في المائة
    فالكلام الذي قلته أو نقلته يا عاشق السنة صحيح
    والكلام الذي قلته يا عمر صحيح.

    لذلك فالحق كل الحق هو في منهج السلف الصالح كتاب وسنة على فهم السلف الصالح
    فمتى نكون وقافين على الكتاب والسنة متى .​
     

مشاركة هذه الصفحة