حديث الله عن نفسه في القرآن بصيغة المتكلم تارة وبصيغة الغائب أخرى

الكاتب : الوفي   المشاهدات : 4,321   الردود : 0    ‏2002-08-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-19
  1. الوفي

    الوفي عضو

    التسجيل :
    ‏2002-08-11
    المشاركات:
    206
    الإعجاب :
    0
    كيف يمكن اعتبار القرآن قد أوحى إلى محمد، وفي نفس الوقت نجد أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- هو المتكلم في آيات عديدة كما
    في سورة 1 الآية 5،7 - وفي سورة 2،105 الآية 117،163 وكما في سورة 3 الآية 2، وفي سورة رقم 40 الآية 65، والسورة رقم 43 الآية 88،89 ؟؟

    الجواب :

    إن السائل لا يعرف أساليب اللغة العربية، ولا طرائق البلغاء في الكلام، ولا منهجهم في البيان، ومعلوم أن القرآن نزل بلغة العرب، وقد تحدى الله الأولين والآخرين أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة وبيانا وحلاوة وبناءا معجزا يستحيل الإتيان بكلام مثله في الحلاوة والبيان.

    ومن أساليب العرب في البيان أن يتحدث المتكلم عن نفسه تارة بضمير المتكلم، وتارة بضمير الغائب، كأن يقول المتكلم: فعلت كذا وكذا،وذهبت وآمرك يا فلان أن تفعل كذا، وتارة يقول عن نفسه أيضا: إن فلانا -يعني نفسه- يأمركم بكذا وكذا، وينهاكم عن كذا، ويحب منكم أن تفعلوا كذا كأن يقول أمير أو ملك لشعبه وقومه وهو المتكلم إن الأمير يطلب منكم كذا وكذا.. وهو يشير بذلك أن أمره لهم من واقع أنه أمير أو ملك. وهذا أبلغ وأكمل من أن يقول لهم أنني الملك وآمركم بكذا وكذا.. فقوله: أن الملك يأمركم أكثر بلاغة من قوله أنني
    الملك وآمركم.. وقد جاء القرآن بهذا النوع من البيان كما في الآيات التي اعترض بها السائل فظن أن هذا لا يمكن أن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى: نحو قوله تعالى في سورة البقرة: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}، وقوله في سورة آل عمران: {ألم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، نزل عليك الكتاب بالحق} فظن هذا الذي لا يعرف العربية أن الله لا يمكن أن يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب وأنه كان لا بد وأن يقول (نزلت عليك يا محمد الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه..) ونحو ذلك وهذا جهل بأساليب اللغة العربية، وموقعها في البيان والبلاغة.. ولا شك أن خطاب الله هنا وكلامه عن نفسه بصيغة الغائب أبلغ من لو قال سبحانه (ألم، أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم نزلت عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه الآيات).

    وعلى كل حال فهذا أسلوب من أساليب البلاغة في اللغة، والظن أن هذا يطعن في القرآن وأنه ليس من عند الله وإنما من عند الرسول ظن تافه ساذج في منتهى الركاكة والجهل.

    وأما الالتفات في الخطاب من الحضور إلى الغيبة والعكس، كأن يخاطب المخاطب بضميره فيقول أنك فعلت كذا وكذا ثم تخاطبه تارة أخرى بضمير الغائب فتقول له: فعل فلان كذا وكذا وأنت تعنيه. فهذا كذلك أسلوب من أساليب البلاغة: كقوله تعالى: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} ولا شك أن النبي هو المقصود، ثم حول الله الخطاب إليه قائلا: {وما يدريك لعله يتزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى.. الآيات} (1:80،4).

    وأما أن القرآن كتاب تعليم وتوجيه فقد جاء ليعلم المسلمين ماذا يقولون في صلاتهم، وبماذا يدعون ربهم فقد أنزل الله سورة (الفاتحة) لتكون دعاءا وصلاة للمسلمين يتلونها في كل ركعة وفيها: {الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} وهذا كلام الله عن نفسه سبحانه يصف نفسه بهذه الصفات الجليلة العظيمة ثم يعلم المسلمين أن يقولوا في صلاتهم ودعائهم هذا {إياك نعبد، وإياك نستعين،اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين}.

    فهذه السورة تعليم وتوجيه من الرب سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين ليصلوا ويدعوا بها في كل ركعة من ركعات صلاتهم.. وفي هذه السورة من البلاغة والإعجاز والمعاني ما لا تسعه هذه الرسالة الموجزة. ولو أن عالما بالعربية تدبرها كفته إعجازا وشهادة أن هذا القرآن منزل من الله سبحانه وتعالى وليس من كلام بشر.

    والخلاصة من هذا السؤال أن صاحبه إنما أتى به من كونه لا يعلم العربية ولا أساليب البيان والفصاحة وما أظن إلا أن معظم اللغات تعرف هذا اللون من التعبير والذي يسمى بـ (الإلتفاف) أي التحول من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، لمقاصد كثيرة كتخفيف العتاب، أو توجيه النظر إلى البعيد أو استحضار المشهد، أو التعظيم، أو التحقير ونحو ذلك من مقاصد البلغاء.

    وكذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة (غافر:65) {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين، الحمد لله رب العالمين} فهو خطاب لله سبحانه وتعالى عن نفسه بصيغة الغائب وهو تعريف للعباد بذاته العلية جل وعلا.. وقد قدمنا أن هذا أسلوب من أساليب العربية في الخطاب.

    ومثل هذا أيضا ما اعترض به هذا الجاهل باللغة وهو قوله تعالى في (سورة الزخرف:88،89): {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون}. فإن هذا جميعه من حديث الرب جل وعلا عن نفسه، وعن رسوله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان إذا سأل المشركين عن خالق السماوات والأرض يعترفون أنه الله سبحانه وتعالى فعجب الله نبيه صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء المشركين الذين يعتقدون بأن الله خالق السماوات والأرض ثم لا يفردونه وحده بالعبادة، ولا يؤمنون بقدرته على إحيائهم بعد موتهم {فأنى يؤفكون} أي يقلبون، ثم ذكر الله توجع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وشكاته من قومه {وقيله} أي وهذا قول الرسول لربه {يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} وعندئذ يأتيه الجواب وهو بمكة {فاصفح عنهم وقل سلام} أي لا تعلن حربا عليهم الآن: {فسوف يعلمون}
    ما يكون مآلهم في الدنيا من القتل بأيدي المؤمنين، ومآلهم في الآخرة من الخلود في النار أبد الآبدين.

    وهذا الجاهل باللغة يظن أن قوله تعالى: {وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون}.. الآية، أن هذا من كلام محمد صلى الله عليه وسلم وإذن فالقرآن لا يمكن أن يكون من كلام الله. ومثل هذا السخف لا يحتاج إلى رد ولكن ماذا نفعل إذا كان هؤلاء هذا هو مستواهم من العلم.. ومع ذلك يعارضون القرآن، ويشككون في رسالة الإسلام.
     

مشاركة هذه الصفحة