إمارة تبحث عن دور

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 560   الردود : 0    ‏2002-08-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-20
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    جفاء ذوي القربى .. قطيعة ، هكذا يمكن أن نصف التوتر الذي نشب مؤخرا بين قطر والمملكة العربية السعودية ، حيث انتقل الخلاف ما بين البلدين - في سابقة خليجية نادرة - من الحجرات المغلقة إلى صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات ، وعلى الرغم من أن السعودية طالما تعاملت مع مشاكل الخليج بمبدأ " الأخ الأكبر " و " عفا الله عما سلف " ، إلا انه يبدو أنها رأت - هذه المرة - أن الشقيقة الصغرى " قطر " خرجت عن الخط ، وان الطريقة التي تعاملت بها فضائية " الجزيرة " مع قيادة السعودية ورمزها المؤسس الملك عبد العزيز تعدت كل الحدود . فيما تحدث البعض هامساً بان آلامر لا يقتصر على " صداع الجزيرة " ، وان الرياض غاضبة من محاولات الدوحة " مناطحتها " إقليميا ودوليا ، ولا ينسى السعوديون انه حتى فترة قريبة عندما كان القطريون يُسألون عن موقع بلدهم على الكرة الأرضية ، فانهم كانوا يجيبون " بجوار المملكة العربية السعودية " .

    وكعادة السعودية ، فإنها حاولت معالجة الخلاف مع قطر بأسلوب " الدبلوماسية الهادئة " ، وفي رسالة غير مباشرة ، وان كانت واضحة الدلالة ، استثنى وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قطر من جولة شملت دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى اليمن ، وتحدث البعض بان الفيصل عرض على أشقائه في الخليج تفاصيل الخلاف مع قطر ، ووجهة النظر السعودية تجاه ما تبثه قناة الجزيرة .

    وفي تحرك مقابل قام وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بجولة مضادة ، وفي محطته الأولى بالكويت ، كشف حمد بشكل غير مباشر عن وجود خلاف مع المملكة ، إلا انه أكد أن هذا الخلاف سوف " يتم حله في إطار الاخوة التي تربط دول مجلس التعاون الخليجي " ، مستبعدا بشدة أي حديث عن اعتذار من جانب قطر أو قناة الجزيرة للرياض . وبطريقة غير مألوفة في العرف الدبلوماسي ، حاول حمد إحراج المملكة ، معلنا للصحفيين انه طلب زيارة الرياض ، وانه في انتظار الرد السعودي على طلبه ، وهو ما لم يحدث للآن .

    وفي تصريحات للصحف الإماراتية ، أكد حمد أن قناة الجزيرة القطرية "تسبب صداعا مزمنا ليس له حل" ، مستبعدا بذلك أي تدخل من جانب الحكومة القطرية تجاه ما تبثه الجزيرة عن السعودية ، وهو موقف طالما تمسكت به الدوحة تجاه انتقادات الحكومات العربية لما تبثه الجزيرة عنها ، وقد وصل الأمر ببعض الدول إلى سحب سفرائها من الدوحة ، كما شنت العديد من وسائل الإعلام التابعة لتلك الحكومات حملات إعلامية ضخمة ضد الجزيرة والحكومة القطرية نفسها ، وكان للشيخ حمد - الذي يوصف بأنه الممول والمحرك الحقيقي للجزيرة - النصيب الأكبر من هذا الهجوم .


    الجزيرة ... قليل من كثير

    يرى العديد من المراقبين في الخلاف ما بين الدوحة والرياض بشأن " الجزيرة " مجرد " قمة طافية " لجبل ضخم من المشاكل والخلافات المعقدة بين البلدين ، ولكن الدبلوماسية الهادئة للسعودية ، وخوف قطر من الدخول في صراع علني تعرف مقدما أن نتيجته لن تكون في صالحها ، هو ما دفع الطرفان إلى إغلاق الصدور على ما بها من غضب وحنق ، وان كانت الجزيرة تلقي من حين لأخر بمزيد من الوقود بما تقدمه من برامج وتقارير تعتبرها المملكة إساءة متعمدة ، في حين ترد الدوحة بإجابتها التقليدية : إنها لا تتدخل فيما تقدمه الجزيرة ، وان علاقتها بالقناة تقتصر على الاستضافة والدعم المالي .

    وعلى الرغم من أن الصمت والعتاب الهادئ كان هو أسلوب السعودية في الرد على ما تعتبره " استفزازا " من جانب قناة الجزيرة ، إلا أن الاستفزاز هذه المرة كان عنيفا ، ففي أقل من عشرين يوما بثت القناة حلقتين من برنامجي " الاتجاه المعاكس " و " بلا حدود " ، وتضمنت الحلقتان نقدا عنيفا لاثنين من ثلاثة رموز يعتبرهم السعوديون الأهم طوال حكم آل سعود للمملكة ، وهما الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة والأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي ، ولم ينج من الهجوم سوى الملك الراحل فيصل بن العزيز ، وهؤلاء الثلاثة يعتبرهم السعوديون رموزا لهم اكثر من كونهم حكاما ، لما لهم من مواقف عربية وإسلامية مشرفة .

    وفي الحلقة التي أذيعت يوم 25 يونيو الماضي من برنامج " الاتجاه المعاكس " الذي يقدمه المذيع السوري المثير للجدل فيصل القاسم ، اتهم ضيوف الحلقة المملكة بـ " خيانة القضية الفلسطينية " ،
    وتعرضوا لشخصية الملك عبد العزيز ، وأعتبر الصحفي المصري محمد عبد الحكم دياب أن " السياسة السعودية الرسمية ارتكبت من الأخطاء ما يصل إلى مستوى الخطيئة بل أحيانا ما يصل إلى مستوى الجريمة" ، زاعما " الخط السعودي من يوم نشأة المملكة إلى هذه اللحظة دوما ينتصر لما هو ضد فلسطين".

    وبعد أقل من عشرين يوما من إذاعة الحلقة ، استضاف مذيع آخر في الجزيرة هو المصري أحمد منصور - المثير أيضا للجدل - المعارض السعودي محسن العوجي ، وعلى الرغم من أن الحلقة كانت مخصصة لطرح قضية " "الموقف الشعبي من الحملات الأميركية على السعودية" ، إلا أن معظم مناقشات الحلقة تناولت مبادرة الأمير عبد الله ، وعبر العوجي عن اعتقاده بان " الأمير عبد الله عن حسن نية وجد نفسه فيها - المبادرة - من حيث يدرى أو لا يدري" ، واصفا المبادرة بأنها " كبوة جواد " .

    ويشير المراقبون إلى أن الرياض بقدر ما استفزها ما جاء علي لسان من استضافتهم القناة أو الذين أجرت معهم اتصالات هاتفية ، إلا أن ما ضاعف من ذلك الاستفزاز هو ما لاحظه المشاهدون من إصرار شديد من جانب مقدمي الحلقتين - القاسم ومنصور - على إستدارج الضيوف إلى الهجوم على المملكة ، وعلى الأمير عبد الله والملك عبد العزيز ، فالفيصل قطع الطريق على أي إشارة للدور الإيجابي للملك فيصل تجاه القضية الفلسطينية ، ودفع ضيوفه دفعا - بأسلوبه التهييجي - نحو انتقاد المواقف السعودية ، كما أن احمد منصور حاول دوما إخراج العوجي عن أسلوبه الانتقادي الهادئ ، عبر انتزاع عبارات عنيفة تجاه المبادرات ، وان كان الأمر لم يصل للحد الذي سبقه إليه صاحب " الاتجاه المعاكس " .


    حملة سعودية مضادة

    ويبدو أن السعودية قررت هذه المرة التخلي عن الصمت ، وشنت صحيفة " عكاظ " هجوما نادرا على قطر وقناة الجزيرة ، وتمنت " أن تقوم قطر وفيها قيادة حكيمة بمراجعة سياستها لئلا يجد فيها أعداء الأمة معاول جاهزة لهدم بقايا البيت العربي من ثوابته وزلزلتها ".
    وفي لهجة لا تخلو من التحذير قالت عكاظ " بالتأكيد فان استمرار الوضع كما هو عليه حتى الآن لن يكون مقبولا ، لا من قبل الحكومات العربية ولا من قبل شعوبها".

    وكان هجوم صحيفة " الوطن " هو الأعنف ، حيث اتهمت قناة الجزيرة بأنها " دأبت تحت ستار الحرية على محاربة حرية الآخرين واعطت لنفسها هامشا هي التي رسمت حدوده ووسعت هذه الحدود بما يلائم سياستها وسياسة من يقف وراءها " ، ووسعت الصحيفة من هجومها ليشمل قطر الدولة معتبرة أن "الشتائم والإساءات والبذاءات والانتقاص من دور الآخرين" ليس هذا هو الذي يصنع دولة، والغطرسة والانتفاضات الكاذبة ليست هي هذه التي تصنع رجالا، وزرع الفتن واللعب بالنار ليس هذا هو الذي يصنع تاريخا وحضارة ".

    ويلحظ المراقبون أن ما كتبه الصحفي السعودي المعروف داود الشريان - وثيق الصلة بداوئر الحكم السعودي - في صحيفة الحياة اللندنية يتعدى النقد الصحفي ، وانه يمكن وصفه بان رسالة " تحذير دبلوماسية " غير مباشرة ، إذ أن الشريان أكد بوضوح أن " اتهام المملكة بالخيانة والتعرض لشخصية الملك عبد العزيز قضية تتجاوز الإثارة السياسية إلى غضب الشعب السعودي بأكمله، والسعودية لا تستطيع أمام هذا التصرف إلا أن ترضي شعبها وتضع حدا لهذا التجاوز " .

    وفي مقابلة مع وكالة " رويترز " فسر الشريان ما قصده بـ " التصرف الذي يرضي الشعب السعودي " ، مؤكدا انه لا يستبعد احتمال استدعاء السفير السعودي في الدوحة ، وقد تستخدم الرياض اوراقا أخرى ضد قطر مثل عرقلة مشروع تسليم الغاز للكويت الذي سينقل عبر الأراضي السعودية ، واعتبر أن " الخلاف لم يعد مع قناة الجزيرة التي أضحت أداة سياسية ولم تعد وسيلة إعلامية بل اصبح مع قطر ".

    قطر .. وليست الجزيرة

    لم يبعد الشريان كثيرا عن لب القضية عندما أشار إلى أن الخلاف السعودي مع قطر وليس مع قناة الجزيرة ، لكنه لم يرد الخوض في تفاصيل الخلاف ، فإذا كانت الجزيرة مجرد أداة في الخلاف ما بين الدوحة والرياض ، فلا بد من وجود أسباب لهذا الخلاف ، وهو الأمر الذي سكت عنه الشريان وغيره من الكتاب السعوديين ، فقطر منذ منتصف التسعينات وهي تشكل صداعا دائما في رأس المملكة ، فالرياض لا تستسيغ محاولة الدوحة القفز على حقائق التاريخ وحتميات الجغرافيا للعب دور خليجي وإقليمي يفوق عدة مرات الحجم والنفوذ الحقيقي لقطر ، كما أن هذا الدور يتصادم مباشرة مع النفوذ والتواجد السعودي في الخليج خاصة والشرق الأوسط بشكل عام .

    وقد برز " التناطح " القطري للسعودية بشكل سافر فيما يتعلق بملف العلاقات الخليجية - الأمريكية ، حيث جرى العرف على اعتبار الرياض " رمانة الميزان " لهذه العلاقات ، واعتادت الدول الخليجية على مساندة القرار السعودي فيما يتعلق بهذا الملف ، كما أن واشنطن اعتمدت البوابة السعودية كمدخل وحيد للبيت الخليجي ، ومن جانبها لم تر الدول الخليجية أي غضاضة في الأمر بحكم حقائق التاريخ والجغرافيا ، إضافة إلى أن الرياض طالما تعاملت مع قضايا وهموم الخليج بمبدأ " الأخ الأكبر " ، ولكن يبدو أن هذا المبدأ لم يرق للمسؤولين في قطر ، فحاولوا طرح أنفسهم كبديل عن السعوديين ، وهو ما وضح من خلال تعامل الدوحة مع ثلاث ملفات رئيسية هي : القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج وقضية العراق وملف العلاقات مع إسرائيل .


    قطر خذلت العرب بعلاقتها مع اسرائيل



    على الرغم من أن السعودية فتحت أراضيها لما يقرب من نصف مليون جندي أمريكي أثناء حرب الخليج الثانية ، إلا انه بعد انتهاء تلك الحرب وقبول العراق لوقف إطلاق النار ، تقلصت تلك القوات حتى اقتصرت الآن على 4000 جندي فقط إضافة إلى عشرات الطائرات الحربية ، ووجود هذه القوات محكوم بضوابط سعودية مشددة ، كان أخرها رفض المملكة استخدام القواعد الأمريكية في أراضيها في الحرب الأمريكية ضد أفغانستان ، وان كانت بعض التقارير الأمريكية قد كشفت فيما بعد عن استخدام قاعدة الأمير سلطان الجوية في أعمال السيطرة والتحكم خلال القصف الجوي لأفغانستان .

    وفي ظل هذا التضييق ، وشعور الأمريكيين بأنهم اصبحوا عبئا على النظام السعودي ، وان الشارع السعودي يرفض وجودهم ، نجد أن قطر فتحت الباب على مصراعيه أمام التواجد العسكري الأمريكي ، لدرجة دفعت صحيفة " الواشنطن بوست " للتعليق قائلة انه " بعد سنوات من التفاوض مع الحكومة السعودية حول حدود العمليات الأمريكية ـ مثل عدم السماح للطائرات الحربية الأمريكية بالطيران لضرب العراق من الأراضي السعودية ـ يجد مسئولو البنتاجون أن الحكومة القطرية أكثر تفهما بصورة تدعو للدهشة " ، وكشف مسئول كبير بالبنتاجون "إن القطريين لم يضعوا أي شروط على الكيفية التي ستنفذ بها العمليات العسكرية" .

    من المفارقة انه رغم تمركز القوات الأمريكية داخل قاعدة " العديد " منذ عدة سنوات ، إلا أن الكشف عن وجودها لم يحدث إلا منذ اشهر قليلة ، ، بعدما قام مواطن قطري بإطلاق النار على القاعدة ، ويقال إن الحكومة القطرية تكفلت بنصف تكاليف بناء القاعدة التي تبلغ عدة مليارات ، وتتميز قاعدة العديد بوجود مهبط طائرات بطول 15 ألف قدم هو الأطول في الشرق الأوسط ، ويسمح بإقلاع أثقل طائرات الشحن والقاذفات الأمريكية وهي محملة ، وقد قامت الولايات المتحدة بتخزين مواد هناك منذ سنوات ، ويوجد بقطر نحو 3000 جندي أمريكي ، وعشرات من الطائرات المقاتلة والقاذفة ( أضغط هنا لمشاهدة القاعدة ) .

    وبرر وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم لصحيفة " وول ستريت جورنال " هذا الوجود الأمريكي قائلا " نحن لا نستطيع الدفاع عن قطرإذا قامت قوة كبيرة بمهاجمتنا ، فنحن بحاجة إلى وجود القوات الأمريكية والولايات المتحدة في حاجة إلينا " ، ونقلت الصحيفة - أيضا - عن مسئولين قطريين قولهم " أنهم قاموا ببناء نصف القاعدة لجذب الأمريكيين ، وان مهمتهم الرئيسية هي : كيفية إبقاء القوات الأمريكية ، أو حتى إن أمكن زيادة عددها عند انتهاء الحرب في أفغانستان " . وتشير الصحيفة إلى انه في مقابل هذا الجهد المالي والعسكري الضخم ، فان الدوحة " تريد ضمانات أمريكية مكتوبة بأن الوجود العسكري الأمريكي سيكون دائما " .

    ويرى المراقبون أن هذه التسهيلات القطرية تحرج بشدة السعودية ، وتضعها أمام خيارين لا ثالث هما : فإما أن تزايد على الدوحة ، وهو ما يتناقض مع وضعها العربي والإسلامي ومع موقف الشارع السعودي ، وإما أن تستمر في تحفظاتها ، وبالتالي تفتر علاقاتها مع حليف استراتيجي في حجم الولايات المتحدة .
    وحتى إذا تمسكت الرياض بموقفها ، فان الوجود العسكري الأمريكي في قطر يضر بمصالح الخليج بأكمله ، وبعلاقاته مع دول الجوار .

    علاقة غير مشروعة

    وإذا كان البعض يدافع عن الانجذاب القطري نحو الحضن الأمريكي باعتباره قاسما مشتركا بين دول الخليج ، وان اختلف الأمر صعودا وهبوطا من دولة لأخرى ، فان العلاقة " المريبة " ما بين الدوحة وتل أبيب تبدو محل استغراب وتعجب من جانب معظم المراقبين ، فالخليج بقيادة السعودية كان أحد المناطق المغلقة أمام هوجة التطبيع التي اجتاحت الدول العربية في التسعينات ، ولكن قطر خرجت على هذا الإجماع بشكل واضح منذ تولي الشيخ حمد بن خليفة الحكم بعد إطاحته بوالده ، وهرولت الدوحة في وقت مبكر نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني ، وسمحت في عام 1996 بافتتاح مكتب تجاري إسرائيلي في الدوحة ، وفي نوفمبر 1997 أحرجت قطر معظم الدول العربية ، وأصرت على استضافة المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمشاركة وفد إسرائيلي عالي المستوى ، على الرغم من الأوضاع المشتعلة في الأراضي الفلسطينية في ذلك الوقت ، وقد ردت السعودية على الإصرار القطري بإعلانها في وقت مبكر مقاطعتها المؤتمر .

    ومن المفارقة انه بينما كانت قناة الجزيرة تهاجم مبادرة الأمير عبد الله ، وتندد بتاريخ المملكة تجاه القضية الفلسطينية ، كان وزير الخارجية القطري يرتمي في أحضان نظيره الإسرائيلي شيمون بيريز في باريس ، وهو ما استفز الكاتب الكويتي احمد الربعي ودفعه للتساؤل " هل سنصل إلى اليوم الذي نتمنى من أشقائنا في قطر أن يعاملوا أشقاءهم في دول الخليج بنصف الحماسة والحيوية والتدقيق الذي يعاملون به شمعون بيريز، وسخر الربعي من تصريحات بيريز حول "أهمية دولة قطر في عملية السلام " !!.

    ومن جانبها حاولت صحيفة " الوطن " أن تسقي الدوحة من نفس الكأس الذي ألصقته بالرياض ، ووصفت الشيخ حمد بـ " القزمية " ، مؤكدة انه اختار المدخل التاريخي " الذي يأنفه الشرفاء والمخلصون لامتهم" ، وان "ايذاءات هذا الرجل وإساءاته بلغت حدا لن يكون أبدا مقبولا " .
    ‏.‏
    السعودية و قطر .. في الميزان


    إذا كانت حقائق التاريخ والجغرافيا تقف إلى جانب السعودية في مواجهة " الطموح القطري " ، فانه من الإنصاف القول إن المستقبل يفتح ذراعيه بقوة للحصان القطري الجامح ، إذ أن المملكة تتخبط في أزمة اقتصادية ومجتمعية طاحنة ، حيث وصلت نسبة البطالة لأعلى من 30% ، وانخفض متوسط الدخل من 20 آلف دولار سنويا للفرد إلى اقل من 7 آلاف دولار سنويا ، مما دعا الأمير عبد الله لمطالبة السعوديين بـ " شد الأحزمة " .

    أما في قطر ، التي لا يتعدى عدد سكانها 600 ألف نسمة – ثلثهم فقط من أصول قطرية – فان شعبها يعد من اغني شعوب العالم من حيث نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي ، والذي يبلغ 25 ألف دولار سنويا ، ومن المخطط له أن يصل عام 2005 إلى 50 ألف دولار ، ويقدر معدل التضخم بـ 1.7% ، وفيما يتعلق بالبطالة ، فهي منعدمة نظريا، ومن المتوقع أن تبقي علي هذه الحال لمدة 25 عاما علي الأقل.

    وتضاعف إجمالي الناتج المحلي القطري خلال الست سنوات الماضية ليصل إلى 16 مليار دولار العام الماضي ، وتستهدف خطط الحكومة القطرية مضاعفة هذا الرقم بحلول عام 2008.

    وضخت قطر استثمارات هائلة في قطاع الغاز والنفط منذ مطلع التسعينات ، تعدت 28 مليار دولار حتى الآن ومن المقرر استثمار حوالي 27 مليار دولار بحلول العام 2010 ، وتضاعف احتياطي قطر المتوقع من الغاز ثلاث مرات في حقل الشمال، اكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، ولديها ما يكفي من الغاز للسنوات الـ 250 المقبلة.

    ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي فقط ، فمنذ إمساك الأمير حمد بن خليفة بزمام الإمارة وهو يقود حملة طموحة لوضع قطر على الخريطة العالمية ، إذ تصدت الدوحة في نوفمبر 1997 لاستضافة المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، وفي نوفمبر 2001 نظمت قطر القمة التاسعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، وهي حتى الآن تتولى رئاسة المنظمة ، وقامت في نوفمبر الماضي باستضافة الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية ، وخلال أزمة تماثيل " بوذا " في أفغانستان تولت قطر إرسال وفود من علماء الدين الإسلامي لطالبان للوساطة .

    واهتمت قطر بالبطولات الرياضة ايضا، فقد نظمت بطولات عالمية أبرزها بطولة قطر الدولية للتنس التي تقام سنويا منذ سبعة أعوام ، واضيفت إليها بطولة نسائية العام الماضي ، كما تنظم بطولات سنوية للاسكواش والفروسية وسباق السيارات الصحراوي والجولف والقوارب الشراعية وألعاب القوى وكرة اليد وغيرها ، ورصدت قطر مبالغ ضخمة لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية في 2006 .

    ولا تهمل قطر التطور الديمقراطي والسياسي ، إذ شهدت البلاد في مارس 1999 انتخابات بلدية شاركت فيها النساء لأول مرة ، وفي عام سنة 1998 تم تشكيل لجنة لإعداد دستور دائم للإمارة يتضمن إقامة برلمان ديمقراطي منتخب ، وهو الأمر الذي بشر أمير قطر بحدوثه خلال عام ونصف العام .

    الأرقام تكذب وتتجمل

    وعلى الرغم من المفارقة التي تحملها الأرقام السابقة ، إلا أن هذا لا يبرر بأي حال محاولات قطر زحزحة السعودية عن مكانتها ، فالميزانية السعودية - بكل مشاكلها - تفوق ميزانية قطر بأكثر من عشر أضعاف ، وعدد سكان المملكة يفوق سكان قطر بعشرين ضعفا ، كما أن مكانة السعودية الدولية والإقليمية ، رغم ما يشوبها من تراجع أو ضعف ، ترسخت عبر عشرات السنين وبحقائق تاريخية وجغرافية راسخة .

    بقي أن العديد من مظاهر التطور القطري هي في حقيقتها خارجة عن سياق تطور المجتمع القطري ذاته ، فالحرية التي تتمتع بها الجزيرة تفوق عشرات المرات تلك المسموح بها لوسائل الإعلام القطرية الأخرى ، ولا داعي لإعادة ترديد مقولة أن ما يربط قطر بالجزيرة هو المكان والتمويل . فالجزيرة - بإجماع المراقبون - تتمتع بمساحة حرية تفوق بمسافة واسعة اقرب منافساتها من القنوات العربية الأخرى ، ولكنها ليست مستقلة بشكل كامل ، لان هذا الاستقلال الكامل غير معروف في قواميس الإعلام حتى الأمريكي والأوروبي منه ، ولعل الدليل على ذلك هو تجاهل الجزيرة لما تناقلته وسائل الإعلام البريطانية بشأن تورط الشيخ حمد بن جاسم في قضية رشوة بخمسة ملايين جنية تسلمها من إحدى الشركات البريطانية لتحصل على عقد بقيمة خمسمائة مليون بدولة قطر ، وفي النهاية اضطر الشيخ حمد لدفع خمسة ملايين كتعويض لإغلاق ملف الدعوى القضائية التي أقيمت ضده ، وفي مقابل ذلك فان القناة أفردت مساحات واسعة من خدماتها لتغطية خبر القبض على أميرة سعودية في قضية عادية بالولايات المتحدة .

    إن الطموح القطري من المؤكد انه أمر طبيعي ومشروع ، ويصب في المصلحة العربية بصفة عامة إذا ما احسن توظيفه ، ولكن محاولات التعملق ومناطحة الآخرين ليست هي الطريق الصحيح لإقامة كيان قوي ، فاستيراد رياضيين وإعطاؤهم الجنسية القطرية لن يجعل من الدوحة قلعة رياضة ، كما أن صنع توليفة إعلامية - متميزة ورائدة باعتراف حتى معارضي قناة الجزيرة - لا يعطي الدوحة الحق في الخروج عن سياق الأدوار التاريخية وحقائقها ، ومن المؤكد أن الأمة العربية في حاجة لبروز قوي إقليمية عربية جديدة ، ولكن هذا البروز لن يحدث بمزيد من التنازل عن ثوابت الأمة وقضاياها ، وإنما بالتأكيد على هذه الثوابت وتفعيلها .

    محيط http://www.moheet.com/newasp/country.asp?m=20
     

مشاركة هذه الصفحة