السبيل إلى انحصار البدع

الكاتب : رجل مسلم   المشاهدات : 443   الردود : 3    ‏2002-08-20
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-20
  1. رجل مسلم

    رجل مسلم عضو

    التسجيل :
    ‏2002-06-12
    المشاركات:
    139
    الإعجاب :
    0
    بسمك اللهم



    البدع مظهر نشاز في مجتمع المسلمين، وجرح غائر يستشري في أقطار كثيرة، ويـظـهـــر في صور ‏متعددة؛ وما يزال غلاّ كئيباً على عقول المسلمين بالتقليد والتعصب والجهل، وتشكل البدع ظلاماً على ‏الأبصار ، يحجب نور السنة وفرقان الاتباع ، وكل بدعة في ديـن الله ـ قديمة كانت أو حديثة ـ لها ما ‏يضادها في شرع الله ، مما سطر العلماء فيه جهوداً مكتوبة ومواقف مشهودة.فـتـكـونت لأهل السنة ‏والجماعة سبيل واضحة لمواجهة البدع وأهلها ، مما سيظل طريقاً واضحاً له أساليبه ، ومنهجه ، ‏وأهدافه ، وغايته.ولقد كــانت جهود العلماء ومواقفهم العظيمة زاداً كشف للأمة عمق هذا السبيل ‏ومتانته ، ويمكن تقسيم جهود العلماء في سبيل مقاومة البدع إلى الجهود التالية:‏


    أولاً: نشر العلم النافع وإحياء العمل بالسنة:‏

    نشر العلم والعمل به غاية ومقصد لذاته؛ وهو كذلك وسيلة لإزالة البدع ودحضها والقضاء ‏عليها.ولقد كــان هـمّـــــاً تحـمـله الأمة المسلمة ، وفي مقدمتها العلماء وطلاب العلم ، كلّ يحمله ‏بحسب منزلته وجـهــده وعـلـمه؛ وذلك لحفظ الدين وحمايته من النقص والزيادة ، ومن التحريف ‏والتعطيل ، لقول الرســـول:

    "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين ، ‏وانتحال المبطلين ، وتأولين الجاهلين"(صححه الإمام أحمد ، وابن عبد البر ، والعراقي ، والحافظ العلائي)

    وفي الشرع المطهر دلائل كثيرة على الحض على حفظ العلم ‏ونشر السنة ، ومن ذلك:

    قوله: "نضّر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلّغه كما سمعه ، فرب مُبَلّغ أوعى له من ‏سامع"

    ومن ثمرات هذا السبيل المبارك: القضاء على البدع ، وكسر شوكتها ، وتبديد ظلامها أمام ‏سلطان العلم ونور الدليل.

    وما نبتت للبدع نابتة إلا بقصور هذا الجانب ، وما كسفت شمس السنة في بلاد ‏إلا عمتها البدع ، وتمكنت فيه المحدثات ، وظهرت فيها المنكرات

    فعن عمرو بن العاص (رضي الله ‏عنه) قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من العباد ، ‏ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبْقِ عالـماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا ، فأفتوا ‏بغير علم؛ فضلوا وأضلوا".‏




    ثانياً: الوقاية من البدع:‏


    إن الوقاية من ظهور البدع من مقاصـــد الـشـــريعة؛

    ولقد جاء التحذير في كتاب الله وسنة رسوله ‏‏-صلى الله عليه وسلم- من البدع وأسبابها ، ويمكن تقسيم النصوص والآثار الواردة في هذا المجال إلى ما ‏يلي:

    1- التحذير من اتباع الأهواء ، كما في قوله (تعالى): ((وَلا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّـــهِ)) ‏‏[ص: 26] ، وقوله: ((وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ)) [المائدة: 48] ، وقوله: ((وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أََهْــــــوَاءََهُم مِّنْ بَعْدِ ‏مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ))[البقرة: 145] ، وقوله: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ ‏هَوَاهُ))[الجاثية: 23].



    2- التحذير من التقليد بغير علم.


    كما عاب الله (تعالى) على من قال: ((إنَّا ‏وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ)) [الزخرف: 22].وقال (سبحانه): ((وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ‏اتَّبِعُوا مَا أََنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أََلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أََوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)) ‏‏[البقرة: 170].

    وقد حذر الرسول من تقليد الأمم السابقة: "لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم.


    3- التحذير ‏من إحداث البدع في الدين ، لحديث عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قــــال: "من عمل ‏عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وفي رواية لها أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ‏رد".

    وعن جرير بن عبد الله أنه سمع الرسول يقول: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها ‏بعده كتبت عليه مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص من أوزارهم شيء".

    وعن أبي هريرة ، قال: ‏قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "من دعــــا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ، لا ‏ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".


    قال مالك: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ‏خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)) ، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً" ‏‏


    .4- التحذير من البدع وأهلها :


    لحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه ‏وسـلــــم- كان يقول في خطبته: "وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة" ، وفي رواية: ‏‏"وكــل محدثة بدعة"

    وفي حديث العرباض بن سارية: "كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ‏ضلالة"

    وفي قوله (تعالى): ((إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)) [الأنعام: ‏‏159] .

    قــال ابن عطية: "هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل ‏التـعـمــق في الجدال والخوض في الكلام ، هذه كلها عرضة للزلل ، ومظنة لسوء المعتقد"


    وفـي ‏قـولــه (تعالى): ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)) ‏‏[الأنـعـــــام: 153]

    قال الشاطبي: "والسبل هي أهل البدع ، ليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي ‏من حيث هي معاصٍ لم يضعها أحدٌ طريقاً تسلك دائماً على مضاهاة التشريع ، وإنما هذا الوصف خاص ‏بالبدع المحدثات"الاعتصام ، 1/76 ‏).


    وقال مجاهد في قوله: (ولا تتبعوا السبل): "السبل: البدع ‏والشبهات".

    وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: "أوصيك بترك ما أحدث المحدثون ، ‏وعليك بلزوم السنة؛ فإن الـــسنة إنما سنّها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق ‏والتعمق"

    ويقول ابــن القيم: "واشتد نكير السلف والأئمة للبدع ، وحذروا منها أشد التحذير؛ إذ ‏مضرة البدع وهـدمـهــــــا للدين ومنافاتها له أشد من عامة الفواحش والظلم والعدوان"مدارج السالكين ، 1/372‏

    قال البغوي: "وقد مضت ‏الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا ، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ‏ومهاجرتهـم"‏) شرح السنة ، 1/226.‏
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-08-20
  3. رجل مسلم

    رجل مسلم عضو

    التسجيل :
    ‏2002-06-12
    المشاركات:
    139
    الإعجاب :
    0
    ثالثاً: دوافع مواجهة البدع:‏


    ‏1- حراسة الدين وحفظه:

    يقول ابن تيمية:

    "فالمرصدون للعلم عليهم للأمة حفظ الدين ‏وتبليغه؛ فإذا لم يبلغوا الدين أو ضــيـعــوا حفظه كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين ، ولهذا قال الله ‏‏(تعالى): ((إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أََنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ ‏يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) إلاَّ الَذِينَ تَابُوا وَأََصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)) [البقرة: 159 ، 160]

    فإن ضرر ‏كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها؛ فلعنهم اللاعنون حتى البهائم" [الفتاوى].‏



    ‏2-أنه باب من أبواب الجهاد:


    عن أنس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله-صلى الله عليه ‏وسلم-: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفـسـكـــم وألسنتكم" رواه أحمد ، 3/124 ، وأبو داود ، ح/2504 ، والنسائي ، ح/3098 ، والحاكم ، 2/81 ، ‏وقال: على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وصححه ابن حبان ، ح/1618 ، والألباني في صحيح الجامع ‏، ح/3090.‏


    قال شيخ الإسلام: "فالراد على أهل ‏البدع مجاهد؛ حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد.. ، والنصح واجب ‏في المصالح الدينية الخــاصة والعامة.

    ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة ، أو ‏العبادات المـخـالــفة للكتاب والسنة ، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين ، ‏حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟

    فقال: ‏إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه ، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين ، هذا أفضل .


    ‏فبيّن: أن نفع هذا عام للمسلمين من جنس الجهاد في سبيل الله ، إذ تطهـيـــر سبيل الله ودينه ‏ومنهاجه وشرعته ودفعه بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك: واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ، ولولا من ‏يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين ، وكان فسادهم أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب.

    ‏فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فـيـهــــــا من الدين إلا تبعاً ، وأما أولئك فهم يفسدون ‏القلوب ابتداءً"‏



    ‏3- إقامة العدل:


    وذلك بإقــامـــة ميزان الاعتدال في الولاء والبراء بحق وعلم ، وذلك حين ‏تصرف المحبة ويعقد الولاء جـهــلاً لمن لا يستحقها ، وحين يحصل التعدي والجفاء ظلماً لمن لا يستحق ‏ذلك ، فالواجب هو التصدي لأهل المخالفات والبدع بالعلم والعدل ، ومحو ما ينشره أهل الظلم والجهل ‏من الولاء والبراء بغير علم ولا كتاب منير .

    قال شيخ الإسلام: "وصار كثير من أهل البدع يعتقــدون ‏اعتقاداً هو ضلال ، يرونه هو الحق ، ويرون كفر من خالفهم في ذلك، وإزاء هـــــــؤلاء المكفرين بالباطل ‏أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه ، ولا ينهون ‏عن البدع ، ولايذمون أهل البدع، ولايعاقبونهم ، ويقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء ‏في موضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع ، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة" ‏
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-08-20
  5. رجل مسلم

    رجل مسلم عضو

    التسجيل :
    ‏2002-06-12
    المشاركات:
    139
    الإعجاب :
    0
    مراتب مهمة في كشف البدع:‏



    ومن هنا كانت ضـــــرورة انتصاب طائفة للرد على أهل البدع ، وكشف حقيقتها ، وسبر رؤوسها ‏الداعين إليها ، وتحذير الأمة من شرورهم ، وذلك برصد الأحداث ، وتقديرها ، وتقويمهـا ، وتصورهـا ‏على وجـه الواقـع ، ثم القيام ـ حسب الوسع والطاقة ـ بالمراتب التالية:‏


    المرتبة الأولى: الرد على أهل البدع:


    وذلك بمراعاة المنهج القويم في الرد عليهم ، المتضمن ما ‏يلي:

    1- كشف تاريخ البدعة وأصل نشأتها وارتباطها بأصحابها الذين أحدثوها ، وأنه لا أصل لها في ‏دين الله.

    2- توثيق الرد بالاعتماد على كلام الخصوم في كتبهم ومقالاتهم ، وعدم الاكتفاء بالكتب التي ‏تروي أجزاءً من مقالاتهم؛ لأن هذا أبلغ في الحجة وأسلم في النقل


    .3- بيان تناقض المنهج الداعي إلى ‏البدعة مع نفسه ، وأن أهله ملزمون بالتناقض أو ترك البدعة.

    وفي موقف ابن عباس وجداله للخوارج ‏خير مثال على ذلك ، حيث قال لهم: أرأيتكم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ما ينقض قولكم ، ‏أترجعون؟

    قالوا: وما لنا لا نرجع .

    قال: أما أن علي (رضي الله عنه) حكّم الرجال في دين الله: فإن ‏الله قال ـ عن صيد المحرم ـ: ((يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ)) ، وقال في المرأة وزوجها: ((فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ ‏أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا)) ، فصير الله ذلك إلى حكم الرجال ، فنشدتكم الله: أتعلمون حكم الرجال في دماء ‏المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل أو في حكم أرنب ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة؟ ، قالوا: بلى هذا ‏أفضل .

    قال: أخرجتم من هذه؟ .

    قالوا: نعم.

    قال: فأما قولكم: قاتل ، ولم يَسْبِ ، ولم يغنم؛ ‏أَفَتَسْبُون أمكم عائشة؟!

    فإن قلتم: نسبيها ، فنستحل منها ما نستحل من غيرها: فقد كفرتم ، وإن ‏قلتم: ليست بأمنا: فقد كفرتم ، فأنتم تترددون بين ضلالتين

    أخرجتم من هذه؟

    قالوا: بلى.

    قال: ‏وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين ، فإن نبي الله-صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية قال: اكتب ‏يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال أبو سفيان وسهيل ابن ‏عمرو: ما نعلم أنك رسول الله ، قال رسول الله: اللهم تعلم أني رسولك ، امح يا علي ، واكتب: هذا ما ‏صالح عليه محمد بن عبد الله .

    قال ابن عباس: فرجع من الخوارج ألفان ، وبقي بقيتهم.‏



    ‏4- تحديد المخالفة ونقض الوصف القائم بالبدعة وذمه ، وتحرير موطن الانحراف والضلال.

    5- ‏الإنصاف والعدل مع أصحاب البدعة في ثلاثة مواطن:

    أ- بالتفريق بينهم وبين من هم أسوأ منهم في ‏الانحراف الابتداعي

    وفي هذا يقول ابن تيمية:

    "ومما ينبغي أن يعرف: أن الطوائف المنتسبة إلى ‏متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة ، ومنهم ‏من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة ، ومنهم من يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد ‏من السنة منه ، فيكون محموداً فيما رده من الباطل وما قاله من الحق ، لكن قد جاوز العدل في رده ‏بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل ، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها ، ورد باطلاً ‏بباطل أخف منه ، وهذا أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة ، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ‏ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين ، يوالون عليه ويعادون: كان من نوع الخطأ ، والله (سبحانه ‏وتعالى) يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك"


    .ب- التفريق بين أصحاب البدعة الواحدة ، فالداعين ‏إليها يختلفون عن غير الداعين من المقلدين والأتباع ، وكذلك من يوالون عليها ويعادون: فإنهم يختلفون ‏عن الذين يجعلونها بمنزلة الخلاف السائغ ، يقول ابن تيمية: "السلف يفرقون بين الداعية وغير ‏الداعية ، لأن الداعية أظهر المنكر فاستحق العقوبة ، بخلاف الكاتم: فإنه ليس شرّاً من المنافقين الذين ‏كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله ، مع علمه بحال كثير ‏منهم"

    ج- عدم معاملتهم بمثل ما يعاملون به أهل السنة والجماعة؛ فلا يرد ضلالهم بتكفير أهل ‏القبلة بتكفيرهم.. وهكذا ، وإنما يعاملون بما يستحقون.‏



    ‏6- تنزيل الأحكام على الأقوال والأفعال لا على الأشخاص ، إلا بعد يقين.

    قال شيخ الإسلام:

    ‏‏"إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى كفر وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه ‏الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة ، وفاسقاً أخرى ، وعاصياً أخرى ، إن ما نقل عن ‏السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو حق ، ولكن يجب التفريق بين الإطلاق ‏والتعيين"

    وقال: "وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين ـ وإن أخطأ ‏وغلط ـ حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك ، ‏بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة"

    7- فتح باب العودة للخصم واحتواؤه ، ومن ذلك: ‏الدعاء له بالهداية والرحمة.‏



    المرتبة الثانية: مناظرة رؤوس البدعة ومحاجتهم:‏


    قال ابن عبد البر: "قال بعض العلماء: كل مجادل عالم ، وليس كل عالم مجادل. يعني: أنه ‏ليس كل عالم يتأتى له الحجة ، ويحضره الجواب ، ويسرع إليه الفهم بمقطع الحجة ، ومن كانت هذه ‏خصاله فهو أرفع العلماء وأنفعهم مجالسة ومذاكرة"جامع بيان العلم وفضله ، ص 107. ‏

    قال المزني: "وحق المناظرة أن يراد بها الله (عز ‏وجل) ، وأن يقبل منها ما يتبين"جامع بيان العلم وفضله ، ص 107. ‏


    ويلزم المناظر ما يلي:1

    - المطالبة بالدليل؛ لقوله (تعالى): ((قُلْ ‏هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة: 111] ، وقوله (تعالى): ((لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ ‏حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)) [الأنفال: 42] ، وقوله (تعالى): ((إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا)) [يونس: 68].


    2- إحكام ‏النقض: كما قال إبراهيم (عليه السلام) للنمرود حين قال: ((أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إبْرَاهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي ‏بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَذِي كَفَرَ)) [البقرة: 258]

    ولما رأى ابن مسعود (رضي ‏الله عنه) جماعة يعدون تسبيحهم بالحصى ، قال لهم: "والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة ‏محمد ، أو مفتتحو باب ضلالة".


    3- الإقناع بالدليل ، وذلك يتطلب الأمور التالية:

    أ- صحة ‏الحجة.

    ب- صحة الدلالة.

    ج - ترتيب الأدلة.

    د- ترك التشهي


    .4- حسن الصياغة: وذلك بسلامة اللغة ‏، وسهولتها ، والاقتصاد في العبارة.‏





    المرتبة الثالثة: تعزيرهم وكسر شوكتهم:‏

    وذلك بمعاقبتهم بما يستحقون من العقوبات الشرعية ، من: هجرهم ، وترك توقيرهم ، ونزع ‏ولايتهم ، وحرمانهم من العطاء ، وطردهم ، وسجنهم ، وقتلهم .

    قال شيخ الإسلام: "من كفّر المسلمين ‏أو استحل دماءهم وأموالهم ، ببدعة ابتدعها ، ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله -صلى الله عليه ‏وسلم-: فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ـ ولو بالقتل أو القتال ـ؛ فإنه إذا عوقب المعتدون ‏من جميع الطوائف ، وأُكرم المتقون من جميع الطوائف: كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضي الله ‏ورسوله وتصلح أمر المسلمين" ، وذلك حين تكون لأهل السنة ولاية قائمة.‏



    المرتبة الرابعة: إزالة رسومهم:‏

    مثل تسوية الأضرحة ، ومنع كتبهم ، ومـنــع اجتماعهم على البدع.. ونحو ذلك ، أسوة برسول ‏الله -صلى الله عليه وسلم- ، حيث قـال علي (رضي الله عنه) لأبي الهياج: »ألا أبعثك على ما بعثني ‏عليه رسول الله؟: أن لا تـــدع صـــــــورة إلا طمـسـتها ولا قبراً إلا سويته«.وكما فعل عمر بن ‏الخطاب بقطع شجرة (بيعة الرضوان) لما رأى بوادر الغلو فيها قامت أو تكاد.‏


    المرتبة الخامسة: الثبات والصبر حال تسلط أهل البدع:‏


    ويذكر ابن تيمية (رحمه الله) صوراً من هـــذا التسلط في فتنة الجهمية ودعوتهم إلى القول بخلق ‏القرآن ، فيقول: "امتحنوا الإمام أحمد وسائر علماء وقته ، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم ‏على التجهّم بالـضـــــــرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادات وترك ‏تخليصهم من العدو "

    فالواجب ـ والحالة هذه ـ الصبر ، والثبات ، والتمسك بالدين ، والحذر أن ‏تزل قدم بعد ثبوتها ، والنظر إلى تسلط الأعداء على أنبياء الله ، وكيف كانت العاقبة للمؤمنين ، وكيف ‏أن التاريخ يحفظ للصابرين جميل فعلهم بحفظ الدين وتثبيت العامة على الدين.وأما متى يسوغ السكوت ‏عن البدع ، فذلك في مقامين:

    الأول: أن يكون في الرد مفسدة أعظم ، فليس كل راد مؤهلاً لذلك.

    قال ‏شيخ الإسلام: "وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كــان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب ‏الشبهة؛ فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل ، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قويّاً من ‏علوج الكفار"

    والثاني: أن يلحق الداعي بلاء فادح ، فهو مخير بين الأخذ بالعزيمة أو الأخذ ‏بالرخصة الموسعة للمستضعفين من الرجال والنساء.‏




    أسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى كل خير، والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وصحابته أجمعين.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-08-21
  7. محفوظ333

    محفوظ333 عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-02-25
    المشاركات:
    327
    الإعجاب :
    0
    مشاء الله تبارك الله
    كالعادة تميز في المواضيع والمشاركات والأسلوب
    هكذا أنت دائما أخي " رجل مسلم "
    وفقك الله
    وسدد خطاك
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة