في رائعة من روائع سليمان العودة(محاسبة النفس)

الكاتب : أبو الفتوح   المشاهدات : 563   الردود : 2    ‏2002-08-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-23
  1. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    ملخص الخطبة

    1- حديث عن الحساب الأكبر يوم القيامة 2- ضرورة محاسبة الإنسان لنفسه 3- الغفلة داء واقع في الناس، ودواؤه اليقظة والتفكر 4- أسباب الغفلة 5- وصف علي بن أبي طالب بين يدي معاوية 6- حال السلف في خوفهم من الله


    الخطبة الأولى



    أما بعد:

    فاتقوا الله: معاشر المسلمين، وتذكروا على الدوام ما ينتظركم: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [الحج:1-2].

    أيها المسلمون: وتظل مساحة الغفلة عند كثير من المسلمين أكبر من مساحة اليقظة، رغم النوازل والنذر، وكفى بالقرآن واعظاً، وكفى بالقرآن على أعمال العباد حكما.

    اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم [الأنبياء:1-4].

    ولئن تحدث القرآن وأزرى بغفلة الكافرين واستهزائهم، فكيف تسوغ الغفلة عند المسلمين، وهم يؤمنون بقوله تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون [المؤمنون:115].

    حاسبوا أنفسكم معاشر المسلمين على الدوام قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأملوا في تتابع الليل والنهار، وتسارع الأيام والشهور والأعوام، واعلموا أن ذلك من أعماركم، وهي فرص للتأمل والنجوى مع أنفسكم، إن لم تذكر بها الأيام والشهور، فما أقل من ضرورة التذكر في انصرام عام ومجيء عام .. فمن أحسن ووفى فيما مضى فليستمر في الحسنى فيما يستقبل، ومن فرط أو سها فالفرصة لا تزال معه إذا ندم على ما مضى وعقد العزم على الجد فيما بقى، وربك أعلم بالمنتهى.

    وإذا كانت الغفلة داءً واقعاً، فدواؤها باليقظة والتذكر، وذلك من علامات التقى: إن الذين اتقـوا إذ مسهـم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف:210].

    وإذا كان نزغ الشيطان وارداً فالاستعاذة بالله خير عاصم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم .[فصلت:36].

    والانتفاع بالذكرى – حين تسيطر الغفلة أو يغلب الهوى - من علامات الخشية، ومجافاتها دليل الشقوة فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى [الأعلى:9-12].

    وكذلك ينتفع المؤمنون بالذكرى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين [الذرايات:55].

    أيها المؤمنون: ولئن كانت أسباب الغفلة كثيرة فإن من بينها طول الأمل في هذه الحياة الدنيا، فتلك الآفة التي حذرنا القرآن منها: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [الحديد:16].

    واتخاذ الدين لهواً ولعباً، وغرور الدنيا .. سبب آخر من أسباب الغفلة في الدنيا، ومورد للهلكة في الأخرى الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون [الأعراف:51].

    عباد الله: لماذا نكره لقاء الله؟ لأنا لم نقدره حق قدره .. ولماذا نكره الموت؟ لأننا لم نستعد لما بعده.

    رحم الله أقواما خافوا فأدلجوا، فعاشوا للآخرة فلم تفتنهم الدنيا.

    قدم – يوما – ضرار بن مرة على معاوية، رضي الله عنه، فقال له: صف لي عليا رضي الله عنه، قال: أما إذ لابد، فإنه والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فضلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، طويل الفكر، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدينا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة، ولا نبتديه لعظمته، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه، وقد أرخي الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم - يعني تململ المريض – ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه، وهو يقول: يا دنيا يا دنيا، إليّ تعرضت؟ أم لي تشوقت، هيهات هيهات، غري غيري، قد بتتك ثلاثا، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك ****، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

    قال: فذرفت دموع معاوية – رضي الله عنه – فما يملكها، وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء.

    ثم قال معاوية: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها، ولا تسكن حسرتها[1].

    ومع استعدادهم وزهدهم وعدلهم فقد كان خوف الله حتى الممات ملازما لهم.

    عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين حضرته الوفاة، قال له المغيرة بن شعبة: هنيئا لك يا أمير المؤمنين الجنة، فقال: (يا ابن أم المغيرة‍ وما يدريك؟ والذي نفسي بيده لو كان لي ما بين المشرق إلى المغرب لافتديت به من هول المطلع[2]).

    كانوا ينظرون إلى الدنيا وما فيها على أنها فيء زائل، وإلى الآخرة على أنها المستودع الباقي، إن خيرا فخير، وإن شر فشر. واسمعوا إلى أحدهم وهو يصف الدارين، يقول شداد بن أوس رضي الله عنه: (إنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه، ولن تروا من الشر إلا أسبابه، الخير كله بحذافيره في الجنة، والشر بحذافيره في النار، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر، ولكل بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا[3]).

    أيها المسلمون: ومن أعظم الأسباب الجالبة لليقظة والمبعدة للغفلة أن يتخيل المرء مشاهد القيامة، وهو بعد في الدنيا، ويتصور منازل الأبرار، وما أعد الله لهم من الحسنى، ومنازل الفجار، وسوء حالهم، وتلك، وربي لا يتمالك المتقون أنفسهم حيالها من البكاء.

    عن سوار أبى عبيدة قال: قالت لي امرأة عطاء السليمي: عاتب عطاء في كثرة البكاء، فعاتبته فقال لي: (يا سوار، كيف تعاتبني في شيء ليس هو إلي؟ إني إذا ذكرت أهل النار، وما ينزل بهم من عذاب الله تمثلت لي نفسي بهم، وكيف بنفس تعذب، ألا تبكي؟ ويحك يا سوار، ما أقل عناء البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله قال: فسكت عنه[4]).

    أيها المسلمون: وفي سبيل الله محاسبة أنفسكم هاكم هذه الوصية فاعقلوها، وأنصفوا أنفسكم من خلالها، وتناصحوا بينكم. فعن سفيان بن عيينة رحمه الله قال: كان الرجل من السلف يلقى الأخ من إخوانه فيقول: (يا هذا اتق الله، وإن استطعت ألا تسيء إلى من تحب فافعل، فقال له رجل يوماً: وهل يسيء الإنسان إلى من يحب؟ قال: نعم، نفسك أعز الأنفس عليك، فإذا عصيت فقد أسأت إلى نفسك[5]).

    اللهم إنا نشهدك على محبة هؤلاء، وإن لم نلحق بهم، اللهم اسلك بنا طريقهم، واحشرنا في زمرتهم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس:7-10].
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-08-23
  3. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    تتمة لوجدي غنيم

    يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي: لتنظر كل نفس مؤمنة في أعمالها وأقوالها أتصلح لغد؟! أتصلح ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب شديد.

    والمحاسبة في الدنيا، ويخفف على صاحبها محاسبة الآخرة، وكلما كان العبد دقيقاً واضحاً في محاسبة نفسه هان عليه الوقوف يوم العرض الأكبر.

    وفي الأثر المعروف عن الفاروق كما عند الترمذي: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا)).

    فما هي المحاسبة؟ وما هي أركانها؟ وكيف تكون؟!

    اعلموا رحمني الله وإياكم أن المحاسبة تقتضي المقايسة بين نعم الله عز وجل على العبد وفعل العبد تجاه هذه النعم. والمقايسة بين ما أوجب الله على عبده من عبادات وطاعات ومدى استجابة العبد لأوامر ربه فهي نظر في رأس المال والربح والخسارة.

    فرأس المال الواجبات والفرائض، والربح النوافل والطاعات والقربات، والخسارة قد تكون في رأس المال، وهذه مصيبة وقاصمة وقد تكون في الربح، فتكون نذيراً مدعاة للانتباه. وفي الحديث القدسي، يقول الرب عز وجل: ((وما تقرب إليّ عبدي بأحب إليّ مما افترضته عليه وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه)).

    والمحاسبة لها أركان، لابد منها حتى تؤتي أكلها ويظهر أثرها على سلوك العبد وعمله.

    أول هذه الأركان:

    العلم، فلابد من معرفة الحلال والحرام والسنة والبدعة والطاعة والمعصية. والله عز وجل قد أخبر أن أخسر الناس أعمالاً الجهال، قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً [الكهف].

    لذا كانت البدعة محببة إلى إبليس أكثر من المعصية؟ لأن المبتدع يظن أنه على خير وأنه على قربة وطاعة، بخلاف العاصي، فإنه يعلم أنه عاصٍِ لربه متبع لهواه. فالعلم بداية المحاسبة وأساسها وبدون علم لا تكون محاسبة، وصدق المصطفى إذ يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) فجعل الفقه في الدين ومعرفة الحلال والحرام من علامات إرادة الله الخير بعبده.

    وأما الركن الثاني:

    فهو سوء الظن بالنفس؟

    فالذي يحسن الظن بنفسه لا يحاسبها!! إذ كيف يحاسبها وهو يظن أنها نفس تقية قائمة لله بحقوقه وواجباته. فهو بذلك غافل عن المحاسبة بعيد عنها.

    وهذا حال كثير من العوام فإنهم يمنون علينا بصيامهم وصلاتهم وزكاتهم. فيقول أحدهم: ألست أصلي؟! ألست أصوم؟ ألست أزكي؟ ألست أعطي حقوقي؟! ففيم التشديد عليّ، ساعة لربي وساعة لقلبي!!

    وخير رد على هؤلاء المساكين، قول الله عز وجل: والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة ولما سمعت أمنا عائشة رضي الله عنها هذه الآية ظنت أن المراد بها أصحاب المعاصي، يعصون الله ثم يخافون أن تؤثر معاصيهم على قبول أعمالهم الحسنة. فقالت: يا رسول الله أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟! قال : ((لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات)).

    فهذا حال المؤمنين المتقين، يخافون أن ترد أعمالهم ويخافون أن لا تقبل صلاتهم وصيامهم وزكاتهم، يخافون لا لأنهم موسوسون، ولكن لأنهم يعرفون قدر أنفسهم ويعرفون قدر ربهم عز وجل قبل ذلك. فأيقنوا أن أعمالهم مهما بلغت من الإتقان والكمال، فإنها لا تصلح أن تقدم بين يدي الكبير المتعال سبحانه وتعالى.

    أرأيت الرجل منا يدعو إلى بيته ثرياً أو وجيهاً فيقدم له أصناف الطعام والشراب ويعتذر له أي اعتذار لأنه يعلم أن هذا الثري غير محتاج لطعامه ولا لشرابه وأنه متعود على أرفع وأكمل وألذ وأشهى من هذا الطعام، فمهما قدمت له لن تغلب ما عنده، فتشعر بحرج ولا تنفك عن الاعتذار، ولله المثل الأعلى، فلو تأمل أحدنا أن لله عز وجل ملائكة عظاماً لا هم لهم ولا شغل إلا الطاعة والعبادة، وأنه ما من موضع قدم في السماء إلا وملك واضع جبهته ساجد لله عز وجل، حتى أطت السماء وحق لها أن تئط ولو تذكر هذا العبد أن كل شيء، نعم كل شيء من حجر وشجر ودواب يسبح بحمد الله، ولكننا لا نفقه هذا التسبيح، لو تأملنا هذا وخطر على قلوبنا، لخجل أحدنا من طاعته ولعلم أنها قاصرة في حق الله عز وجل. استمع إلى المولى عز وجل وهو يأمر عباده بعد الوقوف في عرفة وبعد أداء الركن الأعظم وبعد المن عليهم بالعفو والمغفرة والعتق من النيران ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.

    واستمع إلى ثناء المولى عز وجل على أهل الليل وعباده، وبالأسحار هم يستغفرون؟! يقول الحسن واصلوا صلاتهم بالتسبيح والاستغفار.

    سبحان الله العظيم ممن يستغفر هؤلاء؟؟ ألم يقوموا لله والناس نيام؟! ألم يتركوا فرشهم الوثيرة وزوجاتهم ولذاتهم وقاموا يرجون الآخرة ورحمة ربهم!! ففيم الاستغفار؟! إنه معرفة العبد لقدر ربه أولاً ثم لقدر نفسه ثانياً فلما علم عظمة خالقه، وغناه عن خلقه، استصغر نفسه واحتقر عمله.

    وأما الركن الثالث معاشر المؤمنين الذي لابد منه في محاسبة العبد لنفسه، فهو إدراك الفرق بين النعمة والنقمة!!

    فالسعيد من وفق وهدي لمعرفة هذا الركن الهام والذي لابد منه في محاسبة العبد نفسه.

    فالله عز وجل ينعم على عباده بنعم شتى، ولكن العبد يجعل منها نقمة وحجة عليه. فكان لزاماً على المحاسب نفسه أن يدرك الفرق وأن يحاسب نفسه بناء عليه.

    والضابط والمعيار في التفريق بين النعمة والنقمة هو في استخدامها، وكيفية الإفادة منها.

    فالمال نعمة من الله، إن أعانك على طاعة الله، وعلى صلة الرحم وتفقد المحتاجين والإحسان إلى الخلق. ونقمة وأي نقمة إن أعانك على شراء آلات اللهو والفساد وأدرت قلبك كبراً وتيهاً وتعالياً على الخلق.

    ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

    والصحة قد تكون نعمة وقد تكون نقمة، لذا قال : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ)).

    وأي غبن أعظم من تسخير الصحة والعافية في المعاصي والموبقات وعدم صرفها في الطاعات والقربات.

    والجاه والمنزلة الرفيعة، نعمة إذا استخدمها صاحبها في الشفاعة للخلق وقضاء حوائج المحتاجين والوقوف مع المظلومين.

    ونقمة أيما نقمة إن استخدمها في جمع الحطام بغير حق، واستقطاع الأراضي والمنح على حساب المحتاجين وذوي الدخل المحدود.

    وكم من ذي جاه ومنزلة، ظلم وطغى واستبد، فحول نعمة الله إلى نقمة.

    فلا بد إذاً، معاشر المؤمنين من النظر في استخدامنا لنعم الولى عز وجل، فإن كان استخدامها في خير ومعيناً على خير وبر، فهي نعمة، وإلا فليحذر العبد من نقمة الله عليه.

    أسأل الله الكريم رب العرش العظيم، أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.







    الخطبة الثانية



    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    ثم أما بعد:

    فكيف تكون المحاسبة؟! وبأي شيء نبدأ؟! نبدأ معاشر المؤمنين، بما سيبدأ به المولى عز وجل يوم العرض الأكبر، فإن محاسبة الدنيا، كما نص تهون حساب الآخرة فالذي يحاسب نفسه ويردعها ويأطرها على الحق أطراً يهون عليه الحساب يوم القيامة.

    وقد ثبت الحديث أن النبي قال: ((أول ما يحاسب به العبد الصلاة؟!)).

    نعم أيها العبد المؤمن حاسب نفسك تجاه الصلاة!!

    هل تحافظ على الصلوات الخمس التي كتبها علينا ربنا عز وجل؟!

    فإن كان الجواب بنعم؟! هل تحافظ على أدائها في أوقاتها؟؟ فإن الله عز وجل فرضها في مواقيت محددة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً.

    فإن كان الجواب بنعم؟؟ فهل تؤديها جماعة مع المسلمين؟.

    فإن نجحت في هذا الحساب، فانتقل إلى الحساب الثاني الذي وردت به النصوص عن المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه إذ قال: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)) فها هو المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه يخبرنا بأن المرء لن تزول قدماه قبل أن يسأل هذه الأسئلة ! فهل جوابك عليها أيها المؤمن جواب مطمئن، جواب يجعلك تنام قرير العين مرتاح البال؟!

    هل أفنيت عمرك فيما يرضي المولى عز وجل؟!

    شبابك، فترة قوتك ونشاطك هل قضيته في طاعة الله أم في معصية الله؟ إن لم تكن إجابتك مرضية فتب إلى الله عز وجل فإنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

    وهذا المال الذي يتقاتل الناس على اكتسابه من كل الطرق دون مبالاة، أمن حلال اكتسبه أم من حرام. لن تزول قدماك حتى تسأل عن مصدر كسبه؟ هل هو مصدر حلال بين أم مصدر محرم؟ أم مصدر مليء بالشبهات التي أورثتها الشهوات؟!

    فماذا أعد المؤمن لسؤال كهذا؟ وكيف يهنأ أكلة الربا وأهل الرشوة ومن تربى على الاختلاسات والسرقات من الأموال العامة والخاصة.

    ولو سلم مالك من الحرام حال كسبه، فهل أنفقته في طاعة؟ أو في قربة أو حاجة أو على أقل تقدير في أمر مباح دون إسراف أو مخيلة؟!

    كم من أناس كسبوا أموالاً من مصادر طيبة لا شبهة فيها ولكنهم أسرفوا وأنفقوا دون حساب ودون مراعاة لمشاعر الفقراء والمحتاجين ودون تدبر لثناء المولى عز وجل على المؤمنين إذ قال والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً.

    وأما من ينفق ماله في الحرام والمعاصي والمنكرات، فما أكفره بنعم الله وما أبطره على هذه النعم.

    فليتق الله ربه وليعلم أنه مسؤول في يوم يشفق فيه الأنبياء والمرسلون كل يقول: نفسي نفسي وكل يتذكر ذنبه ويبكي على خطيئته، فحاسب نفسك أيها اللبيب، أيها المؤمن، فاليوم دار عمل وتوبة وإنابة وغداً دار حساب وجزاء.

    ومن الأمور التي يجب على العبد أن يحرص على محاسبة نفسه فيها، ما ورد ذكره في الحديث التالي الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ، وهو حديث جامع مانع، عظيم الفائدة واضح المعاني لا يحتاج إلى شرح أو تفصيل أذكر به نفسي وإياكم، سائلاً المولى عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، يقول المصطفى : ((أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع!. فقال : إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)).

    فماذا تنتظر أيها المؤمن بعد هذا البيان المفصل؟! أتنتظر أن يتكالب الناس على حسناتك؛ على صلواتك وصيامك وزكاتك وسائر عملك الصالح؟!

    بادر بالتوبة وبادر باستسماح من ظلمت وتحللت منهم وأرضهم، واصدق نفسك وانصحها ولا تغشها تفلح وتفز.

    إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-08-24
  5. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    سقيت الغيث من صافي الديم وجزيت الخير أخي الغالي أبو الفتوح كله .
    أقمار وضياء هؤلاء اسماؤهم عطر فواح وخيرهم غيث ومزن اناس عرفو معنى السير نحو القمم .
    ماعرفو من المماحكات والتشدق والضيق من شئ .
    في قلوبهم ود ومحبة للجميع .
    (( مصلحون )) اترجات بالريحان فواحة ..

    كل تقدير وتحية .
     

مشاركة هذه الصفحة