الجهاد؛ كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟

الكاتب : كتيبة الثأر   المشاهدات : 545   الردود : 3    ‏2007-02-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-02-12
  1. كتيبة الثأر

    كتيبة الثأر عضو

    التسجيل :
    ‏2006-10-19
    المشاركات:
    42
    الإعجاب :
    0
    من روائع الشيخ الشهيد أبو أنس الشامي ​
    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله نحمده نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما}.

    أما بعد...

    فإن خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    حديثنا أيها الإخوة الكرام؛ عن الجهاد، ما هو؟ وما موقعه في دين الله تبارك وتعالى؟ مع ذكر بعض ما ورد في فضله في كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.


    * * *

    ونحن نعلم أيها الإخوة الكرام أنه لم يرد في فضل شيء في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ما ورد في فضل الجهاد.

    وحسبنا كلمة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عندما قال: (أكثر الآيات والأحاديث في الصلاة والجهاد).

    ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي عن معاذ رضي الله عنه : (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله عز وجل).

    وكان عليه الصلاة والسلام إذا عاد مريضاً يقول: (اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة أو ينكأ لك عدواً).

    فمن كان إذا شُفي لا يشهد الصلاة أولا ينكي في أعداء الله؛ فلا شفاه الله!

    وليس هذا بعجيب أيها الإخوة الكرام، فإن الصلاة عمود دين المرء فيما بينه وبين ربه عز وجل في خاصة نفسه، فإذا ترك الصلاة هدم دينه والجهاد عمود دين الأمة إذا تركته ذلّت، واستبيحت بيضتها، وأجلب عدوها عليها بخيله ورجله، وانتقص أرضها من أطرافها، وسامها الخسف والهوان.

    ولذلك روى الإمام الطبراني في الأوسط بسند حسن، كما قال الإمام المنذري عن أبي بكر - رضي الله عنهم جميعاً - أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا).

    ولذلك - كما قلت - فقد طفح الكتاب والسنة بالحديث عن فضل هذه الشعيرة والدعوة إليها والحض عليها لأنها هي سياج هذه الأمة - وكما قلت - عمود الدين لأمة الإسلام.

    ولذلك ثبت في مسلم عن سلمان رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان).

    وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام - كما في الترمذي وحسنه - عن أبي هريرة رضي الله عنه لرجل أراد أن يعتزل متعبدا راكعاً ساجداً صائماً، فقال: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادته في بيته، خير من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم وأن يدخلكم الجنة أغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة).

    وفواق الناقة في رأي كثير من العلماء؛ ما بين الحلبة والحلبة، من قاتل في سبيل الله هذا الزمان اليسير وجبت له الجنة بإذن الله تبارك وتعالى.

    ولذلك ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم أتوا النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: (يا رسول الله ما يعدل الجهاد؟)، قال: (لا أجده)، فكرروا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: (لا أجده)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد).

    ولذلك قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى معلقاً على هذا الحديث: (هذا من أجل حديث روي في فضل الجهاد لأنه مثّل بالصلاة والصيام وهما أفضل الأعمال).

    في مسند أحمد النبي عليه الصلاة والسلام قال: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة).

    وفي النسائي بسند صحيح - كما قال ابن حجر - عن أبي أمامة - رضي الله عنهم جميعاً - أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (دلني على عمل)، فقال: (عليك بالصيام فإنه لا مثل له).

    فالصلاة والصيام من أفضل الأعمال.

    ثم النبي عليه الصلاة والسلام جعل المجاهد في سبيل الله كالصائم القائم الذي لا يفتر... أظن قال: (وهما أفضل الأعمال).

    وجعل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعة، فأي شيء أفضل من شيء يكون صاحبه راكباً وماشياً وراقداً، ومتلذذاً بكثير مما أبيح له من حديث رفيقه وأكله وشربه وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم المجتهد!

    النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الناس قال: (رجل آخذ بعنان فرسه يبتغي الموت مظانه إذا سمع هيعة طار إليها يبتغي الموت مظانه).

    فهذا أفضل الناس بشهادة خير الناس عليه الصلاة والسلام.

    وفي السنن عن عثمان رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل).

    ولذلك فقه الصحابة رضي الله عنهم هذه الحقيقة.

    فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقررها لنا واضحة جلية قال: (لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود؛ أحب إليه من أن يقوم ليلة القدر - التي هي خير من ألف شهر - عند الحجر الأسود).

    فاختار الرباط على أفضل الأزمنة - ليلة القدر - وأفضل الأمكنة – عند الحجر الأسود في بيت الله الحرام.

    ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله : (إن الجهاد أفضل من الحج والعمرة ومن التعبد في المسجد الحرام الذي تعدل الصلاة فيه مئة ألف صلاة في غيره من المساجد).

    وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم قال: (من رمى بسهم في سبيل الله بلغ العدو أو لم يبلغه كانت له عدل رقبة).

    كأنما اعتق رقبة، ومن أعتق رقبة أعتقه الله من النار.

    وفي الصحيح مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رجلاً قال: (لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام)، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله)، فقال عمر - رضي الله عنهم جميعاً - : (لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا قضيت الصلاة سألته عن ذلك)، فسأله فأنزل الله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله وليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم}.

    وقال أيضاً رحمه الله : (المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية؛ أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، وما أعلم في هذا نزاعاً بين أهل العلم).

    قال الإمام ابن قدامة رحمه الله : (قال أبو عبد الله - أحمد بن حنبل - لا أعلم شئاً من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد)

    وقال: (لا نعلم شيئاً من أبواب البر أفضل من السبيل)، يعني الجهاد في سبيل الله.

    وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وذكر له أمر الغزو، فجعل يبكي ويقول: (مامن أعمال البر أفضل منه).

    وقال عنه غيره: (ليس يعدل لقاء العدو شيء، ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم، فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم).

    ولذلك جاء في الطبراني بسند رجاله ثقات، عن أنس - رضي الله عنهم جميعاً - أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أجر الرباط، فقال: (من بات ليلة حارساً من وراء المسلمين فله أجر من صلى وصام ممن وراءه).

    له أجر من وراءه ممن صام وصلى من أهل الإسلام، وهم آمنون بسيفه، وهو خائف في الله تبارك وتعالى، بذل مهجة نفسه دفاعاً وذوداً عن أهل الإسلام.

    وقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن جبير - رضي الله عنهم جميعاً - أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار).

    ومن الأحاديث التي تزلزل المؤمن من أعماقه وتهز كيانه، إن كان فيه قلب، ما رواه أبو داود عن أبي أمامة - رضي الله عنهم جميعاً – أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من مات ولم يغزو أو يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة).

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: (لن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد، كتاب يهدى به وحديد ينصره وكفى بربك هادياً ونصيرا)

    كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس}.

    يقول: (فالكتاب به يقوم العلم والدين والميزان به تقوم الحقوق في العقود المالية والقبوض، والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين، ولهذا كان أكثر الآيات والأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد) – كما تقدم معنا –

    وقال رحمه الله : (وقوام الدين بالكتاب الهادي والسيف الناصر، وكفى بربك هادياً ونصيراً).

    هذه كانت جولة سريعة، واستذكاراً سريعاً لبعض ما ورد في الكتاب والسنة في فضل هذه الشعيرة.


    * * *

    لكن تعالوا نتدارس سريعاً حقيقة الجهاد، والمراد منه:

    قرر الله سبحانه وتعالى لنا حقيقة الجهاد والغاية منه في القرآن بأوضح بيان، وأجلى توضيح سبحانه وتعالى، فقال تبارك وتعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} - هكذا في سورة البقرة –

    {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} – هـكذا في سورة الأنفال –

    وتعالوا نحاول أن نفقه مراد الله في هذه الآية:

    {وقاتلوهم}: فنحن مأمورون بالقتال – وسنتحدث إن شاء الله من بعد عن حكمة استعمال هذا اللفظ –

    {حتى لا تكون فتنة}: حتى تنقطع الفتنة وتمحى من الأرض، والفتنة في قول عامة المفسرين هي الشرك، {والفتنة أشد من القتل}: أي فتنة المسلم عن دينه حتى يرتد مشركاً أعظم من قتله، فإنه لو قتل على الإسلام فهنيئاً له الجنة.

    {فقاتلوا}: قاتلوهم حتى تمحو الشرك من الأرض.

    وهنا قد يتبادر أو يتقافز إلى الذهن سؤال: هل نحن حقيقة نقاتل حتى نمحو الشرك؟ ألسنا نسمح بالشرك في دولة الإسلام؟ ألسنا نسمح لليهودي أن يظل يهودياً، وللنصراني أن يظل نصرانياً، وللمجوسي أن يظل مجوسياً؟ وفي سائر الملل والأصناف خلاف بين الفقهاء إذا أدوا الجزية عن يد هم صاغرون؟

    بل إننا نذود عنهم بالغالي والرخيص ولا نسمح ليد أن تمتد إليهم بسوء ونحرسهم، وهم مشركون بنص القرآن، إذاً فكيف تقول إننا نقاتل حتى نمحو الشرك من الأرض؟

    فنقول: نعم، إن الشرك الذي نقاتل حتى نمحوه من الأرض هو الشرك الذي يضاد آخر الآية: {ويكون الدين كله لله}، والدين في لسان القرآن: هو الدينونة لقانون وشرعة ودستور، كما قال تبارك وتعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك}، أي: في قانون الملك ونظامه ودستوره.

    فنحن نقاتل حتى تدين الأرض كلها لشرعة الله تبارك وتعالى، وحتى يحكم العالم بكتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وحتى يمد الإسلام رواقه على العالمين، ويبسط جناحيه على الورى في ظل شرعة الله تبارك وتعالى، في ظل حكم الله، في ظل الدينونة لشرع الله تبارك وتعالى.

    فليظل اليهودي إن شاء على شركه والنصراني على أن يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون أذلاء تجري عليهم سطوة الإسلام وقانونه – كما سيأتي معنا إن شاء الله –

    وهنا إذا فقه الإنسان هذا الأمر أدرك ما يلي:

    أولاً: أنه لا تعارض بين هذا وبين قول الله تبارك وتعالى: {لا إكراه في الدين}، لا كما يزعم بعض من ينتسب إلى العلم حين ينسبون التعارض بهاتين الآيتين، أو بين هذا الفهم وبين هذه الآية.

    فـ {لا إكراه في الدين}: من حقك أن تظل على الدين الذي أنت عليه، على أن تؤدي الجزية عن يد وأنت صاغر، لكن أرض الله يجب أن تحكم بشرعة الله تبارك وتعالى.

    الأمر الثاني: إذا أدرك الإنسان هذه الحقيقة؛ فإنه يدرك حقيقة الزيف والتحريف الذي يقوده بعض من ينتسب إلى العلم من هذه الأمة حين يزعمون أن الجهاد هو الدفاع وأننا لا نقاتل الناس، وإنما ندافع عن أنفسنا فقط إذا غزينا! وليت شعري... هل غُزي المسلمون من أهل الأندلس، ومن أهل الصين ومن أهل بخارى ومن أهل سمرقند؟ بل حتى من أهل فارس!

    فإننا نعلم أن رستم قال لجيش الإسلام: (إني أعلم أنه لم يخرجكم إلا الجوع والفاقة، فنحن نعطيكم مالاً وطعاماً وتعالوا من العام القادم... تعالوا، وسنعطيكم مرة أخرى!)، قالوا: (لا)، ثم قال ربعي رضي الله عنه : (الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد لعبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

    هذا العدل الذي شهد به التاريخ؛ حتى أن قبطياً يسافر من مصر إلى المدينة يشتكي ابن الأكرمين: ضرب ابنه - ابن عمر بن العاص رضي الله عنه -

    ليس العجيب في هذه القصة - أيها الإخوة الكرام - أن عمر رضي الله عنه يقتص لهذا الرجل ويحكم بالعدل، فهذا شأنه رضي الله عنه، لكن العجيب أن هذا القبطي الذي كان ذليلاً فيما مضى، كان عبداً للعبيد في روما لا يملك من أمره شيئاً؛ إذا به يسافر مسيرة شهر في الصحراء ليشتكي: "ابن الأمير ضرب ابنه".

    فأي كرامة وأي عدل بسط رواقه في العالمين في تلك الفترة على أيدي صحابته صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم؟

    والمقصود مرة أخرى؛ أن هذا زيف كاذب مخالف لفهم الأمة وحركة التاريخ، فإن الصحابة رضي الله عنهم خرجوا بهذا الدين وجابوا الأرض يحملون للناس واحداً من ثلاث؛ الإسلام أو الجزية أو القتال.

    وهذا الإمام البخاري يروي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال لعامل كسرى: (أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام رسول الله أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية).

    وهذا الأمر كلمة إجماع بين علماء الإسلام، ولا يمكن أن تظفر بكلمة للأئمة المتقدمين تُفهم على وجه صحيح - لا على سبيل التحريف والتزييف - تخالف هذا.

    ولم تسمع الأمة بمقولة: الحرب الدفاعية وأن الجهاد دفاع، إلا في مصر منتصف القرن الماضي عندما اجلب المستشرقون بخيلهم ورجلهم وهاجموا الإسلام في ظل ضعف وانهزام نفسي لأهل الإسلام، وقالوا؛ الجهاد هو نشر الإسلام بالسيف.

    فقام من قام، وأول من قام المدرسة العقلانية، ومن أشهر من قام بهذا "أبو زهرة" ثم تبعه تلميذاه "الغزالي" و"القرضاوي"، وانتشر الأمر بعد ذلك في الناس أن الجهاد هو الدفاع.

    لكن تعالوا ننظر سريعاً بعض أقاويل أئمتنا في هذا الباب:

    هذا الإمام ابن القيم رحمه الله يقول في بيان مراحل الجهاد: (وكان محرماً لأول الأمر، ثم مأذوناً به، ثم مأموراً به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأموراً به لجميع المشركين).

    وهذا صاحب "الدر المختار" يقول: (هو فرض كفاية ابتداء وإن لم يبدأونا).

    نحن نعلم أيها الإخوة الكرام؛ أن الفقهاء يقولون الجهاد – هذا مذهب الجمهور - يكون فرض عين ويكون فرض كفاية.

    متى يكون فرض عين؟

    إذا غزيت أرض من أرض الإسلام واحتلت، أو إذا استنفر الإمام قوماً بأعيانهم، أو إذا حضرت الصف، في هذه الصورة يكون فرض عين، وما عدا ذلك يكون فرض كفاية

    فإذا كان الجهاد يتعين، إذا احتلت أرض المسلمين صار عيناً، وإذا لم تحتل كان فرض كفاية.

    فما هو فرض الكفاية هنا إذاً؟

    أليس هو الغزو وطلب الأعداء في بلادهم ومبادأتهم بالقتال ودعوتهم إلى الإسلام؟

    ولذلك قال ابن عبد البر رحمه الله : (وكل من أبى الدخول في الإسلام أو أبى إعطاء الجزية قوتل).

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (فكل من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنه يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله).

    وهذا الإمام الشوكاني رحمه الله يقول: (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية).

    وصدق رحمه الله، فهو معلوم من الضرورة الدينية.

    وهذا الشيخ محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة – رضي الله عنهم جميعاً – يقول: (لو اجتمعوا – أي اهل الإسلام – على ترك الجهاد اشتركوا في المأثم).

    ثم يقول: (وإن قالوا – أي الأعداء – للمسلمين وادعونا - بيننا وبينكم هدنة وسلام - على أن لا نقاتلكم ولا تقاتلونا، فليس ينبغي للمسلمين ذلك، لقوله تعالى: {ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم}، ولأن الجهاد فرض فإنما طلب الموادعة على أن تترك الفريضة ولا يجوز إجابتهم إلى مثل هذه الموادعة، إلا أن يكون لهم شوكة شديدة لا يقوى عليهم المسلمون عند ذلك تكون هدنة مؤقتة كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية).

    ثم يقول: (وكذلك لو قالوا للمسلمين؛ وادعونا على أن نعطيكم في كل سنة مالاً معلوماً - كل سنة نعطيكم مبلغ كفوا عنا على ألا تجروا علينا أحكامكم - نعطيكم مالاً ندفع لكم ما شئتم لكن لا تجروا علينا أحكامكم - فليس ينبغي الموادعة على ذلك، لأنهم لا يلتزمون شيئاً من أحكامنا، وإنما ينتهي القتال بعقد الذمة بما فيه من التزام أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات - يكون الإسلام هو المهيمن وفيما بينهم هم على دينهم على ملتهم ما أدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكانت الغلبة لأحكام الإسلام ولدستور القرآن -).

    ولذلك قال الشيخ عبد الكريم زيدان حفظه الله - وهو من علماء العراق - قال: (وأعمال الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم تؤيد ما قلنا وقاله الفقهاء، فإنهم فتحوا البلاد المجاورة، وأبطلوا أنظمتها ونفذوا فيها القانون الإسلامي، وادخلوها في سلطان الدولة الإسلامية، وصارت جزءاً منها، ولم ينكر عليهم أحد مطلقاً، فيكون هذا النهج مجمعاً عليه من قبل الجميع، وهو أعظم إجماع قام على مسألة شرعية).

    وصدق حفظه الله.


    * * *

    وهنا قد يسأل سائل يقول: أرأيت يا شيخ، لو أن دولة من الدول، أو بلداً من البلدان أذنت لنا بالدعوة، وبناء المساجد، ونشر الخير، وإقامة المراكز الإسلامية، وأعطتنا ساعات في التلفاز وفي الإذاعة، وسمحوا بنشر الكتب والمطويات، فهل يجب أن نقاتلهم؟

    نقول: نعم.

    لماذا؟

    لأن الجاهلية - أيها الإخوة الكرام - هي نفسها صدٌ عن دين الله تبارك وتعالى، إن الجاهلية والإسلام كالليل والنهار يتصارعان أبداً، سنة الله تبارك وتعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم}.

    ولا يمكن أن يبسط النهار ضيائه إلا إذا قضى على فلول الظلام، ولا يمكن أن يمد الليل سلطانه إلا إذا طرد فلول الضياء، فهما على النقيض يتصارعان دائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والجاهلية نفسها كما قلت هي صدٌ عن سبيل الله تبارك وتعالى، عن الله من رحمته بالعبد يأمره بالأمر، ويأمره بما يعينه على أن يلتزم هذا الأمر.

    أرأيت لو كنا في أمريكا - مثلاً - فدعوت رجلاً إلى الإسلام، فراقه الأمر وأعجبه واقتنع، لكنه نظر ثم جاء فقال لك: يا أخي والله دينك ممتاز لا غبار عليه لكن يا اخي أنا لا أستطيع!

    لماذا؟

    يقول: لأنك تطلب مني أن لا أزني وكل ما حولي دعوة إلى الفجور، تطلب مني أن لا أشرب الخمر ودعوات الخمر ميسرة، والخمر في كل طريق وفي كل مكان، وتريد مني أن لا أتعامل بالربا، والمجتمع قائم على الربا وتريد مني... وتريد مني... وأنا لا أقوى على هذا، هذا تيار جارف يجرف كل من يقف أمامه ولا طاقة لي بمصارعة هذا التيار.

    هذا الأمر أيها الإخوة الكرام نجده في بلادنا التي ما زالت – بحمد الله – تلتزم ببعض شعائر الدين وما زال الخير قائم والحمد لله، كم من الناس تذكره وتدعوه وتعظه فيقول لك: يا أخي والله أنا أتمنى أن أكون ملتزماً، لكن لا أستطيع - هيك الناس بدهم، هيك المجتمع - أليس هذا ما يقوله الناس في بلادنا؟ فما ظنك بتلك البلاد؟

    وجرت سنة الله في الناس أن الناس لا تنقاد إلا للقوة، فإذا اجتمع الحق والقوة دخل الناس في دين الله أفواجاً.

    ألسنا نعلم أن هذه الأرض - العراق والشام ومصر وغيرها من بلاد الإسلام - كانت أرض كفر، لم يكن فيها للإسلام قائمة، لكن - وخلال غمضة من عمر التاريخ -صارت أرض إسلام - كانت ولا زالت، وستظل بإذن الله تبارك وتعالى أرض إسلام... كيف تم هذا؟

    حسّان بن ثابت رضي الله عنه حدثنا فقال:

    دعا المصطفى دهراً بمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب

    فلما دعا والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا


    بربكم هل يمكن أن يكون في التاريخ داعية أخلص وأحرص وأقدر على هداية الناس ودعوتهم من نبينا عليه الصلاة والسلام؟! هل يمكن أن يكون هناك إنسان أبلغ وأفصح وأحسن طريقة وأهدى سبيلاً في دعوة الناس وفتح أقفال قلوبهم من نبينا عليه الصلاة والسلام؟! هل يمكن أن يكون في التاريخ أناس يفقهون قوارع القرآن ويدركون حقائقه كالعرب الأوائل الأقحاح الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم؟!

    ومع ذلك بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوى، كم آمن معه عليه الصلاة والسلام؟

    كم هم الذين هاجروا إلى المدينة؟ مائة ويزيدون قليلاً!

    فلما دعا والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا


    دخل الناس في دين الله أفواجاً، لأنهم رأوا حقاً وقوة، إن الناس في كثير من الأحايين – كما هو واقع المجتمعات – تعرف الحق ولكنها لا تقوى على تكاليفه وليست مستعدة للتضحية في سبيله.

    ألسنا نرى أن أهل الإسلام في مجتمعاتنا إذا حصلت انتخابات كان الإسلاميون في الغالب هم الذين يفوزون!

    فالناس تريد الإسلام لكنها لا تستطيع أن تضحي في سبيل هذا الدين، فإذا رأت حقاً تحرسه قوة، تحفظ له دنياهم ولا يخسرون ملاذهم وحوائجهم وثرواتهم في هذه الحياة، دخلوا في دين الله أفواجاً، لأن هذا الدين هو الذي يناسب فطرهم، فهو دين الله تبارك وتعالى.

    لكن عندما يرون حقاً ضعيفاً والذي يأتيه تُصب عليه أنواع العذاب ويحارب ويهجر ويطارد ويلقى في السجون ويعذب - فالجاهلية قد كشّرت عن أنيابها وهي تتربص بهذا الدين وأهله - فيقول لك: يا أخي أنا أوثر السلامة - وحط راسك بين الروس وقول يا قطّاع الأمريكان ويا قطّاع الروس – هذا هو المثل الذي عندنا!

    لكن إذا وجدت حقاً بقوة تحرسه؛ فإن الناس تدخل في دين الله أفواجاً.

    ثم قولوا لي بربكم: لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام - وقد دخل الناس في دين الله أفواجاً - فلما قُبض عليه الصلاة والسلام ماذا حصل؟

    خرج الناس من دين الله أفواجا.

    كيف رجعوا إلى الإسلام مرة أخرى؟

    بالسيف!

    بالله عليكم لو أن أبا بكر والصحابة رضي الله عنهم قالوا؛ تعالوا نسير قوافل دعوية ونرسل دعاة نكفلهم يدعون إلى الله ويعلمون الناس ويردون عن الشبه، أكانت تقوم لدين الله قائمة؟

    لا والله أبداً... لكنهم رجعوا بالسيف.

    وبعد ذلك انطلقت الفتوحات وتمكن دين الله، وضرب جرانه في هذه الأرض بالسيف فـ:

    السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب


    الجاهلية - كما قلت - لا يمكن أن تهادن الإسلام، وواهم ومخطئ من يظن أن الجاهلية يمكن أن تفسح للإسلام، وأن تتنازل له طوعاً عبر صناديق الاقتراع وعبر الانتخابات وما أشبه هذا، هذا جاهل واهم.

    وتحضرني هنا كلمة للشيخ محمد قطب تدل على فقه - وهو أهل له حفظه الله - عندما حصلت الانتخابات في الجزائر، وفي الدورة الأولى وتقدمت "جبهة الإنقاذ"، جاء بعض الإخوة إلى الشيخ في مكة يبشرونه بالنصر المؤزر والفتح المبين، فقال لهم: (هل حصل انقلاب؟ قالوا: لا، قال: انتظروا، وما هي إلا أيام حتى حصل ما حصل مما نعلم جميعاً).

    الجاهلية لا يمكن أن تسكت عن الإسلام، لا يمكن أن ترضى عنه، ولا يمكن أن تسلم له القيادة وأزمة الأمور ومقاليد الحكم، مستحيل، الذي يظن هذا واهم، وعليه أن يراجع ألف باء التاريخ، وألف باء الإسلام، وألف باء القرآن.

    فهؤلاء أعداؤنا ولا يزالون يقاتلوننا.

    والله تبارك وتعالى ذكر لنا هذه الحقيقة على لسان صبية صغار، لكنهم كبار في إدراك حقائق الإيمان، وحقائق هذه الملة.

    فتية أهل الكهف عندما قالوا: {إنهم} من هم؟ عشيرتكم! أهلكم! بنو جلدتكم! {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً}.

    لا تملك الجاهلية مع أهل الإسلام إلا خياراً من اثنين:


    إما القتل: {يرجموكم}، القتل بأي صورة كانت.


    التذويب والفتنة: {أو يعيدوكم في ملتهم}.

    وهذه الحقيقة التي انطق الله بها هؤلاء الفتية نطق بها في هذا الزمان "نيكسون" - الرئيس الأسبق لدولة الشر العالمي، الذي فطس إلى جهنم قبل بضع سنين - عندما قال: (إننا لا نملك مع العالم الإسلامي إلا خياراً من اثنين: إما أن نحصيهم عدداً، ونقتلهم بددا، فلا نترك فيهم عيناً تطرف ولا قلباً يخفق، وإما أن نذوبهم في مجتمعنا العالمي فلا يبقى لهم عقيدة يمتازون بها، ولا جهاد يخوفوننا به).

    هذه الدنيا...

    إن خلاصة القرآن - أيها الإخوة الكرام - في بيان حركة التاريخ هي؛ الصراع الأبدي، سنة التدافع التي قررها الله التدافع بين الحق والباطل، بين أهل الإيمان وأهل الكفر، {ولا يزالون يقاتلونكم}.

    هذه السنة التي لا يمكن أن تتخلف، وواهم كل من يظن أن أعداء الله وأن الجاهلية يمكن أن تفسح المجال لأهل الإسلام، واهمٌ ومخطئٌ – وكما قلت – جاهلٌ بألف باء القرآن وبألف باء تاريخ الإنسانية على مر الزمان.

    إذاً نحن نقاتل حتى تحكم بشرع الله تبارك وتعالى، ثم إذا رأى الناس حقاً وقوة دخلوا في دين الله – كما قلت – أفواجاً.


    * * *

    وأمر آخر أيها الإخوة الكرام: إن مشكلة الناس ليست في عدم الاقتناع، فإن الإنسان يعتوره عدوان الشهوة والشبهة، الشبهة تزال بالبراهين من الكتاب والسنة، لكن الشهوة والهوى لا ينفع معه الحجة والبرهان فإنه ما خالف وما انحرف وما انجرف لجهل وقلة علم وعدم بصيرة، ولكن لهوى، لشيطان ركبه.

    وأكثر الناس إنما يؤثرون ويكفرون لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، ومثل هؤلاء لا تنفع معهم الحجة، وإنما ينفع معهم السيف.

    فما هو إلا الوحي أو حد مرهف تقيم ضباه أخدعي كل مائل

    فهذا دواء الداء من كل جاهل – السيف - وذاك دواء الداء من كل عاقل - الوحي والحجة -


    لكن - كما قلت - أكثر الناس إنما ينجرفون وراء الهوى، وصاحب الهوى لا يرتدع بالحجة والبرهان، وإنما يرتدع بالسيف والسنان، إذاً لا بد من القتال، لابد من جهاد، لابد من السيف، لابد من الرمح،

    ولكن... تعالوا بنا بعد أن أدركنا هذه الحقيقة - إن شاء الله - نوسع المجال قليلاً، ونفهم الأمر أوسع مما تقدم.

    فالجهاد - أيها الإخوة الكرام - في الشريعة؛ وإن كان في الأصل هو القتال - كما سنذكر إن شاء الله - لكنه ليس هو القتال فقط، قال الله تبارك وتعالى: {وجاهدهم به} أي: بالقرآن، {جهاداً كبيراً}: بحججه وبراهينه فسمى ذلك جهاداً.

    وقال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين}، وجهاد الكفار بالسيف والسنان وجهاد المنافقين بالحجة والبرهان فسمى الله ذلك جهاداً.

    وروى أبو داود والنسائي بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم).

    فسمى ذلك جهاداً.

    وقال - كما في النسائي بسند صحيح أن طارق بن شهاب - أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل وهو يضع رجله في الغرز أي الجهاد أعظم؟ قال: (كلمة حق عند سلطان جائر).

    فسمى الكلمة جهاداً.

    وفي الطبراني قال صلى الله عليه وسلم: (أعظم الشهداء حمزة رضي الله عنه ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه، فقتله).

    وسمى ذلك جهاداً.

    وكذلك روى الإمام ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه - والحديث صححه ابن حبان - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره).

    فسمى طلب العلم؛ جهاداً.

    ولذلك قال أبو الدرداء رضي الله عنه - كما روى ابن عبد البر عنه -: (من رأى الغدو والرواح في العلم ليس بجهاد فقد نقص عقله ورأيه).

    وقال: (ما من أحد يغدو إلى المسجد لخير يتعلمه أو يعلمه إلا كتب له أجر مجاهد لا ينقلب إلا غانما).

    وهذا الامام ابن القيم يقول عندما تحدث عن فضل العلم – في الوجه الخمسون في فضل العلم -: ما رواه الترمذي عن الربيع بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)، قال: (وإنما جعل طلب العلم جهاد في سبيل الله لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد، فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان؛ وهذا المشارك فيه كثير، وجهاد بالحجة والبيان؛ وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو جهاد الأئمة، وأفضل الجهادين لعظم منفعته، وشدة مئونته، وكثرة أعدائه).

    قال تعالى: {وجاهدهم به جهاداً كبيراً}، فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين.

    وهو جهاد المنافقين أيضاً، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين}.

    ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن.

    والمقصود أن سبيل الله: هو الجهاد وطلب العلم، ودعوة الناس به إلى الله تبارك وتعالى.

    لكن هنا علينا أن نعلم – أيها الإخوة الكرام – صحيح أن أئمتنا قالوا كما قال يحي بن يحي: (الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله)، فقيل له: الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد، فهذا أفضل منه؟ قال: (نعم، بكثير).

    الذب عن السنة هنا - أيها الإخوة الكرام - السنة إذا اطلقت في كلام الأئمة يقصد بها؛ أصول الاعتقاد، قواعد الشريعة الكبرى.

    لا يظنن ظان أنه يأتي فيتكلم عن صوفي أو عن جهمي أو عن أشعري ليس وراءه سيف وسنان يحرسه ويحفظه، فيظن أنه بذلك جاهد في سبيل الله، وأنه أعظم من القتال في سبيل الله... لا، هذا الذي يقصده أئمتنا؛ أن تقوم لله مقاماً كمقام الإمام أحمد - مثلاً - تحفظ الأمة، تقول كلمة الحق.

    نحن في زمان تجر الأمة إلى أودية الضلال، وإلى مهاوي الشرك والكفر؛ ثم يسكت هؤلاء ويزعمون أنهم إذا رد على مبتدع من هنا أو هنا بتجارة ورق على مبتدع ضعيف ليس وراءه سنان أو سيف يحرسه، يظن أنه قد أدى حق الله تبارك وتعالى.

    نعم إذا كان مخلصاً في هذا الأمر؛ فجزاؤه على الله، لكن ينبغي أن نعلم أن هذا ليس هو المقصود عند أئمتنا رحمهم الله.

    أولاً: علينا أن نعلم أنه يجب أن توجه ويوجه المجهود كله ابتداء للجهاد الذي هو القتال، ولهذا قال الله تعالى: {وقاتلوهم}، حتى لا يقول قائل؛ أنا أجاهد بقلمي، أنا أجاهد بمجلتي بصحيفتي، بشريطي بمقالتي!

    نعم هذا من الجهاد، لكن دين الله تبارك وتعالى لا تتوطد دعائمه في الأرض ولا تثبت أركانه في دنيا الناس إلا بالجهاد الذي هو القتال، ولذلك قال تعالى: {وقاتلوهم}، ولم يقل؛ وجاهدوهم.

    لا بد من السيف، فإذا اكتفى أهل الثغور وكمل عدد المجاهدين فلم يعودوا يحتاجون إلى من ورائهم، فليشتغل أولئك بأضرب الجهاد الأخرى، وجزاهم الله خيراً.

    لكن ينبغي أن يكون المجهود ابتداءً كله في دعم الجهاد.

    ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام – مثلاً – في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا).

    حتى يتكامل عطاء أهل الإسلام، فإذا حصل هذا واغتنى أهل الجهاد وأهل الثغور، فاشتغل بسائر الأمور.

    نحن هنا نحتاج إلى الطبيب المجاهد، ونحتاج إلى الصحفي المجاهد، ونحتاج إلى العالم المجاهد، ونحتاج إلى طالب العلم المجاهد.

    أما ترون - أيها الإخوة الكرام - أننا نتلفت حولنا يمنة ويسرة نبحث عن عالم أو طالب علم نفزع إليه في المهمات، نستشيره ونستفتيه في النوازل والطّامات التي نعيشها، فلا نكاد نجد، والله المستعان وإلى الله المشتكى!

    ولذلك قال الإمام ابن رشد رحمه الله ليدفع هذه الشبهة قال: (إلا أن الجهاد إذا أطلق فلا يقع بإطلاق إلا على مجاهدة الكفار بالسيوف حتى يدخلوا في الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).

    لابد من هذا، هذا هو الجهاد إذا أطلق ابتداء.

    فكما قلت؛ نحن نحتاج إلى أناس يجاهدون في أماكن أخرى، لكن يكون عملهم دعماً للمجهود الجهادي بالنفقة والقيام على عوائل المجاهدين حتى يتفرغوا للجهاد، بجمع المال لهم، وما أشبه هذا مما يتعلق ببعض الجهاد.

    أما أن يزعم الزاعم؛ أنه يجاهد بقلمه وهو جالس على أريكته، آمن في سربه بين أهله، والمجاهدون يفتقدون إلى صاحب قلم، أن يقول العالم أنا أسد ثغرة في بلدي، وأهل الإسلام وأهل الثغور لا يجدون عالماًَ يسألونه! فلا شك أن الأمة كلها آثمة حتى يكتفي أهل الجهاد وحتى تسد الثغور ويغتني أهلها بسائر الكفاءات التي يحتاجونها في جهادهم.

    ولكن مع ذلك - كما قلنا - قال الله تعالى: {وقاتلوهم}.

    وكما قال المتنبي:

    ومن طلب الفتح المبين فإنما مفاتيحه البيض والخفاف الصوارم


    إن الجاهلية لا تستكين وتنكس رأسها لأهل الإسلام بحجةٍ وبرهانٍ وبيانٍ وخطبةً ودرسٍ... إلا بالسيف، إلا بالجهاد، الذي هو القتال في سبيل الله تبارك وتعالى.

    وبهذا بعث نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد بسند صحيح – كما قال الإمام العراقي وحسنه ابن حجر وقواه شيخ الإسلام – عن ابن عمر رضي الله عنهم جميعاً: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).

    وكما قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول الله).

    ولذلك فقد ذكر بعض العلماء؛ أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم باسمه – محمد - ذكر في أربعة مواضع، وأنا اقول؛ ذكر باسمه "أحمد" في موضع واحد عليه الصلاة والسلام.

    وفي سورة الأحزاب: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}، وهي حديث عن غزوة الأحزاب.

    في سورة محمد - عليه الصلاة والسلام - : {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}، ولها اسم آخر وهو "القتال"، وبدأت بـ {الذين كفروا} فكأن السورة تقول: محمدٌ صلى الله عليه وسلم بُعث بالقتال للذين كفروا، فسورة محمد هي سورة القتال.

    والسورة التي تليها، سورة الفتح: {محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجّداً}، وكأن الله يقول؛ لا يجيء الفتح إلا بالقتال للكفار، وبهذا بعث النبي عليه الصلاة والسلام.

    ثم بعد ذلك في سورة الصف: {ومبشراً برسول من بعدي اسمه أحمد}.

    وفي سورة الصف: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.

    وهي التجارة الرابحة: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله}.

    ثم قال الله تعالى بعد ذلك في السورة نفسها: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب}.

    بعد القتال بعد التجارة الرابحة بعد الجهاد: {وبشر المؤمنين * يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا}.

    بماذا؟

    بالجهاد: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}.

    فلا يمكن أن يظهر أهل الإسلام إلا إذا عقدوا هذه التجارة وبايعوا الله تعالى هذه الصفقة، باعوه أنفسهم وجاهدوا في سبيل الله تبارك وتعالى.

    هذا نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا اسمه الكريم لا يذكر إلا في مواضع الجهاد.


    * * *

    ومما يتعلق بهذا؛ أن كثيراً من الناس يخطئون في فهم الأسوة.

    يظنون أن الإنسان يأتسي بالنبي عليه الصلاة والسلام إذا حمل سواكاً أو قصّر ثوبه أو أطال لحيته، ونعمة السنن هي ولابد منها في دين الله تعالى.

    لكن الله تبارك وتعالى أين قال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}.

    في غزوة الأحزاب، بعد أن ذكر مجيء الأحزاب والقتال: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}، ثم ذكر الله المنافقين، ثم قال بعد ذلك: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}.

    إنك كما يجب أن تصلي وتنام وتأكل وتتزوج، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، يجب أيضاً أن تجاهد وأن تهاجر وأن تقاتل كما فعل عليه الصلاة والسلام، إذا فعلت هذا فقد حققت حقيقة الإئتساء، وإلا فأنت؛ لاعب!

    ونسأل الله تعالى أن يهدينا وأن يشرح صدرورنا وأن ينور قلوبنا،

    ونُذكّر - أيها الإخوة الكرام - وهي تذكرة عامة لأهل الإسلام، بكلمة شيخ الإسلام حين قدم التتار إلى أرض الإسلام وكأنه يتحدث عن موقعتنا هذه عليه رحمة الله.

    عندما قال في رسالة وجهها إلى أهل الشام أيام غزو التتر: (وأعلموا أصلحكم الله؛ أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيراً أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ويحي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين، حتى يكون شبيها بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؛ فمن قام في هذا الوقت بذلك كان من التابعين لهم بإحسان الذين {رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}.

    فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على المحنة التي في حقيقتها منحة عظيمة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة، حتى - والله - لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار - كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم - حاضرين في هذا الزمان؛ لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين.

    ولا يُفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته وسفه نفسه وحُرم حظاً عظيما من الدنيا والآخرة).

    ونسأل الله تعالى أن يكرمنا وأن يجعلنا من مفاتيح النصر وجند القرآن، وأن يقر أعيننا بنصر للإسلام وأهله، وأن يختم لنا بالشهادة في سبيله، في نصر للإسلام وتمكين لأهل الإسلام... آمين... آمين.


    وصلى الله على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
    http://www.tawhed.ws/r?i=3847
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-02-12
  3. اصابنا الوهن

    اصابنا الوهن عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2007-01-10
    المشاركات:
    293
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك

    ولي عوده ان شاء الله
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-02-13
  5. باكي العين

    باكي العين عضو

    التسجيل :
    ‏2007-02-12
    المشاركات:
    17
    الإعجاب :
    0
    وفقكم الله واصلح حالكم واحوالكم وبارك الله فيكم

    وفقكم الله واصلح حالكم واحوالكم وبارك الله فيكم
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-02-13
  7. باكي العين

    باكي العين عضو

    التسجيل :
    ‏2007-02-12
    المشاركات:
    17
    الإعجاب :
    0
    وفقكم الله واصلح حالكم واحوالكم وبارك الله فيكم

    وفقكم الله واصلح حالكم واحوالكم وبارك الله فيكم
     

مشاركة هذه الصفحة