ثلا.. المدينة الأسطورة

الكاتب : ابـن اليمـن   المشاهدات : 436   الردود : 0    ‏2002-08-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-23
  1. ابـن اليمـن

    ابـن اليمـن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-08-13
    المشاركات:
    60
    الإعجاب :
    0
    بينما كانت الشمس في ذلك الصباح الذي جئت فيه الى مدينة ثلا ترسل اشعتها لتنساب من على حصنها الشامخ. كانت اسطح المباني المتراصة في اسفل الحصن تتلقف ذلك الضوء المتدحرج ثم تتركه ينساح بشكل خافت على جوانب جدرانها وفي طرقاتها المرصوفة بالاحجارالمصلولة لتبدو المدينة لناظرها كعروسة أتت من مجاهل التاريخ البعيد لتغسل مفاتن جسدها البديع الخلق والتكوين بضوء النهار المشع. هكذا بدت لي في صباح يوم ربيعي مدينة ثلاء التي سميت بأسم ثلاء بن لباخة الحميري الذي سكنها قبل 2000 سنة اما تاريخ ميلادها الاول فيعود الى العهد السبئي وكانت حينها تسمى بقرية «الطلح»..وما ان تجاوزت بوابتها الكبيرة من اتجاه الشرق والمؤدية الى ساحتهاالرئيسية حتى شعرت مرة اخرى بأني هاهنا أقف على عتبات التاريخ الذي بنى له عرشاً ترتفع صروحه بكل عظمة وإجلال ابتداءاً من جدار سور المدينة المهيب حتى يلامس ذروة حصنها الشامخ والمنيع.

    استطلاع/ مــرشــد العــجي

    ثلا مدينة أثرية وتاريخية تقع في شمال غرب العاصمة صنعاء وتبعد عنها بحوالى 45 كم ومن شواهد قدم هذه المدينة ماتبين من وجود مقابر فيها تتكون من عدة طبقات. وما ذكرته الكتب والمصادر عن نشأة سورها العظيم وقصورها العالية وحصنها الاثري ومساجدها التاريخية وبركها المنحوتة في الصخر وسوقها الموغل في القدم..

    وهو ما أحاول استكشافه من جديد واماطة اللثام عن بعض معالمها الاثرية والتاريخية من خلال هذه الجولة الاستطلاعية التي قمت بها في اجزاء من المدينة وبصحبة احد أبنائها المتصفين باللطف والكرم والأخلاق الحميدة الشاب ابراهيم الزلب الذي يرجع له الفضل في مساعدتي للتوغل في أعماق هذه المدينة الأسطورة واكتشاف ذلك البريق المنبعث من داخلها، والذي يوحي للزائر بأن الماضي هنا حاضر بكل تجلياته البعيدة واسراره الغامضة.

    فالمعروف عن مدينة ثلاء انها من المدن اليمنية التاريخية التي مازالت معظم المعالم والمنشآت فيها محافظة على عناصرها الاصلية وملامحها الحية المستمدة من هويتها القديمة.

    ولهذا ليس من المستغرب ان يصادفنا مع كل خطوة نخطوها منظر بديع او مشهد رائع يقف الفكر امامه حائرا ويعجز القلم عن وصف جلال سحره وعظمة جماله.

    فمدينة ثلاء بمكوناتها العمرانية وشوارعها المرصوفة ومعالمها الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ لوحة بديعة تجسد فن العمارة والزخرفة والجمال الأزلي.

    ممرات تحت المنازل

    وها نحن الاثنين نقف في مكان يسمى الصرح ونشاهد امامنا ممر يطلق عليه السكان ريشة المعطوف وهو شبيه بالنفق يمر من تحت المنازل ويصل بين الشوارع والاحياءومثله توجد اعداد كثيرة ولهذا من الصعب ان يجد المرء في مدينة ثلاء شارع مقفل.. وطول هذه الريشة 4 أمتار وارتفاعها مترين ونصف وتستخدم ممر للمشاة والحيوانات من حارة السوق الى حارة الجليل. ولا تتوقف دهشتنا عند هذه الريشة وما تعبر عنه من مستوى راقي في التخطيط الحضري للمدينة بل وصل التناغم في التخطيط والعمران الى مستوى الانسجام التام بين هياكل المباني وطبيعة الشارع او الزقاق وكأن كل منهما يكمل الآخر. وهذا مانبهني اليه مرافقي ونحن نتجاوز المنعطف المقابل لممر ريشة المعطوف حيث تبين لي وجود اختصاراً هندسياً في الطوابق السفلى للمبنى المطل على المنعطف ومثل هذا الاختصار يتم الالتزام به عادة بين هياكل المباني المتقابلة ليصبح الشارع اكثر اتساعاً واسهل مروراً.

    كما تربط بين بعض البيوت المتجاورة ممرات من أعلى تسمى بالعريشة.

    فن العمارة

    وتزداد دهشتنا امام عظمة الجهد الانساني الذي بذله اجدادنا الاوائل في تشييد مباني المدينة بأسلوب فني وهندسي يعكس مستوى راقٍ في فن العمارة.

    فالمعروف عن مباني مدينة ثلاء الحجرية العابقة في التاريخ ماتتميز به من خصائص فنية وقيم جمالية ليس لها شبيه في المدن الأخرى مما يجعلها ذات طابع منفرد وطراز قائم بذاته.

    ومن هذه المميزات التي تنفرد بها العمارة في ثلاء زخرفة جدرانها الخارجية بواسطة الاحجار وبطرق وأساليب وأشكال فنية وهندسية راقية ابدعتها حضارة وفن ذلك الانسان.

    ويلاحظ في نوافذها استخدام القمريات المرمرية والتخريم المرصع بالزجاج الملون، ويتكون المبنى من خمسة الى سبعة طوابق. وعادة مايستخدم الطابق الاول للحيوانات والطابق الثاني لخزن الحبوب والأعلاف والثالث لأجتماع افراد الاسرة والرابع غرف للنوم والطابق قبل الأخير يضم المفرج الخاص بجلسة الضيوف والمطبخ يقع في الدور الأخير من المبنى ويتوسط بعض المنازل من الداخل منور خاص بالاضاءة من أعلى الى أسفل الدار وتطلى المنازل من الداخل بالجص كما تزخرف بالنقوش الجصية البديعة وتزين الغرف بلوحات جدارية متنوعة.. كما تتميز درج المنازل بأتساعها بحيث تسمح لنقل الحبوب والمواد على ظهر الحيوانات وعادة ماتكون مدارج البيوت مصلولة بالأحجار المقضضة.. كذلك اسطح المنازل وصالاتها ويوجد في معضمها مطل يسمح بالنظر الى خارج المنزل ومشربية مكان لتبريد الماءيطلق عليه- بيت الشربة.

    بعض المخالفات وعلى الرغم ان معظم المباني داخل سور المدينة حافظت على نمط البناء القديم إلاَّ ان هناك بعض المخالفات لاحظتها خلال جولتي ومنها قيام البعض بتشييد طوابق اضافية الى المباني القديمة مستخدمين مواد البناء الحديثة، او استبدال القديم بطراز جديد.

    مما يعكس منظر شاذ يسيء الى الطابع المعماري والهندسي الذي تتميز به المدينة ويعبر عن اصالتها وعراقتها.

    وهذا مانريد ان ينتبه له السكان والجهات الرسمية ذات العلاقة خصوصاً وان مثل هذا السلوك مازال في طور البداية ويمكن السيطرة عليه ومعالجته قبل ان يستفحل ويهدد الملامح الاصلية للمدينة.

    ويمكن معالجة هذه الأثار السلبية ووضع حد لها من خلال التنسيق بين الجهات الرسمية والسلطات المحلية وتوعية السكان بأهمية وقيمة التراث الثقافي الحضري الذي تمتاز به المدينة خصوصاً بعد ان تم ادراجها ضمن «المدن التاريخية» المرشحة لتكون احدى المدن الرائدة التي سيقوم برنامج استراتيجية وإدارة التراث الثقافي الحضري بتنفيذ بعض المشاريع الرائدة فيها.

    السوق القديم

    موعدنا التالي كان السوق القديم للمدينة والذي تم احياء جزء كبير من اقسامه بعد ان كادت معظم دكاكينه ان تقفل نتيجة لأنتقال السوق الجديد الى خارج المدينة واغلب رواد السوق هم السياح ولهذا فقد وجدناه شبه مقفل بسبب توقف الحركة السياحية في الأونة الاخيرة ومعظم المعروضات في السوق القديم كما اوضح لي مرافقي تتمثل في المنتوجات الحرفية كالجنابي الفضية والملابس التقليدية والمشغولات الفضية والمجسمات المصنوعة من الجص وعادة ماتكون هذه المجسمات نماذج للعمارة التراثية في ثلاءوالحصن وغيرها من المعالم التي تشتهر بها المدينة اضافة الى بعض انواع الصناعات التقليدية.. وقد لاحظت وجود سقايات لسقي الماء في أماكن متفرقة من السوق ويضم السوق حالياً 30 محلاً تجارياً ومن مميزات السوق القديم موقعه في وسط المدينة كما يمكن القدوم اليه من أي جهة في المدينة نظراً لمداخله المتعددة وتمتاز دكاكينه أيضاً بحجمها المتوسط وارتفاعها عن قاعة السوق، وابوابها كما شاهدنا خشبية لها طابعها التاريخي والتقليدي المتميز.. إلاَّ أن البعض منها استبدل بأبواب حديدية مما اخل بالمنظر التقليدي العام للسوق وشوه من نسيجه التراثي القديم والذي يمتد تاريخه كما يروى الى تاريخ بناءالمدينة ولا تقف المخالفات عند هذا الحد بل ذهب البعض الى الكتابة بالطلاء على جنبات بعض الجدران مما أثر على جاذبية المكان وسحره الموغل في القدم.

    حكاية السمسرة والحوض

    تركنا السوق خلفنا واتجهنا عبر الطريق المؤدية الى الجامع الكبير في مدينة ثلاء وقبل ان نصل الى الجامع صادفتنا في الجهة الجنوبية الشرقية منه منشأة قديمة وشبه مهجورة وقد أستفسرت عنها مرافقي فأوضح لي بأنها عبارة عن سمسرة كانت تخصص للجمالة القادمين الى السوق ويوجد في المدينة عدد كبير منها وبعضها كانت سبيل ومخازن للحبوب والأعلاف وتمنيت ان لاتظل مثل هذه المعالم التي تمثل جزء من النسيج التراثي للمدينة مهجورة حتى ينال منها الزمن.

    وهناك فرص كثيرة لاعادة الحياة اليها وضمان استمرارها من خلال اعادة توظيفها كمتاحف شعبية للأنشطة التي كانت سائدة فيها قديماً.

    فكم سيكون انعكاس ذلك رائعاً اذا ماترجم الى الواقع في مدينة مصدر دخلها الأساسي «السياحة» كما لاحظت على مقربة من الجامع الكبير الذي اتجهنا اليه قبة مسقوفة يطلق عليها الناس هنا «الحوض» وفيه يتجمع الماء الذي يصب من عين موجودة اسفل حصن المدينة وتمر هذه المياه كما شرح لي ابراهيم الزلب عبر سراديب وفتاشات من القضاض لتصب في الحوض ومنه يزود المسجد بالماءويستسقي الناس منذ مئات السنين.

    ومما يجدر ذكره هنا ان ممرات هذه المياه النقية والعذبة تقع تحت الارض بعمق 2متر الى 3 متر وتمر أحياناً من تحت البيوت وهي مقضضة ولا تسمح بتسرب قطرة ماء، ومازالت كما انشُئت في العهد القديم كما ان مياه الوضوءبعد استخدامها من قبل المصليين يتم الاستفادة منها في سقي المقشامة عبر قنوات مخصصة لهذا الغرض.

    الجامع الكبير

    أما الجامع الكبير فقد بني على ثلاثة مراحل وأول من بناه الامام عبدالله بن حمزة في القرن السادس الهجري الجزء الشرقي إلى الاسفل واخرج له الماء وبنى له مطهارين، كما بنى سقفه بطريقة المصندقات الخشبية.. وتوجد به مكتبة لحفظ المخطوطات والمصاحف. وعلى ذكر الجامع الكبير فإن عدد المساجد في مدينة ثلاء يربو على 27مسجداً يمتد بعضها في القدم الى صدر الاسلام كما تمتاز مساجد ثلاء بطابع المعمار الاسلامي الأصيل حيث تتميز بالزخرفة والنقش والأعمدة الحجرية ولبعضها قبب آية ً في الجمال والابداع مثل قبة حاتم وقبة محمد بن الهادي جنوب المدينة وقد قيل بأنه لم يكن لها مثيل في اليمن من حيث روعة بنائها وجمال زخارفها الهندسية وما يبعث على القلق ان هذه المساجد تشكو اليوم من استخدام المواد الحديثة عند ترميمها وصيانتها واذا استمر الوضع بهذا الحال ستفقد بشكل تدريجي طابعها القديم والمميز.

    مخطوطات ثلاء

    ويذكر بان كثرة الجوامع في مدينة ثلاء يعود لكونها كانت في العهد الاسلامي هجرة من هجر العلم والعلماء ومركز اشعاع علمي متميز، وقد الحقت بجوامعها منازل لطلاب العلم، كما كان للنساء نصيب كبير من حلقات العلم، وماتزال هذه الجوامع تضم تحت قببها اضرحة الكثير من العلماء الأفاضل ويقال بأن مساجد ثلاء ومكتباتها الخاصة كانت حتى فترة قريبة تحتفظ بثروة ضخمة من المخطوطات في مختلف مجالات العلوم الشرعية والأدبية وأصول الدين واللغة والرياضيات كما كانت رفوف المساجد عامرة بمئات المصاحف المخطوطة والمزينة بزخارف بنائية وهندسية غاية في الفن والجمال ولكن اختفى معضمها والجزءاليسير الذي تبقى من تلك الثروة الثقافية والتراثية الهامة تم الاحتفاظ به في مكتبة الجامع الكبير. والبعض مازال في المكتبات الخاصة لهذا فإن الجهات المعنية ملزمة اليوم للإسراع في إنقاذ وصيانة ماتبقى من هذه الثروة القيمة والإَّ فسوف تتعرض للانقراض والزوال هذا إذا لم تطالها كسابقاتها آيادي العابثين ولصوص التاريخ والتراث.

    بركة الميَّاح

    نواصل السير في الاتجاه الشمالي للمدينة ونصعد الى شارع «عيسى» المرصوف بالرص القديم الذي قامت به أروى بنت احمد الصليحي ويقال بأن الحميريين هم أول من قاموا برصف شوارع المدينة بالحجارة المصلولة وتم تجديده عدة مرات وأخرها كان خلال السنوات القليلة الماضية بتمويل من البنك الدولي وقبل ان نصعد الى الحصن اتجهنا الى بركة الميَّاح والتي تقع في الجهة الشمالية من المدينة وتعتبر من البرك القديمة والأثرية الى جانب بركة «جعدان» في الطرف الجنوبي من المدينة، وتمتاز بركة «الميَّاح» التي وجدناها ممتلئة بالماء بوجود مشنة وسد لتصفية المياه الداخلة إليها عبر سواقي تمتد الى خارج المدينة. كما انها مقضضة ولها مدرج منظوم ويقدر طولها بـ40 متراً وعمقها 15 متراً اما عرضها فـ20متراً ويستفيد من مائها الأهالي بعد موسم الامطار لفترة سبعة أشهر ثم يقوموا بتنظيفها.

    (السور العظيم)

    ومن موقعنا عند البركة بدا لنا سور المدينة من الجهة الشمالية واضحاً اقتربنا من حافة السور ا لذي يقدر طوله بـ2000متر وارتفاعه من 5 الى 7 امتار وعرضه عند القاعدة 3متر، وقد لاحظنا اختلاف في كتل احجار بناءه فبعضها يصل حجمه 900كجم والبعض 50كجم وتوقفنا أمام البوابة الشمالية للسور والتي يطلق عليها «باب الميَّاح».. والمعروف عن سور ثلاء العظيم بأن له ستة أبواب و 26 برجاً يصل ارتفاع بعضها عشرة أمتار ويعتبر من تحصينات المدينة، ومعالمها الأثرية والتاريخية القديمة ويقال بأنه بني على مراحل زمنية يمتد أقدمها الى العهد الحميري وحتى عهد الامام المطهر وقد استمرت عملية الترميم في اجزاء السور بدون انقطاع وبحسب مايروى فان الجزء الذي نقف بمحاذاته والذي يمتد حوالي 250متر من الباب جهة الجنوب يعتبر الجزءالأقدم في السور اي الجزءالذي بني بالأحجار الضخمة في عهد الدولة الحميرية.

    حصن ثلاء الأثري

    ومن باب المياح اتجهنا الى الحصن الذي يحضن المدينة من جهة الغرب وقد اطلق عليه قديماً حصن «الغراب» ويضم قلعة أثرية ممتدة في القدم وتجسد قوة وعظمة الانسان اليمني الذي قهر الطبيعة وجعلها طيعة له كما سخرها لخدمته ويوجد بأعلى الحصن نقوش حميرية وسبئية كما توجد بركتان مقضضتان محفورتان في الصخر ومدافن حبوب منقورة في الصخر الى جانب بقايا قصور ومقابر صخرية والعديد من الكهوف المنحوتة في الصخر ومعضمها يقع عند أسفل الحصن على ارتفاع 20 متراً تقريباً من الارض ويصعب الوصول اليها كما تحيط بالحصن أسوار وتحصينات وأبراج للحراسة ويوجد به مسجدان وله مدخلان أحدهما في الأسفل والآخر أعلى الحصن ويستحيل الوصول الى سطح القلعة دون عبورهما. وقد روي عن الحصن ومناعته العديد من القصص والبطولات والمعارك الشهيرة وفي مقدمتها مادار بين الإمام المطهر والأتراك كما يذكر بأن الحسن بن ابراهيم العياني قام بترميمه وتوسيع مدارجه وبوابتيه وعدد من المباني والابراج وذلك مابين 375هـ- 450هـ كذلك كان للإمام المطهر بن شرف الدين دوراً في ترميم وتجديد البناء.
    ------------------------------- ..... ------------------
    تحية للأخوة : مــرشــد العــجي .. و .. ابراهيم الزلب
     

مشاركة هذه الصفحة