الإخوان المسلمون وكلفة السياسة العمياء؟؟؟؟

الكاتب : الفارس المخضرم   المشاهدات : 453   الردود : 0    ‏2007-02-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-02-21
  1. الفارس المخضرم

    الفارس المخضرم عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-12-30
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    :( السيد أبو داود

    تتعرض جماعة "الإخوان المسلمون" لحملة أمنية شديدة في هذه الأيام لدرجة يمكن اعتبار أنها سيترتب عليها ما بعدها.

    فلأول مرة يتم استهداف المفاصل الاقتصادية والتمويلية للجماعة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة يتم اعتقال كوكبة من قيادات الجماعة وعلى رأسهم النائب الثاني للمرشد، وبعد أسابيع قليلة يتم اعتقال العشرات من كوادر الجماعة النشطة في مختلف محافظات مصر.



    القاعدة التي تقول: "إن خصمك يستفيد من أخطائك لتنفيذ مخططه ضدك"، كما تنطبق على دولنا العربية والإسلامية في علاقاتها بالغرب، فإنها تنطبق على حركاتنا الاجتماعية في علاقاتها بالسلطة داخل بلادنا.

    فالإخوان منذ خروجهم من السجون في السبعينات، وهم يعرضون أنفسهم على المجتمع على أساس أنهم يمارسون العمل السياسي السلمي والدعوة السلمية، وعن طريق كوادرهم الثقافية والإعلامية والسياسية والمهنية، أجادوا مخاطبة قواعد المجتمع المختلفة، واكتسبوا تعاطفًا متزايدًا من أغلب الفعاليات السياسية والاجتماعية.



    لكن الخطأ الذي وقع فيه الإخوان فيما سمي بـ(ميليشيا الطلاب في جامعة الأزهر) كان خطأً استراتيجيًا ربما يدفع الإخوان ثمنه غاليًا، لدرجة أنني أستطيع أن أقول: أن عليهم العمل لسنين أخرى لمحو ونسيان هذا الخطأ من ذاكرة النظام المصري الذي قدموا أنفسهم له في صورة أصحاب الدعوة السلمية العاقلة الحكيمة .



    ولم تكذب الدولة خبرًا فأحسنت استغلال الخطأ تماما، وإذا كانت الدولة قبل ذلك تعاني معاناة شديدة حينما تستهدف الإخوان؛ فإنه في هذه المرة باتت مهمة الدولة شديدة السهولة في تبرير حملتها الأمنية على الإخوان، وكذلك في تبرير استهدافهم اقتصاديًا، ففيلم العرض العسكري الطلابي موجود، وتستخدمه الدولة لإسكات أية معارضة لتحركها ضد الإخوان.



    الكارثة أن الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام كلها انفضت هذه المرة من حول الإخوان وانحازت للإجراءات الحكومية.

    المخطط الحكومي كان فقط يحتاج إلى الظرف المناسب، وهذا الظرف قدمه الإخوان بأنفسهم هذه المرة للحكومة.

    لم تكن الحكومة لتستطيع إحالة النائب الثاني للمرشد ومعه عدد من القيادات الاقتصادية للجماعة إلى المحاكم العسكرية دون وجود فيلم الميليشيا المشئوم.

    الحكومة استغلت الظروف المواتية، وضربت ضربة أخرى للعناصر التي من المحتمل أن تخوض انتخابات التجديد النصفي المقبلة لمجلس الشورى، والجو مهيأ أمامها لمزيد من الضربات، في الوقت الذي يفتقد خصمها لأي غطاء من أي نوع.



    شمولية في حاجة لمراجعة



    الإخوان المسلمون يقولون: إننا جماعة شاملة تمارس السياسة والتعليم والإعلام والثقافة والرياضة والدعوة ...الخ، وهذه مقولة كلاسيكية للشيخ المؤسس حسن البنا.

    منقول من مفكرة الإسلام



    وإذا كان للإخوان نصيب في كل هذه المجالات؛ فإن الملاحظ على أرض الواقع أن الدور الدعوي والديني للإخوان محدود، في حين أبلوا بلاءً حسنًا في الدور التربوي من خلال مدارسهم الإسلامية، التي اكتسبت شهرة وحققت نجاحًا ملموسًا.

    كما أبلى الإخوان بلاءً حسنًا في الدور الخدمي من خلال مستوصفاتهم الطبية.

    إلا إن الدور الأبرز للإخوان عبر تاريخهم كان هو الدور السياسي والإعلامي، فالتركيز على هذا الدور كان هو الخيار الأساسي للجماعة عبر مراحلها، وقد ورثت ذلك من أيام مرشدها الأول الشيخ حسن البنا.

    ونحن لا نعيب على الإخوان أبدًا ممارسة العمل السياسي، فهذا حق مكفول لهم بموجب الدستور والقوانين. لكن الذي نطلبه من الإخوان من خلال ما يجمعنا بهم من أخوة الإسلام والعمل الإٍسلامي، أن يتوقفوا قليلاً لمراجعة المنهج. فنحن الآن في ألفية جديدة عمادها التخصص، ومقولة أن الجماعة جماعة شاملة تمارس كل أنواع العمل، مقولة في حاجة إلى مراجعة، والشيخ الجليل حسن البنا أضاف الكثير وأسس أسلوبًا جديدًا للدعوة، ولعب دورًا بارزًا في إيقاظ الوعي الإسلامي، وجعل الشأن الإسلامي والتوجه الإسلامي معتبرين في كثير من المحافل، لكن ليس معنى ذلك أن نؤمن بمقولات الشيخ إلى آخر العالم وكأنها وحي منزل. فالفكر البشري مهما كان صوابه وألمعيته؛ إلا أنه محدود وليس صالحًا لكل زمان ومكان.

    إن المنهج الذي يصلح لكل زمان ومكان هو منهج القرآن والسنة، وذلك لأنهما قاما على وحي إلهي معصوم.



    الإخوان وتخويف النظم



    الإخوان المسلمون جماعة ذات تنظيم جيد ، وهذا التنظيم المحكم أجاد بناءه الشيخ حسن البنا ببعد نظر وعبقرية لن تتكرر.

    بل إننا نستطيع أن نقول إن الجماعة مدينة في بقائها بهذا التماسك حتى اليوم ببركة ورسالية هذا الرجل، والرعيل الأول من المخلصين الذين قام البناء على جهودهم.



    هذا التنظيم الذي كتب له النجاح لم يكتب لأي تنظيم آخر على ظهر الأرض، أخاف الدنيا كلها، فقد أخاف بريطانيا العظمى إبان احتلالها لمصر، وأخاف حكومات مصر قبل الثورة وبعدها، وأخاف اليهود وأخاف الأمريكان والأوربيين.

    ورغم المرونة الكبيرة التي يتمتع بها الإطار الثقافي والفكري والسياسي للجماعة، ورغم ما في الجماعة أيضًا من براجماتية يمكنها التعامل مع العالم الخارجي دون أزمات، ورغم أن الأمريكان فكروا في التحالف مع الإخوان منذ سنوات قليلة، إلا أن الجميع قال إن البعد عن الإخوان أفضل.

    الكل يخاف إذًا من الإخوان، ويعمل المستحيل حتى لا يجنوا ثمار ما يتمتعون به من قاعدة شعبية كبيرة تؤهلهم للحكم.



    نحن لا نقر استهداف الإخوان ووضع العراقيل أمامهم، ولكن ذلك هو الواقع، وإصرار الإخوان على الصراع السياسي يزيد الأمور ارتباكًا، وليس هناك في المستقبل المنظور أي أمل لحل هذه المعضلة، بل إن الإصرار الإخواني سيقابله مزيد من التصلب واللا منطق الحكومي، خاصة بعد أن أصبح النظام المصري مستندًا إلى دعم دولي ضد الإخوان، وضمان عدم انتقاد أي طرف لأي إجراء حكومي ضد الإخوان مهما كانت شدته.



    فنحن إذن ندعو الإخوان إلى عدم التركيز على الأمر السياسي ، وإن كان ولا بد فيكفي 50 مرشحًا، ينجح منهم عشرون أو ثلاثون في البرلمان يمثلون التيار الإسلامي وأطروحاته مقابل موجات العلمانية والتغريب، بل يمكنهم ألا يدخلوا الانتخابات ابتداءً وأن يدعموا مرشحين آخرين من تيارات أخرى يرون أنهم سيمثلون الجانب الأكبر من مطالب الإخوان السياسية.



    ضرورة تغيير الأفكار



    على الإخوان إذًا ألا يصوروا عملهم وكانهم يعملون على تقويض النظام السياسي المصري من الخارج أو من الداخل، عليهم أن يقنعوا الجميع: نظاما سياسيا، ومؤسسات مجتمع مدني، وتيارات سياسية وفكرية وثقافية، بأنهم لا يصارعون على الكراسي ، وإنما يهمهم مبادئ وقيم معينة أن يتم احترامها من قبل أهل الحكم.

    فمثلاً يركزون على دعم كل من يطالب بتطبيق الشريعة، وكل من يتبنى السياسات الوطنية في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، وكل من يقف ضد أطماع الصهاينة والغرب في بلادنا، وكل من يطبق سياسات العدالة والشورى والانحياز للفقراء داخل المجتمع.



    هذا هو المهم، فماذا يجني الإسلام والمسلمون بل والإخوان أنفسهم، من نجاح 100 عضو من الإخوان في البرلمان، إذا كان ذلك سينتج عنه المزيد من المشكلات والتوترات، سواء أثناء الانتخابات وما يحدث بها من تشنجات حكومية وتزوير، أو حشد حكومي وحزبي داخل البرلمان لإفساد كل مشروعات الإخوان، ثم حملات إعلامية وأمنية واقتصادية ضد الإخوان؛ تؤثر بالضرورة على المجتمع كله؛ النتيجة إذًا سلبية تمامًا.

    لكن الإخوان يمكن أن يخدموا الإسلام والمجتمع أكثر من ذلك بكثير، بل ويمكن أن يوفروا الهدوء للنظام السياسي ليعمل في حرية، ثم يمارسون هم العمل التربوي والدعوي والإعلامي النقدي والترشيدي، ويدعمون مرشحين وتيارات أخرى تتبنى أفكارهم ورؤاهم ومطالبهم، أو جزءً من هذه الأفكار والرؤى والمطالب.



    هل يستفيد الإخوان من أخطائهم؟



    العمل السياسي كلفته إذاً كبيرة، وفاتورته المدفوعة عالية، وتوتراته لا تنتهي، وهو بطبيعته لابد أن ينتج عنه العديد من الأخطاء بحكم اتفاقه مع مصالح البعض، وتعارضه مع مصالح البعض الآخر، بما فيهم الحكومات المحلية والإقليمية والدولية. ومن أمثلة الأخطاء التي وقع فيها الإخوان، سواء بقصد منهم أو بدون قصد، وسواء بحسن تقدير العواقب أو سوء تقديرها، ماحدث في جامعة الأزهر، فلعبة السياسة مع الحكومة جعلت الإخوان يقيمون تقديراتهم على أن هذا العرض العسكري للطلاب سيضغط على الحكومة لتحقيق مكاسب للإخوان في مسارات أخرى، لكن التقدير والحسابات كانت خاطئة، في وقت يقف الجميع متربصين ينتظرون مثل هذا الخطأ.



    لو كان الإخوان يركزون على مبادئ ولا يندفعون سياسياً بكامل ثقلهم ما كانوا قد دخلوا في هذا الصدام مع أجهزة الدولة وتيارات المجتمع المختلفة.



    ولو كان الإخوان لم يركزوا على السياسة بصورة صاخبة ، ولم يعلنوا أنهم يسعون للوصول إلى الحكم ، ما ارتكبوا أخطاءً كبرى قبل ذلك، ما زالت مأخوذة عليهم حتى اليوم وتتم محاسبتهم عليها، والخوف والتخويف منهم بسببها، ومنها ممارسة العنف من خلال "النظام الخاص" والتورط في قتل النقراشي والخازندار، بل والتورط في قتل أحد قيادات النظام الخاص نفسه، لأن الأمر دخل في دوائر شديدة الحساسية والتشابك والتعقيد.



    ولو كان الإخوان لم يركزوا على السياسة ما ارتكبوا أخطاء أخرى ناتجة عن ممارستهم العنف في فترة من حياتهم، ومنها أنه خوفاً على شعبيتهم ومكانتهم ومصداقيتهم، لم يقفوا وقفة شجاعة مع النفس ويعلنوا أنهم ارتكبوا بعض الخطأ ، ثم يعتذرون للشعب المصري، ولكنهم لم يفعلوا، حتى وقع حادث جامعة الأزهر، والذي جعل الكثيرين يقولون أن ظلال العنف ما زالت موجودة في فكر الإخوان.



    من أخطاء وتداعيات ممارسة السياسة والتقاطع مع الدوائر الخطرة أيضاً أن الإخوان بصدامهم الكبير مع عبد الناصر، أسسوا لميراث من سوء الفهم والكراهية بين كيانات الدولة المصرية، خاصة المنظومة الأمنية، وبين كل ما هو إسلامي، وقد دفع العديد من فصائل العمل الإسلامي فاتورة هذا الميراث.



    إننا لا نقصد بما ذكرناه الهجوم على الإخوان، أو الانتقاص منهم ومن قدرهم، فسواء شئنا أم أبينا فإنهم أكبر فصيل إسلامي، وأفضل فصيل لديه طاقات وقدرات في مجالات مختلفة.



    نحن فقط نريد أن ننبه أن هكذا هي السياسة، غادرة، غير نظيفة، نفعية، انتهازية، تعمل في أجواء ملتهبة ومتوترة، وسعياً وراء المكسب السياسي أمام الخصوم ربما تدفع من يمارسها إلى ارتكاب الأخطاء. فأما النفعيون والانتهازيون فيكذبون ويناورون حتى لا يعترفوا بالأخطاء، لكن الإسلاميين يجدون عناءً ومشقة إذا عملوا مع الملحدين والشيوعيين والعلمانيين، بل ونواب المخدرات ونواب القروض والمشبوهين.

    الإخوان الآن في لحظة تاريخية شديدة الأهمية، وعليهم أن يواجهوا أنفسهم بالسلبيات قبل المنجزات , وبات عليهم أن يديروا ظهورهم للسياسة، ولو بشكل مؤقت، وأن يعملوا بشكل أكبر للشريعة والهوية، ولخدمة الوطن والمواطنين بأساليب مختلفة.
     

مشاركة هذه الصفحة