قاصمة الظهر وواصمة الدهر! (مع كتاب "القرآن وكفى" لأحمد صبحى منصور)

الكاتب : يحي الجبر   المشاهدات : 523   الردود : 8    ‏2007-02-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-02-13
  1. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    بقلم: د. إبراهيم عوض

    الكتاب الذى نتناوله اليوم له قصة، وقصة مخزية لصاحبها، لكنه ككل مداور عريق يحاول أن يزيّن الفضيحة وأن يحوّلها إلى وسام شرف ونبل، بيد أن الله، الذى يأبى إلا أن يظهر الحق مهما طال ليل الباطل الحالك السواد، قد أوقع صاحبنا فى شر أعماله ففضح نفسه بنفسه. كيف؟ لقد روى لنا قصته مع القذافى عاملا بكل جهده أن يجعلها شهادة على تمتعه بالشرف والكرامة والحرية واستقلال الضمير وكراهية الاستبداد السياسى والفكرى، لكن كانت لله القوى القاهر مشيئة أخرى، ومشيئة الله فوق كل مشيئة. ولكن تعالَوْا أوّلاً نقرأ ما خطه قلمه. قال، فَضَّ الله فاه، وعرّاه وأخزاه: "ما أعرفه أن أحد المسلمين المستنيرين في ألمانيا كتب إلى"المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر" في ليبيا يقترح عليهم نشر مؤلفاتي ويعرّفهم بمعاركي مع السُّنّيّين ومقالاتي الأسبوعية في جريدة "الأحرار". وقتها كان القذاف يرفع لواء إنكار السنة، وكان خصومي في مصر يؤلفون مسبقا روايات عن علاقات بيننا. ولم يفكر أحدهم: إذا كان هذا صحيحا فلماذا أعانى الفقر في مصر؟ ولماذا لا أشد الرحال إلى إحدى الجامعات الليبية أنعم فيها بما كان ينعم به بعض زملائي وتلامذتي؟
    لا يعرفون أن المفكر الحر يستحيل أن يكون أجيرا لدى أي حاكم مستبد. قد تلجأ سلطة مستبدة لنشر كتاب لي مضطرة أو تشجع نشره إذا كان ذلك يحقق مصلحة وقتية لها ولا يستطيع أذنابها من الفقهاء الاجتهاد في تأليفه. حدث هذا في بعض كتبي التي تثبت التناقض بين الإسلام والتطرف. مثلا احتفلت السلطة المصرية بكتابي "حد الردة"، الذي كتبته في أعقاب اغتيال صديقي الدكتور فرج فودة، والذي يؤكد بأدلة قطعية أن عقوبة قتل المرتد تناقض الإسلام. فتم نشره مرات عديدة لأن الاتهام بالردة وجّهته الجماعات الإرهابية إلى رموز السلطة المصرية ولاحقتهم بمحاولات الاغتيال، لذا كان هجوم شيوخ الأزهر على هذا الكتاب معتدلا. بل أنهم سنة 2002 أفتوا أن المرتد لا يُقْتَل ولكن يُسْتَتاب فقط.
    نفس الحال مع الحكم القذاف في ليبيا الذي رأى أن بعض كتبي قد تشد أزر العقيد المهووس بالثقافة والفكر والإعلام. وفى كل الأحوال فان هذا التلاقي الاستثنائي محكوم عليه مقدما بأن يكون جملة اعتراضية استثنائية في العلاقة بين عقليتين متناقضتين: عقلية الاستبداد والاستعباد التي لا ترى في الكاتب المثقف إلا راقصا في مواكبها، وعقلية المفكر الحر الذي يسمو بنفسه عن حطام الدنيا ومواكبها لأنه يقرأ التاريخ ويتعقله ويرى كيف يخلد القلم المناضل وينتصر دائما على سيف الطغيان، لا يمكن للعقليتين أن يتفقا حتى أثناء تلك الجملة الاعتراضية.
    اتصل بي مسئول ليبي كبير واتفقنا على أؤلف لهم كتاب "القرآن وكفى مصدرا للتشريع". وفى أسبوعين بالضبط انتهيت من تأليفه وأعطيته لهم. يقول الصحفي الهام المليجى الذي تابع الموضوع معي بحكم صلاته بالقيادة الليبية وقتها أن القذاف قرأ الكتاب وأعجبه ووافق على نشره على أساس تغيير العنوان إلى "لماذا القرآن؟" وتغيير اسم المؤلف ليكون "د. عبد الله الخليفة". ووافقتُ طالما لن يغيروا شيئا في صلب ما كتبت، وكان مقررا طبع الكتاب في القاهرة ليوزع في مصر أولا. وفزعت إحدى المحجبات وكانت تعمل في المطبعة حين قرأت صفحة من الكتاب فأبلغت مباحث أمن الدولة، فتحفظوا على جميع نسخ الكتاب وأرسلوا نسخة منه إلى الأزهر "الشريف جدا" فقرر مصادرته في الحال، إذ أدركوا (كما قيل لي بعدها) أنني المؤلف الحقيقي للكتاب. وفعلا حملت عربة نقل كل نسخ الكتاب لتلقيه إلى أولى الأمر الليبيين على الحدود. تم نشر نسخ الكتاب في ليبيا ولكن قامت عليه حملة السنيين الليبيين أيضا، فوافق القذاف على مصادرته لأن موضة أو هوجة إنكار السنة بهتت لديه وأصبح مشغولا بلعبة أخرى. وانشغل الجميع عن بقية مستحقاتي المالية لديهم و ضاعت".
    هذا ما قاله صاحبنا، وهو كلام لا يدخل عقل أى طفل عنده ذرة من العقل والتفكير. والواقع أن الجهات العالمية إياها هى التى تخطط لأمثال هذا الكائن وتضع له الأوامر والنواهى التى لا يمكنه أن يخالف عنها مهما بدا الأمر وكأنه يتصرف من دماغه. ترى من ذلك المستنير الُمَتَأَلْمِن "أبو قلب رهيف" الذى يحب الثقافة كل هذا الحب فاتصل بالمسؤولين الليبيين من تلقاء نفسه على تنائى الديار وبُعْد المزار ولفت نظرهم إلى صاحبنا؟ بركاتك يا سيدى الألمانى! ولماذا تم الاتفاق بينه وبين الليبيين بتلك السرعة؟ وهل يليق بمفكر حر (أقصد كويتبا يريد أن يخدعنا ويوهمنا أنه مفكر حر) أن يضع يده فى يد من يقول هو نفسه عنه إنه مستبد ومتخلف عقليا وثقافيا كما وصف القذافى، ولا يكتفى بذلك بل يؤلف له كتابا بالمقاييس التى يحددها هو، وكأننا فى ورشة نجارة تصنع طلبيّة طَبَاِلى بالمواصفات التى يعيّنها العميل؟ وماذا يعنى ما قاله من أن الغايات بينه وبين مستبد متخلف جاهل مثل القذافى (حسب وصفه هو، وليس وصفى أنا) قد تلتقى فلا يستنكف المفكر الحر الكريم أن ينسى استبداد المستبد وتخلفه وجهله ويتعاون معه لقاء عَرَضٍ من الدنيا وصفه القرآن والرسول بأنه قليل حتى لو كان بالملايين أو بالمليارات؟ وانظر عزيزى القارئ إلى ما قاله صويحبنا عن المسؤولين المصريين الذين يقول هو أيضا بعظمة لسانه إنه كان يتعاون معهم رغم استبدادهم وتخلفهم، إلى أن انقلبوا عليه وبدأوا يضطهدونه، فانقلب هو بدوره عليهم وقال فيهم ما قاله مالك فى الخمر بعد أن كانت علاقته بهم سمنا وعسلا (ومرة أخرى: هذا كلامه هو، وليس كلامى أنا). والعجيب أنه يحاول أن يلبّسنا العِمّة فيزعم أنه كان يتضور جوعا، مع أنه فى ذلك الوقت كانت الصحف ودور النشر الحكومية المصرية تنشر له مقالاته وكتبه على نطاق واسع وتحتفى بها أيما احتفاء. وكل هذا طبعا ليس بلا مقابل، بَلْهَ الشهرة التى أتته تجرر أذيالها منقادة له كل الانقياد مع أنه لا يعدو أن يكون كويتبا من الدرجة الرابعة أو الخامسة أسلوبًا ولغةً وفكرًا كما سوف يتبين من هذه الدراسة رغم كل التنفجات والتهليلات التى يتحدث بها عن نفسه ورغم كل الطبول والزمور التى تصاحبه فى عزفه النشاز الحاقد على الإسلام!
    ويمضى الكويتب ("درجة رابعة أو خامسة"، لا أدرى بالضبط) فى كذبه وجرأته على قلب الحقائق وتزيين الباطل فيقول: "وها هو الكتاب الآن بين يديك عزيزي القارئ بعد 14 سنة من المصادرة يقدم لك حجة ناصعة لا يبقى معها عذر بالجهل. بعد قراءة هذا الكتاب ستتضح الحقائق وسيزول الجهل ويبقى اتخاذ القرار عن عمد وعن علم: إما بالتبرؤ من البخاري وغيره نصرة لله تعالى ورسوله الكريم، وإما بنصرة البخاري وأئمة الحديث في ظلمهم لله تعالى ورسوله الكريم. كل منا حر فيما يعتقد، وسيكون مسئولا أمام الله تعالى يوم القيامة عما اختاره لنفسه، وسيلقى الجزاء بالخلود في الجنة أو الخلود في الجحيم. إنها قضية خطيرة ومسئولية أخطر". والذى يقرأ هذا الكلام ولا يعرف شيئا عن صاحبه سيظن أنه أمام إنسان حَيِىِّ نَقِىٍّ تَقِىٍّ، وليس كائنا يلعب لعبة قذرة يحاول فيها أن يضرب الإسلام فى مقتل حسبما خطط له المخططون ونفخوا فى أنفه ونفثوا فى رُوعه أنه قادر على إنجاز هذه المهمة "القذرة"! إنه يريدنا أن نتبرأ من أحاديث الرسول الكريم ومن البخارى وغيره من العلماء الذين حفظوا لنا هذا الشطر الكبير من ديننا، ونسلِّم لأمريكا ونبصم لها بالعشرة على أعراضنا وكرامتنا وديننا وحاضرنا ومستقبلنا وثرواتنا. يقول كل هذا فى براءة الشياطين ونعومة ملمس كلامهم، *** الله كل شيطان مارد، وسلَّط الله عليهم من يقذفهم بالشهب الراصدة المحرقة من كل جانب، فيتهاوَوْن فى الفضاء دُحُورًا ولهم عذابٌ واصب! على أننى حين أقول هذا لا أدعى للبخارى عصمة، وكل ما أقوله أنه عالم عظيم توفَّر على الجانب الذى تخصص فيه وبذل فيه جهودا كريمة عبقرية، لكنه قبل ذلك كله وبعد ذلك كله بشر يخطئ ويصيب، والأحاديث التى جمعها هو وأمثاله ليست قرآنا على عكس ما يَعْزُو كويتبنا كذبًا إلى من يدافعون عن سنة النبى عليه الصلاة والسلام من القول بذلك. هذا كل ما هناك حتى نقطع الطريق على كل بكاش يلعب بالبيضة والحجر ويتباكى على التوحيد، والتوحيد منه براء!
    أما تعلّل صويحبنا بأنه لا يريد أن يكون هناك قرآن للمسلم غير القرآن الذى بين أيدينا، واستشهادُه على ذلك ببعض الآيات الكريمات التى لا صلة بينها وبين ما يقول، فهو تعلل فى غير محله تماما، وكلمة حق براد بها باطل، إذ ما من مسلم يقول إن هناك قرآنا آخر غير القرآن الذى نعرفه، أما كتب الأحاديث فقد عمل أصحابها بكل ما لديهم من اهتمام وتدقيق على أن يجمعوا كلام رسول الله المتعلق بالدين والأخلاق والذوق السليم والتصرف الكريم وتنظيم المجتمع والأحكام الشرعية...وما إلى ذاك. ولا يعنى هذا أن كل ما فيه من روايات معصوم من الخطإ، بَيْدَ أن إمكانية تسرب الخطإ إلى كتابٍ ما لا يعنى أبدا، ولا ينبغى أن يعنى، أن ننبذه ونلقى به وراءنا ظِهْرِيًّا، فما بالنا لو كان هذا الكتاب يضم أحاديث وتصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يساعدنا على فهم القرآن وتمثُّل الطريقة التى ينبغى أن نطبقه بها على أرض الواقع ونستخلص منه الأحكام فيما يستجد من أمور حياتنا؟ هذا هو مربط الفرس، وما عداه إنما هو تضييع وقت، وترديد مزاعمَ ودعاوَى لا تساوى ثمن الحبر الذى سُجِّلَت به! وعلى هذا فحين نقرأ لأحمد صبحى منصور كلاما مثل قوله: "القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد للمسلم: لا إله إلا الله، ولا كتاب للمسلم إلا القرآن كتاب الله. يقول الله تعالى في ذاته العلية: "مالهم من دونه من ولىٍّ ولا يشرك في حكمه أحدا* واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته، ولن تجد من دونه ملتحدا" (الكهف/ 26- 27)، فالله وحده هو الولي الذي لا يشرك في حكمه أحدا، والقرآن هو وحده الكتاب الذي أُوحِىَ للنبي ولا مبدل لكلماته ولن يجد النبي غير القرآن كتاباً يلجأ إليه. والنبي لا يلجأ إلا لله تعالى رباًّ وإلهاً: "قل إني لن يجيرني من الله أحداً ولن أجد من دونه ملتحدا" (الجن/ 22). والنبي أيضاً ليس لديه إلا القرآن ملتحداً وملجأ: "واتل ما أُوحِىَ إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا". هذا بالنسبة للنبي عليه السلام، فكيف بنا نحن؟"، حين نقرأ لأحمد صبحى منصور كلاما مثل هذا فإننا نعرف عندئذ أنه يخلط الأوراق عمدا كيلا يستطيع القراء أن يلحظوا ألاعيب يده على ترابيزة الثلاث ورقات. ذلك أنه يتهم المسلمين بما لا يقوله أو يعتقده أى منهم، إذ مَنْ مِنَ المسلمين يخلط بين القرآن الكريم وكتب الحديث النبوى الكريم ويقول عن السنة النبوية إنها قرآن آخر؟ وإذا كان هو نفسه يقول إنهم يَعُدّون سنة رسول الله "المصدر الثانى" للتشريع، أى أنها لا تسامِت عندهم القرآن ولا يمكن أن تسامته، فهل هناك دليل بعد هذا على صدق ما نقول؟ أما الآيات التى يحاول أن يلويها كى يخدع القارئ بأنها نزلت فى علماء الحديث فليست إلا ردًّا على المشركين، الذين كانوا يضيقون صدرا بالقرآن وما يدعو إليه من توحيد وتنوير وما يعمل على غرسه من قيم نبيلة بدلاً مما كان عندهم من عادات وتقاليد غير إنسانية كما بينتُ فى دراسة سابقة، فلماذا نتلاعب بالنصوص القرآنية لخدمة الأهواء المنحرفة والأغراض الخطيرة الدنسة؟
    ومن ثم فكل ما سيقرؤه القراء معى الآن هو كلام ليس له أى محل من الإعراب ولا المنطق ولا العقل، فالآيات الكريمة التى يسوقها كويتبنا ضمن هذا الكلام هى آياتٌ انتُزِعَتْ من إطارها ووُضِعَتْ داخل إطار لا علاقة لها به، رغبةً من كويتبنا فى التشويش على العقول والتلبيس على أصحابها. بيد أن لعبته لا تجوز على من لهم فى رؤوسهم عقول يفكرون بها. يقول: "ويلفت النظر أن الله تعالى وصف ذاته العلية بأنه الحق، ووصف إنزال القرآن بأنه أنزله بالحق، ووصف القرآن نفسه بأنه الحق. عن وصف الله تعالى بالحق يقول الحق تعالى: "فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟" (يونس/ 32)، "ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل" (لقمان/ 30). وعن إنزال القرآن بالحق يقول تعالى: "وبالحق أنزلناه، وبالحق نزل" (الإسراء/ 105). وعن وصف القرآن بأنه الحق يقول تعالى: "والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق" (فاطر/ 31)، "إن هذا لهو القصص الحق" (آل عمران/ 62). بل إن الله تعالى يصف الحق القرآني بأنه الحق اليقيني المطلق. يقول تعالى: "إن هذا لهو حق اليقين" (الواقعة/ 95)، "وإنه لحق اليقين" (الحاقة/ 51)، وجاءت الصيغة بالتأكيد. فإذا كان الله قد أكرمنا بالحق اليقيني فكيف نأخذ معه أقاويل ظنية مع أنه لا مجال في الدين الحق للظن؟"، ويقول: "وصَف الله تعالى القرآن بأنه حديث، وتحدَّى المشركين أن يأتوا بحديث مثله فقال: تعالى: "أم يقولون: تَقَوَّله؟ بل لا يؤمنون* فلْيأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صادقين" (الطور/ 33- 34). ووصَف القرآنَ بأنه أحسن الحديث: "الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابها مثانىَ تقشعر منه جلود الذين يخشَوْن ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. ذلك هدى الله يهدى به من يشاء" (الزمر/ 23). فإذا أكرمنا الله تعالى بأحسن الحديث فكيف نتركه إلى غيره؟ وأوضح رب العزة أن الصدق كله في حديث الله تعالى في القرآن: "ومن أصدق من الله حديثا؟" (النساء 87). وتوعد الله تعالى من يكذِّب بحديثه في القرآن: "فذرْنى ومن يكذّب بهذا الحديث. سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" (القلم/ 44). وأكد رب العزة أن الإيمان لا يكون إلا بحديثه تعالى في القرآن الكريم فقال في آخر سورة المرسلات: "فبأي حديث بعده يؤمنون؟" (المرسلات/ 50). وتكرر نفس المعنى في قوله تعالى: "أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم؟ فبأي حديث بعده يؤمنون؟" (الأعراف/ 185)، وهى دعوة لنا لنتفكر قبل أن يأتي الأجل المحتوم. بل إن الله تعالى يجعل من الإيمان بحديث القرآن وحده مقترناً بالإيمان به تعالى وحده، فكما لا إيمان إلا بحديث القرآن وحده فكذلك لا إيمان إلا بالله وحده إلهاً. وكما أن المؤمن يكتفي بالله وحده إلهاً فهو أيضاً يكتفي بحديث القرآن وحده حديثاً. وجاءت تلك المعاني في قوله تعالى: "تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟* ويلٌ لكل أفاك أثيم* يسمع آيات الله تُتْلَى عليه ثم يصرّ مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا، فبشره بعذاب أليم" (الجاثية/ 6- 8). وذلك الذي يُعْرِض عن آيات الله شأنه أنه يتمسك بأحاديث أخرى غير القرآن سماها القرآن: "لهو الحديث". يقول تعالى: "ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا. أولئك لهم عذاب مهين* وإذا تُتْلَى عليه آياتنا وَلَّى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا. فبشره بعذاب أليم" (لقمان/ 6- 7)". ترى كيف يظن كويتبنا أنه يستطيع بهذا المنطق المتهافت إقناعنا أن علماء الحديث هم ككفار قريش: يريدون اطِّراح القرآن والاستعاضة عنه بأقاصيص رستم وإسفنديار وعادات الجاهلية وتقاليدها وعقائدها وخرافاتها وتشريعاتها؟
    وهو يحاجّنا بقوله تعالى شأنه: "ما فرَّطنا في الكتاب من شيء" (الأنعام/ 38)، وقوله سبحانه: "ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء" (النحل/ 89)، متصورا أنه يمكنه الاستدلال به على وجوب استغناء المسلم بالقرآن عن كل شىء آخر. والحق أنه لو كان صادقا فى هذا الذى يقول لكان أولى به أن يمزق كتبه ومقالاته وأن يريحنا من الصداع الذى يرهقنا به على الدوام. أليس القرآن قد ذكر كل شىء، وبيّن كل شىء، ولم يفرط فى أى شىء كما يفهم العامى مثل هذه الآيات؟ ومنه هذا السؤال الذى كنا نسمعه فى صبانا من بعض من حولنا: إذا كان القرآن فيه تبيان كل شىء، فكيف لم يذكر عدد الأرغفة التى تنتجها أفران مصر على سبيل المثال؟ إننا لا نشاحّ أن القرآن قد بيّن كل شىء ولم يفرِّط فى ذكر أى شىء، ولكن بمعنى غير المعنى الذى لا يستطيع ذهن صويحبنا الكليل أن يفهم سواه. إنه إذا كان قد فصّل لنا القول فى ميدان العقائد حسب حاجتنا إلى ذلك، فإنه كثيرا ما يكتفى برسم الخطوط العامة فى ميدان السياسة والاجتماع والاقتصاد مثلا ثم يتركنا نستخلص منها ما نعالج به مشاكلنا التى تتجدد مع الأيام. وقد كان الرسول هو أول من قام بتطبيق مبادئ القرآن واستخراج الأحكام التفصيلية من مبادئه وتشريعاته العامة وتطبيقها على الوقائع التى تستجد كل يوم، فكيف يُطْلَب منا أن نهمل ما تركه لنا الرسول الكريم على اعتبار أنه يتناقض مع إيماننا بالقرآن، وفى ذات الوقت نأخذ بكلام كل من هبّ ودبّ ممن لا يحسن الفهم ولا الكتابة السليمة؟ عجبتُ لك يا زمن! أما قوله إن "النبي يوم القيامة سيعلن براءته من أولئك الذين تركوا كتاب الله وهجروه جرياً وراء مصادر أخرى ومعتقدات ما أنزل الله بها من سلطان. يقول تعالى: "وقال: الرسول: يا رب، إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا* وكذلك جعلنا لكل نبي عدواًّ من المجرمين، وكفى بربك هادياً ونصيرا" (الفرقان/ 30- 31)" فهو تكرير للاتهامات الظالمة التى لا يَكِلّ ولا يَمَلّ من توجيهها لعلماء الحديث خاصة، والمسلمين عامة، إذ لا يوجد مسلم يستعيض بكتب الحديث عن كتاب الله، بل كل ما هناك أنها تساعدنا على فهم القرآن وتطبيق مبادئه وتشريعاته على أحسن وجه ممكن، بدلا من الانفلات فى أجواز الفضاء دون ضابط ولا رابط كما يفعل أحمد صبحى منصور ورشاد خليفة ومن يلف لفَّهما. كذلك هل يمكن أن يعلن النبى براءته ممن يشهد له صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة ويقف مع من يكفِّر الذى يقول: "أشهد ألا إله إلا اله، وأن محمدا رسول الله"؟ وإذا كانت الشهادة لمحمد بالنبوة والرسالة كفرا وشركا وإثما، فما هى الشهادة يا ترى التى تُرْضِى اللهَ ورسولَه؟
    وعن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصرفاته يقول كويتبنا: "كان عليه السلام "خُلُقه القرآن"، وحقيق به حينئذ أن يكون على خلق عظيم: "وإنك لعلى خلق عظيم" (القلم/ 4)، والخُلُق في المفهوم القرآني هو الدين. وهل هناك أعظم من دين الله؟ وخارج نطاق الرسالة كانت للنبي أقوال وتصرفات في حدود بشريته وتعاملاته الخاصة والعامة ومسئولياته وعلاقاته، فهل هذه الأقوال والأفعال تعتبر جزءاً من الدين؟... محمد عليه السلام في حياته خارج الوحي كان حاكماً وقائداً عسكرياًّ وزوجاً وصديقاً لأصحابه وجاراً في المسكن، وكان مثلاً أعلى في ذلك كله، وكان فصيح اللسان، وقد نجح في إبلاغ الدعوة وتكوين الأمة وإقامة الدولة، وقد واجه في حياته مشاكل سياسية وشخصية، وقد تغلب عليها ونجح في النهاية بمهارته ولباقته وكياسته، وبالطبع انعكس عليه أحياناً ضعف الإنسان في داخله أو من المحيطين به، وأقوالُه وأفعالُه خارج الوحي القرآني كانت تعكس ذلك. والقرآن ذكر أقوالاً للنبي، وامتدحه في بعضها، وعاتبه في بعضها الآخر. ونعطى أمثلة:
    في غزوة بدر خرج المسلمون بعدد قليل ليواجهوا قافلة ففوجئوا بقدوم جيش ضخم يفوقهم عدداً وعدة، وكره المسلمين دخول الحرب خوفاً، والقرآن يصور ذلك الموقف فيقول: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون* يجادلونك في الحق بعد ما تبيّن كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون" (الأنفال/ 5- 6). وفى هذا الموقف انبرى القائد نبي الله يشجع أصحابه، وسجل الله له هذا "القول" وذكر مقالته في هذا الشأن في معرض المدح: "إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟" (آل عمران/ 124”). قال لهم النبي في ذلك الموقف: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ إذن هذا حديث للنبي القائد في معركة بدر ذكره القرآن في معرض المدح. وفى غزوات ذات العسرة (انظر أيها القارئ إلى هذا الكلام الركيك والفكر المشوش! بالله عليك ما معنى "غزوات ذات العسرة"؟) تثاقل المنافقون عن الخروج، بينما جاء بعض فقراء المسلمين يريدون الخروج، ولكن ليس معهم راحلة ولا مئونة، فاعتذر لهم النبي قائلاً:"لا أجد ما أحملكم عليه". ونزل القرآن يروى الحادثة: "ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله. ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم* ولا على الذين إذا ما أتَوْك لتحملهم قلتَ: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألاّ يجدوا ما ينفقون" (التوبة/ 91- 92). قال لهم النبي في ذلك الموقف: "لا أجد ما أحملكم عليه"، فهذا حديث مرتبط بظروفه المكانية والزمانية شأن ما سبق في غزوة بدر. وفى قضية زواج زيد وتطليقه زوجته التي أصبحت زوجة للنبي عليه السلام يقول تعالى: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أَمْسِكْ عليك زوجك واتق الله، وتخفى في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس، والله أحق أن تخشاه" (الأحزاب/ 37). أمر الله تعالى النبي أن يجعل زيداً يطلق زوجته ثم يتزوجها النبي فيما بعد لكي يقضى النبي عملياًّ على عادة الجاهلية في اعتبار زوجة الابن بالتبني وطليقته مثل زوجة الابن الحقيقي، وحتى لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا. وكان ينبغي على النبي أن "يقول" لزيد: "طَلِّقْ زوجتك"، ولكنه تحرج وقال العكس تماماً فنزل القرآن يؤنب النبي ويحكى القول الذي قاله واستحق بسببه التأنيب من ربه: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أَمْسِكْ عليك زوجك واتق الله...". إذن هنا حديث للنبي هو "أَمْسِكْ عليك زوجك واتق الله" قاله النبي لزيد بن حارثة، وذلك الحديث أيضاً مرتبط بظروفه الزمانية والمكانية، ولكنه حين قاله النبي لم يحالفه التوفيق فيه. والمراد أنه كان للنبي في تحركاته وعلاقاته المتعددة أقوال وأحاديث، وهذه الأحاديث كانت مرتبطة بظروفها الزمانية والمكانية التي قيلت فيها والتي يستحيل أن تتكرر في أي عصر لاحق بنفس الأحداث والأشخاص والظروف، لأنه تاريخ مضى وانتهى بانتهاء أبطاله وموتهم ولم يبق منه إلا العبرة والعظة. وسيرة النبي فيها الكثير من الأحداث والأقوال المنسوبة للنبي في الفترة المكية وفى الفترة المدنية، وهى تاريخ يجوز عليه الصدق والكذب، وليس داخلاً في دين الله تعالى بأي حال. أما ما أورده القرآن من قَصَصٍ يخصّ النبي محمد فهو القصص الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والإيمان بهذا القصص يدخل في إطار الإيمان بالقرآن: إن أقوال "النبي" خارج الوحي القرآني والتي أوردها القرآن هي قصص للعبرة نؤمن بها ضمن إيماننا بكل حرف نزل في القرآن. وأقوال "النبي" خارج الوحي القرآني والتي كتبها الرواة في السيرة بعد وفاة النبي هي تاريخ فيه الحق والباطل والصحيح والزائف، وليست جزءاً من الدين على الإطلاق".
    وأنا معه فيما ورد فى العبارة السابقة من أن النبى عليه السلام "في حياته خارج الوحي كان حاكماً وقائداً عسكرياًّ وزوجاً وصديقاً لأصحابه وجاراً في المسكن، وكان مثلاً أعلى في ذلك كله، وكان فصيح اللسان، وقد نجح في إبلاغ الدعوة وتكوين الأمة وإقامة الدولة، وقد واجه في حياته مشاكل سياسية وشخصية، وقد تغلب عليها ونجح في النهاية بمهارته ولباقته وكياسته، وبالطبع انعكس عليه أحياناً ضعف الإنسان في داخله أو من المحيطين به، وأقواله وأفعاله خارج الوحي القرآني كانت تعكس ذلك. والقرآن ذكر أقوالاً للنبي وامتدحه في بعضها وعاتبه في بعضها الآخر"، ولكنى أتساءل: إذا كان النبى هو المثال الأعلى فى الخلق والسلوك والعقل والفصاحة والدعوة والتخطيط والقيادة العسكرية والزعامة السياسية، فكيف تواتى المسلمَ الحقَّ نفسُه على إهمال ذلك التراث النبوى العظيم والبدء كل مرة من جديد دون محاولة الاستفادة من هذا التراث الذى يقول فيه كويتبنا قصائد وَلْهَى ليستدير فيفاجئنا بأن علينا نبذه تماما، وإلا كنا مشركين كافرين؟ ثم إذا كان الوحى قد عاتبه عليه السلام فيما لم يوافقه عليه، وفى ذات الوقت لم يعترض على شىء مما وصلنا من أحاديثه وتصرفاته الشريفة الأخرى، أفلا يحق لنا أن نفهم أن هذه الأحاديث والتصرفات تحظى من القرآن بالرضى والقبول؟ ألا يرى القارئ أن الكويتب يتخبط تخبطا عنيفا ولا يستطيع أن يهتدى إلى الخروج من المأزق الذى أوقع نفسه فيه سبيلا؟ والكاتب ("الكاتب" هذه المرة بالتكبير لا بالتصغير، من نفسه) يقول إن ما وصلنا من روايات أحاديث رسول الله فيه الصواب والخطأ، وتعليقنا عليه هو أن علماء الحديث، كما هو معروف، لم يقبلوا كل ما وصلهم من كلام أو فعل منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو دليل على أنهم قد بذلوا جهودا جبارة فى تمحيص سنته الكريمة، وإن كنا لا نستطيع الزعم بأن هذه الجهود العبقرية لا يخرّ منها الماء: فهناك أحاديث منسوبة للنبى أخذها عليهم نقّادٌ آخرون، وهناك أحاديث أخرى لا يطمئن إليها القلب، بل منها ما لا يقتنع به العقل، لكن ذلك قليل بوجه عام، أما صويحبنا فقد غالى فى الرفض مغالاة رهيبة ودعا إلى اطّراح الأحاديث النبوية جملة وتفصيلا. وهذا هو مفترق الطريق بيننا وبينه: فهو إلى سكّة الندامة (سكّة الذى يروح فلا يرجع: غالبا)، أما نحن فنرجو من الله أن تكون سكتنا سكة السلامة! ولا ينبغى أن ننسى ما أمرنا به القرآن الكريم وما يذكّرنا كويتبنا به من اتخاذ رسول الله أسوة حسنة، إذ كيف يكون صلى الله عليه وسلم أسوة لنا ثم ننبذ ما كان يقوله ويفعله؟ ففى أى شىء إذن هو لنا أسوة؟ إن هذه لمعضلة مضحكة! أما الطنطنة التافهة فى كلامه التالى فلا تستحق غير الازدراء والاحتقار. قال: "وبعد هذا التوضيح (يقصد القول بأنه ليس هناك شىء اسمه السنة النبوية، بل القرآن فقط) سيستمر التساؤل: أليست للرسول سنة؟ ويستدرك السائل حين يتذكر عنوان البحث: "سنة الرسول هي القرآن فقط" فيحوّر السؤال: "أليست للرسول سنة خارج القرآن؟". والإجابة في القرآن. يقول تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" (الأحزاب/ 21. ولاحظ أيها القارئ كيف أن هذا العبقرى (الذى يستنكف أن يتطاول إليه جاهل مثلى ويرى أن بطن الأرض حينئذ خير له من ظهرها! يا حرام! ولماذا كل هذه الأذية؟ إن شا الله عَدُوّوك!) يخطئ فى أوليات الإملاء فيكتب "يرجوا" بالألف مع أن الواو هنا ليست واو جماعة. وقد تكرر ذلك منه باطراد تقريبا)، فلم يقل الله تعالى: "قد كان لكم في رسول الله سنة حسنة"، وإنما قال: أسوة حسنة". والله ثم والله إنى لا أستطيع أن أرى فى هذا إلا شغل بهلوانات، وأستغرب أن يكون كاتبه مدرِّسا سابقا فى الجامعة الأزهرية!
    لقد كنت متعاطفا مع هذا الرجل حين سمعت به أول مرة فى منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، إذ كان أحد طلابه بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالدرّاسة (وهو جار لنا فى القرية) فى زيارة لى فى القاهرة فشرّق بنا الكلام وغرّب، وكان من بين ما أخبرنى به أن هناك دكتورا (فى قسم التاريخ فيما أذكر) اسمه كذا واقعًا مع المسؤولين فى الجامعة فى بعض المشاكل، وفهمت منه أن السبب هو حملة الدكتور على من يُسَمَّوْن بــ"الأولياء" وكراماتهم، وأطلعنى فى حينها على مذكِّرتين دراسيتين للدكتور المذكور قلّبتهما سريعا ونحن جالسان، وكان تعليقى أننى لا أستطيع أن أجد فيما سمعتُه ولا فيما فَرَرْتُه من صفحات المذكِّرتين ما يمكن أن يؤاخَذ عليه أستاذه. ثم مرت الأيام لتطلعنى من أمر الرجل على أشياء لا تُطَمْئِنُ ولا تَسُرّ حتى رأيته منذ سنواتٍ تسعٍ تقريبا فى ندوة بجريدة "آفاق عربية" كنا نناقش فيها أنا ود. جابر قميحة ود. يحيى إسماعيل كتابا للأستاذ جمال البنا يدعو فيه إلى تجديد الفقه أو شىء من هذا القبيل حيث فوجئنا بمجموعة من الناس تقتحم علينا الندوة اقتحاما لفت أنظار الجميع وأثار استياءهم، وفهمت من بعض الحاضرين أن هذا د. أحمد صبحى منصور، وهذا فلان، وهذا فلان، وهذا فلان ممن لا أذكر الآن أسماءهم. ثم أبدى د. منصور رغبته فى الكلام على الفور، وبسرعة شرع يتكلم فيما لم يكن له بموضوع الندوة أية صلة (ولعله تكلم عن إنكار السنة الشريفة، وأرجو ألا تكون الذاكرة قد عبثت بى لطول المدة)، واعدًا الحاضرين أن يوجز الكلام وأن يعطيهم فى النهاية فرصة لمناقشة ما يقول. إلا أن الوقت أخذ يمضى وهو منطلق لا يلوى على شىء أو على أحد، ولا يبالى بما نبهه إليه مدير الندوة الأستاذ مجدى عبد اللطيف من وجوب الاختصار حتى يعطى الآخرين الفرصة لقول ما عندهم. وفى النهاية فوجئنا به، وقد انتهى مما أراد الخوض فيه، يترك الندوة هو ومن معه جماعةً كما دخلوها جماعةً، لاحسًا بذلك وعده أن يعطى الحضور الفرصة لمناقشة ما قال. وقد كان من رأيى أن يتركوه ينصرف على راحته ولا يلحّوا عليه بالبقاء ما دام لا يريد. ولم يكن منظره تلك الليلة مما يبعث على الارتياح بنظراته القاسية وملامحه الغليظة. وقد كانت هذه المناسبة وما ظهر فيها من عدم التزامه بآداب الدخول والكلام والانصراف عاملا هاما فى بَلْوَرَة رأيى فيه! وها هو ذا الرجل قد زَجّ بنفسه فى مآزق أحسب أنها ستجر عليه من الوبال والخسران أشد مما جرته عليه حتى الآن، ولسوف يندم يوم لا ينفع الندم حين يمثل أمام الله الديان وليس له من أمريكا عَوْن ولا ناصر، بل لن يكون لأمريكا نفسها عون ولا ناصر. لا أظن الرجل إلا يعرف ما هو مرتكس فيه من باطل وخطيئة، إلا أن النفق الذى دخله لا يسمح له بالرجوع، والتيار الذى يأتى من ورائه يكسحه كسحا إلى الأمام حيث تقبع الهاوية فى آخر النفق فاغرةً فاها لتبتلع من تسوقه الأقدار إليها ابتلاعا! استر علينا يا رب! ومع ذلك، ورغم تصدِّىّ لسخافاته وانحرافاته وضلالاته بكل ما أوتيت من قوة، فإنى والله أتمنى له أن يُفيق ويرجع لما فارقه من الانتماء إلى الإسلام والمسلمين. وما ذلك على الله بعزيز، فهو سبحانه وتعالى لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء. وفى ظن العبد لله أن أمريكا نفسها والغرب كله قد ينقلبون مسلمين فى يوم من الأيام نرجو ألا يكون بعيدا جدا، وقد ننقلب نحن بخيبتنا الثقيلة على الإسلام، وتصبح المعادلة أكثر تعقيدا!
    على أننى قبل أن أدخل فى مناقشة ما قال صويحبنا أودّ أن أنبه إلى ثغرة منهجية قاتلة فى كلامه، فهو يهاجم المحدّثين والأحاديث التى يروونها هجوما شديدا لا يُبْقِى ولا يَذَر، لكنه مع ذلك يعتمد عليهم ويصدّق رواياتهم تمام التصديق ويصبح ما يقولونه شهدًا مصفًّى كلما ظن أنه يستطيع توظيفه فى الهجوم عليهم. ومن ذلك قوله: "ويؤكد أن النبى نهى عن كتابة غير القرآن أن الخلفاء الراشدين بعده ساروا على طريقه فنهوا عن كتابة الأحاديث وعن روايتها: فأبو بكر الصدّيق جمع الناس بعد وفاة النبى فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه"، وهذا ما يرويه الذهبى فى تذكرة الحفاظ. ويروى ابن عبد البر والبيهقى أن عُمَر الفاروق قال: "إنى كنت أريد أن أكتب السنن، وإنى ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله. وإنى والله لا أشوب كتاب الله بشىء أبداً. ورواية البيهقى: "لا ألبس كتاب الله بشىء أبداً". وروى ابن عساكر قال: ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق، فقال: ما هذه الأحاديث التى أفشيتم عن رسول الله فى الآفاق؟ أقيموا عندى. لا والله لا تفارقونى ما عشت. فما فارقوه حتى مات". ومنه كذلك قوله: "وعلماء الحديث يتفقون على صحة حديث "من كذب على فليتبوأ مقعده من النار"، وبعضهم يضيف إليه كلمة "متعمداً": "من كذب علىّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار". وهم يجعلون هذا الحديث من المتواتر، وعدد الحديث المتواتر لا يصل إلى بضعة أحاديث عند أكثر المتفائلين، والمهم أنهم بإقرارهم بصحة هذا الحديث إنما يثبتون أن الكذب على النبى بدأ فى حياة النبى نفسه، وإلا ما قال النبى هذا الحديث يحذّر من الكذب عليه". ومنه أيضا قوله: "وأكثر أبو هريرة من الحديث بعد وفاة عمر، إذ أصبح لا يخشى أحداً. وكان أبو هريرة يقول: إنى أحدثكم بأحاديث لو حدّثتُ بها زمن عمر لضربنى بالدِّرّة (وفى رواية: "لَشَجَّ رأسى"). ويروى الزهرى أن أبا هريرة كان يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: "قال رسول الله" حتى قُبِض عمر. ثم يقول أبو هريرة: أفكنتُ محدِّثكم بهذه الأحاديث، وعُمَر حَىّ؟ أما والله إذن لأيقنت أن المخفقة (العصا) ستباشر ظهرى، فإن عمر كان يقول: اشتغلوا بالقرآن، فإن القرآن كلام الله".
    وكويتبنا فى تفسيره للقرآن لا يستطيع أن يقول شيئا ذا بال دون الاستعانة بالحديث. ولنأخذ مثلا ما قاله فى أخلاق النبى عليه السلام إذ وصفه المولى سبحانه بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم"، فقد أضاف كويتبنا أنه صلى الله عليه وسلم "كان خلقه القرآن"، وهذا الكلام لم يرد فى القرآن، بل هو من كلام عائشة رضى الله عنها، وقد أوردته لنا الأحاديث النبوية، وكرره كويتبنا مرتين فى كتابه التافه الذى يريد أن يقلب به الإسلام رأسًا على عقب. ومنه أيضا ما كتبه بشأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة، إذ يقول: "والنبي كان عليه أن ينفذ سُنّة الله، أيْ شرع الله وأوامره، حتى لو كان فيها حرج. وقد نزلت آية: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له. سُنّةَ الله في الذين خَلَوْا من قبل، وكان أمر الله قدراً مقدورا" في موضوع زيد بن حارثة وزواجه وطلاقه من زوجته...". والسؤال هو: كيف عرف منصور أن الكلام فى الآية عن زينب، وأن زيدا هو زيد بن حارثة، وليس زيدا آخر؟ ذلك أن الآية لم تذكر إلا اسم "زيد" وحده دون اسم أبيه، وكذلك دون اسم زوجته التى أصبحت طليقته. الواقع أن ليس هناك من مصدر لهذا إلا الأحاديث، فكيف أصبحت الأحاديث هنا شيئا موثوقا به بعد أن قال فيها صاحبنا ما قال؟ قد يقول إن القرآن يحدد زيدا بأنه من "أدعيائكم"، لكنْ مرة أخرى: من أين نعرف أن زيدا كان دَعِىّ النبى عليه السلام (أى ابنه بالتَّبَنِّى) إلا من الأحاديث النبوية؟ قد يقول: لكن هذا تاريخ، ونحن نُعْمِل عقولنا فى روايات التاريخ فنقبل ما تطمئن إليه ونرد ما سواه. وهذا هو ما أريد أن أُفْهِمه إياه من البداية: أن نُعْمِل عقولنا فى الأحاديث، لكن بشرط أن نحترم منطق العقل ومنهج العلم وأن نقلّب الأمر على كل وجوهه وأن نتريث قبل إصدار الأحكام وأن ننظر جيدا فيما يقوله الآخرون، وبخاصةٍ من يخالفوننا فى الرأى، وهو ما لم يدخر فيه المحدّثون وسعا، وإن لم يمنع هذا من إضافة المزيد من الجهود فى هذا السبيل. أما نبذ الأحاديث جملة وتفصيلا عن جهل واندفاع فهو عمل لا يُقْدِم عليه إلا أخرق أحمق، وهذا إن كان غير مريب، أما المريب فله عندنا توصيف آخر قد أَفَضْتُ القول فيه مرارا، ولا مانع أن نزيد أمره بيانا حتى يعذرنا العاذرون فى شدتنا عليه وعلى انحرافاته وضلالاته، فهو يرى أن أحاديث رسول الله وتصرفاته إنما هى انعكاس لثقافات عصره وبيئته يمكن ألا تتفق مع القرآن ولا ينبغى أن نُولِيَها أى اعتبار، وهو ما كنت سمعته من مستشرق أمريكى أتى إلى كلية الآداب بجامعة عين شمس منذ سنوات غير قليلة ودار بينى وبينه حوار على الماشى قبل الندوة التى حاضر فيها الطلابَ فى أحد المدرجات. وهذا نص ما قاله منصور: "ونحن، وإن كنا نعتبر القرآن هو المصدر الوحيد لسنة النبى وشريعة الرحمن ودين الله الأعلى، فإننا نضع تلك الروايات الحديثية موضعها الصحيح، وهى أنها تاريخ بشرى للنبى وللمسلمين وصدى لثقافتهم وأفكارهم سواء اتفقت أم لم تتفق مع القرآن". معنى ذلك ببساطة أن كلامه هو التفسير الصحيح للقرآن، ولا يمكن أن يكون انعكاسا لثقافة عصره وبيئته والعلاقات المريبة التى يدخل فيها هنا وهناك، أما فهم الرسول للقرآن فمن الممكن ألا يتفق مع كتاب الله لأنه لا يزيد عن أن يكون انعكاسا لثقافة عصره وبيئته! الله أكبر! ومن هنا نراه يقول إنه لا ينبغى أن نتأسى بالرسول إلا فى كتاب الله، وكأن الرسول يمكن أن يتصرف أو يقول شيئا يخالف فيه كتاب الله! وهذا نص كلامه: "إن الاقتداء والتأسى يعنى الاتباع، ولا يكون الاقتداء والتأسى على إطلاقه إلا بكتاب الله. والله تعالى كما أمرنا بالتأسى برسول الله محمد في موقف معين فإنه أمر النبي نفسه بالاقتداء بهدى الأنبياء السابقين فقال: "أولئك الذين هدى الله فبهُداهم اقْتَدِهْ" (الأنعام/ 90)، فلم يقل تعالى: "فبهم اقتده"، وإنما قال: "فبهداهم اقتده"".


    تحياتي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-02-13
  3. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    وهذا مثال آخر على أن منصور نفسه، رغم كل الطنطنات والتطاولات على المحدّثين والأحاديث، لا يستطيع أن يتقدم فِتْرًا فى تفسير القرآن دون الاستعانة بها وبهم، مع أنه يؤكد أننا، فى فهمنا للقرآن، لسنا بحاجة على الإطلاق إلى الاستعانة بالحديث أو بغيره، فقد كتب فى تفسير الآيات 105- 113 من سورة "النساء" ما يلى: "وباعتبار النبي بشراً فقد استطاع بعض المنافقين أن يخدعه. حدث ذلك حين سرق أحدهم درعاً وشاع بين الناس أمره، وأحس أهل اللص بالعار مما ارتكبه ابنهم فتآمروا بالليل على أن يضعوا الدرع المسروق في بيت شخص يهودي برئ، وفى الصباح جاءوا للنبي يبرئون ساحة ابنهم المظلوم. وانخدع النبي وصدّقهم ودافع عن ابنهم، وبذلك أصبح اللص بريئاً، وأصبح البريء لصاًّ. وهى قصة تتكرر في كل زمان ومكان، مُوجَزها أن ينجو المجرم صاحب النفوذ وأن يدخل البريء السجن ظلماً. والقرآن الكريم ذكر القصة وحوّلها من حادثة تاريخية محددة بالزمان والمكان والأشخاص إلى قضية إنسانية عامة تتكرر في كل عصر. وفى البداية عاتب الله تعالى النبي ووجّه نظره إلى أن يحكم بالكتاب وحذّره من أن يكون مدافعاً عن الخائنين: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما"، أي أنزل الكتاب الحق ليحكم بين الناس بما أراه الله في ذلك الكتاب، فالاحتكام للكتاب. ولأنه نسى فقد جاء الأمر بالاستغفار: "واستغفر الله، إن الله كان غفوراً رحيما"، ثم جاءه النهى عن الدفاع عن أولئك الخونة الذين تآمروا لتبرئة المجرم واتهام البريء: "ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما* يَسْتَخْفُون من الناس ولا يَسْتَخْفُون من الله وهو معهم، إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول، وكان الله بما يعملون محيطا". والسؤال هو: من أين له بأن الآيات نزلت فى أحد اللصوص، وأن هذا اللص قد سرق درعا، وأن أهله لما أحسوا أن أمره سينفضح ذهبوا فوضعوا الدرع فى بيت يهودى...إلخ؟ ترى هل هناك من مصدر آخر اعتمد عليه كويتبنا هنا عدا الحديث؟ أما قوله إننا فى فهمنا للقرآن الكريم لا نحتاج إلى أى شىء آخر خارج نصوصه فها هو ذا: "كتاب الله هو الكتاب المبين بذاته، وآياته موصوفة بالبينات، أي التي لا تحتاج في تبيينها إلا لمجرد القراءة والتلاوة والتفكر والتدبر فيها. والذي جعل الكتاب مبيناً وجعل آياته بينات هو رب العزة القائل: "بعد ما بيَّنّاه للناس في الكتاب" والقائل عن كتابه: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر" (القمر/ 22)، "فإنما يسَّرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لُدًّا" (مريم/ 97)، "فإنما يسَّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون" (الدخان/ 58). ومعروف أن أى نص يحتاج إلى وسائل تعين على فهمه، كالمعرفة باللغة التى ينتمى إليها، والمعرفة بالمعجم الخاص به، والمعرفة بالظروف التى كُتِب أو سُجِّل أو أُوحِىَ فيها، والمعرفة بالمصدر الذى جاء منه...إلخ. والقول بغير هذا هو كلام لا يستحق أن نصغى آذاننا له. ولقد رأينا كيف أن كويتبنا نفسه لم يستطع أن يفهم الآيات القرآنية إلا بالاستعانة بأسباب النزول، وهى جزء من الأحاديث النبوية. وهذا مجرد مثال.
    أما الصلاة والزكاة والصيام، وهذه الشعائر مجرد أمثلة أيضا، فإن أحدا لا يستطيع أن يؤديها دون الاستعانة بالسنة النبوية المشرفة. ولعل القراء يذكرون ما فضحتُ به رشاد خليفة (أستاذ صويحبنا فى أشياء كثيرة منها محاولة طمس السنة النبوية بشبهة الغيرة على التوحيد!) حين أشرتُ إلى تحديده نسبة الزكاة فى الإسلام بــ 5. 2%، وبينتُ أن هذا التحديد لم يرد فى القرآن بل فى الأحاديث الشريفة، وإن لم يكن على إطلاقه، بل فى بعض أنواع المال فقط كما هو معلوم. ولعلهم يذكرون أيضا فضحى لسخافة الأستاذ والتلميذ اللذين يزعمان كلاهما أن الصلاة على النحو الذى نؤديها به الآن فى الإسلام قد انحدرت إلينا من ديانة إبراهيم، يريدان أن يقولا إنه ليس للسُّنّة فضل فى هذا. وقد تساءلت فى ردى: إذا كان الأمر كذلك فمعناه أن الجاهليين كانوا يصلّون بصلاتنا ويقرأون فيها بقرآننا ويصلّون على نبينا، فهل هذا ممكن؟ أم تراهما يقولان إنها قد وردت فى صحف إبراهيم مثلا؟ فأين هذه الصحف يا ترى؟ وهل كان إبراهيم عليه السلام يقرأ الفاتحة مثلنا...إلخ؟ بل هل كان العرب الجاهليون يعرفون الصلاة أصلا بهذا المعنى؟ لقد كانت الصلاة فى حياة العرب آنذاك تعنى الدعاء مطلقا، أما الأفعال والأقوال على تلك الهيئة المخصوصة التى نطلق عليها فى دين محمد: "الصلاة" فلم يكونوا يعرفونها، وإلا لجاءت فى الشِّعْر الجاهلى بهذا المعنى.
    ثم إن هناك آيات قرآنية لا يمكن فهمها، أو على الأقل لا يمكن فهمها فهما سليما أو دقيقا، إلا إذا عُرِفَ سبب نزولها مما ذكرته الأحاديث أو الروايات المشابهة للأحاديث، وإن لم ندّع لهذه الروايات العصمة دائما، لكنها بكل يقين أفضل من ترك الميدان سداحَ مداحَ لكل خرّاصٍ منافقٍ يلعب بالبيضة والحجر ممن لا يلتزمون بمنطق ولا عقل ولا يعتمدون على وقائع التاريخ النبوى، بل يتركون العِنَان لأفكارهم الشيطانية جريًا على تخطيطات القوى العالمية إياها لتحقيق الأهداف الشيطانية إياها. ونضرب على ما نقول الأمثلة التالية، وقد اعتمدتُ فيها على كتاب "أسباب النـزول" للواحدي النيسابوري: ففى الآية 104 من سورة "البقرة" نقرأ قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، لا تقولوا: راعِنَا، وقولوا: انْظُرْنا..."، فكيف يا ترى يمكن أن نفهم ما فيها من الأمر والنهى دون أن نعرف ما جاء فى سبب نزولها مما هو مرتبط بسيرة النبى عليه السلام وأحاديثه، إذ "قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها (أى يستعملون فى تخاطبهم كلمة "راعنا")، فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم أعجبهم ذلك وكان رَاعِنَا في كلام اليهود سبًّا قبيحًا فقالوا: إنا كنا نسبّ محمدًا سرًّا فالآن أَعْلِنوا السبّ لمحمد لأنه من كلامهم، فكانوا يأتون نبي الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد رَاعِنَا . ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار وهو سعد بن عبادة وكان عارفا بلغة اليهود وقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله! والذي نفس محمد بيده لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها له؟ فأنـزل الله تعالى: يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا لا تَقولوا رَاعِنَا الآية". ولزيادة الأمر إيضاحا أذكر أنى قرأت أن الكلمة فى العبرية تعنى "الرعونة"، ومن هنا نهى الله سبحانه المسلمين عن استعمالها فى خطابهم لسيد الأنبياء والمرسلين حتى لا يعطوا الأوغاد فرصة للسخرية منه ومنهم بخباثتهم وقلة أدبهم المعروفة عنهم. كذلك كيف يمكن فهم قوله تعالى فى الآية 187 من ذات السورة: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" دون أن نطلع على الرواية الخاصة بسبب نزولها حتى لا نصنع كما كان بعض الصحابة يصنعون فى البداية، وهذا نصها: "أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا أبو عمرو الحيري قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا أبو غسان قال: حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نـزلت هذه الآية: وَكلوا وَاشْرَبوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكم الْخَيْط الأَبْيَض مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ولم ينـزل مِنَ الْفَجْرِ وكان رجال إذا أرادو الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنـزل الله تعالى بعد ذلك: مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه أنما يعني بذلك الليل والنهار، رواه البخاري عن ابن أبي مريم، ورواه مسلم عن محمد بن سهل عن أبي مريم".
    وبالمثل كيف يمكن فهم قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كَرْهًا..." (النساء/ 19) دون أن نعرف أن الميراث هنا ليس أن نرث ما تركه هؤلاء النسوة من مال، بل أن يرثهن الرجل أنفسهن بوصفهن متاعًا يُورَث حسبما وضّحت الرواية التالية: "قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوّجها بغير صداق، إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئًا، وإن شاء عَضَلها وضارّها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، فتوفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: حصن، وقال مقاتل: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها، فورث نكاحها ثم تركها، فلم يقربها ولم ينقق عليها يضارّها لتفتدي منه بمالها، فأتت كبيشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث ابنه نكاحي وقد أضرّ بي وطوَّل علي، فلا هو ينقق علي، ولا يدخل بي، ولا هو يخلِّي سبيلي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله" قال: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن: ما نحن إلا كهيأة كبيشة غير أنه لم ينكحنا الأبناء ونكحنا بنو العم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية".
    أم كيف بالله يمكن، دون الاطلاع على روايات أسباب النزول، أن نفهم على وجهه الصحيح قول الحق تبارك وتعالى فى الآيات 82- 86 من سورة "المائدة" ولا نقع فى المحظور الذى يحاول أن يوقعنا فيه بعض من ليسوا بمسلمين فنتوهم أنه سبحانه وتعالى يمدح النصارى ويُشِيد بقساوستهم ورهبانهم رغم بقائهم على نصرانيتهم وتثليثهم وتصليبهم ورفضهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، ومعروف أن من يكفر ولو بنبى واحد فإنه يكون من الكافرين حقا كما جاء فى الآيات 150- 152 من سورة "النساء"، فما بالنا بمن يكفر بخاتم الأنبياء والمرسلين، الذى جاء إلى الناس كافة لا إلى العرب وحدهم على خلاف الأنبياء السابقين الذين كانوا يُبْعَثون إلى أممهم فحسب؟ إن الآيات تتحدث عن فريق بعينه من النصارى أتى إلى النبى عليه السلام وسمع منه القرآن فتأثرت قلوبهم وجاشت مشاعرهم فبكَوْا وأعلنوا إيمانهم بمحمد ودينه وأصبحوا مسلمين، مثبتين بذلك أن قساوستهم ورهبانهم هم قساوسةٌ (أى علماءُ) ورهبانٌ (أى عبّادٌ) حقيقيون. ومن ثم فلا معنى أبدا لما يُلَبّس به طوائفُ من غير المسلمين على عوامّنا وأشباههم زاعمين لهم أن القرآن يُثْنِى على النصارى ورجال دينهم رغم رفضهم للإسلام ونبيه وبقائهم على ما هم عليه مما جاء محمد لإبطاله وتبيين مخالفته لدين الله. وهذه هى الآيات المذكورة: " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ {82}وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ {83} وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ {84} فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ {85} وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ {86". ثم ها هو ذا ما ورد فى سبب نزولها: "قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ الآيات 82-86 إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا نـزلت في النجاشي وأصحابه. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه إلى النجاشي وقال إنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجًا، فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: تعرفون شيئًا مما أنـزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرءوا. فقرءوا وحوله القسيسون والرهبان، فكلما قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، قال الله تعالى: بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنـزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الآية. أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل قـال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدثني الليث قال: حدثني يونس عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير وغيرهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضَّمري بكتاب معه إلى النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، فأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة "مريم" عليها السلام فـآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنـزل فيهم: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى إلى قوله: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلا بعثهم النجاشي وفدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم بحيرا الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وتمام وقثيم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" إلى آخرها، فبَكَوْا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينـزل على عيسى، فأنـزل الله تعالى فيهم هذه الآيات. أخبرنا أحمد بن محمد العدل قال: حدثنا زاهر بن أحمد قـال: حدثنا أبو القاسم قال: حدثنا البغوي قال: حدثنا عليّ بن الجعد قال: حدثنا شريك عن سالم، عن سعيد بن جُبَيْر في قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيار أصحابه ثلاثين رجلا فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" فبَكَوْا، فنـزلت هذه الآية".
    وعلى نفس الشاكلة فإننا لا نستطيع أن نفهم على وجهه الصحيح قوله تبارك جلاله فى الآية 93 من سورة "المائدة": "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناحٌ فيما طَعِموا إذا ما اتَّقَوْا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتَّقَوْا وآمنوا ثم اتقَوْا وأحسنوا، والله يحب المحسنين"، فظاهر الآية قد يُفْهَم منه أنه لا حرج على المسلم أن يأكل ما يشاء ويشرب ما يشاء ما دام تقيًّا محسنا، حتى لو طعم الخنزير والميتة وشرب الخمر. أما إذا عرفنا سبب نزولها فقد انجلى كل شئ وتبين لنا أنها لا تعنى شيئا من هذا البتة، بل الكلام فيها عمن مات من المسلمين وكانوا يشربون الخمر قبل تحريمها فظن المسلمون أنهم فى النار لأنهم لم تُتَحْ لهم الفرصة للإقلاع عنها كما أتيحت لهم هم: " قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا الآية. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المطوعي قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري قال: أخبرنا أبو يعلى قال: أخبرنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي، عن حماد، عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حُرِّمَت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضِيخ والبُسْر والتمر، وإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قـد حرّمت، قال: فحرت في سكك المدينة، فقال أبو طلحة: اخرج فأَرِقْها، قال: فأَرَقْتُها، فقال بعضهم: قُتِل فلان وقُتِل فلان وهي في بطونهم، قـال: فأنـزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا الآية. رواه مسلم، عن أبي الربيع ورواه البخاري. عن أبي نعمان، كلاهما عن حماد. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكى قال: حدثنا أبو عمرو بن مطر قال: حدثنا أبو خليفة قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب قال: مات من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر فلما حرمت قال أناس: كيف لأصحابنا ماتوا وهم يشربونها؟ فنـزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا الآية"... وأحسب أن هذا يكفى، فلا داعى للمضىّ فى ضرب أمثلة أخرى.
    ثم ما الذى فى الأحاديث التى قالها النبى صلى الله عليه وسلم مما يمكن أن يكون مناقضا للقرآن أو يؤدى بمن يصدّقه ويتخذه مثلا أعلى يعمل على احتذائه فى سلوكه إلى الجحيم يا مفترى؟ ترى ماذا فى الحديث الذى ينص على أن العلماء هم ورثة الأنبياء، أو الحديث الذى يؤكد أن فضل العالم على العابد كفضل البدر على سائر الكواكب، أو الحديث الذى يقول إن مداد العلماء يُوزَن بدماء الشهداء، أو ذلك الذى ينبئنا بأن إماطة الأذى عن الطريق أو أن تبسُّم الواحد منا فى وجه أخيه صدقة، أو ذلك الذى يغرينا بالتفكير المستقل القائم على أساس المنطق والعقل والإحاطة بالموضوع من كل أطرافه والتعمق فيه، ويبشّرنا بما لا وجود له فى أى نظام تربوى أو فلسفى أو سياسى من أن المجتهد مأجور حتى لو أخطأ فى اجتهاده، أو الذى ينبهنا فيه عليه السلام إلى أن الصدقة فى السر تطفئ غضب الرب، أو أن اليد الخشنة من أثر العمل والكدّ هى يد يحبها الله ورسوله، أو أن العين التى بكتْ من خشية الله أو باتت تحرس فى سبيل الله لا تَمَسّها النار أبدا، أو أن من رُزِق من البنات ولو بواحدة فأحسن تربيتها وزوّجها دخل الجنة، أو أن الله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه، أو أن السِّقْط ليأخذ بيد أبويه فى موقف الحساب ويراغم ربه حتى يُدْخِلهما الجنة، أو أن أحق الناس بصحبة الابن هى أمه ثم أمه ثم أمه ثم أبوه، أو أن مجامعة الرجل لزوجته حسنة من الحسنات يُؤْجَر عليها من الله وليست مجرد شهوة تُشْبَع، أو أن إتباع السيئة الحسنة يمحوها فلا يحاسَب الإنسان عليها، أو أنه سبحانه قد رفع عنا السهو والنسيان وما استُكْرِهْنا عليه، أو أن الله قد خلق لكل داءٍ دواء، أو قول الرسول الكريم لرجل أخذه الخوف منه: هَوِّنْ عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة، أو قوله: لا تُطْرُونى كما أَطْرَتِ النصارى عيسى بن مريم، كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أو تسبِّحون وتحمِّدون وتكبِّرون دُبُرَ كل صلاة ثلاثا وثلاثين، أو من آذى ذمّيًّا فأنا خصيمه يوم القيامة، أو من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، أو إن من الذنوب ذنوبا لا يكفِّرها إلا العمل، أو ادرؤوا الحدود بالشبهات، أو إنما الصبر عن الصدمة الأولى، أو اسْتَوْصوا بالنساء خيرا، أو خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى، أو ليس الإيمان بالتمنى، ولكنْ ما وَقَر فى القلب، وصدّقه العمل، أو إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، أو إن الشيطان لَيَجْرِى من ابن آدم مجرى الدم فى العروق، أو الحياء من الإيمان، أو إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون الثالث، أو إذا لم تستح فاصنع ما شئت، أو إذا بُلِيتم فاستتروا، إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، أو ذو الوجهين يُكْتَب عند الله كذابا، أو اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعْمِل عليكم عبدٌ حبشىٌّ كأن رأسه زبيبة، أو النظافة من الإيمان، أو إن الله جميل يحب الجمال، أو مالكم تدخلون علىَّ قُلْحًا؟ استاكوا (أى نظِّفوا أسنانكم بالمسواك ولا تتركوها صفراء)، أو إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، أو نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، أو ما ملأ ابن آدم وعاءً شَرًّا من بطنه، أو رَضِينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ نبيًّا ورسولا، أو اللهم أسلمتُ وجهى إليك، وفوَّضْتُ أمرى إليك، وألجأتُ ظهرى إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجَى منك إلا إليك، آمنتُ بكتابك الذى أنزلتَ، ونبيّك الذى أرسلتَ، أو لا رهبانية فى الإسلام، أو أَنْفِقْ ولا تخش من ذى العرش إقلالا، أو تَعِسَ عبد الدينار! تَعِسَ عبد الدرهم! أو ما نقص مالٌ من صدقة، أو طَلَبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلم ومسلمة، أو اطلبوا العلم من المهد على اللحد، أو من خَرَجَ فى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع، أو من فرّج عن مسلمٍ كُرْبة من كُرَب الدنيا فرّج الله عنه كُرْبة من كُرَب يوم القيامة، أو سبعةٌ يُظِلّهم الله فى ظلّه يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشابٌّ نشأ فى عبادة الله، ورجل دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله...، أو إن الله لَيُمْلِى للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته، أو من لا يشكر الناس لا يشكر الله، أو دخلت امرأةٌ النار فى هِرّة حَبَسَتْها: لا هى أطعمتْها، ولا هى تركتْها تأكل من خَشَاش الأرض، أو اتّقُوا النار ولو بشِقّ تمرة، أو إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظَهْرًا أبقَى، أو من بات كالاًّ من عمل يده بات مغفورًا له، أو إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يُتْقِنه، أو إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم فَسِيلَةٌ فلْيغرسها، أو أَلْقِ السلام على من تعرف ومن لا تعرف، أو لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، أو اطلبوا الرزق بعزة الأنفس، أو الغنى غنى النفس، أو لا ينبغى للمؤمن أن يُذِلّ نفسه، أو ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب، أو (قوله عليه السلام لشاب خطب فتاة:) انظر إليها، فإنه أَحْرَى أن يُؤْدَم بينكما، أو لا تُنْكَح البِكْر حتى تُسْتَاْذَن ولا الأيِّّم حتى تُسْتَأْمَر، أو ادرؤوا الحدود بالشبهات، أو يسِّروا ولا تعسِّروا، أو من أَمّ فى الصلاة فلْيخفِّف، فإن منكم الضعيف وذا الحاجة، أو أَحِبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك، أو إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فلْيُطْعِمْه مما يَطْعَم، وليُلْبِسْه مما يلبس، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم، أو اتقوا الله فى الضعيفين: النساء وما ملكت أيمانكم، أو رفقًا أَنْجَشَةُ بالقوارير (يدعو الجمّال أن يرأف بمن يركب بعيره من أفراد الجنس اللطيف وأن يراعى رقتهن وضعفهن)، أو... أو... أو...إلخ مما لا يكاد ينتهى من التوجيهات والتشريعات والأدعية النبوية العبقرية التى أكرمنا الله بها والتى ذكرتُ ما ذكرتُه منها هنا ارتجالا من محفوظ الذاكرة منذ الطفولة والصبا وبالمعنى فى بعض الأحيان، وأرجو ألا أكون قد أخطأت فى شىء منه، ثم يريد بعض الكارهين لنبينا العظيم أن يُنْكِروها ويكدّروها علينا توصلا من ورائها إلى إنكار القرآن بعد ذلك ثم التعفية على الإسلام جملةً وتفصيلاً عندما تنضج الظروف؟ ألا شاهت الوجوه والعقول والنفوس النجسة المتقيحة بالضغن على الإسلام مهما تشدقت بالحرص على التوحيد؟ أليس مضحكا أن يحاول هؤلاء الحمقى المأفونون الاستدراك على رسول الله وعلى أتباعه فى أهم ما يتميز به الإسلام، ألا وهو توحيد الله عز وجل؟ اللهم خذ كل كذاب منافق يحادّك أنت ونبيك ويوالى أعداءك ويمدحهم ويكتب فيهم الغزل المتدلِّه المتولِّه المتأوِّه ويتطاول على الصدّيق والفاروق وخدّام السنة النبوية من العلماء الأبرار، أخذ عزيز مقتدر، يا شديد يا جبار يا متكبر!
    وتطبيقا لضلالاته فى موضوع السنة النبوية وإنكارها تمهيدا لإنكار القرآن أيضا ثم الإسلام كله فيما بعد على سياسة كيسنجر الخبيثة (سياسة الخطوة خطوة)، يقول الكاهن الأعظم فى معبد المُرُوق والتدمير إنه "إذا حاول باحث أن يتفهم الآيات وأن يناقش روايات التراث عن موضوع حديث الإفك تناولته الاتهامات كما لو أن أسطورة تخلف عائشة عن ركب النبى واتهامها أصبحت من المعلوم من الدين بالضرورة". والرد على ذلك الكلام التافه سهلٌ جِدّ سهلٍ: فالكاتب يحاول التشكيك فى التاريخ دون أن يكون فى يده دليل على هذا التشكيك الذى يعمل على بثّه فى ثانى مصدر من مصادر ديننا. لو أنه قدَّم شيئا مقنعا لكنت دافعت عنه، أو على الأقل لكنت قلت إن فى كلامه وجاهة أو شيئا من الوجاهة كما أفعل كثيرا مع ما يعترض به علىّ بعض طلبتى أحيانا فى المحاضرات مما لا أقتنع به، ولكنى فى ذات الوقت أجد أن من الممكن أن يكون له توجيه ما على نحو من الأنحاء ولو ضعيفا.

    تحياتي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-02-13
  5. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    وأول شىء أود أن ألفت النظر إليه هنا بعدما أهملت تنبيه القارئ الكريم إليه من قبل هو ذلك الضعف اللغوى عند شيخنا الأزهرى الذى يتهم أساتذته من مشايخ الأزهر بالغباء ويسخر منهم بقوله إنهم أحيانا ما يفهمون، بما يعنى أن القاعدة فى حالتهم أنهم لا يفهمون. إننا هنا أمام نص لا يزيد على سطور معدودة، ومع هذا نفاجأ بعدد من الأخطاء التى لا تليق بطالبٍ واعٍ، فما بالكم بكاهن أعظم ومدرس سابق بجامعة الأزهر، وفى كلية اللغة العربية على سِنٍّ ورُمْح؟ ترى هل يصح أن يقع قداسته (لا قدَّس الله له سرا ولا روحا ولا عقلا ولا أى شىء يتصل به وبمشروعه التدميرى الذى سيُرْدِيه بمشيئة الله فى نار سقر ما لم يكتب الله له قبل موته توبة، وإن كنت أرى بعقلى القاصر أنها مسألة صعبة على أمثاله ممن يدخلون نفق العمالة الذى لا يستطيع من يدخله أن يعود من حيث أتى، وإلا عرَّض نفسه للقتل أو رمية الكلاب النجسة كما سبق أن قلت. ومع هذا فإن الله قادر على كل شىء، ولعله سبحانه قد ادخر للرجل توبة! ولست ممن يجرؤون على التألِّى على الله، وكل ما هناك أن عقلى القاصر يستصعب هذا لا على الله القوى القادر الذى يقول للشىء: كن، فيكون، بل على كاهننا الذى ألقى يد السَّلَم لأعداء الملة والأوطان وقطع شوطا طويلا جدا معهم وانغمس فى نتاناتهم ومَرَق من كل ما يربطه بدينه وأمته وتهجَّم على كل شىء يتصل بهما، ولم يجد فى الدنيا العريضة الطويلة مسلما واحدا يصلح أن يقول فيه كلمة طيبة حتى ولا أبا بكر وعمر أنفسهما، لأنه ببساطة يكفِّر المسلمين جميعا، ولا يرى أن هناك مسجدا واحدا فى بلاد المسلمين كلها يصلح أن يؤدى فيه صلاته، فكلها مساجد شرك وكفر، ولذلك يخطط لإقامة أول مسجد حقيقى يصلى فيه فى فرجينيا بأمريكا بمعاونة أمثال مجدى خليل (وهو واحد من أشد متعصبة الأقباط المهجريين المثيرين للفتن والذين يعملون بكل ما لديهم من وسائل بغية قلع الإسلام من مصر بمساجده وصلاته وصيامه وزكاته وحجّه وتوحيده)، ثم هو يصبّ المدائح صبًّا على دماغ أمريكا وبوش ومجدى خليل (المذكور أعلاه) وسعد الدين إبراهيم وفرج فودة والعفيف الأخضر وبقية العترة المؤمنة المسلمة الطاهرة الطيبة على عكس المليار والنصف مسلم، أقصد المليار والنصف كافر بن كافر، فضلا عن مليارات الكافرين السابقين (أستغفر الله) بدءا بالصحابة وبدون انتهاء إلا مع يوم القيامة!)، نعود فنقول: هل يصح أن يقع قداسة كاهننا الأعظم فى أخطاء مثل: "أن النبى كان إذا أراد سَفَر اقرع بين نسائه فأيّهن خرج سهمها خرج بها الرسول معه"، بدلا من "سَفَرًا" (مفعول به)، وبدلا من "أيتهن" (لأن الكلام عن نساء لا عن رجال، وبدلا من "أقرع" بهمزة قطع لا وصل. والمصيبة أنه هنا إنما ينقل فلا يحسن حتى النقل، فقد جاءت نصوص الأحاديث كلها بــ"سفرا" و"أيتهن" و"أقرع" كما راجعتها بنفسى رغم اطمئنانى التام أنها لا يمكن أن تكون قد وردت بخلاف ذلك، لكنى أردت ألا أترك بابًا يمكن أن يكون له فيه أى عذر، ولو متوهَّمًا)، أو مثل: "جاءت البراءة من الوقوع فى الإثم الخبيث لأولئك الطيبات وأولئك الطيبون" (بدلا من "الطيبين": بدل مجرور)، أو "يقولون أنهم أهل السنة" (بدلا من "إنهم" بكسر الهمزة لمجيئها بعد القول).
    وهذا خطأ مطرد مثل إهمال الهمزات أو إثباتها على خلاف الصواب فى كتابات الحبر الأعظم الذى لا يعجبه أحد ولا يرى عقلا يضارع عقله الــ...(الــ"ماذا"؟ قولوا أنتم) الذى يعجب به رغم ذلك لدرجة الوله المرضى، وهو الباب الذى نفذ من خلاله أعداء الدين والملة واقتادوه من أنفه، وسيادتُه بما طَمَس الله على بصره وبصيرته يظن أنهم معجبون بفكره وكتاباته! ومن أخطائه أيضا فى فتح همزة "أن" دائما وعدم تفرقته بين همزة الوصل وهمزة القطع قوله: "يقول الصحفي الهام المليجى...أن القذاف قرأ الكتاب وأعجبه"، حيث كتب "إلهام" بدون همزة، وفتح الهمزة بعد القول بدلا من كسرها. ومما اقترفه كذلك من أخطاء فى كتابه التافه قوله: "وكَرِهَ المسلمين دخول الحرب خوفاً" (بدلا من "المسلمون": فاعل)، "أما ما أورده القرآن من قَصَصٍ يخص النبي محمد فهو القصص الحق" (والصواب: "محمدا" لأنه بدل للمفعول به)، "إن أقوال النبي خارج الوحي القرآني والتي أوردها القرآن هي قصص للعبرة" (ترى ماذا تفعل هذه "الواو" فى "والتى" هنا؟ إن الكلمة التى بعدها نَعْتٌ لــ"أقوال"، فكيف يفصل بين النعت ومنعوته بواو؟ هذا كلام عِيَالٍ صغارٍ لم يحسنوا فهم ما درسوه فى الأزهر الشريف.أكرر: "الشريف" برغم الأنف من كل لئيم غير شريف)، " كان الوحي ينزل، والشرع لمّا يكتمل بعد" (بدلا من "لمّا يكتمل" أو "لم يكتمل بعد")، "يحلوا لبعض الناس..." (بدلا من "يحلو" بدون ألف، وقد تكرر هذا الخطأ الإملائى العِيَالىّ كثيرا فى الكتاب مما يدل على أن مرجعه إلى الجهل لا إلى السهو، ومنه: "وكل المطلوب منا أن نتلوا القرآن، وإذا تلوناه نطقت آياته البينات بنفسها والتي لا تحتاج منا إلا لمجرد النطق وعدم الكتمان")، "ومع هذا فإنه فى حياته عليه السلام لم ينقطع عن قيام الليل ومعه أصحابه المخلصين" (بدلا من "المخلصون" لأنه نعت المبتدإ)، "وشاء واضعوا هذا التشريع..." (بدلا من "واضعو" بدون ألف)، و"برئ" (بهمزة على ذيل الياء، والصواب كتابتها على السطر لأنها مسبوقة بمدّة، إذ هى صفة لا فعل، فتُكْتَب من ثم هكذا: "برىء")، "وبعضنا، دون أن يدرى، يقول دائما: اللهم صلى على النبى" (كما يفعل العوامّ وبائعو العرقسوس ومطيّباتية مشاهير القراء فى المساجد والمعازى ممن كان يتعلم منهم القواعد النحوية فيما يبدو، بدلا من أن يقول: "صَلِّ على النبى" كما يعرف كل من له أدنى معرفة باللسان العربى)، "وهذه إحدى أفضال البخارى...علينا" (بدلا من "هذا أحد أفضال البخارى"). حتى الآيات القرآنية لا يحسن كتابتها أحيانا، لا أقصد من ناحية الحفظ، بل من ناحية القواعد مع أن الأمر فيها لا يزيد عن نقلها كما هى. مثال ذلك قوله تعالى: "قل إني لن يجيرني من الله أحدًا، ولن أجد من دونه ملتحدا"، حيث نصب الفاعل: "أحد" بدلا من رفعه. وقد صوّبت له بعض الأخطاء التى اجترحها فى كتابة النصوص القرآنية ألفاظا وضبطا للألفاظ، ومنها: " فذلك الله ربكم الحق"، التى أرجعتها إلى أصلها: "فذلكم الله...".
    والكاهن الأعظم بسلامته يَصِمُ الحديث الخاص بواقعة الإفك بأنه "أسطورة": هكذا "لله فى لله" دون أن يعتمد على أية رواية تساعده فى ذلك. وحتى لو اعتمد على روايةٍ كما فعل مرات فى كتابه فسوف يقع حينئذ فى خطإ منهجى، إذ كيف يقبل شيئا من روايات الأحاديث، على حين يؤكد دائما وبكل قوة أنها كلها كذب فى كذب؟ إنه إذن من الذين يقبلون ما يحلو لهم، ويرفضون ما لا يحلو لهم دون مراعاة لقاعدة أو مبدإ. أى إنه من الذين يُحِلّونه عاما، ويُحَرّمونه عاما، وهذا ليس من المنهجية العلمية فى قليل أو كثير! كما أنه يَسِم البخارىّ بأنه كذاب. إى نعم كذاب، دون أن يكلف نفسه مشقة إثبات كذب هذا الكذاب! وكأنه يكفى أن يسم الواحد منا من لا يعجبه بأنه كذاب، فيكون كذابا، وينتهى الأمر عند هذا الحد دون نقض ولا إبرام! طيب، ولماذا لا يكون أحمد صبحى منصور هو الكذاب؟ إن كل ما فيه وكل ما يحيط به وكل تصرفاته تصيح بملء صوتها أنه هو الكذاب لا البخارى. على الأقل البخارى لا يخطف رجليه إلى أمريكا كلما عن له الذهاب إليها، وكأنها عزبة تركها له السيد الوالد أو السيدة الوالدة، ولا يكلفه السفر إليها إلا أن يأخذ الحنطور فى ساعةِ عصريّةٍ وينطلق إلى هناك عند قليوب المحطة فيجد بيتا ينتظره ومرتبا كبيرا تحت تصرفه، فضلا عن الفيزا الأمريكية التى أصبح دخول الجنة يوم القيامة أسهل من الحصول عليها هذه الأيام. والبخارى كان ينفق نور عينيه فى القراءة والتأليف دون مقابل إلا من رضا ضميره وحبه لدينه وتحمسه للعلم، ولم يكن يغرف من مركز ابن خلدون بالدولارات ثم يشكو الفقر، *** الله كل منافق شكّاء بالكذب بكّاء! والبخارى لم يكن ينكر السنة ويشتم المسلمين لحساب اليهود والنصارى، الذين يواليهم على حساب أمة محمد وضد مصالح أمة محمد بحجة أن أمة محمد قد انحرفت عن تراث محمد! طيب، ألم تنحرف اليهود والنصارى هم أيضا عن تراث عيسى وموسى، وتراث محمد أيضا فوق البيعة يا ضلالى؟ أيتسع قلبك لكل من هب ودب على وجه الأرض حتى لعبّاد البقر، ويضيق بالمسلمين الحقيقيين الذين تخلع عنهم صفة الإسلام والإيمان وتضفيها فقط على من لا يمتون للإسلام والإيمان بِصِلَة؟
    إن فى مسألة البخارى من الناحية النظرية البحتة عدة احتمالات أخرى غير أنه كاذب: منها أنك أنت الكاذب، وهو احتمال تقوم كل الشواهد عليه، ومنها أنه يمكن أن يكون قد أخطأ أو سها أو أن أحدا من الرواة قد دلّس فى روايته ولم يستطع البخارى أن يكشف تدليسه، ومنها أن تكون طريقة تفكيرك أنت هى الخاطئة، ومنها أن تكون المقاييس مختلفة بين عصرنا والعصور القديمة جعلتك تستبعد وقوع الحادث مع أنه مسألة غير مستبعدة بالمرة... وأستطيع أن أستمر فى تعداد الاحتمالات الأخرى، لكنك أرحت دماغك من البداية وآثرت أن تتهم الرجل بما لم يثبت شىء منه فى حقه، وإلا فهل هناك من اتهم الرجل بالكذب؟ أو هل وقع من الرجل ما يدل على أنه كان كذابا؟ أأنت عالم أنت؟ إن كان العلم هو أن ينقضّ الواحد منا بحقده وضغنه على الكرام الأبرياء فيلوثهم باتهاماته المسعورة، فيا لضيعة العلم والعلماء! لكن من حسن الحظ أَنْ ليس العلم هكذا، وأَنْ لست من أهل العلم ولو على سبيل التوهم! أنت من أذناب الكاوبوى البلطجى تؤدى له خدمة معلومة مقابل جُعْل معلوم يا من تشكو الفقر، فلا أغناك الله أبدا، ولا أقرّ لك عينا، ولا أسكن لك بالا، وجعلك على الدوام تشكو الفقر والجوع والعطش ولا تشبع أو تروى بتاتا أنت وكل من تابعك على هذا الضلال وأعانك عليه ولم يحاول أن يوقفك عند حدك ويفتح عينك المطموسة ويخلِّصك من عمى قلبك، وكَتَبَك إن لم تتب قبل فوات الأوان فى الذين ينادون أصحابَ الجنة أنْ "أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله"، فيردون عليك فى نبرة موئسة أن "الله حرَّمهما على الكافرين"!
    وهذا العالم المدقِّق (اقرأ: "المُخَرْبِق") يفترى على النبى وعائشة الأكاذيب فيقول إنه صلى الله عليه وسلم قد"غضب منها"، فانظروا إلى هذا الذى يضرب الودع كيف يضرب عن الروايات التاريخية صفحا ويذهب يؤلف التاريخ من عند نفسه! متى غضب النبى من عائشة؟ بل لماذا يغضب منها أصلا؟ هل أجرمت رضى الله عنها فاستحقت أن يغضب منها الرسول؟ لقد قضى الرسول الكريم شهرا فى ألم وحيرة، لكنه لم يغضب من زوجته الشريفة العفيفة، وكل ما حدث أنها، حين لم تجد منه الاهتمام المعتاد بسبب ما كان عليه من ألم وحيرة تأثرًا بما كان يتردد فى جنبات المدينة من شائعات مؤذية للنفس الكريمة، استأذنته أن تذهب لبيت أبيها فأذن لها. فهل هذا هو الغضب الذى يقصده الكاتب؟ كذلك يؤكد عالمنا النحرير أن "القرآن الكريم ينفى أن النبى كان يصطحب معه نساءه فى غزواته، فالله تعالى يقول للنبى عند خروجه لغزوة بدر أولى الغزوات: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق" (الأنفال/ 5)، والبيت يعنى الزوجة. وفى توضيح أكثر يقول تعالى عن نفس الغزوة: "وإذ غَدَوْتَ من أهلك تبوِّىء المؤمنين مقاعد للقتال" (آل عمران/ 121)، أى خرج النبى عن أهله، والأهل هم الزوجة والزوجات، لكى يصفّ المؤمنين للقتال. إذن لم يكن معه واحدة من نسائه منذ أول غزوة غزاها. وفى غزوة الأحزاب فى العام الخامس من الهجرة نزلت سورة الأحزاب، وفيها الأمر بالحجاب لنساء النبى. والأمر حاسم لهن بأن يمكثن فى البيت ولا يخرجن منه: "وقَرْنَ فى بيوتكن ولا تَبَرَّجْنَ تبرُّج الجاهلية الأولى، وأَقِمْن الصلاة وآتِين الزكاة وأَطِعْن الله ورسوله. إنما يريد الله لِيُذْهِب عنكم الرجس أهلَ البيت ويطهِّركم تطهيرا" (الأحزاب/ 33)، فكيف يأمرهن الله بالبقاء فى البيت ويأتى النبى فيصطحبهن فى غزوة بنى المصطلق فيما بعد؟ لقد كان ترك النساء فى المدينة بعيدا عن الغزوات عادة إسلامية حرص عليها النبى والمسلمون بحيث لم يكن يتخلف عن الغزو إلا النساء والأطفال والشيوخ غير القادرين. وحين تخلف المنافقون عن الخروج مع النبى فى احدى معاركه الدفاعية نزل القرآن يعيّرهم ويسخر منهم بأنهم رضوا بأن يتخلفوا مع النساء والصبيان: "رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالف" (التوبة/ 87، 93). فهل من المعقول أن يصطحب النبى زوجاته معه عرضة لخطر الحرب بينما تبقى بقية النساء آمنات فى المدينة؟".
    والرد على ذلك أنه ليس فى القرآن الكريم ما يمكن أن يعتمِد عليه مُعْتَمِدٌ فى نفى اصطحاب النبى إحدى زوجاته عند الغزو. لو أنه قال: إن هذا هو ما أفهمه من الآيات القرآنية لقلنا له: هذا فهمك! أما أن يزعم أن القرآن قد نفى هذا الأمر فعلا فالجواب عليه: أنت كاذب! لقد ساق آية "الأنفال" التى تقول: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، ثم زعم أن معناها: "تركتَ زوجاتك وراءك" لأن "البيت" هو الزوجة! وبناء على هذا التفسير البهلوانى فالمعنى هو أن الله أخرج النبى من زوجته. ولا أدرى كيف يخرج الإنسان من زوجته، فأرجو من القراء الكرام أن يدلّونى على الكيفية التى يمكننى بها أن أتصور خروج الزوج من زوجته! أترى الواحد منا إذا قال لصديقه بالهاتف مثلا: "سأخرج من بيتى الساعة الفلانية لأقابلك على المحطة" كان معناه أنه سيخرج من زوجته؟ لكن من أية منطقة فى جسمها يا ترى سيتم الخروج؟ إن هذا لو حدث لكانت أعجوبة الأعاجيب! إن الواحد منا عند ولادته يخرج من بطن أمه، أما عند الخروج من البيت، فلا أدرى كيف يكون خروجه من زوجته؟ أترى أحمد صبحى منصور يفعل ذلك كلما خرج من بيته؟ فماذا يفعل إذن كلما خرج من مصر كلها؟ وماذا فعل عندما خرج من ديننا وترك "الجمل" بما حمل والتحق بخدمة الكاوبوى يقود له "الحصان" فى بيداء الضلال والهلاك؟ ألم يأته قولة المعتمد بن عباد: "رَعْيُ الجِمَال خيرٌ من رَعْي الخنازير"؟
    أما آية سورة "آل عمران" فهى تذكر الأهل، لكن ليس هناك تطابق بين "الأهل" والزوجة إلا فى بعض الحالات فقط حين لا يكون للرجل إلا زوجة فحسب، فلا أبناء ولا أب وأم ولا أقارب... والدليل على ذلك هو القرآن نفسه الذى يقول لنوح عن ابنه: "يا نوح، إنه ليس من أهلك"، أى ليس جزءا من أهلك، بما يفيد أن الأبناء يدخلون فى الأهل أيضا، ومثله قوله تعالى للوط عليه السلام: "فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين"، فالزوجة هنا مستثناة من الأهل بما يفيد أن الأهل أوسع من أن يقتصروا عليها. وهناك آية سورة "النساء" التى يأمر الله فيها، عند حدوث خلاف بين الزوج وزوجته، أن يبعث أهلُ الخير والإصلاح حَكَمًا من "أهله" وحَكَمًا من "أهلها"، أى من أقاربه وأقاربها، ليحاولا الإصلاح بينهما. وبالمثل هناك قوله تعالى على لسان يوسف لإخوته وهو يسلمهم قميصه: "اذهبوا بقميصى هذا فأَلْقُوه على وجه أبى يأت بصيرا، وأْتونى بأهلكم أجمعين"، فأحضروا أبويه وكل إخوته. ومثلها قوله عز شأنه عن النساء: "فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف" حيث لا وجود لزوجات أو أزواج هنا على الإطلاق، وهو ما يعنى أن دائرة "الأهل" أوسع بكثير مما يريدنا أحمد بيه (اسم الله عليه!) صبحى منصور أن نفهم! وعلى ذلك فحين نقرأ فى "آل عمران" أن رسول الله قد غدا من أهله يوم بدر فليس معنى ذلك بالضرورة أنه ترك زوجته وراءه فى البيت، إذ ربما أخذ زوجته وترك سائر أهله. وحتى لو لم يأخذ زوجته فى هذه الغزوة فليس معناه أنه لم يفعل ذلك فيما بعد، إذ لا ينبغى أن تفوتنا حقيقة أن هذه كانت أول غزوة يغزوها الرسول، وأنها كانت مفاجِئة لم يخطَّط لها أن تكون غزوة، علاوة على أنها قد وقعت قريبا من المدينة فلم يكن فيها سفر ولا تجهيز قافلة ولا ابتعاد عن الأهل كما يحدث فى مثل هذه الأحوال. هذا، ولا أريد أن أذهب مذهب بعض الشيعة، الذين ينكرون أن تكون زوجة الرجل من أهله كى يقصروا مصطلح "أهل البيت" على فاطمة وزوجها وولديها! فعلام يدل كل هذا؟ يدل على أن أحمد صبحى منصور جاهل كبير، جاهل بالثلث! ومع ذلك فيا لثقل ظله عندما تراه فى صورته فى المواقع الذى تتحفنا بكتاباته الجاهلة مثله وقد انجعظ للوراء بكرشه القبيح ونظرته القاسية الشريرة وملامحه الغليظة، وفى يده القلم والورق كأنه مفكر عبقرى كبير! يا سلام سلِّم على شرباتك (شربات الطرشى، بل شربات الفسيخ المعتبر) يا عم صبحى!
    ونأتى لما قاله بشأن الحجاب المذكور فى سورة "الأحزاب"، وهو أيضا لا يدل على ما يهدف إليه، فليس معنى أمر القرآن نساء النبى بالاستقرار فى بيوتهن أنه ينبغى عليهن ألا يخرجن البتة منها، وإلا كان معناه أنهن لا يجوز لهن الذهاب للمساجد، ولا لقضاء الحاجة فى الخلاء على ما كان الأمر عليه فى أول الأمر فى المدينة كما هو معروف، ولا لزيارة أهليهن، أو للمشاركة فى أى واجب اجتماعى كالعزاء والأفراح وما إلى ذلك. حتى السيد أحمد عبد الجواد (سى السيد الذى يُضْرَب به المثل فى مصر فى الاستبداد بالمرأة والحجر عليها فى البيت) كان يسمح لزوجته أن تذهب لزيارة أمها يا أخى! أم تراك لم تقرأ رواية "بين القصرين" ولم تشاهد فِلْمها؟ ولقد كان الرسول عليه السلام كريما سمحا مع زوجاته كما هو مع الناس أجمعين وزيادة، فلا يُعْقَل أن يتعامل معهن بمنطق العامة الذى يقول إن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا إلى القبر! يا حفيظ على منطقك السخيف المتهافت! إن كل ما هنالك أن القرآن يريد لزوجات المصطفى أن يبتعدن بقدر الإمكان عن زحام الحياة حتى يَظْلَلْن فى مكانهن الرفيع ولا يخوض الناس فى أحاديثهن وأخبارهن كما يفعلون مع سائر النساء فى قيلهم وقالهم، لا ألاّ يخرجن من بيوتهن بتاتا! ومن ثَمَّ فإذا صحبهن الرسول فى غزواته صحبهن على نفس الوضع الذى يصونهن عن العيون والألسنة. ألا تعست العقول المظلمة! وما تقوله رواية الإفك من أن صفوان بن المعطل حين عرف أن الشبح الذى يراه فى الصحراء هو عائشة تنحَّى ولم يكلمها ولم تكلمه حتى ركبت راحلته لهو دليل على ما أقول، وذلك حسبما جاء فى الكلام التالى لعائشة رضى الله عنها والذى نقلتُه من "مجمع القرآن فى تفسير القرآن" للطبرسى: "وكان صفوان بن المعطل السلمي قد عرَّس من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني فخمرت وجهي بجلبابي. ووالله ما كلَّمني بكلمة حتى أناخ راحلته فركبتها فانطلق يقود الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في حرّ الظهيرة". أما هجوم منصور الحاقد على البخارى بوصفه المتسبب فى لَوْك المستشرقين والمبشرين سيرة عائشة فهو خبث شيطانى عريق، فكثير من المبشرين والمستشرقين لم يتركوا شيئا فى حياة النبى أو تصرفاته دون أن يقلبوه عن حقيقته ويؤوّلوه أسوأ تأويل. بل إنهم قد افْتَرَوْا عليه الأكاذيب افتراءً وقالوا عنه كلاما ما أنزل الله به من سلطان. أفترى البخارى مسؤولا عن هذا أيضا؟ وهذا لو كان البخارى هو الذى روى القصة، لكنه فى واقع الأمر لم يكن له فيها من يد إلا أنه سجلها كما بَلَغَتْه بعد أن بذل كل ما لديه من جهد فى تمحيصها وتحريرها. ولو كان هو الذى اخترعها كذبا وزورا ونسبها إلى آخرين، فلماذا لم ينبر له أحد من هؤلاء الناس الذين عزاها إليهم فيكذبه ويقول له إنه لم يرو له شيئا من هذا؟
    والذى يقرأ ما كتبه منصور فى تفسير آيات سورة "النور" يدرك على الفور أن الرجل قد خلَّى لخيالاته وأوهامه العِنَان وانطلق يشطح وينطح على هواه دون كابح من منهج أو علم. فيا لضيعة التفسير إذا كان هذا الذى يجترحه المهاويس تفسيرا! لكن ما الذى ننتظره من مسعور ينكر على المسلمين أن يشهدوا لمحمد بالرسالة أو أن يستعينوا بأحاديث النبى فى فهم القرآن واستخلاص الأحكام الشرعية ويرميهم جميعا من لدن الصحابة حتى يومنا وإلى ما شاء الله بالكفر والشرك ويهاجم عمر وأبا بكر والبخارى ورجال الحديث كلهم هجوما ناريًّا حاقدا فى الوقت الذى يثنى على اليهود والنصارى والملاحدة أَحَرَّ الثناء؟ وعجيب أن يتخذ من استعمال القرآن لصيغة الجمع فى الكلام عن الطرف المُفْتَرَى عليه فى حديث الإفك دليلا على أن الشائعات كانت تطارد جماعة من المسلمين غير محددة، وليس لعائشة أية علاقة بها البتة. ذلك أنه يعرف، أو ينبغى أن يعرف، أن القرآن قد يستعمل هذه الصيغة للدلالة على المفرد كقوله عز شأنه لرسوله عليه السلام: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم. إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم"، مستخدما صيغة الجمع مع أن الكلام عن واحد هو ابن أَبِى سلول، الذى دعا الرسول ربه بالغفران له، فكان للسماء كلام آخر، ومثل قوله سبحانه لنبيه حين بلغ منه الغضب والحزن على المقتل المأساوى لعمه حمزة أنْ أعلن أنه سوف يثأر للتمثيل به عشرات الأضعاف: "وإن عاقبتم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به"، مستعملا صيغة الجمع فى خطاب الرسول، وهو فرد...وهكذا. وها هما الطَّبَرْسِىّ والطُّوسِىّ مثلا يلمسان هذه المسألة بما يوضّح مغزى استخدام القرآن لصيغة الجمع فى آيات حديث الإفك رغم أن المفتَرَى عليه شخص فرد ليس إلا: "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً: معناه هلاّ، حين سمعتم هذا الإفك من القائلين له، ظن المؤمنون والمؤمنات بالذين هم كأنفسهم خيرا، لأن المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور"، وبالمثل يعلق الطباطبائى فى "الميزان" على قوله سبحانه: "الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات. أولئك مبرَّأون مما يقولون، لهم مغفرة ورزق كريم" قائلا إن "الآية عامة بحسب اللفظ تصف المؤمنين والمؤمنات بالطيب، ولا ينافي ذلك اختصاص سبب نزولها وانطباقها عليه. وثانيا: أنها تدل على كونهم جميعا محكومين شرعا بالبراءة عما يُرْمَوْن به ما لم تقم عليه بينة. وثالثا: أنهم محكومون بالمغفرة والرزق الكريم. كل ذلك حكم ظاهري لكرامتهم على الله بإيمانهم، والكفار على خلاف ذلك".
    أما سؤال كويتبنا: "ما علاقة عائشة بذلك كله؟" وجوابه عليه بقوله: "لا شىء. لقد جرّت أم المؤمنين عائشة على نفسها نقمة الكثيرين بسبب دورها فى الفتنة الكبرى وموقعة الجمل. لذا تخصصت طوائف من الشيعة فى الهجوم عليها واتهامها فى شرفها، وكل الأحاديث المفتراة التى تهتك حرمة رسول الله كان النصيب الأكبر فيها لعائشة. ومن يقولون أنهم أهل السنة يدافعون عن تلك الأحاديث ويعتبرون نقدها وتبرئة الرسول وأهل بيته منها إنكاراً للسنة! ويكفينا أن الجميع لا يزالون حتى الآن يربطون عائشة بحديث الإفك منهم تصديقاً لمفتريات ما يسمى بالمصدر الثانى"، فتعليقنا عليه هو أننى رجعت إلى سبعة تفاسير شيعية (هى تفاسير القُمّىّ والطُّوسِىّ والطَّبَرْسِىّ والجنابذىّ والفيض الكاشانىّ والطباطبائىّ ومحمد تقىّ المدرسىّ) لأعرف ماذا يقول الشيعة فى حادثة الإفك، فألفيت بعضهم يذكر أن الكلام فى الآيات عن عائشة، لكن الله قد برّأ أم المؤمنين مما رُمِيَتْ به، ثم يزيد فيؤكد أنه ما كان لنبى أن تخونه زوجته أبدا، وأن النبى عليه السلام لم يشكّ فى عائشة قط. وإلى القارئ كلام الطباطبائى فى هذا: "على أنا نقول إن تسرب الفحشاء إلى أهل النبي ينفر القلوب عنه، فمن الواجب أن يطهر الله سبحانه ساحة أزواج الأنبياء عن لوْث الزنا والفحشاء، وإلا لَغَتِ الدعوة. وتثبت بهذه الحجة العقلية عفتهن واقعًا لا ظاهرًا فحسب... وبالجملة دلالةُ عامّةِ الروايات على كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ريب من أمرها إلى نزول العذر مما لا ريب فيه، وهذا مما يجلّ عنه مقامه صلى الله عليه وآله وسلم. كيف، وهو سبحانه يقول: "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا: هذا إفك مبين"، فيوبخ المؤمنين والمؤمنات على إساءتهم الظن وعدم ردهم ما سمعوه من الإفك؟ فمن لوازم الايمان حسن الظن بالمؤمنين، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أحق من يتصف بذلك ويتحرز من سوء الظن الذي من الإثم، وله مقام النبوة والعصمة الالهية". وهناك بعض آخر يقول إن المراد هو ما أشاعته عائشة عن مارية القبطية من أنها قد حملت بإبراهيم من خادمها القبطى، وهى رواية لا أساس لها إلا من خيالات هؤلاء وأمثالهم للأسف. وبعض ثالث يقول إن العامة (أى أهل السنة فى مصطلحهم) ترى أن المقصود فى آيات سورة "النور" هى عائشة، أما الخاصة (أى الشيعة) فيرون أنها مارية القبطية. وعلى هذا فالذين يقولون من الشيعة إنها عائشة يبرئونها كما برأها القرآن الكريم، ولا شك أنه فخر لها، وأى فخر، أن تنزل آيات القرآن بتبرئتها من فوق سبع سماوات مثلما كانت تقول، وحق لها أن تقول. أما الذين يقولون إن المقصود بالآيات هى مارية فهم لا يتهمون عائشة فى عرضها، وإن كانوا يتهمونها بالقذف فى حق مارية بُطْلاً، وهذا طبعا شىء آخر يختلف عما نحن بسبيله. أى أن ما قاله منصور عن الشيعة فى هذه القضية هو كلام لا قيمة له على الإطلاق. ومن ثم فالحديث الخاص بقصة الإفك لا مساءة فيه لعائشة فى قليل أو كثير، بل هو بمثابة وسام على صدرها الطاهر الشريف على عكس ما يهرف به جاهلنا الذى يتلظى قلبه على الإسلام وقرآنه وأحاديث رسوله حقدا وضغنا، لكنه يختص الحديث النبوى الآن بالهجوم كخطوة أولى ومؤقتة تعقبها الخطوة الثانية عندما يئين الأوان، ألا وهى الهجوم على القرآن والتطاول على الرسول عِيَانًا بيانًا، وجِهَارًا نهارًا! اللهم افضح من يعمل على الإساءة إليه واهتك ستره، ولو كان فى جوف محارة تائهة فى أعماق البحار جزاء انحيازه لأعدائك وأعداء دينك ورسولك وقرآنك! وحتى لو كان البخارى يريد مسح الأثر الذى لكلام الشيعة فى عائشة حسب تفكير كاهننا المضطرب لكان هذا بدوره مفخرا له، وأى مفخر، على عكس ما يريد أحمد صبحى منصور أن يوهم القراء الفضلاء الذين يظن بهم السذاجة والتخلف، على حين أنه هو الساذج المتخلف كما بيَّنّا بالأدلة الموثقة. وفى النهاية ألفت نظر القارئ الكريم إلى الفرق بين طريقة صاحبنا فى البحث والتأليف وطريقة العبد لله، فهو يخبط فى طريقه على نحو عُمْيانِىّ، ولا يبالى أين يقع كلامه ما دام يوصله إلى الهدف المرسوم له، أما أنا فأتحرى كل كلمة يقولها هو أو أقولها أنا، وأظل وراء البحث والتقصى حتى تتضح الصورة بالحق مؤيَّدًا بالاستشهادات من مصادرها التى يحددها هو. أى أننى أنزل على شَرْطه حتى لا أدع ورائى ما يمكن أن يجادل فيه أى لئيم! وبالمناسبة فقد تعمدت أن تكون استشهاداتى بكتب الشيعة كيلا أترك لجاهلٍ أية ثغرة يمكن أن يهرب من خلالها.
    ومن الأحاديث التى أخذ يصيح متهما البخارى بأنه اخترعها بقصد الإساءة على الرسول الكريم حديث أنس: "جاءت امرأة من الأنصار إلى النبى فخلا بها فقال: والله إنكن لأَحَبّ الناسِ إلى"، وهو الحديث الذى علّق عليه قائلا: "والرواية تريد للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك. ولكن القارئ الذكى لابد أن يتساءل: إذا كانت تلك الخلوة المزعومة قد حدثت فرضاً فكيف عرف أنس، وهو الراوى، ما قال النبى فيها؟"، وهو تساؤل يشى بما فى قلبه تجاه رجال الحديث، بل تجاه النبى نفسه الذى يسىء هو إليه ثم يدعى أن البخارى يقصد كذا وكذا مما لا يمكن أن يدور فى ذهن البخارى ولا فى ذهن أى إنسانٍ سَوِىٍّ، بله أن يكون هذا الإنسان من أتباع النبى الشريف ويريد أن يجنبه إساءات البخارى وأمثاله! ثم يتمادى كويتبنا فى تأكيد معانيه وإيحاءاته المجرمة قائلا: "وفى نفس الصفحة التى جاء فيها ذلك الحديث يروى البخارى حديثاً آخر ينهى فيه النبى عن الخلوة بالنساء، يقول الحديث: "لا يخلونّ رجل بامرأة إلا مع ذى محرم". وذلك التناقض المقصود فى الصفحة الواحدة فى "صحيح البخارى" يدفع القارئ للاعتقاد بأن النبى كان ينهى عن الشىء ويفعله. يقول للرجال: "لا يخلون رجل بامرأة" ثم يخلو بامرأة يقول لها: "والله إنكن لأحب النساء إلى". هل نصدق أن النبى عليه السلام كان يفعل ذلك؟ نعوذ بالله (راجع البخارى: الجزء السابع ص 48)".
    هذا ما قاله الكويتب العبقرى، وإلى القارئ روايات البخارى وغيره من المحدِّثين وما علق به ابن حجر والنووى على ذلك الموضوع. ونسوق أوّلاً ما أورده البخارى فى المواضع المختلفة من "صحيحه"، ونبدأ بالرواية التى اعتمد عليه كويتبنا وتعليق ابن حجر بشأنها: ‏"حدثنا ‏ ‏محمد بن بشار ‏ ‏حدثنا ‏ ‏غندر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏هشام ‏‏ قال: سمعت ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏رضي الله عنه ‏‏ قال:‏ جاءت امرأة من ‏‏ الأنصار ‏ ‏إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فخلا بها فقال: ‏‏ والله إنكن لأحب الناس إلي". ويلاحَظ أنه قد ورد فيها الكلام على النحو التالى: "إنكن..."، وهذه هى الرواية الوحيدة التى استُخْدِم فيها الضمير "كنّ"، على حين أن الروايات الأخرى سواء عند البخارى أو غيره تقول: "إنكم"، أى "إنكم أيها الأنصار"، لكن الكويتب ترك ذلك كله وتمسك بهذه الرواية لغرض فى نفسه مع أنها يمكن أن تكون غلطة مطبعية أو نسخية، وبخاصة أن ابن حجر فى شرحه لها قد أوردها هكذا: "إنكم" على ما سوف يتضح على الفور، إلا أن كاتبنا الذى يهيم فى محبة رسول الله كما يزعم (ثم هو لا يحب إلا من يكره رسولَ الله والدينَ الذى جاء به رسول الله وصحابةَ رسول الله والعلماءَ الذين أنفقوا عمرهم فى خدمة ما وردنا من أحاديث رسول الله، ويظن غباءً منه أنه بهذه الطريقة يستطيع الإساءة إلى رسول الله، ومن ثَمّ تقويض دين الله)، كاتبنا (بل كويتبنا) هذا قد أغمض عينيه عن سائر الروايات وشروحها جميعا، والتصق بهذه الرواية هذا الالتصاق المريب كى يسىء للرسول الكريم، فى الوقت الذى يجأر فيه صُرَاخًا بأنه إنما يعمل على منع "الظلم" عنه عليه السلام بل وعن الله ذاته، وهو تعبير غريب لا أدرى من أى وادٍ من أودية الشياطين أتى به، إذ لم أسمع من قبل ولا أظننى سأسمع من بعد بأن الله يمكن أن "يُظْلَم". وعلى أية حال فهذا التعبير لم يرد فى القرآن، فلماذا استعمله كويتبنا العبقرى الذى لا يكف لحظة عن الضجيج المُصِمّ بأنه لا يقول إلا ما جاء به القرآن؟ وهذا هو نص ما قاله الكويتب المسكين شفاه الله: "بعد قراءة هذا الكتاب ستتضح الحقائق وسيزول الجهل، ويبقى اتخاذ القرار عن عمد وعن علم: إما بالتبرؤ من البخاري وغيره نصرةً لله تعالى ورسوله الكريم، وإما بنصرة البخاري وأئمة الحديث في ظلمهم لله تعالى ورسوله الكريم".
    والآن مع شرح ابن حجر للحديث، ثم مع الروايتين الأخريين عنده، فالروايتين اللتين أوردهما مسلم وابن حنبل وشَرْح الإمام النووى لرواية الأول. يقول ابن حجر: "قوله: "عن هشام" ‏هو ابن زيد بن أَنَس، وقد تقدم في "فضائل الأنصار" من طريق بهز بن أسد عن شعبة: "أخبرني هشام بن زيد"، وكذا وقع في رواية مسلم. ‏قوله: "جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم"، ‏زاد في رواية بهز بن أسد: "ومعها صبي لها، فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم". ‏قوله: "فخلا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ‏أي في بعض الطرق. قال المهلب: لم يُرِدْ أَنَس أنه خلا بها بحيث غاب عن أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله ولم ينقل ما دار بينهما لأنه لم يسمعه" ا ه. ووقع عند مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس "أن امرأة كان في عقلها شيء قالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان، انظري أيّ السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك". وأخرج أبو داود نحو هذا السياق من طريق حميد عن أنس، لكن ليس فيه أنه كان في عقلها شيء. ‏قوله: "فقال: والله إنكم لأحب الناس إليّ"، ‏زاد في رواية بهز: "مرتين"، وأخرجه في الأيمان والنذور من طريق وهب بن جرير عن شعبة بلفظ "ثلاث مرات". وفي الحديث منقبة للأنصار، وقد تقدم في فضائل الأنصار توجيه قوله: "أنتم أحب الناس إليّ". وقد تقدم في حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس مثل هذا اللفظ أيضا في حديث آخر، وفيه سعة حلمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير، وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرا لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة: "وأيكم يملك إربه كما كان صلى الله عليه وسلم يملك إربه؟".
    ‏وبعد الانتهاء من رواية البخارى الأولى ننتقل إلى الرواية الثانية: ‏"حدثنا ‏ ‏يعقوب بن إبراهيم بن كثير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏بهز بن أسد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏‏ قال: أخبرني ‏ ‏هشام بن زيد ‏‏ قال: سمعت ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏رضي الله عنه ‏‏ قال: جاءت امرأة من ‏‏ الأنصار ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ومعها صبي لها، فكلمها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏ فقال: والذي نفسي بيده ‏ ‏إنكم أحب الناس إلي مرتين"، ثم بعد ذلك إلى الرواية الثالثة عنده رضى الله عنه (ولا رضى عمن يتهمه زُورًا وعدوانًا ووقاحةً بالكذب والتلفيق، ويكفّر المسلمين جميعا، ولا يحب أو يوالى إلا أعداء الإسلام): ‏"حدثنا ‏ ‏إسحاق ‏ ‏حدثنا ‏ ‏وهب بن جرير ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏هشام بن زيد ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏أن امرأة من ‏‏ الأنصار ‏ ‏أتت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏معها أولاد لها، فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏والذي نفسي بيده ‏ ‏إنكم لأحب الناس إليّ. قالها ثلاث مرار". أما رواية مسلم فها هى ذى: "حدثنا ‏ ‏محمد بن المثنى ‏ ‏وابن بشار ‏ ‏جميعا ‏ ‏عن ‏ ‏غندر ‏‏ قال ‏ ‏ابن المثنى: ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن جعفر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏هشام بن زيد: ‏ ‏سمعت ‏ ‏أنس بن مالك ‏‏ يقول: ‏ جاءت امرأة من ‏‏ الأنصار ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم، ‏‏ قال: فخلا بها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏ وقال: والذي نفسي بيده ‏ ‏إنكم لأحب الناس إليّ، ثلاث مرات. ‏وحدثنيه ‏ ‏يحيى بن حبيب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏خالد بن الحارث ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏وأبو كريب ‏‏ قالا: حدثنا ‏ ‏ابن إدريس ‏ ‏كلاهما ‏ ‏عن ‏ ‏شعبة ‏ ‏بهذا الإسناد". ثم ها هو ذا أخيرا شرح النووى لحديث مسلم: "قوله: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلا بها" خفيا بحضرة ناس، ولم يكن خلوة مطلقة، وهي الخلوة المنهي عنها". وتبقى رواية الإمام أحمد، ونصها: ‏‏"قال ‏ ‏عفان: ‏ ‏أخبرني ‏ ‏هشام بن زيد بن أنس ‏‏قال: سمعت ‏ ‏أنس بن مالك ‏‏ يقول‏ :جاءت امرأة من ‏‏ الأنصار ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏‏ (قال‏ ‏عفان: ‏ ‏معها ابن لها)، ‏‏ فقال: والذي نفسي بيده. وقال: ‏ ‏ابن جعفر قال: فخلا بها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏ وقال: والذي نفسي بيده ‏ ‏إنكم لأحبّ الناس إليّ، ثلاث مرات". وبعد هذا التطواف العلمى والتنقير وراء الحقيقة يستطيع القارئ أن يحكم بنفسه على مدى أهلية كويتبنا لتناول مثل هذه الأمور، وكذلك على قيمة المنهج الذى يتبعه، وهل يصلح فى مجال العلم أو لا؟ إن صويحبنا يتصرف بالطريقة التى نسميها فى اللغة العامية إن أحسنّا به الظن: "سَلْق بَيْض"، وهى طريقة لا تصلح أبدا فى ميدان البحث ولا تليق بالباحثين والعلماء. أعاذنا الله من الغباء المتدثر بالكِبْر المضحك الفاضح: المضحك لغيرنا علينا، والفاضح المخزى لنا! ولننظر إلى علمائنا الأفاضل الأفذاذ كيف يقلبون كل شىء على جميع جوانبه ويزنون الكلام بميزان الذهب، وليس بميزان القبابنة اللصوص وزَّانِى البصل!
    ومما يورده كويتبنا ويأخذه على البخارى ويتهمه بسببه بالعمل على الإساءة للنبى عليه السلام الحديث التالى الذى اختصره صويحبنا الأمين على هذا النحو: "كان رسول الله يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن أبى الصامت، فدخل عليها رسول الله فأطعمته وجعلت تفلى رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟... إلخ". وقد علق كويتبنا عليه قائلا: "فالنبى على هذه الرواية المزعومة تعوَّد الدخول على هذه المرأة المتزوجة، وليس فى مضمون الرواية وجود للزوج، أى تشير الرواية إلى أنه كان يدخل عليها فى غيبة زوجها. ويصور البخارى كيف زالت الكلفة والاحتشام بين النبى وتلك المرأة المزعومة، إذ كان ينام بين يديها وتفلى له رأسه. وبالطبع لابد أن يتخيل القارئ موضع رأس النبى بينما تفليها له تلك المرأة فى هذه الرواية الخيالية، ثم بعد الأكل والنوم يستيقظ النبى من نومه وهو يضحك، ويدور حديث طويل بينه وبين تلك المرأة نعرف منه أن زوجها لم يكن موجودا،ً وإلا شارك فى الحديث. وصيغة الرواية تضمنت الكثير من الإيحاءات والإشارات المقصودة لتجعل القارئ يتشكك فى أخلاق النبى، فتقول الرواية: "كان رسول الله يدخل على أم حرام". ولاحظ اختيار لفظ الدخول على المرأة، ولم يقل: "كان يزور". والدخول على المرأة له مدلول جنسى لا يخفى، والايحاء هنا موظَّف جيدا بهذا الأسلوب المقصودة دلالته. ثم يقول عن المرأة: "وكانت أم حرام تحت عبادة بن أبى الصامت"، فهنا تنبيه على أنها متزوجة، ولكن ليس لزوجها ذكر فى الرواية ليفهم القارئ أنه كان يدخل على تلك المرأة المتزوجة فى غيبة زوجها، وهى عبارة محشورة فى السياق عمدا حيث لا علاقة لها بتفصيلات الرواية. الا أن حشرها هكذا مقصود منه ان النبى كان يدخل على امرأة متزوجة فى غيبة زوجها ويتصرف معها وتتعامل معه كتعامل الزوجين. وحتى يتأكد القارىء ان ذلك حرام وليس حلالا يجعل البخارى اسم المرأة "أم حرام" ليتبادر إلى ذهن القارئ أن ما يفعله النبى حرام وليس حلالاً. ثم يضع الراوى بكل وقاحة أفعالاً ينسبها للنبى عليه السلام لا يمكن أن تصدر من أى إنسان على مستوى متوسط من الأخلاق الحميدة، فكيف بالذى كان على خلق عظيم عليه الصلاة والسلام؟ فيفترى الراوى كيف كانت تلك المرأة تطعمه وتفلى له رأسه وينام عندها ثم يستيقظ ضاحكاً ويتحادثان. نعوذ بالله من الافتراء على رسول الله. وقد كرر البخارى هذه الرواية المزعومة بصور متعددة وأساليب شتى ليستقر معناها فى عقل القارئ (راجع البخارى: الجزء الرابع ص 19، 21، 39، 51 والجزء الثامن ص 78 والجزء التاسع ص 44)".
    ‏وقبل أن أقول رأيى فى الحديث ألفت النظر إلى جملة أخطاء سقط فيها الكويتب منصور (اقرأ: "مكسور، منسور، منثور..." كما تحب، فأنت مصيب بإذن الله، وهو مصيبة إن شاء الله!): فقد أكد أن لفظ "الدخول على المرأة له مدلول جنسى لا يخفى، والإيحاء هنا موظف جيدا بهذا الأسلوب المقصودة دلالته"، وهذا كلام فارغ، وسأثبت أنه فارغ من القرآن نفسه الذى يدعى أنه يلتزم به ولا يلتزم بسواه حرصا على نقاوة التوحيد، إذ قال تعالى عن زكريا ومريم عليهما السلام: "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا" (آل عمران/ 37). فهذه واحدة، أما الثانية فهو زعمه أن البخارى قد تعمَّد تسمية المرأة بــ"أم حرام" للإيحاء بأن النبى كان يرتكب حراما، أى أن البخارى كان يتعمد الإساءة إلى النبى تعمدا. وهذا هو العهر الفكرى بقضه وقضيضه، لأن أم حرام ليست شخصية خيالية من بُنَيّات خيال البخارى، بل صحابية معروفة بهذه الكنية، وقد طلبت من الرسول فى هذا الحديث أن يدعو لها بأن تكون مع المجاهدين المسلمين الذين يركبون البحر غازين فى سبيل الله، فاستجاب الله له واشتركت فى غزو قبرص أيام معاوية، وماتت ودُفِنت هناك، وكان قبرها يُعْرَف بــ"قبر المرأة الصالحة"، كما كان الناس يستسقون به. وكانت تُكَنَّى باسم أخيها: "حرام"، كما كانت خالة أنس بن مالك وزوجة الصحابى الجليل عبادة بن الصامت، وهى من بنى النجار أخوال الرسول بالمدينة، ولم يكن النبى يدخل عليها كل حين، بل عندما يذهب لبعض الأمور فى قُباء كما جاء فى الحديث حيث كانت تسكن هى وزوجها. وبطبيعة الحال لم يكن النبى لينتقل من المدينة إلى قباء دون أن يكون معه بعض الصحابة. وكل ذلك متاح لمن يريد الاطلاع عليه فى الحديث الذى نحن بصدده، وفى شرح ابن حجر له وللروايات الأخرى التى وردت فيه، وفى "تحفة الأحوذى فى شرح سنن الترمذى" تعليقا على هذا الحديث ذاته، وفى كتب طبقات الصحابة وغيرها من المظانّ التاريخية، إلا أن الكويتب الأمين جدا جدا والعالم جدا جدا لا يشير إلى شىء منه. لا بل إنه ليعتِّم تعتيما خبيثا على طبيعة الحوار الذى دار بين الرسول وتلك الصحابية بحيث يقع فى رُوع القارئ الذى لا يدرى شيئا عن الموضوع أن الحديث كان حديثا غزليا جنسيا، فى حين أنه كان يدور حول رؤيا رآها الرسول وقتها عن جماعة من أصحابه يركبون البحر ويغزون فى سبيل الله، فطلبت أم حرام منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها كى تكون منهم، ففعل وكان لها ما أرادت حسبما قدمنا. وهذا هو نص ما دار بينهما كما ورد فى البخارى: "حدثنا ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏قال: حدثني ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏أنه سمعه يقول: كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا ذهب إلى ‏ ‏قباء يدخل على ‏‏ أم حرام بنت ملحان ‏‏ فتطعمه، وكانت تحت ‏ ‏عبادة بن الصامت.‏‏ فدخل يوما فأطعمته فنام رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم،‏ ‏ثم استيقظ يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: ‏ ‏ناس من أمتي عُرِضوا عليَّ غُزَاةً في سبيل الله يركبون ‏ ثَبَج ‏هذا البحر ملوكا على الأسرّة، ‏ ‏أو قال: مثل الملوك على الأسرة (شَكَّ ‏ ‏إسحاق). قلت: ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك، فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عُرِضُوا عليَّ غُزَاةً في سبيل الله يركبون ثَبَج هذا البحر ملوكا على الأسرّة أو مثل الملوك على الأسرّة. فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين. فرَكِبَتِ البحر زمان ‏ ‏معاوية ‏ ‏فصُرِعَتْ عن دابّتها حين خرجت من البحر فهلكت". فانظر الفرق بين الحديث كما عرضه هذا الشيطان الذى يريد الإساءة إلى النبى والبخارى معا ثم يتظاهر بالبراءة كأنه طفل ساذج غرير، وبين الحديث كما أورده عميد المحدِّثين. أما بالنسبة لطبيعة العلاقة على وجه الدقة بين الصحابية الكريمة التى كانت من بنى النجار أخواله وبين الرسول عليه السلام وهل كانت من محارمه أوْ لا فثَمَّةَ نقاش فى هذه النقطة يجده القارئ فى "فتح البارى". ولو افترضنا بعد ذلك كله أن البخارى هو الذى اخترع الحديث، فهل كان المسلمون ليسكتوا عنه؟ أم ترى كويتبنا يقول إنهم كانوا جميعا ذوى مأرب فى الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم جعلهم يغضون الطرْف عن هذه الإساءة بل يبتهجون بها ويفركون أيديهم حبورا وانشراحا؟ ثم إن هناك محدّثين آخرين قد روَوْا هذا الحديث مثلما رواه البخارى، فهل نتهمهم هم أيضا بتعمد الإساءة إلى النبى والعمل على تشويه أخلاقه وعفته؟ فلماذا لم يتوسعوا إذن فى الكلام والخيالات كى تكون الإساءة حقيقية بدلا من الحديث عن الغزو والشهادة فى سبيل الله؟ ومع ذلك كله فمن الممكن ألا يكون الحديث قد وقع على هذا النحو بالضبط، أو ربما غابت بعض تفصيلاته مما بدت بعض أحداثه بسببه مخالفة للمعتاد بعض الشىء.
    ويمضى الشيطان فى أذاه للنبى وللبخارى وللسنة النبوية المشرفة قائلا: "ولا تقتنع روايات البخارى بذلك، إذ يروى عن بعضهم حديثاً يقول: "خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم حتى انطلقنا إلى حائط (أى بستان أو حديقة) يقال: له: "الشوط"، حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما، فقال النبى: اجلسوا هاهنا. ودخل وقد أُتِىَ بالجَوْنِيّة فأُنْزِلَتْ فى بيت نخل فى بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها. فلما دخل عليها النبى صلى الله عليه وسلم قال: هبى نفسك لى. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده عليها لتسكت، فقالت: أعوذ بالله منك" (راجع البخارى الجزء السابع ص 53). وبالتمعن فى هذه الرواية الزائفة نشهد رغبة محمومة من البخارى لاتهام النبى بأنه حاول اغتصاب امرأة أجنبية جىء له بها، وانها رفضته وشتمته باحتقار. فالراوى يجعل النبى يذهب عامداً إلى المكان المتفق عليه وينتظره أصحابه فى الخارج، والمرأة الضحية (واسمها الجونية) قد أحضروها له، ونفهم من القصة أنها مخطوفة جئ بها رغم أنفها. ويدخل النبى فى تلك الرواية المزعومة على تلك المرأة وقد جهزتها حاضنتها أو وصيفتها لذلك اللقاء المرتقب، والمرأة فى تلك الرواية المزعومة لم تكن تحلّ للنبى، لذا يطلب منها أن تهب نفسها له بدون مقابل. وترفض المرأة ذلك بإباء وشمم قائلة: "وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟"، أى تسبّ النبى فى وجهه بزعم البخارى. وبدلا من أن يغضب لهذه الاهانة يصر على أن ينال منها جنسيا ويقترب منها بيده فتتعوذ بالله منه. أى تجعله، فى تلك الرواية الباطلة، شيطاناً تستعيذ بالله منه. ولكن ذلك البناء الدرامى لتلك القصة الوهمية البخارية ينهار فجأة أمام عقل القارئ الواعى. إذا كان الراوى للقصة قد سجل على نفسه أنه انتظر النبى فى الخارج، فكيف تمكن من إيراد الوصف التفصيلى والحوار الذى حدث فى خلوة بين الجدران؟".
    يا شيطان، أنا أقول لك كيف عرف، فقد خرج النبى عند ذاك وطلب منهم أن يجهزوها ببعض الثياب ويلحقوها بأهلها معززة مكرمة، إذ رآها لا تصلح لأن تكون زوجة له، فقد كانت مخطوبة له عليه السلام وجىء بها ليدخل عليها لا ليغتصبها يا فاسق يا قليل الأدب، لكن تصرفها دل على أنها لم تكن تصلح له صلى الله عليه وسلم. أما النبى فقد سامحها لأنه أكبر من أن ينزل لمستوى واحدة مثلها تفتقر إلى اللباقة واللياقة ولا تعرف كيف تخاطب رسول الله أو تتعامل مع جلال النبوة. وقد كان بمكنته أن يعاقبها ويُنْزِل بأهلها أقسى ضروب المهانة والترويع والإذلال كما كان أى شخص فى مكانه سيفعل، لكنه رسول الله الذى لم يكن طعّانا ولا لعّانا ولا مفحشا كما وصف نفسه ذات مرة. وقد حجز كويتبنا الخبيث عن القارئ رد فعل الرسول حين استعاذت بالله، إذ قال: لها: لقد عذتِ بمعاذ، أى لا يستطيع أحد أن يمسّك بما لا تَرْضَيْنَ ما دمت قد استعذت بالله! وهذا هو نص الحديث كما ورد كاملا عند البخارى: "‏حدثنا ‏ ‏أبو نعيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن بن غسيل ‏ ‏عن ‏ ‏حمزة بن أبي أسيد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي أسيد ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال: ‏خرجنا مع النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حتى انطلقنا إلى ‏ ‏حائط ‏ ‏يقال: له: "الشوط" حتى انتهينا إلى ‏ ‏حائطين ‏ ‏فجلسنا بينهما، فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ ‏اجلسوا ها هنا. ودخل، وقد أُتِيَ ‏ ‏بالجونية ‏ ‏فأُنْزِلَتْ في بيت في نخل في بيت ‏ ‏أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ‏ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: هبي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال:‏ ‏قد عذت بمعاذ. ثم خرج علينا فقال: يا‏ ‏أبا أسيد، ‏ ‏اكسها ‏‏رازقيتين ‏ ‏وألحقها بأهلها. ‏وقال ‏الحسين بن الوليد النيسابوري ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن ‏ ‏عن ‏ ‏عباس بن سهل ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏وأبي أسيد ‏ ‏قالا: ‏ ‏تزوج النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أميمة بنت شراحيل،‏ ‏فلما أُدْخِلَتْ عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر ‏ ‏أبا أسيد ‏ ‏أن يجهزها ويكسوها ثوبين ‏ ‏رازقيين. ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن محمد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏إبراهيم بن أبي الوزير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن ‏ ‏عن ‏ ‏حمزة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏وعن ‏ ‏عباس بن سهل بن سعد ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏بهذا".
    ثم هذا هو شرح ابن حجر للحديث: "‏قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن غسيل" ‏كذا في رواية الأكثر بغير ألف ولام، وفي رواية النسفي: "ابن الغسيل"، وهو أَوْجَه، ولعلها كانت "ابن غسيل الملائكة" فسقط لفظ الملائكة. والألف واللام بدل الإضافة. وعبد الرحمن ينسب إلى جد أبيه، وهو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري. وحنظلة هو غسيل الملائكة، استُشْهِد بأُحُد وهو جُنُب، فغسّلته الملائكة، وقصته مشهورة. ووقع في رواية الجرجاني "عبد الرحيم"، والصواب "عبد الرحمن" كما نبه عليه الجياني . قوله: "إلى حائط يقال: له :الشوط" ‏بفتح المعجمة وسكون الواو، بعدها مهملة، وقيل معجمة: هو بستان في المدينة معروف . ‏قوله: "حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجلسوا هاهنا، ودخل، أي إلى الحائط" له رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني الجون فأمرني أن آتيه بها فأتيتُه بها فأنزلتُها بالشوط من وراء ذباب في أطم، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فخرج يمشي ونحن معه. و"ذباب" بضم المعجمة وموحَّدتين مخفَّفا: جبل معروف بالمدينة. و"الأُطُم": الحصون، وهو الأُجُم أيضا، والجمع آطام وآجام كعُنُق وأعناق. وفي رواية لابن سعد أن النعمان بن الجون الكندي أتى النبي صلى الله عليه وسلم مُسْلِمًا فقال: ألا أزوّجك أجمل أيّم في العرب؟ فتزوجها وبعث معها أبا أسيد الساعدي. قال أبو أسيد: فأنزلتها في بني ساعدة، فدخل عليها نساء الحي فرحين بها وخرجن فذكرن من جمالها. ‏قوله: "فأُنْزِلَتْ في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل" ‏هو بالتنوين في الكل، و"أميمة" بالرفع: إما بدلا عن الجونية، وإما عطف بيان. وظن بعض الشراح أنه بالإضافة فقال في الكلام على الرواية التي بعدها: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل. ولعل التي نزلت في بيتها بنت أخيها، وهو مردود، فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من إعادة لفظ "في بيت". وقد رواه أبو بكر بن أبي قتيبة في مسنده عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال: "في بيت في النخل أميمة إلخ"، وجزم هشام بن الكلبي بأنها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الجون الكندية، وكذا جزم بتسميتها: "أسماء" محمد بن إسحاق ومحمد بن حبيب وغيرهما. فلعل اسمها أسماء، ولقبها أميمة. ووقع في "المغازي" رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق "أسماء بنت كعب الجونية"، فلعل في نسبها مَن اسمه كعب نسبها إليه. وقيل: هي أسماء بنت الأسود بن الحارث بن النعمان. قوله: "ومعها دايتها حاضنة لها": "‏الداية" بالتحتانية الظئر المرضع، وهي معرَّبة. ولم أقف على تسمية هذه الحاضنة . ‏قوله: "هبي نفسك لي...إلخ": ‏"السُّوقة" بضم السين المهملة يقال للواحد من الرعية والجمع، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسُّوقَة عندهم من ليس بملكٍ كائنا من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك. وكان صلى الله عليه وسلم قد خُيِّر أن يكون ملكا أو نبيا، فاختار أن يكون عبدا نبيا تواضعا منه صلى الله عليه وسلم لربه. ولم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها، وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه صلى الله عليه وسلم فخاطبته بذلك، وسياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال. نعم سيأتي في أواخر الأشربة من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "ذُكِر للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها فقدمت، فنزلت في أُجُم بني ساعدة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء بها فدخل عليها، فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك. قال: لقد أعذتك مني. فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك. فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب: "ألحقها بأهلها" ولا قوله في حديث عائشة: "الحقي بأهلك" تطليقا، ويتعين أنها لم تعرفه. وإن كانت القصة متعددة، ولا مانع من ذلك، فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب. وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العزرمي الضعيف عن ابن عمر قال: " كان في نساء النبي صلى الله عليه وسلم سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا أسيد الساعدي يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر، قال ابن سعد: اختلف علينا اسم الكلابية، فقيل: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: سنا بنت سفيان بن عوف، وقيل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف، فقال بعضهم: هي واحدة اختُلِف في اسمها، وقال بعضهم: بل كن جمعا، ولكن لكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها". ثم ترجم الجونية فقال: أسماء بنت النعمان. ثم أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال: "قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْلِمًا فقال: يا رسول الله، ألا أزوِّجك أجمل أيّم في العرب؟ كانت تحت ابن عم لها فتوفي وقد رغبت فيك. قال: نعم. قال: فابعث من يحملها إليك. فبعث معه أبا أسيد الساعدي. قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام ثم تحمَّلَتْ معي في محفة، فأقبلتُ بها حتى قدمت المدينة فأنزلتها في بني ساعدة، ووجَّهْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بني عمرو بن عوف، فأخبرته... الحديث". قال ابن أبي عون: وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع. ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم عن أبي أسيد قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجونية فحملتها حتى نزلت بها في أطم بني ساعدة، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها... الحديث" . ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: اسم الجونية أسماء بنت النعمان بن أبي الجون. قيل لها: استعيذي منه، فإنه أَحْظَى لك عنده، وخُدِعَتْ لما رُئِيَ من جمالها، وذُكِر لرسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ حَمَلَها على ما قالت، فقال: إنهن صواحب يوسف وكيدهن. فهذه تتنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، وأما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة فيمكن أن تنزل على هذه أيضا، فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة، والقصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدد، ويقوى أن التي في حديث أبي أسيد اسمها: "أميمة"، والتي في حديث سهل اسمها: "أسماء"، والله أعلم. وأميمة كان قد عقد عليها ثم فارقها، وهذه لم يعقد عليها، بل جاء ليخطبها فقط. قوله: "فأهوى بيده"، ‏أي أمالها إليها. ووقع في رواية ابن سعد: "فأهوى إليها ليقبلها، وكان إذا اختلى النساء أقعى". وقيل في رواية لابن سعد: "فدخل عليها داخل من النساء، وكانت من أجمل النساء، فقالت: إنكِ من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحَْظَىْ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءك فاستعيذي منه". ووقع عنده عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب: "إن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشّطتاها وخضبتاها، وقالت لها إحداهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك". ‏قوله: "فقال: قد عُذْتِ بمعاذ"، ‏هو بفتح الميم ما يستعاذ به، أو اسم مكان العَوْذ، والتنوين فيه للتعظيم. وفي رواية ابن سعد: "فقال بكمّه على وجهه وقال: "عذت معاذا" ثلاث مرات". وفي أخرى له: "فقال: آمنٌ عائذ الله". ‏قوله: "ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد، اكْسُها رازقيين"، ‏بِرَاءٍ ثم زايٍ ثم قافٍ بالتثنية، صفة موصوف محذوف للعلم به، والرازقية: ثياب من كتان بيض طوال. قاله أبو عبيدة، وقال غيره: يكون في داخل بياضها زرقة، والرازقي: الصفيق. قال ابن التين: متَّعها بذلك إما وجوبا وإما تفضلا. قلت: وسيأتي حكم المتعة في كتاب النفقات. ‏قوله: "وألحقها بأهلها": ‏قال ابن بطال: ليس في هذا أنه واجهها بالطلاق. وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة أول أحاديث الباب، فيُحْمَل على أنه قال لها: الحقي بأهلك، ثم لما خرج إلى أبي أسيد قال: له ألحقها بأهلها، فلا منافاة: فالأول قصد به الطلاق، والثاني أراد به حقيقة اللفظ، وهو أن يعيدها إلى أهلها، لأن أبا أسيد هو الذي كان أحضرها كما ذكرناه. ووقع في رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال: "فأمرني فرددتها إلى قومها"، وفي أخرى له: "فلما وصلت بها تصايحوا وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك ؟ قالت: خُدِعْتُ. قال: فتوفيت في خلافة عثمان " ر. قال: "وحدثني هشام بن محمد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنها ماتت كمدا"، ثم روي بسند فيه الكلبي "أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها، فأراد عمر معاقبتها فقالت: ما ضُرِبَ عليّ الحجاب، ولا سُمِّيتُ: أم المؤمنين، فكفّ عنها ". وعن الواقدي: سمعت من يقول إن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها، قال: وليس ذلك بثبت. ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجها بلفظ الطلاق. وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك كتب إليه يسأله، فكتب إليه: ما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم كندية إلا أخت بني الجون فملكها، فلما قدمت المدينة نظر إليها فطلقها ولم يَبْنِ بها. فقوله: "فطلقها" يحتمل أن يكون باللفظ المذكور قبل، ويحتمل أن يكون واجهها بلفظ الطلاق. ولعل هذا هو السر في إيراد الترجمة بلفظ الاستفهام دون بتّ الحكم. واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها إذ لم يجر ذكر صورة العقد، وامتنعت أن تهب له نفسها، فكيف يطلّقها؟ والجواب أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرأة وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافيا في ذلك، ويكون قوله: "هبي لي نفسك" تطييبا لخاطرها واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله في رواية لابن سعد: "إنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وإن أباها قال له : إنها رغبت فيك وخطبت إليك". هذا ما جاء فى البخارى وشرح ابن حجر له، وأنا لا أستبعد أن يكون شياطين المستشرقين والمبشرين قد صنعوا مع منصور (اقرأ: "مكسور") كما كانوا يصنعون مع خليل عبد الكريم، فأمدوه بتلك القصة وغيرها على هذا النحو الملتوى، ثم طلبوا منه أن يفصّل لهم، بالاستعانة بالمادة التى أمدوه بها، كتابا فى هذا الموضوع، ففعل

    تحياتي وإلى اللقاء

    تحياتي
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-02-13
  7. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    أين القـراء وتـعـليقاتهم , وإلاسميناه مجلس النائمين
    نحن نقلنا الموضوع للفائدة


    تحياتي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-02-13
  9. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    أين القـراء وتـعـليقاتهم , وإلاسميناه مجلس النائمين
    نحن نقلنا الموضوع للفائدة


    تحياتي
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-02-13
  11. RBG

    RBG عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-08-03
    المشاركات:
    1,128
    الإعجاب :
    0
    يا اخي الموضوع طويل حبتين ..

    على العموم .. اعتقد ان مثل هذا الكلام يعنبر تطاولا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم و من يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح دمه .. لان هذا كفر وارتداد ..

    وشكرا لصاحب الموضوع وجزاك الله خيرا على غيرتك .. واثابك الله وجعل كلامك في ميزان حسناتك
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-02-13
  13. RBG

    RBG عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-08-03
    المشاركات:
    1,128
    الإعجاب :
    0
    يا اخي الموضوع طويل حبتين ..

    على العموم .. اعتقد ان مثل هذا الكلام يعنبر تطاولا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم و من يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح دمه .. لان هذا كفر وارتداد ..

    وشكرا لصاحب الموضوع وجزاك الله خيرا على غيرتك .. واثابك الله وجعل كلامك في ميزان حسناتك
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-02-13
  15. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    تشكر أخي .. والحـق معـك أن الموضوع طـويل وكنت أريد أقسمه لحـلقات لولا الطواريء

    وجـزاك الله خيرا

    تحياتي
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-02-13
  17. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    تشكر أخي .. والحـق معـك أن الموضوع طـويل وكنت أريد أقسمه لحـلقات لولا الطواريء

    وجـزاك الله خيرا

    تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة