[فتوى] حكم العمليات «الاستشهادية» للشيخ والدكتور محمد المسعري حفظه الله

الكاتب : أروى العوبثاني   المشاهدات : 3,604   الردود : 67    ‏2007-02-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-02-09
  1. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    العمليات «الاستشهادية»

    وهي:

    تأصيل شرعي مفصل

    لمشروعية التضحية بالنفس في القتال، والدعوة، بل والاستسلام لإقامة الحدود

    لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية

    أ.د/ محمد بن عبدالله المســعري

    لندن

    الأثنين: 06 ربيع ثاني 1423هـ

    الموافق: 17 يونيو-حزيران 2002 م



    جزى الله كل من أعان على طبعها، وتوزيعها، وجمع التوقيعات عليها، وترجمتها إلى أكثر من لغة، خير الجزاء!




    --------------------------------------------------------------------------------




    بسم الله الرحمن الرحيم


    حكم العمليات الاستشهادية






    سؤال: ما هو حكم العمليات «الفدائية» أو «الاستشهادية»، التي يسمُّونها «إنتحارية»؟! لا سيما وأن بعض من يشار إليهم بالبنان قد شكَّك في مشروعيتها، فمنهم من قال إنها حرام، وهي «انتحار» أي «قتل» محرم للنفس ومن الكبائر، ومنهم من قال حذراً: (أخشى أن لا تكون مشروعة، وأن لا يكون القتيل شهيداً)، أو نحواً من هذا الكلام.



    الجواب: أن قتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، موبقة من كبائر الذنوب العظيمة، فيها اعتداء على حق الله، واعتداء على حق العبد المقتول. هذه الكبيرة المهلكة يخشى على فاعلها من حبوط العمل كلية، والخلود في النار، أعاذنا الله منها. هذا معلوم من الإسلام بالضرورة فلا نطيل في مناقشته. وكذلك قتل الإنسان لنفسه، لأن نفسه ليست ملكه هو وإنما هي ملك خالص لله، وحق خالص لله. فالإنتحار، أي قتل الإنسان لنفسه، اعتداء شنيع على حق الله. وهو، أي الإنتحار، محرم حرمة قطعية كقتل الغير سواءً بسواء، وإن كان في الإثم دون قتل الغير مرتبة، لخلوه من حق الآدميين المباشر. وقد جمعنا أحاديث الباب، وبينا تواترها، وناقشنا بعض أحكامها في الملحق.




    ولكن النظرة المدققة تظهر أن القائم بعملية «استشهادية» ليس قاتلاً لنفسه بالمعنى المذكور أعلاه لأنه لم ينو قتل نفسه، ولا انعقدت عزيمته على إتلافها، ولو أمكنه أن يقوم بعمليته تلك من غير تلف ذاته لفعل فرحاً مسروراً، مستبقياً نفسه لجولة أخرى مع العدو.


    فعند المقدم على «عملية استشهادية» انعقدت الإرادة، وتوجهت النية إلى النكاية بالعدو، وإلحاق الضرر به، ولكن طبيعة العملية المنفَّذة، أو نوع الآلات والأسلحة المستخدمة ترتب عليه بالضرورة الحسية، هلاك النفس، وتلف الذات، تبعاً للتنفيذ، وعلى ما يترتب عادة في العالم المحسوس من النتائج على الأسباب، من غير قصد إتلاف النفس، أو نية الإضرار بها.


    فالقائم بالعملية «الاستشهادية» أو «الفدائية» ما أراد قط قتل نفسه، ولا نوى ذلك مطلقاً، وإنما أراد النكال بالعدو، ولم تتيسر طريقة أو أسلوب آخر، فقبل بتلك العملية على علاتها، بما في ذلك هلاك نفسه وتلفها، مكرهآ مرغماً غير واجد لبديل، مضحياً بنفسه، محتسباً لذلك، راجياً الثواب من الله.

    ولما كانت نية قتل النفس، والعمل على إهلاكها، كما هو الحال بالنسبة للمنتحر العادي، غير موجودة، فليس ثمة «جريمة انتحار»، لقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنية (أو النيات)، وإنما لكل امرئ ما نوى: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، أو كما قال بأبي هو وأمِّي. فظاهر العملين واحد: هذا مهاجر، وهذا مهاجر، ولكن النية اختلفت، والقصد تباين، فكذلك ثواب العمل أو عقوبته.


    فمنفّذ العملية «الاستشهادية» لم يرد إلا النكاية بالعدو وإلحاق الضرر به، مستخدماً نفسه وسيلة، غير مبال لتعرضها للتلف. فهو ينوي النكال بالعدو، وقد جاد بنفسه لله، فأين هذا ممن أراد إتلاف نفسه فقط لا غير، لجزع شديد، أو يأس من رحمة الله؟، أو هروباً من فضيحة مقبلة! فوجود «نية» قتل النفس هو الذي يجعل العمل «جريمة انتحار» محرمة، فإذا انتفت النية انتفى الحكم. فالنية هي «الركن المعنوي» في الجريمة، كما هو اصطلاح القانونيين المعاصرين.

    لا يقال أنه متسبب في إهلاك نفسه، أو حتى مباشر لذلك، فهو قاتل لها لا محالة. نعم: لا يقال ذلك لأن بحثنا في حرمة ذلك الفعل أو جوازه، أو حتى استحبابه، وليس في استحقاقه اسم «القاتل»، وهذه، أي الحرمة واستحقاق الذم والعقوبة، لا ترتبط بمجرد التسبب أو المباشرة، وإنما تستند فقط على «النية»، لا غير كما أسلفنا، وكما هو ظاهر من واقع «القاتل» خطأً، فهو بلا شك مباشر أو متسبب، ولكنه ليس آثماً كقاتل العمد، وعليه إما الدية أو الكفارة، أو كلاهما، بموجب النص الشرعي، لحكم تشريعية أخرى، كالتكافل الاجتماعي، والقيام برعاية أسرة المقتول، ونحوه، غير الإثم، أي غير كونه آثماً، وهو يقيناً ليس بآثم.


    هذا ظاهر جداً من قصة عامر بن الأكوع، كما رواها ابن أخيه سلمة بن الأكوع، رضي الله عنهما، كما هي مروية بأصح الأسانيد عند البخاري وغيره، فقد قتل عامر نفسه خطأً في المعركة فزعم قوم ممن لا حظ لهم من الفقه أن عمل عامر قد حبط، فأنكر النبي، عليه وعلى آله أزكى الصلاة وأتم التسليم، ذلك بشدة، ودحضه قائلاً: «كذب من قاله: إن له لأجرين»، وجمع بين إصبعيه «إنه لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله»

    وهو كذلك ظاهر ظهوراً بيناً من مسألة «التترس»، أي اتخاذ الكفار أسرى المسلمين ترساً، حيث يتم قتل «الترس» من قبل المسلمين عند الرماية، فالمسلمون هم المتسببون، بل والمباشرن للقتل، ومع ذلك فلا شئ عليهم، ولا إثم يلحقهم. بل الصحيح أنه ما ثمة دية ولا كفارة، كما هو قول السادة الأحناف، وطائفة من أهل العلم، إلا أن يخرج الإمام لأهلهم دية من بيت المال تطيباً لنفوس أوليائهم.



    ولزيادة الإيضاح نقول من زاوية أخرى: أنه من البديهيات عدم إقدام الرنسان على قتل نفسه في الأحوال العادية، بموجب غريزة حب البقاء، وقوة ظهورها في كل إنسان. فإن أقدم إنسان على قتل نفسه، فلا يتصور ذلك إلا في واحدة من الأحوال التالية:

    (1) أن يكون، لحظة انعقاد الإرادة والإقدام على الفعل، مغلوباً على عقله بجنون دائم أو مؤقت، أو بنوم، أو بعقار يحجب العقل، أو بغبر ذلك. هذا غير مكلف لأنه في تلك اللحظة الحاسمة في حكم المجنون المبتلى، وهذا غير مكلف، وقد رفع عنه القلم، فلا نطيل في البحث فيه. قريب من هذا حال الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف، حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ.

    (2) أن يكون مستحلاً للإنتحار لكونه معتقداً أنه المالك لنفسه، صاحب الحق في أن يفعل بها ما يشاء، بما في ذلك الإتلاف والقتل، أو لاعتقاده أن الإنتحار حسن جميل أو حتى مباح. وهذا إما أن يكون:

    (أ) جاهلاً بحكم الله في المسألة، لم يبلغه بيانها بلوغاً تقوم به الحجة. فهذا معذور بجهله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}، {رسلاً مبشرين ومنذرين لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، أو

    (ب) عالماً بالحكم الشرعي إلا أنه شاك فيه، أؤ مكذب له، أو جاحد له، أو رافض له، أو متكبر عليه، أو ساخر مستهزء به، أو غير مبال به. فهذا مشرك كافر، وما هو فيه من الكفر أعظم مما قد يقدم عليه من الانتحار.

    وهذا لا يوجد عادة عند أهل الإسلام، ولكن يقل أو يكثر عند غير المسلمين. فأهل اليابان يعتبرون الإنتحار (هارا كيري) في أحوال الفشل أو الهزيمة أو التقصير علامة على الندم، وحفظاً لشرف الذات والأسرة، وينتقدون من لا يقدم عليه في الأحوال الموجبة. وكذلك كان الفلاسفة الرواقيون يتعاطون الإنتحار تأكيداً للشجاعة، أو لتقرير مسائل أخلاقية، أو لإظهار الاستنكار من ظلم أو غيره. وفي أزماننا هذه انتحر عدد من الرهبان البوذيين بحرق أنفسهم علناً في الميادين المزدحمة للمدن الكبرى احتجاجاً على بعض الحروب، ومنها حرب فييتنام، واقتبسه منهم عدد قليل من الناس من شعوب وأمم أخرى!

    (3) أن يكون عاقلاً بالغاً مكلفاً معتقداً للحرمة، مستسلماً من حيث المبدأ للحكم الشرعي، مقر به. هذا هو حال الغالبية العظمى من المنتحرين من أهل الإسلام، وحينئذ يكون الدافع إلى نلك الجريمة واحداً مما يلي:

    (أ) الإصابة بجراحات بالغة مؤلمة، أو مرض شديد مؤلم، أو فقدان الأهل والأحبة، أو خسارة حسيمة في المال والمتاجر، أو غير ذلك من النكبات والكوارث فيضيق الإنسان بالحياة ذرعاً، وييأس من رحمة الله، فيقدم على الإنتحار، أي قتل النفس وإتلافها، متوهماً الخلاص بذلك مما هو فيه من الألم والمعاناة والشقاء.

    (ب) الخوف من الفضيحة، أو الأسر من عدو متجبر، أو الوقوع في يد سلطة تمارس النكال والتعذيب، فيقدم على الإنتحار للإفلات مما هو قادم من الخزي والعار والفضيحة، أو من السجن والنكال.


    وليس شيئاً من هذه هي حالة المقدم على عملية استشهادية نكاية في العدو الحربي، عدو الله وعدو المسلمين. فهو طالب لرضوان الله ورحمته، أمله فيهما أقوى الأمل. وهو مقبل على ذكر حسن، فما ثمة فضيحة أو عار يجتنب، بل العار والفضيحة في التخاذل والجبن. هذه حال مخالفة في جوهرها لحال المنتحر الآثم، فلزم أن يكون الحكم مختلفاً.



    على أن تضحية الإنسان بنفسه لله، مختاراً، حسن جميل، بما في ذلك الإقدام على العدو منفرداً، على وجه المجازفة والمخاطرة، من غير موجب لذلك كما هو في قصة الأخرم الأسدي، رضي الله عنه، في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي نسوقه بطوله لما فيه من الآيات والحكم:

    v كما أخرجه الإمام مسلم في «صحيح مسلم»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة وهو بن عمار حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها قال فقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جبا الركية فإما دعا وإما بسق فيها قال فجاشت فسقينا واستقينا قال ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال بايع يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال وأيضا قال ورآني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عزلا يعني ليس معه سلاح قال فأعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حجفة أو درقة ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ألا تبايعني يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس قال وأيضا قال فبايعته الثالثة ثم قال لي يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك قال قلت يا رسول الله لقيني عمي عامر عزلا فأعطيته إياها قال فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال إنك كالذي قال الأول اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا قال وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وآكل من طعامه وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، قال فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها قال فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا، سلاحهم واضطجعوا فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل بن زنيم قال فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي قال ثم قلت والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه قال ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على فرس مجفف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم، الآية كلها}، قال ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا بيننا وبين بنى لحيان جبل وهم المشركون فاستغفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمن رقى هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قال سلمة فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا ثم قدمنا المدينة فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بظهره مع رباح، غلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنا معه وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستاقه أجمع وقتل راعيه قال فقلت يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله وأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن المشركين قد أغاروا على سرحه قال ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا يا صباحاه ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول




    أنا بن الأكوع
    واليوم يوم الرضع


    فألحق رجلا منهم فأصك سهما في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه قال قلت: خذها وأنا بن الأكوع، واليوم يوم الرضع!

    قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة قال فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا خلفته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون يعني يتغدون وجلست على رأس قرن قال الفزاري ما هذا الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا قال فليقم إليه نفر منكم أربعة قال فصعد إلي منهم أربعة في الجبل قال فلما أمكنوني من الكلام قال قلت هل تعرفوني قالوا لا ومن أنت قال قلت أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد، صلى الله عليه وسلم، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبني رجل منكم فيدركني قال أحدهم أنا أظن قال فرجعوا فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخللون الشجر قال فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي قال فأخذت بعنان الأخرم قال فولوا مدبرين قلت يا أخرم أحذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قال: (يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة!)، قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن قال فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرس، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعبد الرحمن فطعنه فقتله فوالذي كرم وجه محمد، صلى الله عليه وسلم، لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، ولا غبارهم شيئا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذا قرد ليشربوا منه وهم عطاش قال فنظروا إلى أعدو وراءهم فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة قال ويخرجون فيشتدون في ثنية قال فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكه بسهم في نغض كتفه قال قل: خذها وأنا بن الأكوع، واليوم يوم الرضع

    قال: (يا ثكلته أمه أكوعه بكرة؟!)، قال: قلت: (نعم: يا عدو نفسه أكوعك بكرة!)، قال وأردوا فرسين على ثنية قال فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي حلأتهم عنه فإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي ، استنقذت من القوم وإذا هو يشوي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، من كبدها وسنامها قال قلت يا رسول الله خلني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته قال فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه في ضوء النار فقال يا سلمة أتراك كنت فاعلا قلت نعم والذي أكرمك فقال إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان قال فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا فقالوا أتاكم القوم فخرجوا هاربين فلما أصبحنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة قال ثم أعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا ثم أردفني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة قال فبينما نحن نسير قال وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا قال فجعل يقول ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق فجعل يعيد ذلك قال فلما سمعت كلامه قلت أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا قال لا إلا أن يكون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال قلت يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل قال إن شئت قال قلت اذهب إليك وثنيت رجلي فطفرت فعدوت قال فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي ثم عدوت في إثره فربطت عليه شرفا أو شرفين ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال فأصكه بين كتفيه قال قلت قد سبقت والله قال أنا أظن قال فسبقته إلى المدينة قال فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-02-09
  3. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    العمليات «الاستشهادية»

    وهي:

    تأصيل شرعي مفصل

    لمشروعية التضحية بالنفس في القتال، والدعوة، بل والاستسلام لإقامة الحدود

    لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية

    أ.د/ محمد بن عبدالله المســعري

    لندن

    الأثنين: 06 ربيع ثاني 1423هـ

    الموافق: 17 يونيو-حزيران 2002 م



    جزى الله كل من أعان على طبعها، وتوزيعها، وجمع التوقيعات عليها، وترجمتها إلى أكثر من لغة، خير الجزاء!




    --------------------------------------------------------------------------------




    بسم الله الرحمن الرحيم


    حكم العمليات الاستشهادية






    سؤال: ما هو حكم العمليات «الفدائية» أو «الاستشهادية»، التي يسمُّونها «إنتحارية»؟! لا سيما وأن بعض من يشار إليهم بالبنان قد شكَّك في مشروعيتها، فمنهم من قال إنها حرام، وهي «انتحار» أي «قتل» محرم للنفس ومن الكبائر، ومنهم من قال حذراً: (أخشى أن لا تكون مشروعة، وأن لا يكون القتيل شهيداً)، أو نحواً من هذا الكلام.



    الجواب: أن قتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، موبقة من كبائر الذنوب العظيمة، فيها اعتداء على حق الله، واعتداء على حق العبد المقتول. هذه الكبيرة المهلكة يخشى على فاعلها من حبوط العمل كلية، والخلود في النار، أعاذنا الله منها. هذا معلوم من الإسلام بالضرورة فلا نطيل في مناقشته. وكذلك قتل الإنسان لنفسه، لأن نفسه ليست ملكه هو وإنما هي ملك خالص لله، وحق خالص لله. فالإنتحار، أي قتل الإنسان لنفسه، اعتداء شنيع على حق الله. وهو، أي الإنتحار، محرم حرمة قطعية كقتل الغير سواءً بسواء، وإن كان في الإثم دون قتل الغير مرتبة، لخلوه من حق الآدميين المباشر. وقد جمعنا أحاديث الباب، وبينا تواترها، وناقشنا بعض أحكامها في الملحق.




    ولكن النظرة المدققة تظهر أن القائم بعملية «استشهادية» ليس قاتلاً لنفسه بالمعنى المذكور أعلاه لأنه لم ينو قتل نفسه، ولا انعقدت عزيمته على إتلافها، ولو أمكنه أن يقوم بعمليته تلك من غير تلف ذاته لفعل فرحاً مسروراً، مستبقياً نفسه لجولة أخرى مع العدو.


    فعند المقدم على «عملية استشهادية» انعقدت الإرادة، وتوجهت النية إلى النكاية بالعدو، وإلحاق الضرر به، ولكن طبيعة العملية المنفَّذة، أو نوع الآلات والأسلحة المستخدمة ترتب عليه بالضرورة الحسية، هلاك النفس، وتلف الذات، تبعاً للتنفيذ، وعلى ما يترتب عادة في العالم المحسوس من النتائج على الأسباب، من غير قصد إتلاف النفس، أو نية الإضرار بها.


    فالقائم بالعملية «الاستشهادية» أو «الفدائية» ما أراد قط قتل نفسه، ولا نوى ذلك مطلقاً، وإنما أراد النكال بالعدو، ولم تتيسر طريقة أو أسلوب آخر، فقبل بتلك العملية على علاتها، بما في ذلك هلاك نفسه وتلفها، مكرهآ مرغماً غير واجد لبديل، مضحياً بنفسه، محتسباً لذلك، راجياً الثواب من الله.

    ولما كانت نية قتل النفس، والعمل على إهلاكها، كما هو الحال بالنسبة للمنتحر العادي، غير موجودة، فليس ثمة «جريمة انتحار»، لقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنية (أو النيات)، وإنما لكل امرئ ما نوى: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، أو كما قال بأبي هو وأمِّي. فظاهر العملين واحد: هذا مهاجر، وهذا مهاجر، ولكن النية اختلفت، والقصد تباين، فكذلك ثواب العمل أو عقوبته.


    فمنفّذ العملية «الاستشهادية» لم يرد إلا النكاية بالعدو وإلحاق الضرر به، مستخدماً نفسه وسيلة، غير مبال لتعرضها للتلف. فهو ينوي النكال بالعدو، وقد جاد بنفسه لله، فأين هذا ممن أراد إتلاف نفسه فقط لا غير، لجزع شديد، أو يأس من رحمة الله؟، أو هروباً من فضيحة مقبلة! فوجود «نية» قتل النفس هو الذي يجعل العمل «جريمة انتحار» محرمة، فإذا انتفت النية انتفى الحكم. فالنية هي «الركن المعنوي» في الجريمة، كما هو اصطلاح القانونيين المعاصرين.

    لا يقال أنه متسبب في إهلاك نفسه، أو حتى مباشر لذلك، فهو قاتل لها لا محالة. نعم: لا يقال ذلك لأن بحثنا في حرمة ذلك الفعل أو جوازه، أو حتى استحبابه، وليس في استحقاقه اسم «القاتل»، وهذه، أي الحرمة واستحقاق الذم والعقوبة، لا ترتبط بمجرد التسبب أو المباشرة، وإنما تستند فقط على «النية»، لا غير كما أسلفنا، وكما هو ظاهر من واقع «القاتل» خطأً، فهو بلا شك مباشر أو متسبب، ولكنه ليس آثماً كقاتل العمد، وعليه إما الدية أو الكفارة، أو كلاهما، بموجب النص الشرعي، لحكم تشريعية أخرى، كالتكافل الاجتماعي، والقيام برعاية أسرة المقتول، ونحوه، غير الإثم، أي غير كونه آثماً، وهو يقيناً ليس بآثم.


    هذا ظاهر جداً من قصة عامر بن الأكوع، كما رواها ابن أخيه سلمة بن الأكوع، رضي الله عنهما، كما هي مروية بأصح الأسانيد عند البخاري وغيره، فقد قتل عامر نفسه خطأً في المعركة فزعم قوم ممن لا حظ لهم من الفقه أن عمل عامر قد حبط، فأنكر النبي، عليه وعلى آله أزكى الصلاة وأتم التسليم، ذلك بشدة، ودحضه قائلاً: «كذب من قاله: إن له لأجرين»، وجمع بين إصبعيه «إنه لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله»

    وهو كذلك ظاهر ظهوراً بيناً من مسألة «التترس»، أي اتخاذ الكفار أسرى المسلمين ترساً، حيث يتم قتل «الترس» من قبل المسلمين عند الرماية، فالمسلمون هم المتسببون، بل والمباشرن للقتل، ومع ذلك فلا شئ عليهم، ولا إثم يلحقهم. بل الصحيح أنه ما ثمة دية ولا كفارة، كما هو قول السادة الأحناف، وطائفة من أهل العلم، إلا أن يخرج الإمام لأهلهم دية من بيت المال تطيباً لنفوس أوليائهم.



    ولزيادة الإيضاح نقول من زاوية أخرى: أنه من البديهيات عدم إقدام الرنسان على قتل نفسه في الأحوال العادية، بموجب غريزة حب البقاء، وقوة ظهورها في كل إنسان. فإن أقدم إنسان على قتل نفسه، فلا يتصور ذلك إلا في واحدة من الأحوال التالية:

    (1) أن يكون، لحظة انعقاد الإرادة والإقدام على الفعل، مغلوباً على عقله بجنون دائم أو مؤقت، أو بنوم، أو بعقار يحجب العقل، أو بغبر ذلك. هذا غير مكلف لأنه في تلك اللحظة الحاسمة في حكم المجنون المبتلى، وهذا غير مكلف، وقد رفع عنه القلم، فلا نطيل في البحث فيه. قريب من هذا حال الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف، حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ.

    (2) أن يكون مستحلاً للإنتحار لكونه معتقداً أنه المالك لنفسه، صاحب الحق في أن يفعل بها ما يشاء، بما في ذلك الإتلاف والقتل، أو لاعتقاده أن الإنتحار حسن جميل أو حتى مباح. وهذا إما أن يكون:

    (أ) جاهلاً بحكم الله في المسألة، لم يبلغه بيانها بلوغاً تقوم به الحجة. فهذا معذور بجهله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}، {رسلاً مبشرين ومنذرين لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، أو

    (ب) عالماً بالحكم الشرعي إلا أنه شاك فيه، أؤ مكذب له، أو جاحد له، أو رافض له، أو متكبر عليه، أو ساخر مستهزء به، أو غير مبال به. فهذا مشرك كافر، وما هو فيه من الكفر أعظم مما قد يقدم عليه من الانتحار.

    وهذا لا يوجد عادة عند أهل الإسلام، ولكن يقل أو يكثر عند غير المسلمين. فأهل اليابان يعتبرون الإنتحار (هارا كيري) في أحوال الفشل أو الهزيمة أو التقصير علامة على الندم، وحفظاً لشرف الذات والأسرة، وينتقدون من لا يقدم عليه في الأحوال الموجبة. وكذلك كان الفلاسفة الرواقيون يتعاطون الإنتحار تأكيداً للشجاعة، أو لتقرير مسائل أخلاقية، أو لإظهار الاستنكار من ظلم أو غيره. وفي أزماننا هذه انتحر عدد من الرهبان البوذيين بحرق أنفسهم علناً في الميادين المزدحمة للمدن الكبرى احتجاجاً على بعض الحروب، ومنها حرب فييتنام، واقتبسه منهم عدد قليل من الناس من شعوب وأمم أخرى!

    (3) أن يكون عاقلاً بالغاً مكلفاً معتقداً للحرمة، مستسلماً من حيث المبدأ للحكم الشرعي، مقر به. هذا هو حال الغالبية العظمى من المنتحرين من أهل الإسلام، وحينئذ يكون الدافع إلى نلك الجريمة واحداً مما يلي:

    (أ) الإصابة بجراحات بالغة مؤلمة، أو مرض شديد مؤلم، أو فقدان الأهل والأحبة، أو خسارة حسيمة في المال والمتاجر، أو غير ذلك من النكبات والكوارث فيضيق الإنسان بالحياة ذرعاً، وييأس من رحمة الله، فيقدم على الإنتحار، أي قتل النفس وإتلافها، متوهماً الخلاص بذلك مما هو فيه من الألم والمعاناة والشقاء.

    (ب) الخوف من الفضيحة، أو الأسر من عدو متجبر، أو الوقوع في يد سلطة تمارس النكال والتعذيب، فيقدم على الإنتحار للإفلات مما هو قادم من الخزي والعار والفضيحة، أو من السجن والنكال.


    وليس شيئاً من هذه هي حالة المقدم على عملية استشهادية نكاية في العدو الحربي، عدو الله وعدو المسلمين. فهو طالب لرضوان الله ورحمته، أمله فيهما أقوى الأمل. وهو مقبل على ذكر حسن، فما ثمة فضيحة أو عار يجتنب، بل العار والفضيحة في التخاذل والجبن. هذه حال مخالفة في جوهرها لحال المنتحر الآثم، فلزم أن يكون الحكم مختلفاً.



    على أن تضحية الإنسان بنفسه لله، مختاراً، حسن جميل، بما في ذلك الإقدام على العدو منفرداً، على وجه المجازفة والمخاطرة، من غير موجب لذلك كما هو في قصة الأخرم الأسدي، رضي الله عنه، في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي نسوقه بطوله لما فيه من الآيات والحكم:

    v كما أخرجه الإمام مسلم في «صحيح مسلم»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة وهو بن عمار حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها قال فقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جبا الركية فإما دعا وإما بسق فيها قال فجاشت فسقينا واستقينا قال ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال بايع يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال وأيضا قال ورآني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عزلا يعني ليس معه سلاح قال فأعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حجفة أو درقة ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ألا تبايعني يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس قال وأيضا قال فبايعته الثالثة ثم قال لي يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك قال قلت يا رسول الله لقيني عمي عامر عزلا فأعطيته إياها قال فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال إنك كالذي قال الأول اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا قال وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وآكل من طعامه وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، قال فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها قال فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا، سلاحهم واضطجعوا فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل بن زنيم قال فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي قال ثم قلت والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه قال ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على فرس مجفف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم، الآية كلها}، قال ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا بيننا وبين بنى لحيان جبل وهم المشركون فاستغفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمن رقى هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قال سلمة فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا ثم قدمنا المدينة فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بظهره مع رباح، غلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنا معه وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستاقه أجمع وقتل راعيه قال فقلت يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله وأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن المشركين قد أغاروا على سرحه قال ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا يا صباحاه ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول




    أنا بن الأكوع
    واليوم يوم الرضع


    فألحق رجلا منهم فأصك سهما في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه قال قلت: خذها وأنا بن الأكوع، واليوم يوم الرضع!

    قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة قال فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا خلفته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون يعني يتغدون وجلست على رأس قرن قال الفزاري ما هذا الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا قال فليقم إليه نفر منكم أربعة قال فصعد إلي منهم أربعة في الجبل قال فلما أمكنوني من الكلام قال قلت هل تعرفوني قالوا لا ومن أنت قال قلت أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد، صلى الله عليه وسلم، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبني رجل منكم فيدركني قال أحدهم أنا أظن قال فرجعوا فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخللون الشجر قال فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي قال فأخذت بعنان الأخرم قال فولوا مدبرين قلت يا أخرم أحذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قال: (يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة!)، قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن قال فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرس، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعبد الرحمن فطعنه فقتله فوالذي كرم وجه محمد، صلى الله عليه وسلم، لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، ولا غبارهم شيئا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذا قرد ليشربوا منه وهم عطاش قال فنظروا إلى أعدو وراءهم فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة قال ويخرجون فيشتدون في ثنية قال فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكه بسهم في نغض كتفه قال قل: خذها وأنا بن الأكوع، واليوم يوم الرضع

    قال: (يا ثكلته أمه أكوعه بكرة؟!)، قال: قلت: (نعم: يا عدو نفسه أكوعك بكرة!)، قال وأردوا فرسين على ثنية قال فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي حلأتهم عنه فإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي ، استنقذت من القوم وإذا هو يشوي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، من كبدها وسنامها قال قلت يا رسول الله خلني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته قال فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه في ضوء النار فقال يا سلمة أتراك كنت فاعلا قلت نعم والذي أكرمك فقال إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان قال فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا فقالوا أتاكم القوم فخرجوا هاربين فلما أصبحنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة قال ثم أعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا ثم أردفني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة قال فبينما نحن نسير قال وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا قال فجعل يقول ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق فجعل يعيد ذلك قال فلما سمعت كلامه قلت أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا قال لا إلا أن يكون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال قلت يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل قال إن شئت قال قلت اذهب إليك وثنيت رجلي فطفرت فعدوت قال فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي ثم عدوت في إثره فربطت عليه شرفا أو شرفين ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال فأصكه بين كتفيه قال قلت قد سبقت والله قال أنا أظن قال فسبقته إلى المدينة قال فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-02-09
  5. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    تالله لولا الله ما اهتدينا
    ولا تصدقنا ولا صلينا

    ونحن عن فضلك ما استغنينا
    فثبت الأقدام إن لاقينا
    وأنزلن سكينة علينا



    فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذا قال أنا عامر قال غفر لك ربك قال وما استغفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لإنسان يخصه إلا استشهد قال فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر قال فلما قدمنا خيبر قال خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:


    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطل مجرب
    إذا
    الحروب أقبلت تلهب


    قال وبرز له عمي عامر فقال:




    قد علمت خيبر أني عامر
    شاكي السلاح بطل مغامر


    قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه قال فأتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنا أبكي فقلت يا رسول الله بطل عمل عامر قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قال ذلك قال قلت ناس من أصحابك قال كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله قال فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال:




    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطل مجرب
    إذا الحروب أقبلت تلهب




    فقال علي:


    أنا الذي سمتني أمي حيدره
    كليث غابات كريه المنظرة
    أوفيهم بالصاع كيل السندرة



    قال: فضرب رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح على يديه]، قال إبراهيم حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن عكرمة بن عمار بهذا الحديث بطوله. قلت: هذا إسناد في غاية الصحة، ولقد سقته بطوله لما فيه من القصص الحسن الذي ترتفع به معنويات المجاهدين.

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه بنحوه إلى رجوعهم المدينة، ولم يذكر قصة خيبر]

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا هاشم بن القاسم ثنا عكرمة بن عمار قال ثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخرجنا أنا ورباح غلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد ان أبديه مع الإبل فلما كان بغلس غار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقتل راعيها، ...، فساق الحديث إلى قوله: (حتى قدمنا المدينة)]، ولم يذكر قصة خيبر.

    ــ وهو في «مصنف ابن أبي شيبة»: [حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني اياس بن سلمة عن أبيه فساق الحديث بنحو ما هو عند أحمد]

    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا هارون بن عبد الله ثنا هاشم بن القاسم ثنا عكرمة حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها، ...، فساق الحديث بنحوه إلى قوله: (فتحول أبو قتادة على فرس الأخرم وخرجوا هاربين)].




    فتضحية الإنسان بنفسه لله، مختاراً، إذاً حسن جميل، والإقدام على العدو منفرداً، على وجه المجازفة والمخاطرة، من غير موجب لذلك كما هو واضح بين في قصة فارس رسول الله، الأخرم الأسدي، رضي الله عنه، في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي سقناه آنفاً، بل كما ها معلوم ضرورة من عمومات النصوص الشرعية عامة المتعلقة بالجهاد، المثنية على الاستشهاد، وهي قطعية متواترة، معلومة من الدين بالضرورة، وكما تبينه النصوص الخاصة التالية المشتملة على جمل مثل «جاد بنفسه لله»، «انغمس في العدو حاسراً»، «حمل على جمع كبير»، من مثل:

    v ما جاء في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد قال حدثنا أبي قال حدثنا حيوة بن شريح قال سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول حدثني أسلم أبو عمران مولى لكندة قال: (كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم وخرج إليهم مثله أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح به الناس وقالوا: (سبحان الله تلقي بيدك إلى التهلكة؟!)، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: (أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض، سراً من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصريه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا فانزل الله على نبيه، صلى الله عليه وسلم، يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، فكانت التهلكة الإقامة في أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو!). قال: وما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح).

    ــ وقال الإمام أبو محمد علي بن حزم في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [ولم ينكر أبو أيوب الأنصاري ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل]. قلت: يقصد أبو محمد القصة المشهورة عند أسوار القسطنطينية. أما حديث أبي أيوب فقد أخرجه النسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح. وصححه أيضا ابن حبان والحاكم، وأخرجه غيرهم بألفاظ متقاربة، ومتون متسقة لا اضطراب فيها، ولا تنافر، فهو غاية في الصحة.


    قلت: العبرة بعموم اللفظ، لا خصوص السبب. فقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، نهي جازم عن أي فعل يؤدي بفاعله إلى الهلكة من الانتحار بتعاطي السم المهلك للجسد، إلى الامتناع عن النفقة في سبيل الله المهلك للإنسان في الآخرة، كل ذلك مشمول بهذا اللفظ العام المعجز، تنزيل من حكيم حميد، وكما هو في «كتاب الجهاد والسير: باب الحث على الجهاد وفضل الشهادة والرباط والحرس»: [(قوله: فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا) الخ هذا فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية، لأنها متضمنة لنهي لكل أحد عن كل ما يصدق عليه أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. والاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. فإذا كانت تلك الصورة التي قال الناس: إنها من باب الإلقاء لما رأوا الرجل الذي حمل على العدو كما سلف من صور الإلقاء أو شرعا. فلا شك أنها داخلة تحت عموم الآية. ولا يمنع من الدخول اعتراض أبي أيوب بالسبب الخاص. وقد تقرر في الأصول رجحان قول من قال إن الاعتبار بعموم اللفظ. ولا حرج في اندراج التهلكة باعتبار الدين وباعتبار الدنيا تحت قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، ويكون ذلك من باب استعمال المشترك. وفي البخاري في التفسير أن التهلكة هي ترك النفقة في سبيل الله. وذكر صاحب الفتح هنالك أقوالا أخر فليراجع].

    v وفي «المستدرك على الصحيحين» حديث آخر حول نفس الآية الكريمة: [أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السبيعي حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأ إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، رضي الله تعالى عنه، قال له رجل: (يا أبا عمارة: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟!)، قال: ( لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله لي)]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم). قلت: نعم، هو كذلك، وقد صرح أبو أسحاق بالسماع كما هو في الرواية التالية، وهي على كل حال أقوى وأصح إسناداً، وأوضح متناً:

    ــ كما هي في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) حيث قال الإمام أبو محمد علي بن حزم: [حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي نا خالد بن الحارث الهجيمي نا شعبة عن أبي إسحق السبيعي قال: سمعت رجلا سأل البراء بن عازب: (أرأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة؟)، قال البراء: (لا، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقى بيده، ويقول: لا توبة لي)].

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من طرق أخرى كما هي في الملحق.

    v ويصدقه حديث النعمان بن بشير في «سنن البيهقي الكبرى» من زاوية أخرى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أحمد بن الفضل العسقلاني ثنا آدم ثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، قال: يقول: (إذا أذنب أحدكم فلا يلقين بيده إلى التهلكة ولا يقولن لا توبة لي ولكن ليستغفر الله وليتب إليه فإن الله غفور رحيم)].


    فالتهلكة عند هاذين الصحابيين هي: «اليأس من رحمة الله، وترك التوبة والاستغفار»، وقد أصابا وأحسنا، رضوان الله وسلامه عليهما، فتلك هي التهلكة الأبدية، والخسارة السرمدية.

    v وقال الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكرَه المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج: 28 ص: 540).


    وحديث مسلم المشار إليه عند الإمام ابن تيمية هو التالي:



    v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر ...»، فساق الحديث، وفي متنه غرائب وعجائب، إلى أن ذكر محاولات الملك لقتل الغلام، حتى قال راوياً لكلام الغلام مخاطباً للملك: فقال للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به)، قال: (وما هو؟!)، قال: (تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني!)، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس: (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام!!)، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيه فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق!». وهو في «صحيح ابن حبان»، وهو كذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق، وفي «المعجم الكبير» من طريق أخرى متابعة لطريقي مسلم وأحمد، وهو كذلك في «السنن الكبرى»، و«الآحاد والمثاني»، وغيرها، والفاظ الطرق كلها تكاد تكون متطابقة.

    وهذا من أوضح ما يكون: الغلام يأمر الملك بقتل نفسه ويعطية «الوصفة» أي التفاصيل الإجرائية اللازمة، والصبي يدعو أمه إلى الصبر، وإلقاء نفسها، وهو على كتفها، في النار لأنها على الحق. نعم: هذه شريعة سابقة منسوخة، ولكنها شرعت لنا من جديد، بدليل ذكر النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لها في معرض المدح والثناء، ففعل ذلك مستحب عظيم الدرجة، ولكن الله امتن علينا بالرخصة في تركه لمن لم يستطع ارتقاء تلك المراتب العالية!


    v ثناء النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على من اختار القتل والعذاب على الكفر من الأمم السابقة، وامتداحه لذلك، وضربه له مثلاً، عندما شكى له بعض الصحابة معاناتهم تحت نكال قريش فقال فيما رواه البخاري عن خباب بن الأرت مرفوعاً: «قد كان من قبلكم: يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه». نعم: قد تكون هذه أيضاً شريعة سابقة منسوخة، ولكنها شرعت لنا من جديد، بدليل ذكر النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لها في معرض المدح والثناء، وحثه الصحابة على الاقتداء، ففعل ذلك مستحب عظيم الدرجة، وإن لم يكن واجباً، تخفيف من الله ورحمة.


    v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» معلقاً على قصة «أنس بن النضر» المشهورة: [وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى اهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر، وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين]


    v وجاء خلال قصة (قتل كعب بت الأشرف)، قول محمد بن مسلمة لأصحابه: (لا يسبقكم: وإن قتلتموني وأياه جميعا!)، وذلك لأنهم قرروا أن يعتنقه محمد بن مسلمة لشل حركته، كما هي في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف ثنا أحمد بن صالح ثنا بن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن عقيل بن خالد عن بن شهاب حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهي اخلاط منهم المسلمون الذين يجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم المشركون الذين يعبدون الأوثان ومنهم اليهود ومنهم أهل الحلقة والحصون وهم حلفاء الحيين الأوس والخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم استصلاحهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا والرجل يكون مسلما وأخوه مشركا وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم ففيهم أنزل الله تعالى: {ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثير}، إلى قوله: {من عزم الأمور}، وفيهم أنزل الله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا}، إلى قوله: {حتى يأتي الله بأمره}، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة الأنصاري ثم الحارثي وأبا عيسى بن حبر الأنصاري والحارث بن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط فأتوه عشية في مجلسه بالعوالي فلما رآهم كعب بن الأشرف أنكر شأنهم وكان يذعر منهم وقال لهم ما جاء بكم قالوا جاء بنا حاجة إليك قال فليدنو إلى بعضكم ليحدثني بها فدنا إليه بعضهم فقال قد جئناك لنبيعك أدراعا لنا لنستنفق أثمانها فقال والله لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل فواعدهم أن يأتوه عشاء حين يهدي عنه الناس فجاؤوه فناداه رجل منهم فقام ليخرج إليهم فقالت امرأته ما طرقوك ساعتهم هذه بشيء مما تحب قال بلى إنهم قد حدثوني حديثهم فخرج إليهم فاعتنقه محمد بن مسلمة وقال لأصحابه: (لا يسبقكم: وإن قتلتموني وأياه جميعا!)، فطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: (قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل غيلة؟!)، فذكر لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقول في أشعاره ويؤذيهم به، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة، فيها جامع أمر الناس، فكتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-02-09
  7. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    تالله لولا الله ما اهتدينا
    ولا تصدقنا ولا صلينا

    ونحن عن فضلك ما استغنينا
    فثبت الأقدام إن لاقينا
    وأنزلن سكينة علينا



    فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذا قال أنا عامر قال غفر لك ربك قال وما استغفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لإنسان يخصه إلا استشهد قال فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر قال فلما قدمنا خيبر قال خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:


    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطل مجرب
    إذا
    الحروب أقبلت تلهب


    قال وبرز له عمي عامر فقال:




    قد علمت خيبر أني عامر
    شاكي السلاح بطل مغامر


    قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه قال فأتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنا أبكي فقلت يا رسول الله بطل عمل عامر قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قال ذلك قال قلت ناس من أصحابك قال كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله قال فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال:




    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطل مجرب
    إذا الحروب أقبلت تلهب




    فقال علي:


    أنا الذي سمتني أمي حيدره
    كليث غابات كريه المنظرة
    أوفيهم بالصاع كيل السندرة



    قال: فضرب رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح على يديه]، قال إبراهيم حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن عكرمة بن عمار بهذا الحديث بطوله. قلت: هذا إسناد في غاية الصحة، ولقد سقته بطوله لما فيه من القصص الحسن الذي ترتفع به معنويات المجاهدين.

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه بنحوه إلى رجوعهم المدينة، ولم يذكر قصة خيبر]

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا هاشم بن القاسم ثنا عكرمة بن عمار قال ثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخرجنا أنا ورباح غلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد ان أبديه مع الإبل فلما كان بغلس غار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقتل راعيها، ...، فساق الحديث إلى قوله: (حتى قدمنا المدينة)]، ولم يذكر قصة خيبر.

    ــ وهو في «مصنف ابن أبي شيبة»: [حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني اياس بن سلمة عن أبيه فساق الحديث بنحو ما هو عند أحمد]

    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا هارون بن عبد الله ثنا هاشم بن القاسم ثنا عكرمة حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها، ...، فساق الحديث بنحوه إلى قوله: (فتحول أبو قتادة على فرس الأخرم وخرجوا هاربين)].




    فتضحية الإنسان بنفسه لله، مختاراً، إذاً حسن جميل، والإقدام على العدو منفرداً، على وجه المجازفة والمخاطرة، من غير موجب لذلك كما هو واضح بين في قصة فارس رسول الله، الأخرم الأسدي، رضي الله عنه، في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي سقناه آنفاً، بل كما ها معلوم ضرورة من عمومات النصوص الشرعية عامة المتعلقة بالجهاد، المثنية على الاستشهاد، وهي قطعية متواترة، معلومة من الدين بالضرورة، وكما تبينه النصوص الخاصة التالية المشتملة على جمل مثل «جاد بنفسه لله»، «انغمس في العدو حاسراً»، «حمل على جمع كبير»، من مثل:

    v ما جاء في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد قال حدثنا أبي قال حدثنا حيوة بن شريح قال سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول حدثني أسلم أبو عمران مولى لكندة قال: (كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم وخرج إليهم مثله أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح به الناس وقالوا: (سبحان الله تلقي بيدك إلى التهلكة؟!)، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: (أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض، سراً من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصريه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا فانزل الله على نبيه، صلى الله عليه وسلم، يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، فكانت التهلكة الإقامة في أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو!). قال: وما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح).

    ــ وقال الإمام أبو محمد علي بن حزم في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [ولم ينكر أبو أيوب الأنصاري ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل]. قلت: يقصد أبو محمد القصة المشهورة عند أسوار القسطنطينية. أما حديث أبي أيوب فقد أخرجه النسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح. وصححه أيضا ابن حبان والحاكم، وأخرجه غيرهم بألفاظ متقاربة، ومتون متسقة لا اضطراب فيها، ولا تنافر، فهو غاية في الصحة.


    قلت: العبرة بعموم اللفظ، لا خصوص السبب. فقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، نهي جازم عن أي فعل يؤدي بفاعله إلى الهلكة من الانتحار بتعاطي السم المهلك للجسد، إلى الامتناع عن النفقة في سبيل الله المهلك للإنسان في الآخرة، كل ذلك مشمول بهذا اللفظ العام المعجز، تنزيل من حكيم حميد، وكما هو في «كتاب الجهاد والسير: باب الحث على الجهاد وفضل الشهادة والرباط والحرس»: [(قوله: فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا) الخ هذا فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية، لأنها متضمنة لنهي لكل أحد عن كل ما يصدق عليه أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. والاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. فإذا كانت تلك الصورة التي قال الناس: إنها من باب الإلقاء لما رأوا الرجل الذي حمل على العدو كما سلف من صور الإلقاء أو شرعا. فلا شك أنها داخلة تحت عموم الآية. ولا يمنع من الدخول اعتراض أبي أيوب بالسبب الخاص. وقد تقرر في الأصول رجحان قول من قال إن الاعتبار بعموم اللفظ. ولا حرج في اندراج التهلكة باعتبار الدين وباعتبار الدنيا تحت قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، ويكون ذلك من باب استعمال المشترك. وفي البخاري في التفسير أن التهلكة هي ترك النفقة في سبيل الله. وذكر صاحب الفتح هنالك أقوالا أخر فليراجع].

    v وفي «المستدرك على الصحيحين» حديث آخر حول نفس الآية الكريمة: [أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السبيعي حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأ إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، رضي الله تعالى عنه، قال له رجل: (يا أبا عمارة: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟!)، قال: ( لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله لي)]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم). قلت: نعم، هو كذلك، وقد صرح أبو أسحاق بالسماع كما هو في الرواية التالية، وهي على كل حال أقوى وأصح إسناداً، وأوضح متناً:

    ــ كما هي في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) حيث قال الإمام أبو محمد علي بن حزم: [حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي نا خالد بن الحارث الهجيمي نا شعبة عن أبي إسحق السبيعي قال: سمعت رجلا سأل البراء بن عازب: (أرأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة؟)، قال البراء: (لا، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقى بيده، ويقول: لا توبة لي)].

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من طرق أخرى كما هي في الملحق.

    v ويصدقه حديث النعمان بن بشير في «سنن البيهقي الكبرى» من زاوية أخرى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أحمد بن الفضل العسقلاني ثنا آدم ثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، قال: يقول: (إذا أذنب أحدكم فلا يلقين بيده إلى التهلكة ولا يقولن لا توبة لي ولكن ليستغفر الله وليتب إليه فإن الله غفور رحيم)].


    فالتهلكة عند هاذين الصحابيين هي: «اليأس من رحمة الله، وترك التوبة والاستغفار»، وقد أصابا وأحسنا، رضوان الله وسلامه عليهما، فتلك هي التهلكة الأبدية، والخسارة السرمدية.

    v وقال الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكرَه المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج: 28 ص: 540).


    وحديث مسلم المشار إليه عند الإمام ابن تيمية هو التالي:



    v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر ...»، فساق الحديث، وفي متنه غرائب وعجائب، إلى أن ذكر محاولات الملك لقتل الغلام، حتى قال راوياً لكلام الغلام مخاطباً للملك: فقال للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به)، قال: (وما هو؟!)، قال: (تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني!)، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس: (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام!!)، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيه فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق!». وهو في «صحيح ابن حبان»، وهو كذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق، وفي «المعجم الكبير» من طريق أخرى متابعة لطريقي مسلم وأحمد، وهو كذلك في «السنن الكبرى»، و«الآحاد والمثاني»، وغيرها، والفاظ الطرق كلها تكاد تكون متطابقة.

    وهذا من أوضح ما يكون: الغلام يأمر الملك بقتل نفسه ويعطية «الوصفة» أي التفاصيل الإجرائية اللازمة، والصبي يدعو أمه إلى الصبر، وإلقاء نفسها، وهو على كتفها، في النار لأنها على الحق. نعم: هذه شريعة سابقة منسوخة، ولكنها شرعت لنا من جديد، بدليل ذكر النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لها في معرض المدح والثناء، ففعل ذلك مستحب عظيم الدرجة، ولكن الله امتن علينا بالرخصة في تركه لمن لم يستطع ارتقاء تلك المراتب العالية!


    v ثناء النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على من اختار القتل والعذاب على الكفر من الأمم السابقة، وامتداحه لذلك، وضربه له مثلاً، عندما شكى له بعض الصحابة معاناتهم تحت نكال قريش فقال فيما رواه البخاري عن خباب بن الأرت مرفوعاً: «قد كان من قبلكم: يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه». نعم: قد تكون هذه أيضاً شريعة سابقة منسوخة، ولكنها شرعت لنا من جديد، بدليل ذكر النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لها في معرض المدح والثناء، وحثه الصحابة على الاقتداء، ففعل ذلك مستحب عظيم الدرجة، وإن لم يكن واجباً، تخفيف من الله ورحمة.


    v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» معلقاً على قصة «أنس بن النضر» المشهورة: [وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى اهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر، وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين]


    v وجاء خلال قصة (قتل كعب بت الأشرف)، قول محمد بن مسلمة لأصحابه: (لا يسبقكم: وإن قتلتموني وأياه جميعا!)، وذلك لأنهم قرروا أن يعتنقه محمد بن مسلمة لشل حركته، كما هي في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف ثنا أحمد بن صالح ثنا بن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن عقيل بن خالد عن بن شهاب حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهي اخلاط منهم المسلمون الذين يجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم المشركون الذين يعبدون الأوثان ومنهم اليهود ومنهم أهل الحلقة والحصون وهم حلفاء الحيين الأوس والخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم استصلاحهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا والرجل يكون مسلما وأخوه مشركا وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم ففيهم أنزل الله تعالى: {ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثير}، إلى قوله: {من عزم الأمور}، وفيهم أنزل الله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا}، إلى قوله: {حتى يأتي الله بأمره}، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة الأنصاري ثم الحارثي وأبا عيسى بن حبر الأنصاري والحارث بن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط فأتوه عشية في مجلسه بالعوالي فلما رآهم كعب بن الأشرف أنكر شأنهم وكان يذعر منهم وقال لهم ما جاء بكم قالوا جاء بنا حاجة إليك قال فليدنو إلى بعضكم ليحدثني بها فدنا إليه بعضهم فقال قد جئناك لنبيعك أدراعا لنا لنستنفق أثمانها فقال والله لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل فواعدهم أن يأتوه عشاء حين يهدي عنه الناس فجاؤوه فناداه رجل منهم فقام ليخرج إليهم فقالت امرأته ما طرقوك ساعتهم هذه بشيء مما تحب قال بلى إنهم قد حدثوني حديثهم فخرج إليهم فاعتنقه محمد بن مسلمة وقال لأصحابه: (لا يسبقكم: وإن قتلتموني وأياه جميعا!)، فطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: (قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل غيلة؟!)، فذكر لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقول في أشعاره ويؤذيهم به، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة، فيها جامع أمر الناس، فكتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم]
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-02-09
  9. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    وليس هذا في الجهاد، وقتال العدو، وحمل الدعوة فحسب، بل هو في الاعتراف بالذنوب، والاستسلام لإقامة الحد حتى الموت:

    v كما هو في «صحيح مسلم»: [حدثني أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي حدثنا معاذ يعني بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة أن أبا المهلب حدثه عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى فقالت يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى]، وقال مسلم: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم حدثنا أبان العطار حدثنا يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد مثله. وهو كذلك عند الترمذي وقال: (حسن صحيح)، وقال الألباني: (صحيح)، ووأخرجه النسائي في سننه الكبرى، وكذلك المجتبى من السنن، وهو في «مسند أحمد»، من عدة طرق، و«صحيح ابن حبان»، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: ( إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح). وهو«صحيح ابن حبان» من طريق أخرى، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الصحيح). وهو كذلك في «سنن الدارقطني»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «المعجم الكبير» من عدة طرق، كلها صحاح، وهو كذلك في «الآحاد والمثاني»، وغيره، وهو صحيح، غاية في الصحة، من أصح أحاديث الدنيا، والعجب أنه فات البخاري.


    فهذه الجهنية، رضوان الله وسلامه عليها، جاءت إلى موت محقق طلباً لرضوان الله، ففازت بالقدح المعلَّى الذي تنقطع دونه الأعناق!

    v وقصة ماعز بن مالك الأسلمي، رضي الله عنه، مشهورة معلومة، جاءت في روايات كثيرة، بعضها مطوَّل، وبعضها مختصر، وفيها أنه جاء فاعترف بالزنا، وهو محصن، وكرر الاعتراف، فأمر به النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرجم، ثم قام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مساء ذلك اليوم فتوعد كل من يخلف الغزاة في أهلهم بشر، كما فعل ماعز، بأشد التنكيل، فاختلف الناس في أمر ماعز، هل قبلت توبته أم أنه لم يغفر له، حتى بين النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الأمر، كما سيأتي فوراً. ومن أتم هذه الروايات وأجودها إسناداً:


    v ما جاء في «صحيح مسلم»: [وحدثنا محمد بن العلاء الهمداني حدثنا يحيى بن يعلى وهو بن الحارث المحاربي عن غيلان وهو بن جامع المحاربي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أطهرك فقال من الزنى فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبه جنون فأخبر أنه ليس بمجنون فقال أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أزنيت فقال نعم فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال اقتلني بالحجارة قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: «استغفروا لماعز بن مالك»، قال فقالوا غفر الله لماعز بن مالك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم». قال ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنى فقال آنت قالت نعم فقال لها حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها]، والقصة بنحوها في «سنن الدارقطني»، وفي «سنن البيهقي الكبرى» من عدة طرق.

    v وهي باختصار في بعضها، مع زيادات في قصة الغامدية، أيضاً في «صحيح مسلم» : [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وتقاربا في لفظ الحديث حدثنا أبي حدثنا بشير بن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ...، فساق الحديث بنحوه إلى أن قال: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت هذا قد ولدته، قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم، سبه إياها فقال: «مهلا يا خالد: فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له»، ثم أمر بها فصلى عليها، ودفنت]


    ــ وجاء في «سنن أبي داود» قصة الغامدية فقط بنحو ما جاء في «صحيح مسلم» آنفاً، قال أبو داود: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن بشير بن المهاجر ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة يعني من غامد أتت النبي صلى الله عليه وسلم فساقه]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهي بنحوها في «سنن الدارمي»: [أخبرنا أبو نعيم ثنا بشير بن المهاجر حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من بني غامد فساق القصة]


    ــ وفي «السنن الكبرى» قصة ماعز فقط: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث قال ثنا أبي قال ثنا غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ..، فساق الحديث بنحو مما هو عند مسلم، إلا أنه قال: «لقد تاب توبة لو قسمت بين مائة لوسعتها»]، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: (هذا صالح الإسناد).


    ــ وقد جاء الاستغفار لماعز مجرداً عن القصة في «مسند ابن الجعد» : [حدثنا يحيى نا قيس عن علقمة بن مرثد عن بن بريدة عن أبيه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «استغفروا لماعز بن مالك»]

    ــ وهو في «الطبقات الكبرى» أثناء ترجمة (ماعز بن مالك الأسلمي) : [ قال أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا بن الربيع عن علقمة بن مرثد عن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «استغفروا لماعز بن مالك»]

    v وجاء في «المنتقى من السنن المسندة»، للإمام ابن الجارود، قصة أخرى «مثيرة»: [حدثنا محمد بن يحيى قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة قال ثنا أسباط يعني بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر، رضي الله تعالى عنه، أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد عن كره، (قال بن يحيى: مكابدة على نفسها)، فاستعانت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها قوم دون عدد فاستعانت بهم، فأدركوا الذي استعانت به، وسبقهم الآخر فذهب، فجاؤوا به يقودونه إليها فقال: (إنما أنا الذي أعنتك، وقد ذهب الآخر!)، فأتوا به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: (إنما كنت أعينها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني!)، فقالت: (كذب: هو الذي وقع علي)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أذهبوا به فارجموه!»، قال: فقام رجل من الناس فقال: (لا ترجموه، وارجموني: أنا الذي فعلت بها الفعل!)، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها، والذي أعانها، والمرأة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أما أنت: فقد غفر الله لك!»، وقال للذي أعانها قولا حسنا، قال عمر، رضي الله تعالى عنه: (ارجم الذي اعترف بالزنى)، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا: إنه قد تاب إلى الله»، (فقال بن عمير زاد فيها لو تابها أهل المدينة أو أهل يثرب لقبل منهم)، فأرسلهم؛ قال بن يحيى يريد به عبيد بن عمير]، وقال الحافظ الذهبي عن «المنتقى من السنن المسندة»: (لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد).

    ــ وهو بعينه سنداً ومتناً ،مع خلاف طفيف في الألفاظ، في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة هو القناد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه فساقه]

    ــ وهو بنحوه في «المعجم الكبير»: [حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه به]

    ــ وفي «المعجم الكبير» متابعة قيمة: [حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن يوسف الفريابي أنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه بنحوه].

    قلت: الحديث بمجموع الطريقين، لا سيما طريق إسرائيل، صحيح على شرط مسلم، لأن سماع إسرائيل من سماك قديم قبل أن يتغير حفظه فصلر يقبل التلقين، والحديث ليس من روايته عن عكرمة، التي وقع فيها بعض الاضطراب، كما يظهر من ترجمته، وأقوال الأئمة فيه التي سردناها في الملحق.

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن محمد بن النجار المقري بالكوفة قالا أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائلة عن أبيه وائل بن حجر فساقه بنحوه]، ثم قال الإمام البيهقي: (ورواه إسرائيل عن سماك وقال فيه فأتوا به النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما أمر به قام صاحبها الذي وقع عليها، ...، فذكر الحديث]، ثم استشكل البيهقي العفو عن الجاني فقال: ( فعلى هذه الرواية يحتمل أنه إنما أمر بتعزيره ويحتمل أنهم شهدوا عليه بالزنا وأخطأوا في ذلك حتى قام صاحبها فاعترف بالزنا وقد وجد مثل اعترافه من ماعز والجهنية والغامدية ولم يسقط حدودهم وأحاديثهم أكثر وأشهر والله أعلم).


    قلت: رحم الله البيهقي وغيره من الفقهاء، لا سيما أبا محمد علي بن حزم الذي استنكر هذا وحاول تضعيف الحديث ليفلت منه، فليس الموضوع هو سقوط الحد بالاعتراف أو التوبة، ولا هو من بابه في صدر ولا ورد. بل الموضوع هنا هو موضوع جريمة «اغتصاب»، أي غصب امرأة على نفسها، والزنا بها كرها عن نفسها باستخدام القوة والعنف، وهي جريمة تقع تحت عنوان «المحاربة». ومعلوم أن عقوبة «المحاربة» تسقط بالتوبة قبل القدرة، بنص الآية الكريمة. والمجرم ها هنا تاب توبة صادقة، وسلَّم نفسه بنفسه لإنقاذ المتهم الآخر الذي تمَّت إدانته، والحكم عليه، وكانت العقوبة على وشك أن تنفذ فيه، وهو لم يكن مشكوكاً قيه، ولا حتى متهما، بل كان مجهول العين غير معروف، ولم يكن محل نظر أو بحث أو اتهام أن له أي علاقة بالجريمة على الإطلاق، فاعترافه وتسليمه لنفسه توبة صحيحة قبل القدرة عليه، بل هي توبة صادقة لو تابها أهل المدينة لكفتهم، كما نص سيدي أبو القاسم محمد بن عبد الله، خاتم النبيين، رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فلم تعد في الحديث سنداً، ولا متناً، ولا حكماً أي معارضة أو إشكال، والحمد لله رب العالمين.


    v وجاء في «سنن الترمذي»: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن المعتمر قال سمعت ربعي بن خراش يحدث عن زيد بن ظبيان يرفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل فأعطاهم سرا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم]، وهو كذلك عند النسائي، وفي مسند أحمد، وفي «صحيح ابن حبان»، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح)، فأصاب. أما قول الألباني: ضعيف، فلا يعتد به لأنه قلَّد الحافظ في قوله عن زيد بن ظبيان «مقبول»، يعني إذا توبع وإلا فحديثه ضعيف، وفاته توثيق الأئمة ابن حبان وابن خزيمة له، وأنه من كبار التابعين، المشهود لهم بالخير والأمانة والصدق، وفاتته الشواهد، كما فاتته نظافة المتن واستقامته، وهذا عيب التفليد، وترك التفكير المستقل. على أن زيد بن ظبيان قد توبع، كما هو في الرواية التالية:


    ــ التي هي في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن بن مسعود قال: (رجلان يضحك الله إليهما رجل تحته فرس من أمثل خيل أصحابه فلقيهم العدو فانهزموا، وثبت الآخر: إن قتل قتل شهيدا، فذلك يضحك الله إليه، ورجل قام من الليل لا يعلم به أحد فأسبغ الوضوء وصلى على محمد، صلى الله عليه وسلم، وحمد الله واستفتح القراءة فيضحك الله إليه يقول انظروا إلى عبدي لا يراه أحد غيري)]، وهو كذلك، من طريق شريك عن أبي إسحاق، في «السنن الكبرى» للنسائي.


    v وفي «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ثنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة ثنا عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم: الذي إذا تكشف فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل»، ..] وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح، وقد احتجا بجميع رواته ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، قلت: هو كما قال الحاكم صحيح، وهو فوق ذلك على شرطهما.

    v وجاء في «سنن البيهقي»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن عفراء بن الحارث، رضي الله عنه: يا رسول الله ما يضحك الرب تبارك و تعالى من عبده ، قال: «أن يراه قد غمس يده في القتال يقاتل حاسرا»، فنزع عوف درعه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل).


    ــ وهو بنحوه في «مصنف ابن أبي شيبة» كما بيناه في الملحق، وهو مرسل في غاية الجودة، يصلح للإستئناس به، وفي الشواهد، ولكن لا تقوم به الحجة كما هو، إذ لا تقوم الحجة بمرسل.

    ــ ولكن الإمام أبا محمد علي بن حزم قال في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [بل قد صح عنه عليه السلام :(أن رجلا من أصحابه سأله: (ما يضحك الله من عبده؟)، قال: «غمسه يده في العدو حاسراً!»، فنزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل رضي الله عنه]، قلت: هكذا أتى به أبو محمد، من غير إسناد ولا مصدر مع النص على صحته، ولم يتيسر لنا الحصول عليه موصولاً في أي مما عندنا من المصادر. والمعروف أن أبا محمد متساهل في التضعيف ورد الأحاديث لأتفه الأسباب، مع غاية التشدد في التصحيح. وهو مع ذلك ثقة ثبت حجة، في الغاية من الحفظ والضبط والإتقان، مع الاطلاع على الكثير من الأجزاء والمسانيد المفقودة، أو التي ما زالت مخطوطة، لذلك لا نشك في صحة هذا الحديث، وجواز الاحتجاج به، من غير اطلاع على إسناده الموصول، الذي لم يقع لنا بعد، وبالله التوفيق.

    v وعن جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله». رواه الحاكم وقال: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه). قلت: مواجهة الفرد الأعزل لحاكم جائر متجبر تكاد تكون عملاً «انتحارياً».

    v وفي «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأ يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس هو بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي أنه كان جالسا عند عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكروا رجلا شرى نفسه يوم نهاوند فقال: (ذاك، والله، يا أمير المؤمنين خالي، زعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة)، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا)]، وقال البيهقي: ( كذا في رواية يعلى). وجاءت طرق أخرى عند البيهقي نفسه، والدارقطني في «العلل» حيث نص على صحة هذا الإسناد، وأحمد بن حنبل في «العلل ومعرفة الرجال».

    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ذكر لأسانيد أخرى: [وروى بن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: (إني لعند عمر فقلت: إن لي خالاً رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس ألقى بيده إلى التهلكة)، فقال عمر: (كذبوا: لكنه اشترى الآخرة بالدنيا)]، فهذا عمر بن الخطاب، وهو إمام ورئيس دولة، حريص على انضباط الجيش، قد اشتهر بالحرص على استبعاد «المتهورين» من المناصب القيادية، من أمثال البراء بن مالك، لا يرى بأساً بالرجل يرمي بنفسه في مهالك الحرب على نحو يدفع العوام إلى القول بأنه: {ألقى بيده إلى التهلكة}!

    ــ وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» خلال ترجمة عوف بن أبي حية البجلي، وهو «الفدائي» آنف الذكر: [قال بن منده: (أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، روى عنه ولده شبيل)، قلت: وقد تقدم شبيل في هذا القسم واستشهد عوف في قتال الفرس بنهاوند واخرج بن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي قال بينما انا عند عمر إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن فسأله عمر عن الناس فذكر من اصيب من المسلمين وقال قتل فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم فقال عمر لكن الله يعرفهم قالوا ورجل اشترى نفسه يعنون عوف بن أبي حية الأحمسي أبا شبيل، قال مدرك بن عوف: (يا أمير المؤمنين، والله خالي، يزعم الناس انه ألقى بيده الى التهلكة؟!)، فقال عمر: (كذب أولئك: ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا)، قال: ( وكان اصيب وهو صائم فاحتمل وبه رمق فأبي ان يشرب حتى مات)] . قلت: فهذه أشد أن يرفض الإنسان شرب الماء حتى يموت، ولا يرى عمر بن الخطاب في ذلك بأساً؛ ومثل عمر بن الخطاب، الإمام الراشد المهدي، يستوحش من مخالفته، إلا ببرهان من الله قاطع.


    v وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» قصة تضحية بطل آخر من أبطال الصحابة، هو هشام بن عامر بن أمية الأنصاري: [أخرج بن المبارك في الزهد من طريق جعفر بن زيد قال خرجنا في غزوة الى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم، فذكر قصة فيها: (فحمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا قال فقال العدو رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا؟!)، يعني: فانهزموا! قال: فقيل لأبي هريرة: (ان هشام بن عامر ألقى بيده الى التهلكة؟!)، فقال أبو هريرة: ( لا، ولكنه التمس هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله})]. قلت: أهل كابل هم من الأفغان، وهم من أشد وأشجع وأصلب مقاتلي الدنيا، ولكن أنى لهم بأصحاب محمد، رسول الله وخاتم النبيين، أسود الله، وأسود رسوله، من أمثال هشام بن عامر بن أمية الأنصاري، وصلة بن أشيم، رضوان الله وسلامه عليهما؟!

    v ورُوِيَ أن مسيلمة الكذاب، لعنه الله، أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله. فبلغ ذلك رسول اللّه، صلي الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «أماالأول فقد أخذ برخصة اللّه، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له»، أو كما قال، صلي الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا صريح في تفضيل من يصبر، ويثبت على الإيمان حتى القتل، على من يأخذ برخصة اللّه، ويظهر الكفر خوفًا على نفسه من القتل المتحقق يقينًا.

    v وفي «تهذيب التهذيب» أثناء ترجمة أبي مسلم الخولاني: [أبو مسلم الخولاني اليماني الزاهد الشامي، ...، أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو معدود في كبار التابعين وكان ناسكا عابدا له كرامات وروى بن سعد في الطبقات عن شرحبيل بن مسلم أن الأسود بن قيس ذا الحمار تنبأ في اليمن فبعث إلى أبي مسلم فلما جاء قال أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال فردد ذلك مرارا فأمر بنار عظيمة فأججت ثم ألقى فيها، فلم تضره فأمره بالرحيل فأتى المدينة وقد مات النبي، صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر: (الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم!)]. هذا الثبات، وهذا الاستعداد للتضحية هو الذي استحق به أبو مسلم الخولاني، رضي الله عنه، الكرامة في الدنيا، ونحتسب على الله أنه من أهلها في الآخرة.

    v وقصة عكرمة بن أبي جهل، رضي الله عنه، والكتيبة التي بايعته على الموت، فانغمسوا حاسرين، من غير دروع، في العدو، طلباً لخفة الحركة، وسرعة المناورة، يوم اليرموك (وقيل: يوم أجنادين). هذه قصة معروفة مشهورة: فمزقوا صفوف الروم شر ممزق، وبدأت الهزيمة تدب فيهم، واستشهد أكثر هؤلاء «الفدائيين»، وعلى رأسهم عكرمة نفسه، فلله درهم.


    v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرىء المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ومتى كان مجرد تهور فممنوع ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم].
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-02-09
  11. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    وليس هذا في الجهاد، وقتال العدو، وحمل الدعوة فحسب، بل هو في الاعتراف بالذنوب، والاستسلام لإقامة الحد حتى الموت:

    v كما هو في «صحيح مسلم»: [حدثني أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي حدثنا معاذ يعني بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة أن أبا المهلب حدثه عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى فقالت يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى]، وقال مسلم: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم حدثنا أبان العطار حدثنا يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد مثله. وهو كذلك عند الترمذي وقال: (حسن صحيح)، وقال الألباني: (صحيح)، ووأخرجه النسائي في سننه الكبرى، وكذلك المجتبى من السنن، وهو في «مسند أحمد»، من عدة طرق، و«صحيح ابن حبان»، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: ( إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح). وهو«صحيح ابن حبان» من طريق أخرى، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الصحيح). وهو كذلك في «سنن الدارقطني»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «المعجم الكبير» من عدة طرق، كلها صحاح، وهو كذلك في «الآحاد والمثاني»، وغيره، وهو صحيح، غاية في الصحة، من أصح أحاديث الدنيا، والعجب أنه فات البخاري.


    فهذه الجهنية، رضوان الله وسلامه عليها، جاءت إلى موت محقق طلباً لرضوان الله، ففازت بالقدح المعلَّى الذي تنقطع دونه الأعناق!

    v وقصة ماعز بن مالك الأسلمي، رضي الله عنه، مشهورة معلومة، جاءت في روايات كثيرة، بعضها مطوَّل، وبعضها مختصر، وفيها أنه جاء فاعترف بالزنا، وهو محصن، وكرر الاعتراف، فأمر به النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرجم، ثم قام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مساء ذلك اليوم فتوعد كل من يخلف الغزاة في أهلهم بشر، كما فعل ماعز، بأشد التنكيل، فاختلف الناس في أمر ماعز، هل قبلت توبته أم أنه لم يغفر له، حتى بين النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الأمر، كما سيأتي فوراً. ومن أتم هذه الروايات وأجودها إسناداً:


    v ما جاء في «صحيح مسلم»: [وحدثنا محمد بن العلاء الهمداني حدثنا يحيى بن يعلى وهو بن الحارث المحاربي عن غيلان وهو بن جامع المحاربي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أطهرك فقال من الزنى فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبه جنون فأخبر أنه ليس بمجنون فقال أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أزنيت فقال نعم فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال اقتلني بالحجارة قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: «استغفروا لماعز بن مالك»، قال فقالوا غفر الله لماعز بن مالك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم». قال ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنى فقال آنت قالت نعم فقال لها حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها]، والقصة بنحوها في «سنن الدارقطني»، وفي «سنن البيهقي الكبرى» من عدة طرق.

    v وهي باختصار في بعضها، مع زيادات في قصة الغامدية، أيضاً في «صحيح مسلم» : [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وتقاربا في لفظ الحديث حدثنا أبي حدثنا بشير بن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ...، فساق الحديث بنحوه إلى أن قال: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت هذا قد ولدته، قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم، سبه إياها فقال: «مهلا يا خالد: فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له»، ثم أمر بها فصلى عليها، ودفنت]


    ــ وجاء في «سنن أبي داود» قصة الغامدية فقط بنحو ما جاء في «صحيح مسلم» آنفاً، قال أبو داود: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن بشير بن المهاجر ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة يعني من غامد أتت النبي صلى الله عليه وسلم فساقه]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهي بنحوها في «سنن الدارمي»: [أخبرنا أبو نعيم ثنا بشير بن المهاجر حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من بني غامد فساق القصة]


    ــ وفي «السنن الكبرى» قصة ماعز فقط: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث قال ثنا أبي قال ثنا غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ..، فساق الحديث بنحو مما هو عند مسلم، إلا أنه قال: «لقد تاب توبة لو قسمت بين مائة لوسعتها»]، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: (هذا صالح الإسناد).


    ــ وقد جاء الاستغفار لماعز مجرداً عن القصة في «مسند ابن الجعد» : [حدثنا يحيى نا قيس عن علقمة بن مرثد عن بن بريدة عن أبيه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «استغفروا لماعز بن مالك»]

    ــ وهو في «الطبقات الكبرى» أثناء ترجمة (ماعز بن مالك الأسلمي) : [ قال أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا بن الربيع عن علقمة بن مرثد عن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «استغفروا لماعز بن مالك»]

    v وجاء في «المنتقى من السنن المسندة»، للإمام ابن الجارود، قصة أخرى «مثيرة»: [حدثنا محمد بن يحيى قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة قال ثنا أسباط يعني بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر، رضي الله تعالى عنه، أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد عن كره، (قال بن يحيى: مكابدة على نفسها)، فاستعانت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها قوم دون عدد فاستعانت بهم، فأدركوا الذي استعانت به، وسبقهم الآخر فذهب، فجاؤوا به يقودونه إليها فقال: (إنما أنا الذي أعنتك، وقد ذهب الآخر!)، فأتوا به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: (إنما كنت أعينها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني!)، فقالت: (كذب: هو الذي وقع علي)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أذهبوا به فارجموه!»، قال: فقام رجل من الناس فقال: (لا ترجموه، وارجموني: أنا الذي فعلت بها الفعل!)، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها، والذي أعانها، والمرأة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أما أنت: فقد غفر الله لك!»، وقال للذي أعانها قولا حسنا، قال عمر، رضي الله تعالى عنه: (ارجم الذي اعترف بالزنى)، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا: إنه قد تاب إلى الله»، (فقال بن عمير زاد فيها لو تابها أهل المدينة أو أهل يثرب لقبل منهم)، فأرسلهم؛ قال بن يحيى يريد به عبيد بن عمير]، وقال الحافظ الذهبي عن «المنتقى من السنن المسندة»: (لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد).

    ــ وهو بعينه سنداً ومتناً ،مع خلاف طفيف في الألفاظ، في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة هو القناد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه فساقه]

    ــ وهو بنحوه في «المعجم الكبير»: [حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه به]

    ــ وفي «المعجم الكبير» متابعة قيمة: [حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن يوسف الفريابي أنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه بنحوه].

    قلت: الحديث بمجموع الطريقين، لا سيما طريق إسرائيل، صحيح على شرط مسلم، لأن سماع إسرائيل من سماك قديم قبل أن يتغير حفظه فصلر يقبل التلقين، والحديث ليس من روايته عن عكرمة، التي وقع فيها بعض الاضطراب، كما يظهر من ترجمته، وأقوال الأئمة فيه التي سردناها في الملحق.

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن محمد بن النجار المقري بالكوفة قالا أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائلة عن أبيه وائل بن حجر فساقه بنحوه]، ثم قال الإمام البيهقي: (ورواه إسرائيل عن سماك وقال فيه فأتوا به النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما أمر به قام صاحبها الذي وقع عليها، ...، فذكر الحديث]، ثم استشكل البيهقي العفو عن الجاني فقال: ( فعلى هذه الرواية يحتمل أنه إنما أمر بتعزيره ويحتمل أنهم شهدوا عليه بالزنا وأخطأوا في ذلك حتى قام صاحبها فاعترف بالزنا وقد وجد مثل اعترافه من ماعز والجهنية والغامدية ولم يسقط حدودهم وأحاديثهم أكثر وأشهر والله أعلم).


    قلت: رحم الله البيهقي وغيره من الفقهاء، لا سيما أبا محمد علي بن حزم الذي استنكر هذا وحاول تضعيف الحديث ليفلت منه، فليس الموضوع هو سقوط الحد بالاعتراف أو التوبة، ولا هو من بابه في صدر ولا ورد. بل الموضوع هنا هو موضوع جريمة «اغتصاب»، أي غصب امرأة على نفسها، والزنا بها كرها عن نفسها باستخدام القوة والعنف، وهي جريمة تقع تحت عنوان «المحاربة». ومعلوم أن عقوبة «المحاربة» تسقط بالتوبة قبل القدرة، بنص الآية الكريمة. والمجرم ها هنا تاب توبة صادقة، وسلَّم نفسه بنفسه لإنقاذ المتهم الآخر الذي تمَّت إدانته، والحكم عليه، وكانت العقوبة على وشك أن تنفذ فيه، وهو لم يكن مشكوكاً قيه، ولا حتى متهما، بل كان مجهول العين غير معروف، ولم يكن محل نظر أو بحث أو اتهام أن له أي علاقة بالجريمة على الإطلاق، فاعترافه وتسليمه لنفسه توبة صحيحة قبل القدرة عليه، بل هي توبة صادقة لو تابها أهل المدينة لكفتهم، كما نص سيدي أبو القاسم محمد بن عبد الله، خاتم النبيين، رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فلم تعد في الحديث سنداً، ولا متناً، ولا حكماً أي معارضة أو إشكال، والحمد لله رب العالمين.


    v وجاء في «سنن الترمذي»: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن المعتمر قال سمعت ربعي بن خراش يحدث عن زيد بن ظبيان يرفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل فأعطاهم سرا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم]، وهو كذلك عند النسائي، وفي مسند أحمد، وفي «صحيح ابن حبان»، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح)، فأصاب. أما قول الألباني: ضعيف، فلا يعتد به لأنه قلَّد الحافظ في قوله عن زيد بن ظبيان «مقبول»، يعني إذا توبع وإلا فحديثه ضعيف، وفاته توثيق الأئمة ابن حبان وابن خزيمة له، وأنه من كبار التابعين، المشهود لهم بالخير والأمانة والصدق، وفاتته الشواهد، كما فاتته نظافة المتن واستقامته، وهذا عيب التفليد، وترك التفكير المستقل. على أن زيد بن ظبيان قد توبع، كما هو في الرواية التالية:


    ــ التي هي في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن بن مسعود قال: (رجلان يضحك الله إليهما رجل تحته فرس من أمثل خيل أصحابه فلقيهم العدو فانهزموا، وثبت الآخر: إن قتل قتل شهيدا، فذلك يضحك الله إليه، ورجل قام من الليل لا يعلم به أحد فأسبغ الوضوء وصلى على محمد، صلى الله عليه وسلم، وحمد الله واستفتح القراءة فيضحك الله إليه يقول انظروا إلى عبدي لا يراه أحد غيري)]، وهو كذلك، من طريق شريك عن أبي إسحاق، في «السنن الكبرى» للنسائي.


    v وفي «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ثنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة ثنا عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم: الذي إذا تكشف فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل»، ..] وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح، وقد احتجا بجميع رواته ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، قلت: هو كما قال الحاكم صحيح، وهو فوق ذلك على شرطهما.

    v وجاء في «سنن البيهقي»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن عفراء بن الحارث، رضي الله عنه: يا رسول الله ما يضحك الرب تبارك و تعالى من عبده ، قال: «أن يراه قد غمس يده في القتال يقاتل حاسرا»، فنزع عوف درعه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل).


    ــ وهو بنحوه في «مصنف ابن أبي شيبة» كما بيناه في الملحق، وهو مرسل في غاية الجودة، يصلح للإستئناس به، وفي الشواهد، ولكن لا تقوم به الحجة كما هو، إذ لا تقوم الحجة بمرسل.

    ــ ولكن الإمام أبا محمد علي بن حزم قال في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [بل قد صح عنه عليه السلام :(أن رجلا من أصحابه سأله: (ما يضحك الله من عبده؟)، قال: «غمسه يده في العدو حاسراً!»، فنزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل رضي الله عنه]، قلت: هكذا أتى به أبو محمد، من غير إسناد ولا مصدر مع النص على صحته، ولم يتيسر لنا الحصول عليه موصولاً في أي مما عندنا من المصادر. والمعروف أن أبا محمد متساهل في التضعيف ورد الأحاديث لأتفه الأسباب، مع غاية التشدد في التصحيح. وهو مع ذلك ثقة ثبت حجة، في الغاية من الحفظ والضبط والإتقان، مع الاطلاع على الكثير من الأجزاء والمسانيد المفقودة، أو التي ما زالت مخطوطة، لذلك لا نشك في صحة هذا الحديث، وجواز الاحتجاج به، من غير اطلاع على إسناده الموصول، الذي لم يقع لنا بعد، وبالله التوفيق.

    v وعن جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله». رواه الحاكم وقال: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه). قلت: مواجهة الفرد الأعزل لحاكم جائر متجبر تكاد تكون عملاً «انتحارياً».

    v وفي «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأ يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس هو بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي أنه كان جالسا عند عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكروا رجلا شرى نفسه يوم نهاوند فقال: (ذاك، والله، يا أمير المؤمنين خالي، زعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة)، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا)]، وقال البيهقي: ( كذا في رواية يعلى). وجاءت طرق أخرى عند البيهقي نفسه، والدارقطني في «العلل» حيث نص على صحة هذا الإسناد، وأحمد بن حنبل في «العلل ومعرفة الرجال».

    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ذكر لأسانيد أخرى: [وروى بن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: (إني لعند عمر فقلت: إن لي خالاً رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس ألقى بيده إلى التهلكة)، فقال عمر: (كذبوا: لكنه اشترى الآخرة بالدنيا)]، فهذا عمر بن الخطاب، وهو إمام ورئيس دولة، حريص على انضباط الجيش، قد اشتهر بالحرص على استبعاد «المتهورين» من المناصب القيادية، من أمثال البراء بن مالك، لا يرى بأساً بالرجل يرمي بنفسه في مهالك الحرب على نحو يدفع العوام إلى القول بأنه: {ألقى بيده إلى التهلكة}!

    ــ وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» خلال ترجمة عوف بن أبي حية البجلي، وهو «الفدائي» آنف الذكر: [قال بن منده: (أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، روى عنه ولده شبيل)، قلت: وقد تقدم شبيل في هذا القسم واستشهد عوف في قتال الفرس بنهاوند واخرج بن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي قال بينما انا عند عمر إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن فسأله عمر عن الناس فذكر من اصيب من المسلمين وقال قتل فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم فقال عمر لكن الله يعرفهم قالوا ورجل اشترى نفسه يعنون عوف بن أبي حية الأحمسي أبا شبيل، قال مدرك بن عوف: (يا أمير المؤمنين، والله خالي، يزعم الناس انه ألقى بيده الى التهلكة؟!)، فقال عمر: (كذب أولئك: ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا)، قال: ( وكان اصيب وهو صائم فاحتمل وبه رمق فأبي ان يشرب حتى مات)] . قلت: فهذه أشد أن يرفض الإنسان شرب الماء حتى يموت، ولا يرى عمر بن الخطاب في ذلك بأساً؛ ومثل عمر بن الخطاب، الإمام الراشد المهدي، يستوحش من مخالفته، إلا ببرهان من الله قاطع.


    v وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» قصة تضحية بطل آخر من أبطال الصحابة، هو هشام بن عامر بن أمية الأنصاري: [أخرج بن المبارك في الزهد من طريق جعفر بن زيد قال خرجنا في غزوة الى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم، فذكر قصة فيها: (فحمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا قال فقال العدو رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا؟!)، يعني: فانهزموا! قال: فقيل لأبي هريرة: (ان هشام بن عامر ألقى بيده الى التهلكة؟!)، فقال أبو هريرة: ( لا، ولكنه التمس هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله})]. قلت: أهل كابل هم من الأفغان، وهم من أشد وأشجع وأصلب مقاتلي الدنيا، ولكن أنى لهم بأصحاب محمد، رسول الله وخاتم النبيين، أسود الله، وأسود رسوله، من أمثال هشام بن عامر بن أمية الأنصاري، وصلة بن أشيم، رضوان الله وسلامه عليهما؟!

    v ورُوِيَ أن مسيلمة الكذاب، لعنه الله، أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله. فبلغ ذلك رسول اللّه، صلي الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «أماالأول فقد أخذ برخصة اللّه، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له»، أو كما قال، صلي الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا صريح في تفضيل من يصبر، ويثبت على الإيمان حتى القتل، على من يأخذ برخصة اللّه، ويظهر الكفر خوفًا على نفسه من القتل المتحقق يقينًا.

    v وفي «تهذيب التهذيب» أثناء ترجمة أبي مسلم الخولاني: [أبو مسلم الخولاني اليماني الزاهد الشامي، ...، أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو معدود في كبار التابعين وكان ناسكا عابدا له كرامات وروى بن سعد في الطبقات عن شرحبيل بن مسلم أن الأسود بن قيس ذا الحمار تنبأ في اليمن فبعث إلى أبي مسلم فلما جاء قال أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال فردد ذلك مرارا فأمر بنار عظيمة فأججت ثم ألقى فيها، فلم تضره فأمره بالرحيل فأتى المدينة وقد مات النبي، صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر: (الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم!)]. هذا الثبات، وهذا الاستعداد للتضحية هو الذي استحق به أبو مسلم الخولاني، رضي الله عنه، الكرامة في الدنيا، ونحتسب على الله أنه من أهلها في الآخرة.

    v وقصة عكرمة بن أبي جهل، رضي الله عنه، والكتيبة التي بايعته على الموت، فانغمسوا حاسرين، من غير دروع، في العدو، طلباً لخفة الحركة، وسرعة المناورة، يوم اليرموك (وقيل: يوم أجنادين). هذه قصة معروفة مشهورة: فمزقوا صفوف الروم شر ممزق، وبدأت الهزيمة تدب فيهم، واستشهد أكثر هؤلاء «الفدائيين»، وعلى رأسهم عكرمة نفسه، فلله درهم.


    v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرىء المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ومتى كان مجرد تهور فممنوع ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم].
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-02-09
  13. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    v فصل: «فدائية» البراء بن مالك

    كان البراء بن مالك بن النضر الأنصاري، أخو أنس بن مالك، رضي الله عنهما، آية من آيات الله في الشجاعة والإقدام، والمخاطرة بالنفس، وله ترجمة لطيفة مختصرة جاءت فيه أخبار اطيفة:


    v كما هي في «الإصابة في تمييز الصحابة» خلا ترجمته: [قال بقي بن مخلد في مسنده حدثنا خليفة حدثنا أبو بكر عن أبي إسحاق قال زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حديقة فيها عدو الله مسيلمة فقال البراء بن مالك: (يا معشر المسلمين ألقوني إليهم!)، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على حديقة حتى فتحها للمسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة!


    حدثنا خليفة حدثنا الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال: (رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بهم وضربه فحمل إلى رحله يداوي وأقام عليه خالد شهرا)


    وفي تاريخ السراج من طريق يونس عن الحسن وعن بن سيرين عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة قم يابراء قال فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يأهل المدينة لامدينة لكم اليوم وإنما هو الله وحده والجنة ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة فلقي البراء محكم اليمامة فضربه البراء وصرعه فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع


    وروى البغوي من طريق أيوب عن بن سيرين عن أنس عن البراء قال لقيت يوم مسيلمة رجلا يقال له حمار اليمامة رجلا جسيما بيده السيف أبيض فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه فأخذت سيفه واغمدت سيفي فما ضربت به ضربة حتى انقطع


    وفي الطبراني من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدو يعني بالحريق وكانوا يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم ففعلوا ذلك بأنس فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة فما برح حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يده فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وانجى الله أنس بن مالك بذلك


    وروى الترمذي من طريق ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «رب اشعت اغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك»، فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس فقال المسلمون: (يابراء أقسم على ربك!)، فقال: (أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، والحقتني بنبيك!)، فحمل وحمل الناس معه فقتله مرزبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سلبه فانهزم الفرس، وقتل البراء،


    وفي المستدرك من طريق سلامة عن عقيل عن الزهري عن أنس نحوه]، انتهى نص «الإصابة في تمييز الصحابة».


    وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يتخوف من شجاعته المفرطة:

    v كما جاء هذا في «الطبقات الكبرى»: [البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار شهد أحدا والخندق والمشاهد بعد ذلك مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان شجاعا، في الحرب له نكاية.


    أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا محمد بن عمرو عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من الهلك يقدم بهم]


    وفي الملحق مزيد من طرق الأخبار المذكورة أعلاه، وأحاديث أخرى،




    فمن كانت عنده أدنى شبهة في فضل التضحية بالنفس، وإتلافها في سبيل الله، والعمليات الاستشهادية، وليس مجرد إباحتها ومشروعيتها، بعد هذه المناقشة المستفيضة، والنصوص المتضافرة، فليبك على نفسه، وليترجل عن دابته حتى تركبه هذه الدابة: فهي، وايم الله، أولى بالركوب على صاحبها، منه بالركوب عليها!



    بل إننا نستخير الله، ونتجرأ، بعد طول تأمل، فنقول: أن من تيقن الوقوع في يد العدو، وعنده من الإسرار ما لو افتضح ألحق الضرر بالمسلمين، أو تسبب في هريمتهم، أو مقتل بعضهم، ولو واحداً منهم، أو انتهاك أعراضهم، ولو عرض إمرأة واحدة منهم، وعلم أن هذه الأسرار سوف تنتزع منه لا محالة بالتعذيب أو بالعقاقير المبطلة للإرادة، ونحو ذلك، من كان هذا حاله فلا بأس عليه إن شاء الله إن أقدم على إتلاف نفسه حفاظاً للسر، قاصداً حماية الإسلام والمسلمين، والذب عن حريمهم، طلباً لرضوان الله!

    لذلك فإن ما شاع الآن في وسائل الإعلام أن الشيخ المجاهد أسامة بن محمد بن لادن، وكذلك الملا محمد عمر أمير أفغانستان، قد تحزما بالمتفجرات لقتل نفسيهما بدلاً من الوقوع في يد العدو، وما يترتب على أسرهما من الضرر البالغ للإسلام والمسلمين من انكشاف الأسرار، وإذلال الإسلام والمسلمين، نقول: إن صح هذا الخبر فهو احتياط حسن جميل، لا غبار عليه إن شاء الله؛ إلا أننا نأمل في فضل الله العظيم أن ينجي الشيخين المجاهدين، ومن معهم من المجاهدين الصابرين، من قبضة أعداء الله، وأن يختم له بالنجاة والنصر والتمكين، ولطواغيت أمريكا بالذلة والصغار، ثم بالنار دار البوار، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين، آمين، آمين.


    ومها يكن من أمر: فعلى من عجز عن هذه المراتب العالية: مرتبة «الجود بالنفس» لله، أن يلزم الأدب، ويلوذ بالصمت. أما الفتاوى الكاذبة، والدعاوى الفارغة، فلا حاجة لطلاب الشهادة من المجاهدين بها. وصغار المجاهدين في هذا العصر، عندما يقدمون على عمليه «استشهادية»، هم، بحمد الله، أكثر علماً وفقهاً ووعياً من أدعياء العلم، ومدعي «المشيخة»، الذين يتصنعون الورع تصنعاً، ويتزلفون إلى السلاطين تزلفاً.



    اللهم ارفع درجة الفدائيين والاستشهاديين، من الرجال والنساء، مع النبيين والصديقين، وتقبل منهم، وتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا وتخلفنا مع القاعدين، وانزع من قلوبنا الوهن، واسلك بنا سبل المجاهدين المخلصين، غير خزايا ولا مفتونين، بفضلك ومنك وكرمك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.



    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المخلصين المجاهدين، وبارك وسلم تسليماً كثيراً.




    أ.د/ محمد بن عبدالله المســعري

    لندن
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-02-09
  15. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    v فصل: «فدائية» البراء بن مالك

    كان البراء بن مالك بن النضر الأنصاري، أخو أنس بن مالك، رضي الله عنهما، آية من آيات الله في الشجاعة والإقدام، والمخاطرة بالنفس، وله ترجمة لطيفة مختصرة جاءت فيه أخبار اطيفة:


    v كما هي في «الإصابة في تمييز الصحابة» خلا ترجمته: [قال بقي بن مخلد في مسنده حدثنا خليفة حدثنا أبو بكر عن أبي إسحاق قال زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حديقة فيها عدو الله مسيلمة فقال البراء بن مالك: (يا معشر المسلمين ألقوني إليهم!)، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على حديقة حتى فتحها للمسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة!


    حدثنا خليفة حدثنا الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال: (رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بهم وضربه فحمل إلى رحله يداوي وأقام عليه خالد شهرا)


    وفي تاريخ السراج من طريق يونس عن الحسن وعن بن سيرين عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة قم يابراء قال فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يأهل المدينة لامدينة لكم اليوم وإنما هو الله وحده والجنة ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة فلقي البراء محكم اليمامة فضربه البراء وصرعه فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع


    وروى البغوي من طريق أيوب عن بن سيرين عن أنس عن البراء قال لقيت يوم مسيلمة رجلا يقال له حمار اليمامة رجلا جسيما بيده السيف أبيض فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه فأخذت سيفه واغمدت سيفي فما ضربت به ضربة حتى انقطع


    وفي الطبراني من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدو يعني بالحريق وكانوا يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم ففعلوا ذلك بأنس فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة فما برح حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يده فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وانجى الله أنس بن مالك بذلك


    وروى الترمذي من طريق ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «رب اشعت اغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك»، فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس فقال المسلمون: (يابراء أقسم على ربك!)، فقال: (أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، والحقتني بنبيك!)، فحمل وحمل الناس معه فقتله مرزبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سلبه فانهزم الفرس، وقتل البراء،


    وفي المستدرك من طريق سلامة عن عقيل عن الزهري عن أنس نحوه]، انتهى نص «الإصابة في تمييز الصحابة».


    وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يتخوف من شجاعته المفرطة:

    v كما جاء هذا في «الطبقات الكبرى»: [البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار شهد أحدا والخندق والمشاهد بعد ذلك مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان شجاعا، في الحرب له نكاية.


    أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا محمد بن عمرو عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من الهلك يقدم بهم]


    وفي الملحق مزيد من طرق الأخبار المذكورة أعلاه، وأحاديث أخرى،




    فمن كانت عنده أدنى شبهة في فضل التضحية بالنفس، وإتلافها في سبيل الله، والعمليات الاستشهادية، وليس مجرد إباحتها ومشروعيتها، بعد هذه المناقشة المستفيضة، والنصوص المتضافرة، فليبك على نفسه، وليترجل عن دابته حتى تركبه هذه الدابة: فهي، وايم الله، أولى بالركوب على صاحبها، منه بالركوب عليها!



    بل إننا نستخير الله، ونتجرأ، بعد طول تأمل، فنقول: أن من تيقن الوقوع في يد العدو، وعنده من الإسرار ما لو افتضح ألحق الضرر بالمسلمين، أو تسبب في هريمتهم، أو مقتل بعضهم، ولو واحداً منهم، أو انتهاك أعراضهم، ولو عرض إمرأة واحدة منهم، وعلم أن هذه الأسرار سوف تنتزع منه لا محالة بالتعذيب أو بالعقاقير المبطلة للإرادة، ونحو ذلك، من كان هذا حاله فلا بأس عليه إن شاء الله إن أقدم على إتلاف نفسه حفاظاً للسر، قاصداً حماية الإسلام والمسلمين، والذب عن حريمهم، طلباً لرضوان الله!

    لذلك فإن ما شاع الآن في وسائل الإعلام أن الشيخ المجاهد أسامة بن محمد بن لادن، وكذلك الملا محمد عمر أمير أفغانستان، قد تحزما بالمتفجرات لقتل نفسيهما بدلاً من الوقوع في يد العدو، وما يترتب على أسرهما من الضرر البالغ للإسلام والمسلمين من انكشاف الأسرار، وإذلال الإسلام والمسلمين، نقول: إن صح هذا الخبر فهو احتياط حسن جميل، لا غبار عليه إن شاء الله؛ إلا أننا نأمل في فضل الله العظيم أن ينجي الشيخين المجاهدين، ومن معهم من المجاهدين الصابرين، من قبضة أعداء الله، وأن يختم له بالنجاة والنصر والتمكين، ولطواغيت أمريكا بالذلة والصغار، ثم بالنار دار البوار، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين، آمين، آمين.


    ومها يكن من أمر: فعلى من عجز عن هذه المراتب العالية: مرتبة «الجود بالنفس» لله، أن يلزم الأدب، ويلوذ بالصمت. أما الفتاوى الكاذبة، والدعاوى الفارغة، فلا حاجة لطلاب الشهادة من المجاهدين بها. وصغار المجاهدين في هذا العصر، عندما يقدمون على عمليه «استشهادية»، هم، بحمد الله، أكثر علماً وفقهاً ووعياً من أدعياء العلم، ومدعي «المشيخة»، الذين يتصنعون الورع تصنعاً، ويتزلفون إلى السلاطين تزلفاً.



    اللهم ارفع درجة الفدائيين والاستشهاديين، من الرجال والنساء، مع النبيين والصديقين، وتقبل منهم، وتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا وتخلفنا مع القاعدين، وانزع من قلوبنا الوهن، واسلك بنا سبل المجاهدين المخلصين، غير خزايا ولا مفتونين، بفضلك ومنك وكرمك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.



    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المخلصين المجاهدين، وبارك وسلم تسليماً كثيراً.




    أ.د/ محمد بن عبدالله المســعري

    لندن
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-02-09
  17. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    ملحق


    تأصيل الأحاديث والنقول




    v فصل: تحريم الإنتحار


    v قال الله، تبارك وتعالى: {يا أيها لذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ولا تقتلوا أنفسكم إن لله كان بكم رحيما
    v ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً، وكان ذلك على الله يسيراً}، (النساء؛ 4:29). وإن كان الجمهور على أن {أنفسكم} تعني ها هنا إخوانكم وأهل ملتكم، لأنهم بمثابة النفس، كما هو الحال ضرورة في مثل قوله، تبارك وتعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم}، وقوله، جل وعز: {فسلموا على أنفسكم}، إلا أن المقام ها هنا لا يوجب ذلك ضرورة، لذلك لا بد من أخذها على عمومها شاملة للذات، وللغير بني آدم عامة،والأخوة أو أهل الملة خاصة. قال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره، «تفسير الطبري»، (ج: 5 ص: 35): [القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، يعني بقوله جل ثناؤه ولا تقتلوا أنفسكم ولا يقتل بعضكم بعضا وأنتم أهل ملة واحدة ودعوة واحدة ودين واحد فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم من بعض وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قتله نفسه إذ كان القاتل والمقتول أهل يد واحدة على من خالف ملتهما. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:


    ــ حدثنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن مفضل قال ثنا أسباط عن السدي ولا تقتلوا أنفسكم يقول أهل ملتكم

    ــ حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى حجاج عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح ولا تقتلوا أنفسكم قال قتل بعضكم بعضا

    وأما قوله جل ثناؤه إن الله كان بكم رحيما فإنه يعني أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه ومن رحمته بكم كف بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها وحظر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا.


    القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا}، اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ومن يفعل ذلك عدوانا فقال بعضهم معنى ذلك ومن يقتل نفسه بمعنى ومن يقتل أخاه المؤمن عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا. ذكر من قال ذلك:


    حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى حجاج عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت قوله ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا في كل ذلك أو في قوله ولا تقتلوا أنفسكم قال بل في قوله ولا تقتلوا أنفسكم.

    وقال آخرون بل معنى ذلك ومن يفعل ما حرمته عليه من أول هذه السورة إلى قوله:{ومن يفعل ذلك}، من نكاح من حرمت نكاحه وتعدى حدوده وأكل أموال الأيتام ظلما وقتل النفس المحرم قتلها ظلما بغير حق.

    وقال آخرون بل معنى ذلك ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلما بغير طيب نفس منه وقتل أخاه المؤمن ظلما فسوف نصليه نارا.


    قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال معناه ومن يفعل ما حرم الله عليه من قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}، إلى قوله: {ومن يفعل ذلك}، من نكاح المحرمات وعضل المحرم عضلها من النساء وأكل المال بالباطل وقتل المحرم قتله من المؤمنين لأن كل ذلك مما وعد الله عليه أهله العقوبة ... إلخ]، انتهى كلام الإمام الطبري، ونحن نوافقه في الجوهر، ولكن نأبى تخصيص {أنفسكم} بمعنى إخوانكم وأهل ملتكم، بل هي عامة في الذات، والغير من بني الإنسان عامة، وأهل الملة خاصة، إذ ما ثم ضرورة عقلية، أو نص مخصص. وكذلك الآيات في تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق عامة، وتغليظ الوعيد عليه، في كل نفس إنسانية، لا فرق بين الإنتحار، وقتل الغير من أهل الإسلام، وقتل الغير من بني الإنسان. وإنما اقتصرنا على بني الإنسان لورود النصوص اليقينية الدالة على أن الإنسان سلط على الدواب: يأكلها، ويركبها، ويمتلكها، ويتصرف بها. ولولا ذلك لدخلت في عموم تحريم قتل الأنفس. وقد جاءت نصوص مع ذلك تحرم قتل الحيوان إلا لمأكل أو مطلب مشروع، فليست «نفوس» الحيوان مهدرة كل الإهدار، بل قد حمتها الشريعة حماية واسعة!

    v وجاء حديث عن جندب بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثني محمد قال حدثني حجاج حدثنا جرير عن الحسن حدثنا جندب بن عبد الله في هذا المسجد وما نسينا منذ حدثنا وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: {بادرني عبدي بنفسه: حرمت عليه الجنة}» ]. هذا في غاية الصحة.

    ــ وهو في «مسند أبي يعلى»: [حدثنا أبو موسى حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي قال سمعت الحسن قال حدثنا جندب بن عبد الله بعينه]، ثم زاد أبو يعلى: [قال أبو موسى قال وهب: (القدرية يحتجون بهذا الحديث وليس لهم فيه حجة)]، وقال الشيخ حسين أسد: إسناده صحيح


    ــ وهو في «صحيح ابن حبان» من طريق أبي يعلى بدون الزيادة من كلام وهب، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين)


    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب أنبأ أبو حاتم الرازي ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي ثنا جرير بن حازم عن الحسن قال حدثنا جندب بن عبد الله في هذا المسجدبه بعينه]، ثم قال البيهقي: (أخرجه البخاري في الصحيح، فقال وقال حجاج بن منهال عن جرير وأخرجه مسلم من وجه آخر عن جرير بن حازم). قلت: وقد أخرجه البخاري معلقاً، وكذلك موصولاً كما جئنا به أولاً.


    ــ وهو في «المعجم الكبير» بحذف كلام الحسن: [حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن المنهال ثنا جرير بن حازم ثنا الحسن ثنا جندب بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جرح رجل فيمن كان قبلكم جراحا فجزع منه فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ عنه الدم حتى مات فقال الله عز وجل: {عبدي بادرني نفسه حرمت عليك الجنة}»]، وهذا إسناد غاية في الصحة كذلك.



    v وحديث آخر عن ثابت بن الضحاك الأنصاوي، رضي الله عنه، في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري بأتم نص: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على بن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة، ومن *** مؤمنا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله»]، هذا في غاية الصحة.

    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» من طريق ثالثة بدون جملة النذر: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله»] .

    ــ وفي «الجامع الصحيح المختصر» من طريق رابعة مثل النص السابق: [حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهيب... به].


    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» من طريق ثالثة بدون جمل النذر، واللعن، والقذف بالكفر: [حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك، رضي الله تعالى عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم»]


    ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا معاوية بن سلام بن أبي سلام الدمشقي عن يحيى بن أبي كثير أن أبا قلابة أخبره أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه»]


    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال أخبرني أبو قلابة ... بنحوه]، وقال الألباني: صحيح


    ــ وفي «صحيح مسلم»: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور وعبد الوارث بن عبد الصمد كلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة عن أيوب عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك الأنصاري (ح) وحدثنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به في نار جهنم»، هذا حديث سفيان، وأما شعبة فحديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا فهو كما قال ومن ذبح نفسه بشيء ذبح به يوم القيامة».

    ــ وفي «المجتبى من السنن»: [أخبرنا قتيبة قال حدثنا بن أبي عدي عن خالد(ح) وأنبأنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال حدثنا يزيد قال حدثنا خالد عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك .. بنحو من حديث سفيان]، وقال الألباني: صحيح.

    كل الطرق السابقة صحاح تقوم بها الحجة، والحديث مخرج في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم بأصح الأسانيد بألفاظ متقاربة فهو في: «المجتبى من السنن» للإمام النسائي وكذلك في «السنن الكبرى» له، وفي «مسند أحمد» من طرق كثيرة، وفي «صحيح بن جبان» من عدة طرق، وفي «السنن الكبرى للبيهقي»، وفي «المعجم الكبير» من طرق كثيرة جداً، وهو في مسند الطيالسي، وفي الآحاد والمثاني، ومسند بن الجعد، وغيرها.


    v وجاء في «صحيح مسلم» لفظ غريب يختلف في أحد جمله عن الألفاظ السابقة كثيراً: [حدثني أبو غسان المسمعي حدثنا معاذ وهو بن هشام قال حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو قلابة عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على رجل نذر فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة، ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة ومن حلف على يمين صبر فاجرة»].


    الجملة الأخيرة: ( ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة ومن حلف على يمين صبر فاجرة) لم نجد لها متابعة ولا طريق إلا هذه فكأنها غير محفوظة، ولعلها من أوهام الرواة، أو تداخل هذا الحديث مع حديث آخر في ذهن الراوية.


    أما الجملة الأولى: (من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال)، وهو أتم لفظ، فقد جاءت في جميع الطرق إلا أن بعض الطرق قال: (كاذباً) فقط، وبعضها (متعمداً) فقط، وبعضها بحذفهما!

    والجملة الثانية: (ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم) جاءت بألفاظ متقاربة المعنى مثل: ( ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة)، أو ( ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم)، أو( ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)، أو (ومن ذبح نفسه بشيء ذبح به يوم القيامة)، أو(ومن قتل نفسه بشيء يموت به فهو في النار)، أو (ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به في الآخرة)، وما يشبهها، والمعنى واحد.

    أما الجملة الثالثة: (ولعن المؤمن كقتله)، فهي هي في جميع الطرق حيثما وردت.

    والجملة الرابعة: (ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله)، فقد جاءت هكذا في عامة الروايات إلا أن «قذف» ربما استبدلت بــ«رمي»، وهمل لفظان مترادفان. وجاءت روايات بلفظ: (ومن شهد على مسلم أو قال على مؤمن بكفر فهو كقتله)، وفي رواية (ومن سمى مسلما كافرا فقد كفر)، وهذه في الأرجح سبق ذهن من أحد الرواة، دخل فيها معنى حديث آخر في هذا الحديث.

    أما الجملة الخامسة: (ليس على بن آدم نذر فيما لا يملك)، فقد جاءت باختلاف طفيف في الألفاظ، مثل: (ليس على رجل نذر فيما لا يملك)، أو (ليس على رجل نذر في شيء لا يملكه)، أو (ليس على العبد نذر فيما لا يملك)، ونحوها والمعنى واحد.



    v وحديث ثالث عن سهل بن سعد الأنصاري، رضي الله عنه، كما جاء في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا بن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال: التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا فمال كل قوم إلى عسكرهم وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه فقيل: (يا رسول الله: ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان!)، فقال: «إنه من أهل النار!»، فقالوا: (أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟!!)، فقال رجل من القوم: (لأتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه)، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أشهد أنك رسول الله!)، فقال: «وما ذاك؟!»، فأخبره، فقال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة»]. وهو بعينه في «المنتخب من مسند عبد بن حميد»: [حدثني عبد الله بن مسلمة ثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد به]

    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري من طريق ثانية بنحو من نفس اللفظ، إلا أنه أطول قليلاً: [حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، التقى هو والمشركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار!»، فقال رجل من القوم أنا صاحبه قال فخرج معه كلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أشهد أنك رسول الله قال وما ذاك قال الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار فأعظم الناس ذلك فقلت أنا لكم به فخرجت في طلبه ثم جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة»]




    v وفي «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري حديث رابع عن أبي هريرة، يشبه أن يكون في واقعة أخرى مشابهة: [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري (ح) وحدثني محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار»، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الذي قلت إنه من أهل النار فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار!»، قال فكاد بعض الناس أن يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت ولكن به جراحا شديدا فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «الله أكبر: أشهد أني عبد الله ورسوله!»، ثم أمر بلالا فنادى بالناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر].


    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» من طريق ثانية: [حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بمثله]

    ــ وهو في «صحيح مسلم» من طريق ثالثة: [وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد جميعا عن عبد الرزاق قال بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة ... بمثله]

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال حدثنا بن أبي السري قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح.

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة به].

    v وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أحمد بن محمد بن عبدوس ثنا عثمان بن سعيد قال قرأت على أبي اليمان أن شعيب بن أبي حمزة حدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ... فساق الحديث بأتم ألفاظه]

    v وحديث خامس في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من حديث كعب بن مالك في نفس الواقعة أو واقعة مشابهة: [حدثنا يعقوب قال ثنا أبي عن صالح بن كيسان قال بن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك انه أخبره بعض من شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل ممن معه ان هذا لمن أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح فاتاه رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله أرأيت الرجل الذي ذكرت انه من أهل النار فقد والله قاتل في سبيل الله أشد القتال وكثرت به الجراح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما انه من أهل النار وكاد بعض الناس ان يرتاب فبينما هم على ذلك وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده الرجل إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر به فاشتد رجل من المسلمين إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا نبي الله: قد صدق الله حديثك، قد انتحر فلان، فقتل نفسه!)]




    v وحديث سادس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في «الجامع الصحيح المختصر» : [حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن سليمان قال سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»]


    ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج قالا حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به].

    ــ وفي «صحيح مسلم»: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير (ح) وحدثنا سعيد عن عمرو الأشعثي حدثنا عبثر (ح) وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد يعني بن الحارث حدثنا شعبة كلهم بهذا الإسناد مثله وفي رواية شعبة عن سليمان قال سمعت ذكوان]


    ــ وهو في «سنن الترمذي»: [حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود عن شعبة عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة به بطوله كاملاً]، وصححه الترمذي، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «المجتبى من السنن»: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال حدثنا شعبة عن سليمان سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة بطوله]، وقال الشيخ الألباني : صحيح.

    ــ وهو في «سنن الدارمي»: [حدثنا يعلى بن عبيد ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به بطوله]

    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بطوله]

    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به]

    ــ وفي «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبى هريرة بطوله، إلا أنه قال: «ومن تردى من جبل متعمدا فقتل نفسه ..إلخ»]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين).

    ــ وهو في «المسند»: [حدثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي هريرة به إلا أنه اقتصر على «الحديدة» و«التردي»]

    ــ وهو في «سنن الترمذي»: [حدثنا أحمد بن منيع حدثنا عبيدة بن حميد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به إلا أنه ذكر «الحديدة» و«السم»، ولم يذكر التردي]، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا أحمد بن حنبل ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به، إلا أنه اقتصر على جملة «السم» فقط]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهو كذلك بذكر «السم» فقط في «سنن ابن ماجه»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة]، وقال الألباني: صحيح.

    والحديث بطوله أو مختصراً في السنن والمسانيد والمعاجم مثل: «السنن الكبرى » للنسائي، و«سنن البيهقي الكبرى» من عدة طرق، و«المعجم الأوسط»، و«مسند أبي داود الطيالسي»، وغيرها.

    v وفي «الجامع الصحيح المختصر» حديث سابع عن أبي هريرة: [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار»]



    v وحديث ثامن عن جابر بن سمرة جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا عون بن سلام الكوفي أخبرنا زهير عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه)].

    ــ وهو في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أنبأ إسحاق بن منصور قال حدثنا أبو الوليد قال حدثنا أبو خيثمة زهير هو بن معاوية قال حدثنا سماك عن جابر بن سمرة أن رجلا قتل نفسه بمشاقص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فلا أصلي عليه»]، هذا إسناد أجود من إسناد مسلم، والمتن أوضح من متن مسلم، إذ بين أن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، قال نصاً: «أما أنا فلا أصلي عليه»، فالامتناع عن الصلاة عليه مقتصر عليه فقط، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، أما عامة المسلمين فلهم أن يصلوا، ولهم أن يدعوا.


    ــ وأخرجه الترمذي من طريق ثانية، فقال: [حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل وشريك عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجل قتل نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم]، ثم قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، واختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم يصلى على كل من صلى إلى القبلة وعلى قاتل النفس وهو قول الثوري وإسحاق وقال أحمد لا يصلي الإمام على قاتل النفس ويصلي عليه غير الإمام)، وقال الألباني: صحيح.

    وهو كذلك عند ابن ماجه، وفي «المسند» من عدة طرق إلى زهير، وإسرائيل، وشريك، وفي «صحيح ابن حبان»، وفي «المستدرك على الصحيحين»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «المعجم الكبير»، وفي «مسند أبي داود الطيالسي»، و«مسند ابن الجعد»، وغيرها



    v ولكن جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن سليمان قال أبو بكر حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة قال حصن كان لدوس في الجاهلية فأبى ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له ما صنع بك ربك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه، صلى الله عليه وسلم، فقال مالي أراك مغطيا يديك قال قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «اللهم وليديه فاغفر»]. فلولا عنعنة أبي الزبير لكان هذا من أصح أحاديث الدنيا!

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن الحجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر به].

    ــ وهو أيضاً في «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا علي بن حمشاذ العدل ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ثنا حماد بن زيد ثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر بطوله، وزاد في آخره: (ورفع يديه)]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)

    ــ وهو بزيادة (رفع اليدين) في «قرة العينين برفع اليدين في الصلاة»: [حدثنا أبو النعمان (حدثنا) حماد بن يزيد حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم به]. قلت: ما بين القوسين (حدثنا) سقط في الأصل، ولا بد منه، كما هو في الرواية التالية.


    ــ وهي في «الأدب المفرد» للبخاري قال: [حدثنا عارم قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا حجاج الصواف عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله بطوله].



    v وحديث آخرعن سلمة بن الأكوع في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا تسمعنا من هنيهاتك قال وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول:




    اللهم لولا أنت ما اهتدينا
    ولا تصدقنا ولا صلينا
    فاغفر فداء لك ما اقتفينا

    وثبت الأقدام إن لاقينا
    وألقين سكينة علينا
    إنا إذا صيح بنا أتينا
    وبالصياح عولوا علينا









    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق قالوا عامر بن الأكوع فقال يرحمه الله فقال رجل من القوم وجبت يا نبي الله لو أمتعتنا به قال فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ثم إن الله فتحها عليهم فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذه النيران على أي شيء توقدون قالوا على لحم قال على أي لحم قالوا على لحم حمر إنسية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهرقوها واكسروها فقال رجل يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها قال أو ذاك فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر فتناول به يهوديا ليضربه ويرجع ذباب سيفه فأصاب ركبة عامر فمات منه فلما قفلوا قال سلمة رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبا فقال لي ما لك فقلت فدى لك أبي وأمي زعموا أن عامرا حبط عمله قال من قاله قلت قاله فلان وفلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذب من قاله إن له لأجرين»، وجمع بين إصبعيه «إنه لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله»]، وقال البخاري: (حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه مثله)، وأخرجه مختصراً من طريق عالية: (حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ...)


    ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد واللفظ لابن عباد قالا حدثنا حاتم وهو بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة بن الأكوع بنحو مما سبق بطوله]

    ــ وهو بطوله في «المعجم الكبير»: [حدثنا محمد بن يحيى القزاز ثنا القعنبي ثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع به كاملاً]

    ــ أخرجه أحمد فقال: [حدثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن أبي عبيد قال ثنا سلمة بن الأكوع به، إلا أن الشعر لم يحفظه الإمام يحيى بن سعيد القطان].

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا مسدد بن مسرهد عن يحيى القطان عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع به بطوله، إلا أن يحيى لم يحفظ الشعر].

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب أنبأ أبو بكر الإسماعيلي ثنا أبو يعلى ثنا محمد بن عباد ثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة عن سلمة بن الأكوع به من دون قصة لحوم الحمر الإنسية]

    ــ وهو بدون الشعر الذي لم يحفظه يحيى عند الطبراني في «المعجم الكبير»: [حدثنا معاذ بن المثنى ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد ثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع به]



    هذه الأحاديث الصحاح عن جندب بن عبد الله البجلي، وثابت بن الضحاك الأنصاوي، وسهل بن سعد الأنصاري، وكعب بن مالك، وأبي هريرة في أحاديث متعددة، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، رضي الله عنهم جميعاً، نقل تواتر، يضاف إلى الآية الكريمة المذكورة أولاً، وعموم أدلة تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، يحدث علماً يقينياً قاطعاً بحرمة الإنتحار، أي قتل الإنسان لنفسه، وعظيم إثم ذلك وفداحته. ولا يجوز أن تكون في ذلك أدنى شبهة، إذ أن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وقد انعقد عليه إجماع أهل الإسلام، بحيث يكفر منكره، ويخرج من الإسلام بجحده، إدا بلغه البيان، وقامت عليه الحجة.

    وقد استشكل كثير من الناس الوعيد المخيف في مثل قوله، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: « في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»، وقوله رواية عن ربه: {حرمت عليه الجنة}، فجائت محاولات متعددة:


    (1) القول بأن هذه شريعة سابقة منسوخة. هذا إن صلح في حديث جندب، فلا يغني شيئاً في حديث أبي هريرة وفيه: « في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» وهو لهذه الأمة، ولا ذكر فيه لشريعة سابقة مطلقاً.

    (2) تضعيف الجملة: « في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»، وقد حاول الإمام الترمذي ذلك، ولكن هذا مسلك أعرج، وطريق هلكة، لأنه رد للروايات الصحية بغير برهان، وإنما لمجرد الظن أو الهوى.

    (3) أن ذلك في حق الكافر المستحل. هذا تخصيص قامت عليه البراهين العامة في عصاة أهل الإسلام، وحديث جابر بن عبد الله الذي ينص على مغفرة جريمة الانتحار بفضل ثواب الهجرة إلى رسول الله: هذا مسلك جيد!

    (4) أن ذلك من ألفاظ الوعيد الشديدة. وأن الخلود والأبد في لغة العرب تعنى الدوام الطويل، وليست هي بالمعنى الصارم عند الفلاسفة والمتكلمين وعلماء الرياضيات، بل قد يكون إلى غاية بعيدة، كما هو في مثل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في بعض أحكام الحج: «إلى أبد الأبد»، ومعلوم أن الحج فرض ما دامت الدنيا، دار التكليف، وبعد فنائها ينتهي التكليف، فما ثم حج ولا عمرة أصلاً. فقوله: «أبد الأبد»، يعني ضرورة: إلى غاية انتهاء الواقع الذي تعلق به الحكم. وهذا قول جيد أيضاً، إلا أنه يفتح أبواب إشكاليات من أهمها قضية «فناء النار»، الذي قال به بعض العلماء ومنهم الأئمة: ابن القيم، وابن تيمية. هذا مبحث ممتع، ولكنه عويص للغاية، نتركه لوقت آخر، بإذن الله، إن كان في العمر فسحة.



    v فصل: فضل التضحية بالنفس والجود بها في سبيل الله



    v جاء في «سنن الترمذي»: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن المعتمر قال سمعت ربعي بن خراش يحدث عن زيد بن ظبيان يرفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل فأعطاهم سرا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم]، وقال الألباني: ضعيف.


    ــ وهو في «المجتبى من السنن»، و«السنن الكبرى»: [أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد قال حدثنا شعبة عن منصور قال سمعت ربيعا عن زيد بن ظبيان رفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ..به]، قال الشيخ الألباني: ضعيف

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن منصور قال سمعت ربعي بن حراش يحدث عن زيد بن ظبيان رفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه]


    ــ هو وفي «صحيح ابن حبان» باختصار: [أخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا عمر بن شبة بن عبيدة حدثنا غندر حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يحبهم الله رجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينهم وبينه فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح لهم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح).

    قلت: أصاب الشيخ شعيب الأرناؤوط، أو قارب الصواب، فالحديث أقرب إلى الصحة، ولا ينزل عن مرتبة الحسن بحال من الأحوال، أما تضعيف الألباني فلا محل له، ولعله اعتمد تصنيف الحافظ لزيد بن ظبيان أنه «مقبول» فقط، فقلده من غير روية، ولم ينظر إلى كونه من كبار التابعين، ولا إلى توثيق الأئمة ابن خزيمة وابن حبان له، وهو أهمل نظافة المتن وشواهده كعادته في عدم التدقيق في المتون.



    v وفي «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ثنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة ثنا عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم: الذي إذا تكشف فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل»]، قال الحاكم : هذا حديث صحيح وقد احتجا بجميع رواته ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، قلت: هو صحيح على شرطهما.

    v وهو في «المعجم الكبير» بلفظ: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن بن مسعود قال: (رجلان يضحك الله إليهما رجل تحته فرس من أمثل خيل أصحابه فلقيهم العدو فانهزموا وثبت الآخر إن قتل قتل شهيدا فذلك يضحك الله إليه، ورجل قام من الليل لا يعلم به أحد فأسبغ الوضوء وصلى على محمد، صلى الله عليه وسلم، وحمد الله واستفتح القراءة فيضحك الله إليه يقول انظروا إلى عبدي لا يراه أحد غيري)]

    ــ وهو في «السنن الكبرى»: [أخبرني علي بن محمد قال حدثنا خلف يعني بن تميم قال حدثنا أبو الأحوص قال أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ...بمثله]



    v وفي «صحيح مسلم» حديث مهم في الجود بالنفس: [حدثني أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي حدثنا معاذ يعني بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة أن أبا المهلب حدثه عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهي حبلى من الزنى فقالت يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى]،


    ــ وقال الإمام مسلم: [وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم حدثنا أبان العطار حدثنا يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد مثله]،


    ــ وهو في «سنن الترمذي»: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير .. به]، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «المجتبى من السنن»: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عفان ثنا أبان يعنى العطار ثنا يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من طريق أخرى: [حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير بنحوه]


    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من طريق ثالثة: [حدثنا يحيى بن سعيد ثنا هشام عن أبي قلابة عن أبي المهلب ان عمران بن حصين حدثه... به]، وقد سقط هنا يحيى بن أبي كثير، وهذا في الأرجح من أخطاء النساخ.

    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من طريق رابعة: [حدثنا أبو عامر ثنا هشام عن يحيى .. به]


    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]، وقال أبو حاتم، رضي الله تعالى عنه: (وهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة إذ الجواد يعثر فقال عن أبي قلابة عن عمه أبي المهاجر وإنما هو أبو المهلب اسمه عمرو بن معاوية بن زيد الجرمي من ثقات التابعين وسادات أهل البصرة)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط (إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح).

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان» من طريق أخرى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد قالا حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى ... بنحوه]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الصحيح)

    ــ وهو في «سنن الدارمي»: [حدثنا وهب بن جرير ثنا هشام عن يحيى .. بمثله]


    ــ وهو في «المجتبى من السنن»، وفي «السنن الكبرى»: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «سنن الدارقطني»: [نا عبد الله نا يحيى نا عبد العزيز بن عبد الصمد نا هشام بإسناده نحوه].


    ــ وفي «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن صالح بن هانئ ثنا أبو علي القباني ثنا عبيد الله بن سعيد ثنا معاذ بن هشام حدثني أبي فذكره ...]، بإسناده ومعناه إلا أنه قال لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل رواه مسلم في الصحيح عن أبي غسان عن معاذ


    ــ وهو في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير .. بمثله]

    ــ وهو في «المعجم الكبير» من طريق ثانية: [حدثنا أبو مسلم الكشي ثنا حجاج بن نصير ومسلم بن إبراهيم قالا ثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير .. به]


    ــ وهو في «المعجم الكبير» من طريق ثالثة: [حدثنا محمد بن معاذ الحلبي ثنا عبد الله بن رجاء ثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة حدثني أبو المهلب أن عمران بن حصين حدثه .. به]


    ــ وفي «المعجم الكبير» من طريق رابعة: [حدثنا موسى بن هارون وزكريا بن يحيى الساجي وعبدان بن أحمد قالوا أنا هدبة بن خالد ثنا أبان بن يزيد حدثني يحيى بن أبي كثير أن أبا قلابة حدثه عن أبي المهلب عن عمران بن حصين به]

    ــ وهو في «الآحاد والمثاني» من نفس طريق «المعجم الكبير» الآنفة الذكر: [حدثنا هدبة بن خالد نا أبان بن يزيد ثنا يحيى بن أبي كثير أن أبا قلابة حدثه عن أبي المهلب عن عمران بن حصين، رضي الله تعالى عنه، به].



    v وقصة ماعز بن مالك الأسلمي، رضي الله عنه، مشهورة معلومة، جاءت في روايات كثيرة، بعضها مطوَّل، وبعضها مختصر، وفيها أنه جاء فاعترف بالزنا، وهو محصن، وكرر الاعتراف، فأمر به النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرجم، ثم قام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مساء ذلك اليوم فتوعد كل من يخلف الغزاة في أهلهم بشر، كما فعل ماعز، بأشد التنكيل، فاختلف الناس في أمر ماعز، هل قبلت توبته أم أنه لم يغفر له، حتى بين النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الأمر، كما سيأتي فوراً. ومن أتم هذه الروايات وأجودها إسناداً:


    v ما جاء في «صحيح مسلم»: [وحدثنا محمد بن العلاء الهمداني حدثنا يحيى بن يعلى وهو بن الحارث المحاربي عن غيلان وهو بن جامع المحاربي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أطهرك فقال من الزنى فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبه جنون فأخبر أنه ليس بمجنون فقال أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أزنيت فقال نعم فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال اقتلني بالحجارة قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال استغفروا لماعز بن مالك قال فقالوا غفر الله لماعز بن مالك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم قال ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنى فقال آنت قالت نعم فقال لها حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها]

    ــ والقصة بنحوها في «سنن الدارقطني»: [نا حمزة بن القاسم نا عباس الدوري ونا محمد بن نوح الجنديسابوري ومحمد بن محمد بن مالك الأسكافي قالا نا جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ قالا نا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي نا أبي عن غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قاله بنحوه]، ثم قال الإمام الدارقطني: (هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي كريب عن يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان)

    ــ وهي بنحوها في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عباس بن عبد الله الترقفي ثنا يحيى بن يعلى حدثني أبي ثنا غيلان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قاله]، وقال البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن يحيى بن يعلى بن الحارث).

    ــ وهي بنحوها في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا جعفر بن محمد الصائغ ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي ثنا أبي عن غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قاله]، وقال البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن يحيى بن يعلى)


    v وهي باختصار في بعضها، مع زيادات في قصة الغامدية، أيضاً في «صحيح مسلم»: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وتقاربا في لفظ الحديث حدثنا أبي حدثنا بشير بن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال أتعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم قال فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني وإنه ردها فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى قال إما لا فاذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت]


    ــ وجاء في «سنن أبي داود» قصة الغامدية فقط بنحو ما جاء في «صحيح مسلم»، قال أبو داود: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن بشير بن المهاجر ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة يعني من غامد أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني قد فجرت فقال ارجعي فرجعت فلما كان الغد أتته فقالت لعلك أن تردني كما رددت ماعز بن مالك فوالله إني لحبلى فقال لها ارجعي فرجعت فلما كان الغد أتته فقال لها ارجعي حتى تلدي فرجعت فلما ولدت أتته بالصبي فقالت هذا قد ولدته فقال لها ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يأكله فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين وأمر به فحفر لها وأمر بها فرجمت وكان خالد فيمن يرجمها فرجمها بحجر فوقعت قطرة من دمها على وجنته فسبها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مهلا يا خالد: فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تأبها صاحب مكس لغفر له»، وأمر بها فصلى عليها، ودفنت]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهي بنحوها في «سنن الدارمي»: [أخبرنا أبو نعيم ثنا بشير بن المهاجر حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من بني غامد فساق القصة]


    ــ وفي «السنن الكبرى» قصة ماعز فقط: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث قال ثنا أبي قال ثنا غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاءه فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاءه فقال يا رسول الله طهرني قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاءه فقال يا رسول الله طهرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مما أطهرك قال من الزنا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أبك جنون فأخبر أنه ليس بمجنون وسأله أشربت خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم أثيب أنت قال نعم فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك ماعز على عمله لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول أتوبة أفضل من توبة ماعز بن مالك أن جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده وقال اقتلني بالحجارة فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال استغفروا لماعز بن مالك فقالوا يغفر الله لماعز بن مالك فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لقد تاب توبة لو قسمت بين مائة لوسعتها]، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: (هذا صالح الإسناد).


    ــ وقد جاء الاستغفار لماعز مجرداً عن القصة في «مسند ابن الجعد»: [حدثنا يحيى نا قيس عن علقمة بن مرثد عن بن بريدة عن أبيه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «استغفروا لماعز بن مالك»]

    ــ وهو في «الطبقات الكبرى» أثناء ترجمة (ماعز بن مالك الأسلمي) : [ قال أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا بن الربيع عن علقمة بن مرثد عن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «استغفروا لماعز بن مالك»]



    v وجاء في «المنتقى من السنن المسندة» قصة أخرى مثيرة: [حدثنا محمد بن يحيى قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة قال ثنا أسباط يعني بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر، رضي الله تعالى عنه، أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد عن كره، (قال بن يحيى: مكابدة على نفسها)، فاستعانت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها قوم دون عدد فاستعانت بهم، فأدركوا الذي استعانت به، وسبقهم الآخر فذهب، فجاؤوا به يقودونه إليها فقال: (إنما أنا الذي أعنتك، وقد ذهب الآخر!)، فأتوا به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: (إنما كنت أعينها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني!)، فقالت: (كذب: هو الذي وقع علي)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أذهبوا به فارجموه!»، قال: فقام رجل من الناس فقال: (لا ترجموه، وارجموني: أنا الذي فعلت بها الفعل!)، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها، والذي أعانها، والمرأة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أما أنت: فقد غفر الله لك!»، وقال للذي أعانها قولا حسنا، قال عمر، رضي الله تعالى عنه: (ارجم الذي اعترف بالزنى)، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا: إنه قد تاب إلى الله»، (فقال بن عمير زاد فيها لو تابها أهل المدينة أو أهل يثرب لقبل منهم)، فأرسلهم؛ قال بن يحيى يريد به عبيد بن عمير]، وقال الحافظ الذهبي عن «المنتقى من السنن المسندة»: (لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد).

    ــ وهو بعينه سنداً ومتناً ،مع خلاف طفيف في الألفاظ، في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة هو القناد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه فساقه]

    ــ وهو بنحوه في «المعجم الكبير»: [حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه به]

    ــ وفي «المعجم الكبير» متابعة قيمة: [حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن يوسف الفريابي أنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه بنحوه].

    قلت: الحديث بمجموع الطريقين، لا سيما طريق إسرائيل، صحيح على شرط مسلم، لأن سماع إسرائيل من سماك قديم قبل أن يتغير حفظه فصلر يقبل التلقين، والحديث ليس من روايته عن عكرمة، التي وقع فيها بعض الاضطراب، كما يظهر من ترجمته، وأقوال الأئمة فيه التي تأتي قريباً، إن شاء الله تعالى.

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن محمد بن النجار المقري بالكوفة قالا أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائلة عن أبيه وائل بن حجر فساقه بنحوه]، ثم قال الإمام البيهقي: (ورواه إسرائيل عن سماك وقال فيه فأتوا به النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما أمر به قام صاحبها الذي وقع عليها، ...، فذكر الحديث]، ثم استشكل البيهقي العفو عن الجاني فقال: ( فعلى هذه الرواية يحتمل أنه إنما أمر بتعزيره ويحتمل أنهم شهدوا عليه بالزنا وأخطأوا في ذلك حتى قام صاحبها فاعترف بالزنا وقد وجد مثل اعترافه من ماعز والجهنية والغامدية ولم يسقط حدودهم وأحاديثهم أكثر وأشهر والله أعلم).


    قلت: رحم الله البيهقي وغيره من الفقهاء، لا سيما أبا محمد علي بن حزم الذي استنكر هذا وحاول تضعيف الحديث ليفلت منه، فليس الموضوع هو سقوط الحد بالاعتراف أو التوبة، ولا هو من بابه في صدر ولا ورد. بل الموضوع هنا هو موضوع جريمة «اغتصاب»، أي غصب امرأة على نفسها، والزنا بها كرها عن نفسها باستخدام القوة والعنف، وهي جريمة تقع تحت عنوان «المحاربة». ومعلوم أن عقوبة «المحاربة» تسقط بالتوبة قبل القدرة، بنص الآية الكريمة. والمجرم ها هنا تاب توبة صادقة، وسلَّم نفسه بنفسه لإنقاذ المتهم الآخر الذي تمَّت إدانته، وكانت العقوبة على وشك أن تنزل به، وهو لم يكن مشكوكاً قيه، ولا حتى متهما، بل كان مجهول العين غير معروف، ولم يكن محل نظر أو بحث أو اتهام أن له أي علاقة بالجريمة على الإطلاق، فاعترافه وتسليمه لنفسه توبة صحيحة قبل القدرة عليه، بل هي توبة صادقة لو تابها أهل المدينة لكفتهم، كما نص أبو القاسم محمد بن عبد الله، خاتم النبيين، رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فلم تعد في الحديث سنداً، ولا متناً، ولا حكماً أي معارضة أو إشكال، والحمد لله رب العالمين.




    v ترجمة «سماك بن حرب»:

    هو: سماك بن حرب بن أوس بن خالد بن ثعلبة الذهلي البكري، أبو المغيرة، معدود في الكوفيين، عن إبراهيم بن يزيد النخعي وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وسعيد بن جبير وغيرهم وعنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وأبو عوانة الوضاح وغيرهم. قال يحيى بن معين: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صدوق ثقة)، وقال علي بن المديني: (له نحو مائتي حديث)، وقال النسائي: (ليس به بأس وفي حديثه شيء)، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: (سمعت يحيى بن معين سئل عن سماك بن حرب ما الذي عابه قال اسند أحاديث لم يسندها غيره قال يحيى وسماك ثقة)، وهذا يعني أن العيب فيه ليس بمعتبر عند يحيى، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال:( صدوق ثقة، قلت له قال أحمد بن حنبل سماك اصلح حديثا من عبد الملك بن عمير فقال هو كما قال!)، وقال بن عدي: (ولسماك حديث كثير مستقيم ،إن شاء اللهو وهو من كبار تابعي أهل الكوفة، وأحاديثه حسان وهو صدوق لا بأس به)، وقال الذهبي: (ساء حفظه)، يعني بآخرة، وقال محمد بن عبد الله بن عمار: (يقولون أنه كان يغلط ويختلفون في حديثه)، وقال صالح بن محمد البغدادي: (يضعف)، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: (في حديثه لين)، ولكن ابن خراش متعنت جدا.


    وقد قال يعقوب بن شيبة السدوسي ملخصاً تلخيصاً جيداً: (روايته عن عكرمة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، ومن سمع منه قديما مثل سفيان وشعبة فحديثه عنه صحيح مستقيم)، وقال بن المبارك: (وقول يعقوب فيه إنما نراه فيمن سمع منه بأخرة)،


    والظاهر أن اضطرابه في عكرمة إنما هو في التفسير فقط، فقد كان شعبة يضعفه وكان يقول في التفسير عكرمة ولو شئت ان أقول له بن عباس لقاله، قال يحيى فكان شعبة لا يروي تفسيره الا عن عكرمة يعني لا يذكر فيه عن بن عباس. فالأحوط هو التوقف في روايته عن عكرمة، وتمحيصها، لا سيما إذا كانت بآخرة أو كانت في التفسير، وما عدا ذلك فهو ثقة، صحيح الحديث، وهذا هو الذي فعله الأئمة فقد روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وأخرج له البخاري متابعة، وتوفي سنة 123.


    v وجاء في «سنن البيهقي»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى الناس يوم بدر قال عوف ابن عفراء بن الحارث، رضي الله عنه: يا رسول الله ما يضحك الرب تبارك و تعالى من عبده ، قال : «أن يراه قد غمس يده في القتال يقاتل حاسرا»، فنزع عوف درعه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل).


    ــ وهو بنحوه في «مصنف ابن أبي شيبة»: [[حدثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن محمد بن قتادة قال قال معاذ بن عفراء: (يا رسول الله ! ما يضحك الرب من عبده ؟)، قال : «غمسه يده في العدو حاسراً». قال: (وألقى درعاً كانت عليه فقاتل حتى قتل)]، إلا أنه قال معاذ بن عفراء، بدلاً من عوف بن عفراء، وهو سبق قلم أو زلة ذهن من بعض الرواة، لأنه في «المغازي» لابن إسحاق بنحو من حديث البيهقي مع ذكر عوف بن الحارث، وهو عوف بن عفراء، وعفراء أمه، اشتهر هو وأخوه معاذ بالنسبة إليها. هذا مرسل في غاية الجودة.

    ــ ولكن الإمام أبا محمد علي بن حزم قال في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [بل قد صح عنه عليه السلام :(أن رجلا من أصحابه سأله: (ما يضحك الله من عبده؟)، قال: «غمسه يده في العدو حاسراً!»، فنزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل رضي الله عنه]، قلت: هكذا أتى به أبو محمد، من غير إسناد ولا مصدر مع النص على صحته، ولم يتيسر لنا الحصول عليه موصولاً في أي مما عندنا من المصادر. والمعروف أن أبا محمد متساهل في التضعيف ورد الأحاديث لأتفه الأسباب، مع غاية التشدد في التصحيح. وهو مع ذلك ثقة ثبت حجة، في الغاية من الحفظ والضبط والإتقان، مع الاطلاع على الكثير من الأجزاء والمسانيد المفقودة، أو التي ما زالت مخطوطة، لذلك لا نشك في صحة هذا الحديث، وجواز الاحتجاج به، من غير اطلاع على إسناده الموصول، الذي لم يقع لنا بعد، وبالله التوفيق.



    v وفي «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد قال حدثنا أبي قال حدثنا حيوة بن شريح قال سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول حدثني أسلم أبو عمران مولى لكندة قال: (كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم وخرج إليهم مثله أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح به الناس وقالوا: (سبحان الله تلقي بيدك إلى التهلكة؟!)، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: (أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض سرا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصريه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا فانزل الله على نبيه، صلى الله عليه وسلم، يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، فكانت التهلكة الإقامة في أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو!). قال: وما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح).

    ــ وهو عند الترمذي بنفس اللفظ: [حدثنا عبد بن حميد حدثنا الضحاك بن مخلد عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران التجيبي ... إلخ]، وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهو في «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ بن وهب أخبرني حيوة بن شريح به مختصراً]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم).

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من طريق الحاكم آنفة الذكر مقرونة بمتابعة أخرى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا أبو عبد الرحمن المقري عن حيوة بن شريح أنبأ يزيد بن أبي حبيب حدثني أسلم أبو عمران قال كنا بالقسطنطينية .. إلخ].

    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ثنا بن وهب عن حيوة بن شريح وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران فساقه بنحوه]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ و هو في «المستدرك على الصحيحين» من طريق ثانية، وفيه زيادات: [حدثنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا محمد بن أحمد بن أنس القرشي حدثنا عبد الله بن يزيد المقري أنبأ حيوة بن شريح أنبأ يزيد بن أبي حبيب أخبرني أسلم أبو عمران مولى بني تجيب قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد الأنصاري فخرج صف عظيم من الروم، فصففنا لهم صفا عظيما من المسلمين فحمل رجل من المسلمين على صف من الروم حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا مقبلا فصاح فيه الناس فقالوا ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب ... إلخ كسابقه]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم).

    ــ وهو في «السنن الكبرى»: [أنا محمد بن حاتم أنا حبان أنا عبد الله عن حيوة أخبرني يزيد بن أبي حبيب نا أسلم أبو عمران ... به بطوله]

    ــ وهو في «مسند أبي داود الطيالسي»: [حدثنا عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم بن عمر أن التجيبي مولى تجيب قال كنا بالقسطنطينية، .. إلخ بطوله]


    ــ وهو في «السنن الكبرى» للإمام النسائي مقتصراً على كلام أبي أيوب: [أنا عبيد الله بن سعيد عن حديث أبي عاصم عن حيوة بن شريح قال حدثني يزيد بن أبي حبيب قال حدثني أسلم أبو عمران قال قال أبو أيوب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: ... إلخ].

    ــ كما أنه في «المعجم الكبير»: [حدثنا هارون بن ملول المصري ثنا عبد الله بن يزيد المقري ثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب حدثني أسلم أبو عمران عن أبي أيوب قال: .. إلي آخر كلام أبي أيوب].

    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وساق إلى آخر الآية قوله التهلكة والهلاك واحد هو تفسير أبي عبيدة وزاد والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمها واللام ساكنة فيهما وكل هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي وقيل التهلكة ما أمكن التحرز منه والهلاك بخلافه وقيل التهلكة نفس الشيء المهلك وقيل ما تضر عاقبته والمشهور الأول ثم ذكر المصنف حديث حذيفة في هذه الآية قال نزلت في النفقة أي في ترك النفقة في سبيل الله عز وجل وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرا في حديث أبي أيوب الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أسلم بن عمران قال كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا فصاح الناس سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرا إن أموالنا قد ضاعت فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها وصح عن بن عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية، ...،].

    ــ وقال الإمام أبو محمد علي بن حزم في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [ولم ينكر أبو أيوب الأنصاري ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل]. قلت: لعل أبا محمد يعني القصة المشهورة عند أسوار القسطنطينية. أما حديث أبي أيوب فقد سبق تخريجه، ولم يقع لي حديث أبي موسى.




    v وفي «المستدرك على الصحيحين» حديث آخر حول نفس الآية الكريمة: [أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السبيعي حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأ إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، رضي الله تعالى عنه، قال له رجل: (يا أبا عمارة: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟!)، قال: ( لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله لي)]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم).

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من طرق أخرى: [وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد قالا ثنا أبو العباس ثنا إبراهيم ثنا سعيد بن عامر عن شعبة عن أبي إسحاق قال قال رجل للبراء، رضي الله تعالى عنه: (أحمل على الكتيبة بالسيف في ألف من التهلكة ذاك؟!)، قال: (لا، إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ثم يلقي بيديه ثم يقول لا يغفر لي)].

    ــ وقال الإمام أبو محمد علي بن حزم في «المحلى» (ج: 7 ص: 294): [حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي نا خالد بن الحارث الهجيمي نا شعبة عن أبي إسحق السبيعي قال سمعت رجلا سأل البراء بن عازب أرأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال البراء: (لا، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقى بيده، ويقول: لا توبة لي)].


    v ويصدقه حديث النعمان بن بشير في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أحمد بن الفضل العسقلاني ثنا آدم ثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، قال: يقول: (إذا أذنب أحدكم فلا يلقين بيده إلى التهلكة ولا يقولن لا توبة لي ولكن ليستغفر الله وليتب إليه فإن الله غفور رحيم)].




    v وقال الإمام ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكره المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج: 28 ص: 540).


    وحديث مسلم المشار إليه هو التالي:

    v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر ...»، فساق الحديث، وفي متنه بعض غرابة، إلى أن ذكر محاولات الملك لقتل الغلام، حتى قال راوياً لكلام الغلام مخاطباً للملك: « فقال للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به)، قال: (وما هو؟!)، قال: (تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني!)، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس: (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام!!)، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيه فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق!».


    ــ وهو في «صحيح ابن حبان» مطابقاً لحديث مسلم: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب به مطابقاً لحديث مسلم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم)، وهو كذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن صهيب به بطوله كاملاً بمثل حديث مسلم]، وهو كذلك في «السنن الكبرى» كما هو عند أحمد من طريق عفان: [أنا أحمد بن سليمان نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة نا ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب بمثل حديث أحمد]، وهو في «المعجم الكبير» من طريق أخرى متابعة لطريقي مسلم وأحمد: [حدثنا محمد بن محمد التمار البصري ثنا علي بن عثمان اللاحقي ثنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب به بمثله]، وهو في «الآحاد والمثاني» عن هدبة بن خالد مباشرة: [حدثنا هدبة بن خالد نا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب بمثل حديث مسلم]

    وهذا من أوضح ما يكون: الغلام يأمر الملك بقتله ويعطية تفاصيل الإجراءات اللازمة، والصبي يدعو أمه إلى الصبر، وإلقاء نفسها في النار لأنها على الحق!




    v وفي «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأ يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس هو بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي أنه كان جالسا عند عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكروا رجلا شرى نفسه يوم نهاوند فقال ذاك والله يا أمير المؤمنين خالي، زعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا)]، وقال البيهقي: ( كذا في رواية يعلى).


    ــ وفي «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» قال الإمام الدارقطني: [وسئل عن حديث مدرك بن عوف عن عمر وقيل له رجل قتل في سبيل الله أنه ألقى بيده إلى التهلكة فقال عمر كذب من قال ذلك ولكنه ممن اشترى الآخرة بالدنيا فقال يرويه إسماعيل بن أبي خالد واختلف عنه فرواه أبو أسامة ويزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن مدرك بن عوف عن عمر وقال هشيم عن إسماعيل عن قيس عن شبيل بن عوف وقال وكيع عن إسماعيل عن قيس عن عمر وقول أبي أسامة ويزيد بن هارون أصح]، قلت: والطريق الصحيحة هي التي أوردناها آنفاً.


    ــ وفي «العلل ومعرفة الرجال» يقول الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: [حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا إسماعيل عن قيس قال ذكروا عند عمر رجلا شرى بنفسه فقال مدرك بن عوف الأحمسي يا أمير المؤمنين خالي يزعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة فقال كذب أولئك بل هو ممن اشترى الآخرة بالدنيا]


    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» بلفظ آخر، وبخلاف طفيف في الأسماء: [أخبرنا أبو الحسين بن الفضل أنبأ عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا بن عثمان أنبأ عبد الله أنبأ إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن حصين بن عوف قال: (لما أخبر عمر بقتل النعمان بن مقرن وقيل أصيب فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم، قال: (ولكن الله يعرفهم)، قال: (ورجل شرى نفسه)، فقال رجل من أحمس يقال له مالك بن عوف: (ذاك خالي يا أمير المؤمنين: زعم ناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة!)، فقال عمر: (كذب أولئك: بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا)، قال قيس: (والمقتول عوف بن أبي حميد وهو أبو شبل، قال يعقوب: مالك أشبه].حصين بن عوف على الأرجح وهم، وإنما هو مدرك بن عوف، كما نص عليه الدارقطني.


    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ذكر لأسانيد أخرى: [وروى بن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال إني لعند عمر فقلت إن لي خالاً رمى بنفسه في الحرب فقتل فقال ناس ألقى بيده إلى التهلكة فقال عمر كذبوا لكنه اشترى الآخرة بالدنيا وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه بن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق قال قلت للبراء أرأيت قول الله عز وجل ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف قال لا ولكنه الرجل يذنب فيلقى بيده فيقول لا توبة لي وعن النعمان بن بشير نحوه والأول أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها وأما قصرها عليه ففيه نظر لأن العبرة بعموم اللفظ].

    ــ وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» خلال ترجمة عوف بن أبي حية البجلي، وهو «الفدائي» آنف الذكر: [قال بن منده: (أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، روى عنه ولده شبيل)، قلت: وقد تقدم شبيل في هذا القسم واستشهد عوف في قتال الفرس بنهاوند واخرج بن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي قال بينما انا عند عمر إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن فسأله عمر عن الناس فذكر من اصيب من المسلمين وقال قتل فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم فقال عمر لكن الله يعرفهم قالوا ورجل اشترى نفسه يعنون عوف بن أبي حية الأحمسي أبا شبيل قال مدرك بن عوف يا أمير المؤمنين والله خالي يزعم الناس انه ألقى بيده الى التهلكة فقال عمر كذب أولئك ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا قال وكان اصيب وهو صائم فاحتمل وبه رمق فأبي ان يشرب حتى مات]




    v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى اهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين]

    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرىء المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ومتى كان مجرد تهور فممنوع ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين والله أعلم].


    v وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» قصة تضحية بطل آخر من أبطال الصحابة، هو هشام بن عامر بن أمية الأنصاري: [أخرج بن المبارك في الزهد من طريق جعفر بن زيد قال خرجنا في غزوة الى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم، فذكر قصة فيها: (فحمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا قال فقال العدو رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا؟!)، يعني: فانهزموا! قال: فقيل لأبي هريرة: (ان هشام بن عامر ألقى بيده الى التهلكة؟!)، فقال أبو هريرة: ( لا، ولكنه التمس هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله})]



    v وفي «تهذيب التهذيب» خلال ترجمة أبي مسلم الخولاني اليماني الزاهد الشامي: [قال بن عبد البر في الاستيعاب أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبي،، صلى الله عليه وسلم، وهو معدود في كبار التابعين وكان ناسكا عابدا له كرامات وروى بن سعد في الطبقات عن شرحبيل بن مسلم أن الأسود بن قيس ذا الحمار تنبأ في اليمن فبعث إلى أبي مسلم فلما جاء قال أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال فردد ذلك مرارا فأمر بنار عظيمة فأججت ثم ألقى فيها فلم تضره فأمره بالرحيل فأتى المدينة وقد مات النبي، صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم].

    v وفي «تهذيب الكمال» خلال ترجمة عكرمة بن أبي جهل: [وروي أنه مر برجل يوم اليرموك فقاتل قتالا شديدا حتى قتل فوجدوا فيه بضعة وسبعين ما بين ضربة وطعنة ورمية وقال يومئذ قاتلت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في كل موطن وأفر منكم اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربع مائة من وجوه المسلمين وكان أميرا على بعض الكراديس]، وهو كذلك في «تهذيب التهذيب».




    v وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» خلال ترجمة عكرمة بن أبي جهل: [روى سيف في الفتوح بسند له أن عكرمة نادى من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث وضرار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين وكان أميرا على بعض الكراديس وذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر فقتلوا كلهم إلا ضرارا]، ولكن سيف بن عمر التميمي كذاب، متهم بالزندقة، وهو صاحب أساطير عبد الله بن سبأ!



    v وجاء في «كتاب الجهاد والسير: باب الحث على الجهاد وفضل الشهادة والرباط والحرس»: [وقد أخرج الحاكم من حديث أنس (أن رجلا قال يا رسول الله أرأيت إن انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال : نعم. فانغمس الرجل في صف المشركين، فقاتل حتى قتل)، وفي الصحيحين عن جابر قال: ( قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات كن بيده، ثم قاتل حتى قتل)، وروى ابن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: ( لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحرث: يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: "أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا، فنزع درعه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل]

    ــ أما الحديث المشار إليه آنفاً كما هو في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرني أحمد بن محمد العنزي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأ ثابت عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن رجلا أسود أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله أني رجل أسود منتن الريح قبيح الوجه لا مال لي فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا قال في الجنة فقاتل حتى قتل فأتاه النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال قد بيض الله وجهك وطيب ريحك وأكثر مالك وقال لهذا أو لغيره لقد رأيت زوجته من الحور العين نازعته جبة له من صوف تدخل بينه وبين جبته]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط مسلم)، وليس فيه ذكر الإنغماس، فإما أن يكون ذلك وهماً من بعض الفقهاء الذين استشهدوا بالحديث، وهو الأرجح، أو يكون في نسخة قديمة مفقودة، لأن الحافظ لم يجده في «المستدرك على الصحيحين» في زمنه ذاك كما صرح هو بذلك:

    ــ في «تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير»: [حديث أن رجلا قال يا رسول الله أرأيت لو انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت إلى الجنة قال نعم فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل الحاكم من حديث ثابت عن أنس أن رجلا أسود أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، الحديث نحوه، ولم يذكر الانغماس. وفي الصحيحين عن جابر قال قال رجل أين أنا يا رسول الله إن قتلت قال في الجنة فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل. وروى بن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة قال لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحارث يا رسول الله ما يضحك الرب تعالى من عبده قال أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا فنزع عوف ذرعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل]

    v والحديث المشار إليه آنفاً في «تلخيص الحبير» هو كما جاء في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرني أحمد بن محمد العنزي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأ ثابت عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن رجلا أسود أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله: أني رجل أسود، منتن الريح، قبيح الوجه، لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا؟!)، قال: (في الجنة!)، فقاتل حتى قتل، فأتاه النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد بيض الله وجهك، وطيب ريحك، وأكثر مالك!»، وقال لهذا، أو لغيره: «لقد رأيت زوجته من الحور العين نازعته جبة له من صوف تدخل بينه وبين جبته»]، وقال الحاكم: هذا (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط مسلم)، وهو كما قالا.



    v فصل: «فدائية» البراء بن مالك

    كان البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك، رضي الله عنهما، آية من آيات الله في الشجاعة والإقدام، والمخاطرة بالنفس، وله ترجمة لطيفة مختصرة جاءت فيه أخبار اطيفة:


    v كما هي في «الإصابة في تمييز الصحابة» خلا ترجمة (البراء بن مالك بن النضر الأنصاري، أخو أنس): [قال بقي بن مخلد في مسنده حدثنا خليفة حدثنا أبو بكر عن أبي إسحاق قال زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حديقة فيها عدو الله مسيلمة فقال البراء بن مالك: (يا معشر المسلمين ألقوني إليهم!)، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على حديقة حتى فتحها للمسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة!


    حدثنا خليفة حدثنا الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال: (رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بهم وضربه فحمل إلى رحله يداوي وأقام عليه خالد شهرا)


    وفي تاريخ السراج من طريق يونس عن الحسن وعن بن سيرين عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة قم يابراء قال فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يأهل المدينة لامدينة لكم اليوم وإنما هو الله وحده والجنة ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة فلقي البراء محكم اليمامة فضربه البراء وصرعه فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع


    وروى البغوي من طريق أيوب عن بن سيرين عن أنس عن البراء قال لقيت يوم مسيلمة رجلا يقال له حمار اليمامة رجلا جسيما بيده السيف أبيض فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه فأخذت سيفه واغمدت سيفي فما ضربت به ضربة حتى انقطع


    وفي الطبراني من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدو يعني بالحريق وكانوا يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم ففعلوا ذلك بأنس فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة فما برح حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يده فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وانجى الله أنس بن مالك بذلك


    وروى الترمذي من طريق ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «رب اشعت اغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك»، فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس فقال المسلمون: (يابراء أقسم على ربك!)، فقال: (أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، والحقتني بنبيك!)، فحمل وحمل الناس معه فقتله مرزبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سلبه فانهزم الفرس، وقتل البراء،


    وفي المستدرك من طريق سلامة عن عقيل عن الزهري عن أنس نحوه]، انتهى نص «الإصابة في تمييز الصحابة».


    v وجاء بعض هذا أيضاً في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن الجهم ثنا حجاج بن محمد الأعور أخبرني السري بن يحيى عن محمد بن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين فجلس البراء بن مالك رضي الله تعالى عنه، على ترس فقال ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم فرفعوه برماحهم فألقوه من وراء الحائط فأدركوه قد قتل منهم عشرة]

    ــ وهو في «مكارم الأخلاق»: [حدثني محمد بن حسان بن فيروز نا حجاج بن محمد نا السري بن يحيى عن بن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين فجلس البراء بن مالك على ترس وقال ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم فرفعوه برماحهم من وراء الحائط فأدركوه وقد قتل منهم عشرة]


    v وجاء في «المعجم الكبير»: [حدثنا محمد بن نصر الصائغ ثنا محمد بن إسحاق المسيبي ثنا موسى بن جعفر بن أبي كثير أخو إسماعيل بن جعفر عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بينما أنس بن مالك وأخوه البراء بن مالك عند حصن من حصون العدو والعدو يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم فعلق بعض تلك الكلاليب بأنس بن مالك فرفعوه حتى أقلوه منا الأرض فأتى أخوه البراء بن مالك فقيل أدرك أخاك وهو يقاتل بالناس فأقبل يسعى حتى نزا في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة وهي تدار فما برح يجرهم ويداه تدخنان حتى قطع الحبل ثم نظر الى يديه فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وأنجى الله عز وجل أنس بن مالك بذاك]


    v وجاء في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرني عبد الله بن محمد بن زياد العدل ثنا محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عزيز الأيلي إملاء علي قال حدثني سلامة بن روح عن عقيل بن خالد عن بن شهاب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه، منهم البراء بن مالك»، فإن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا يا براء إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «إنك لو أقسمت على الله لأبرك»، فاقسم على ربك!، فقال: (أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم!)، ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له: (يا براء: أقسم على ربك!)، فقال: (أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك، صلى الله عليه وسلم!)، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح).

    v وهذه المنقبة العظيمة عي أيضاً في «سنن الترمذي»: [حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت وعلي بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «وكم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك»]، وقال أبو عيسى هذا حديث صحيح حسن من هذا الوجه، وقال الألباني: (صحيح)


    وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يتخوف من شجاعته المفرطة:

    v كما جاء هذا في «الطبقات الكبرى»: [البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار شهد أحدا والخندق والمشاهد بعد ذلك مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان شجاعا، في الحرب له نكاية.


    أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا محمد بن عمرو عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من الهلك يقدم بهم]


    v وجاء في «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو عبد الله الأصبهاني ثنا الحسن بن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا محمد بن عمر قال البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وأمه أم سليم بنت ملحان وهو أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه شهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان شجاعا، له في الحرب مكانة، ذكر عن بن سيرين أنه قال كتب عمر بن الخطاب: (أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم)]






    أ.د/ محمد بن عبدالله المســعري

    لندن

    الأثنين: 06 ربيع ثاني 1423هـ

    الموافق: 17 يونيو-حزيران 2002 م

    [ انتهى ]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-02-09
  19. أروى العوبثاني

    أروى العوبثاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-06-20
    المشاركات:
    7,709
    الإعجاب :
    0
    ملحق


    تأصيل الأحاديث والنقول




    v فصل: تحريم الإنتحار


    v قال الله، تبارك وتعالى: {يا أيها لذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ولا تقتلوا أنفسكم إن لله كان بكم رحيما
    v ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً، وكان ذلك على الله يسيراً}، (النساء؛ 4:29). وإن كان الجمهور على أن {أنفسكم} تعني ها هنا إخوانكم وأهل ملتكم، لأنهم بمثابة النفس، كما هو الحال ضرورة في مثل قوله، تبارك وتعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم}، وقوله، جل وعز: {فسلموا على أنفسكم}، إلا أن المقام ها هنا لا يوجب ذلك ضرورة، لذلك لا بد من أخذها على عمومها شاملة للذات، وللغير بني آدم عامة،والأخوة أو أهل الملة خاصة. قال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره، «تفسير الطبري»، (ج: 5 ص: 35): [القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، يعني بقوله جل ثناؤه ولا تقتلوا أنفسكم ولا يقتل بعضكم بعضا وأنتم أهل ملة واحدة ودعوة واحدة ودين واحد فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم من بعض وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قتله نفسه إذ كان القاتل والمقتول أهل يد واحدة على من خالف ملتهما. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:


    ــ حدثنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن مفضل قال ثنا أسباط عن السدي ولا تقتلوا أنفسكم يقول أهل ملتكم

    ــ حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى حجاج عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح ولا تقتلوا أنفسكم قال قتل بعضكم بعضا

    وأما قوله جل ثناؤه إن الله كان بكم رحيما فإنه يعني أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه ومن رحمته بكم كف بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها وحظر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا.


    القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا}، اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ومن يفعل ذلك عدوانا فقال بعضهم معنى ذلك ومن يقتل نفسه بمعنى ومن يقتل أخاه المؤمن عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا. ذكر من قال ذلك:


    حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى حجاج عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت قوله ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا في كل ذلك أو في قوله ولا تقتلوا أنفسكم قال بل في قوله ولا تقتلوا أنفسكم.

    وقال آخرون بل معنى ذلك ومن يفعل ما حرمته عليه من أول هذه السورة إلى قوله:{ومن يفعل ذلك}، من نكاح من حرمت نكاحه وتعدى حدوده وأكل أموال الأيتام ظلما وقتل النفس المحرم قتلها ظلما بغير حق.

    وقال آخرون بل معنى ذلك ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلما بغير طيب نفس منه وقتل أخاه المؤمن ظلما فسوف نصليه نارا.


    قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال معناه ومن يفعل ما حرم الله عليه من قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}، إلى قوله: {ومن يفعل ذلك}، من نكاح المحرمات وعضل المحرم عضلها من النساء وأكل المال بالباطل وقتل المحرم قتله من المؤمنين لأن كل ذلك مما وعد الله عليه أهله العقوبة ... إلخ]، انتهى كلام الإمام الطبري، ونحن نوافقه في الجوهر، ولكن نأبى تخصيص {أنفسكم} بمعنى إخوانكم وأهل ملتكم، بل هي عامة في الذات، والغير من بني الإنسان عامة، وأهل الملة خاصة، إذ ما ثم ضرورة عقلية، أو نص مخصص. وكذلك الآيات في تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق عامة، وتغليظ الوعيد عليه، في كل نفس إنسانية، لا فرق بين الإنتحار، وقتل الغير من أهل الإسلام، وقتل الغير من بني الإنسان. وإنما اقتصرنا على بني الإنسان لورود النصوص اليقينية الدالة على أن الإنسان سلط على الدواب: يأكلها، ويركبها، ويمتلكها، ويتصرف بها. ولولا ذلك لدخلت في عموم تحريم قتل الأنفس. وقد جاءت نصوص مع ذلك تحرم قتل الحيوان إلا لمأكل أو مطلب مشروع، فليست «نفوس» الحيوان مهدرة كل الإهدار، بل قد حمتها الشريعة حماية واسعة!

    v وجاء حديث عن جندب بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثني محمد قال حدثني حجاج حدثنا جرير عن الحسن حدثنا جندب بن عبد الله في هذا المسجد وما نسينا منذ حدثنا وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: {بادرني عبدي بنفسه: حرمت عليه الجنة}» ]. هذا في غاية الصحة.

    ــ وهو في «مسند أبي يعلى»: [حدثنا أبو موسى حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي قال سمعت الحسن قال حدثنا جندب بن عبد الله بعينه]، ثم زاد أبو يعلى: [قال أبو موسى قال وهب: (القدرية يحتجون بهذا الحديث وليس لهم فيه حجة)]، وقال الشيخ حسين أسد: إسناده صحيح


    ــ وهو في «صحيح ابن حبان» من طريق أبي يعلى بدون الزيادة من كلام وهب، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين)


    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب أنبأ أبو حاتم الرازي ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي ثنا جرير بن حازم عن الحسن قال حدثنا جندب بن عبد الله في هذا المسجدبه بعينه]، ثم قال البيهقي: (أخرجه البخاري في الصحيح، فقال وقال حجاج بن منهال عن جرير وأخرجه مسلم من وجه آخر عن جرير بن حازم). قلت: وقد أخرجه البخاري معلقاً، وكذلك موصولاً كما جئنا به أولاً.


    ــ وهو في «المعجم الكبير» بحذف كلام الحسن: [حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن المنهال ثنا جرير بن حازم ثنا الحسن ثنا جندب بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جرح رجل فيمن كان قبلكم جراحا فجزع منه فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ عنه الدم حتى مات فقال الله عز وجل: {عبدي بادرني نفسه حرمت عليك الجنة}»]، وهذا إسناد غاية في الصحة كذلك.



    v وحديث آخر عن ثابت بن الضحاك الأنصاوي، رضي الله عنه، في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري بأتم نص: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على بن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة، ومن *** مؤمنا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله»]، هذا في غاية الصحة.

    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» من طريق ثالثة بدون جملة النذر: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله»] .

    ــ وفي «الجامع الصحيح المختصر» من طريق رابعة مثل النص السابق: [حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهيب... به].


    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» من طريق ثالثة بدون جمل النذر، واللعن، والقذف بالكفر: [حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك، رضي الله تعالى عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم»]


    ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا معاوية بن سلام بن أبي سلام الدمشقي عن يحيى بن أبي كثير أن أبا قلابة أخبره أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه»]


    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال أخبرني أبو قلابة ... بنحوه]، وقال الألباني: صحيح


    ــ وفي «صحيح مسلم»: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور وعبد الوارث بن عبد الصمد كلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة عن أيوب عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك الأنصاري (ح) وحدثنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به في نار جهنم»، هذا حديث سفيان، وأما شعبة فحديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا فهو كما قال ومن ذبح نفسه بشيء ذبح به يوم القيامة».

    ــ وفي «المجتبى من السنن»: [أخبرنا قتيبة قال حدثنا بن أبي عدي عن خالد(ح) وأنبأنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال حدثنا يزيد قال حدثنا خالد عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك .. بنحو من حديث سفيان]، وقال الألباني: صحيح.

    كل الطرق السابقة صحاح تقوم بها الحجة، والحديث مخرج في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم بأصح الأسانيد بألفاظ متقاربة فهو في: «المجتبى من السنن» للإمام النسائي وكذلك في «السنن الكبرى» له، وفي «مسند أحمد» من طرق كثيرة، وفي «صحيح بن جبان» من عدة طرق، وفي «السنن الكبرى للبيهقي»، وفي «المعجم الكبير» من طرق كثيرة جداً، وهو في مسند الطيالسي، وفي الآحاد والمثاني، ومسند بن الجعد، وغيرها.


    v وجاء في «صحيح مسلم» لفظ غريب يختلف في أحد جمله عن الألفاظ السابقة كثيراً: [حدثني أبو غسان المسمعي حدثنا معاذ وهو بن هشام قال حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو قلابة عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على رجل نذر فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة، ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة ومن حلف على يمين صبر فاجرة»].


    الجملة الأخيرة: ( ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة ومن حلف على يمين صبر فاجرة) لم نجد لها متابعة ولا طريق إلا هذه فكأنها غير محفوظة، ولعلها من أوهام الرواة، أو تداخل هذا الحديث مع حديث آخر في ذهن الراوية.


    أما الجملة الأولى: (من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال)، وهو أتم لفظ، فقد جاءت في جميع الطرق إلا أن بعض الطرق قال: (كاذباً) فقط، وبعضها (متعمداً) فقط، وبعضها بحذفهما!

    والجملة الثانية: (ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم) جاءت بألفاظ متقاربة المعنى مثل: ( ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة)، أو ( ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم)، أو( ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)، أو (ومن ذبح نفسه بشيء ذبح به يوم القيامة)، أو(ومن قتل نفسه بشيء يموت به فهو في النار)، أو (ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به في الآخرة)، وما يشبهها، والمعنى واحد.

    أما الجملة الثالثة: (ولعن المؤمن كقتله)، فهي هي في جميع الطرق حيثما وردت.

    والجملة الرابعة: (ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله)، فقد جاءت هكذا في عامة الروايات إلا أن «قذف» ربما استبدلت بــ«رمي»، وهمل لفظان مترادفان. وجاءت روايات بلفظ: (ومن شهد على مسلم أو قال على مؤمن بكفر فهو كقتله)، وفي رواية (ومن سمى مسلما كافرا فقد كفر)، وهذه في الأرجح سبق ذهن من أحد الرواة، دخل فيها معنى حديث آخر في هذا الحديث.

    أما الجملة الخامسة: (ليس على بن آدم نذر فيما لا يملك)، فقد جاءت باختلاف طفيف في الألفاظ، مثل: (ليس على رجل نذر فيما لا يملك)، أو (ليس على رجل نذر في شيء لا يملكه)، أو (ليس على العبد نذر فيما لا يملك)، ونحوها والمعنى واحد.



    v وحديث ثالث عن سهل بن سعد الأنصاري، رضي الله عنه، كما جاء في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا بن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال: التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا فمال كل قوم إلى عسكرهم وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه فقيل: (يا رسول الله: ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان!)، فقال: «إنه من أهل النار!»، فقالوا: (أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟!!)، فقال رجل من القوم: (لأتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه)، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أشهد أنك رسول الله!)، فقال: «وما ذاك؟!»، فأخبره، فقال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة»]. وهو بعينه في «المنتخب من مسند عبد بن حميد»: [حدثني عبد الله بن مسلمة ثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد به]

    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري من طريق ثانية بنحو من نفس اللفظ، إلا أنه أطول قليلاً: [حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، التقى هو والمشركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار!»، فقال رجل من القوم أنا صاحبه قال فخرج معه كلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أشهد أنك رسول الله قال وما ذاك قال الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار فأعظم الناس ذلك فقلت أنا لكم به فخرجت في طلبه ثم جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة»]




    v وفي «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري حديث رابع عن أبي هريرة، يشبه أن يكون في واقعة أخرى مشابهة: [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري (ح) وحدثني محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار»، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الذي قلت إنه من أهل النار فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار!»، قال فكاد بعض الناس أن يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت ولكن به جراحا شديدا فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «الله أكبر: أشهد أني عبد الله ورسوله!»، ثم أمر بلالا فنادى بالناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر].


    ــ وهو في «الجامع الصحيح المختصر» من طريق ثانية: [حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بمثله]

    ــ وهو في «صحيح مسلم» من طريق ثالثة: [وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد جميعا عن عبد الرزاق قال بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة ... بمثله]

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال حدثنا بن أبي السري قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح.

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة به].

    v وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أحمد بن محمد بن عبدوس ثنا عثمان بن سعيد قال قرأت على أبي اليمان أن شعيب بن أبي حمزة حدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ... فساق الحديث بأتم ألفاظه]

    v وحديث خامس في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من حديث كعب بن مالك في نفس الواقعة أو واقعة مشابهة: [حدثنا يعقوب قال ثنا أبي عن صالح بن كيسان قال بن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك انه أخبره بعض من شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل ممن معه ان هذا لمن أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح فاتاه رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله أرأيت الرجل الذي ذكرت انه من أهل النار فقد والله قاتل في سبيل الله أشد القتال وكثرت به الجراح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما انه من أهل النار وكاد بعض الناس ان يرتاب فبينما هم على ذلك وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده الرجل إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر به فاشتد رجل من المسلمين إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا نبي الله: قد صدق الله حديثك، قد انتحر فلان، فقتل نفسه!)]




    v وحديث سادس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في «الجامع الصحيح المختصر» : [حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن سليمان قال سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»]


    ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج قالا حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به].

    ــ وفي «صحيح مسلم»: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير (ح) وحدثنا سعيد عن عمرو الأشعثي حدثنا عبثر (ح) وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد يعني بن الحارث حدثنا شعبة كلهم بهذا الإسناد مثله وفي رواية شعبة عن سليمان قال سمعت ذكوان]


    ــ وهو في «سنن الترمذي»: [حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود عن شعبة عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة به بطوله كاملاً]، وصححه الترمذي، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «المجتبى من السنن»: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال حدثنا شعبة عن سليمان سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة بطوله]، وقال الشيخ الألباني : صحيح.

    ــ وهو في «سنن الدارمي»: [حدثنا يعلى بن عبيد ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به بطوله]

    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بطوله]

    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به]

    ــ وفي «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبى هريرة بطوله، إلا أنه قال: «ومن تردى من جبل متعمدا فقتل نفسه ..إلخ»]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين).

    ــ وهو في «المسند»: [حدثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي هريرة به إلا أنه اقتصر على «الحديدة» و«التردي»]

    ــ وهو في «سنن الترمذي»: [حدثنا أحمد بن منيع حدثنا عبيدة بن حميد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به إلا أنه ذكر «الحديدة» و«السم»، ولم يذكر التردي]، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا أحمد بن حنبل ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به، إلا أنه اقتصر على جملة «السم» فقط]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهو كذلك بذكر «السم» فقط في «سنن ابن ماجه»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة]، وقال الألباني: صحيح.

    والحديث بطوله أو مختصراً في السنن والمسانيد والمعاجم مثل: «السنن الكبرى » للنسائي، و«سنن البيهقي الكبرى» من عدة طرق، و«المعجم الأوسط»، و«مسند أبي داود الطيالسي»، وغيرها.

    v وفي «الجامع الصحيح المختصر» حديث سابع عن أبي هريرة: [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار»]



    v وحديث ثامن عن جابر بن سمرة جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا عون بن سلام الكوفي أخبرنا زهير عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه)].

    ــ وهو في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أنبأ إسحاق بن منصور قال حدثنا أبو الوليد قال حدثنا أبو خيثمة زهير هو بن معاوية قال حدثنا سماك عن جابر بن سمرة أن رجلا قتل نفسه بمشاقص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فلا أصلي عليه»]، هذا إسناد أجود من إسناد مسلم، والمتن أوضح من متن مسلم، إذ بين أن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، قال نصاً: «أما أنا فلا أصلي عليه»، فالامتناع عن الصلاة عليه مقتصر عليه فقط، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، أما عامة المسلمين فلهم أن يصلوا، ولهم أن يدعوا.


    ــ وأخرجه الترمذي من طريق ثانية، فقال: [حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل وشريك عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجل قتل نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم]، ثم قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، واختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم يصلى على كل من صلى إلى القبلة وعلى قاتل النفس وهو قول الثوري وإسحاق وقال أحمد لا يصلي الإمام على قاتل النفس ويصلي عليه غير الإمام)، وقال الألباني: صحيح.

    وهو كذلك عند ابن ماجه، وفي «المسند» من عدة طرق إلى زهير، وإسرائيل، وشريك، وفي «صحيح ابن حبان»، وفي «المستدرك على الصحيحين»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «المعجم الكبير»، وفي «مسند أبي داود الطيالسي»، و«مسند ابن الجعد»، وغيرها



    v ولكن جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن سليمان قال أبو بكر حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة قال حصن كان لدوس في الجاهلية فأبى ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له ما صنع بك ربك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه، صلى الله عليه وسلم، فقال مالي أراك مغطيا يديك قال قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «اللهم وليديه فاغفر»]. فلولا عنعنة أبي الزبير لكان هذا من أصح أحاديث الدنيا!

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن الحجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر به].

    ــ وهو أيضاً في «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا علي بن حمشاذ العدل ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ثنا حماد بن زيد ثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر بطوله، وزاد في آخره: (ورفع يديه)]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)

    ــ وهو بزيادة (رفع اليدين) في «قرة العينين برفع اليدين في الصلاة»: [حدثنا أبو النعمان (حدثنا) حماد بن يزيد حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم به]. قلت: ما بين القوسين (حدثنا) سقط في الأصل، ولا بد منه، كما هو في الرواية التالية.


    ــ وهي في «الأدب المفرد» للبخاري قال: [حدثنا عارم قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا حجاج الصواف عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله بطوله].



    v وحديث آخرعن سلمة بن الأكوع في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا تسمعنا من هنيهاتك قال وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول:




    اللهم لولا أنت ما اهتدينا
    ولا تصدقنا ولا صلينا
    فاغفر فداء لك ما اقتفينا

    وثبت الأقدام إن لاقينا
    وألقين سكينة علينا
    إنا إذا صيح بنا أتينا
    وبالصياح عولوا علينا









    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق قالوا عامر بن الأكوع فقال يرحمه الله فقال رجل من القوم وجبت يا نبي الله لو أمتعتنا به قال فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ثم إن الله فتحها عليهم فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذه النيران على أي شيء توقدون قالوا على لحم قال على أي لحم قالوا على لحم حمر إنسية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهرقوها واكسروها فقال رجل يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها قال أو ذاك فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر فتناول به يهوديا ليضربه ويرجع ذباب سيفه فأصاب ركبة عامر فمات منه فلما قفلوا قال سلمة رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبا فقال لي ما لك فقلت فدى لك أبي وأمي زعموا أن عامرا حبط عمله قال من قاله قلت قاله فلان وفلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذب من قاله إن له لأجرين»، وجمع بين إصبعيه «إنه لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله»]، وقال البخاري: (حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه مثله)، وأخرجه مختصراً من طريق عالية: (حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ...)


    ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد واللفظ لابن عباد قالا حدثنا حاتم وهو بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة بن الأكوع بنحو مما سبق بطوله]

    ــ وهو بطوله في «المعجم الكبير»: [حدثنا محمد بن يحيى القزاز ثنا القعنبي ثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع به كاملاً]

    ــ أخرجه أحمد فقال: [حدثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن أبي عبيد قال ثنا سلمة بن الأكوع به، إلا أن الشعر لم يحفظه الإمام يحيى بن سعيد القطان].

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا مسدد بن مسرهد عن يحيى القطان عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع به بطوله، إلا أن يحيى لم يحفظ الشعر].

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب أنبأ أبو بكر الإسماعيلي ثنا أبو يعلى ثنا محمد بن عباد ثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة عن سلمة بن الأكوع به من دون قصة لحوم الحمر الإنسية]

    ــ وهو بدون الشعر الذي لم يحفظه يحيى عند الطبراني في «المعجم الكبير»: [حدثنا معاذ بن المثنى ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد ثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع به]



    هذه الأحاديث الصحاح عن جندب بن عبد الله البجلي، وثابت بن الضحاك الأنصاوي، وسهل بن سعد الأنصاري، وكعب بن مالك، وأبي هريرة في أحاديث متعددة، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، رضي الله عنهم جميعاً، نقل تواتر، يضاف إلى الآية الكريمة المذكورة أولاً، وعموم أدلة تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، يحدث علماً يقينياً قاطعاً بحرمة الإنتحار، أي قتل الإنسان لنفسه، وعظيم إثم ذلك وفداحته. ولا يجوز أن تكون في ذلك أدنى شبهة، إذ أن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وقد انعقد عليه إجماع أهل الإسلام، بحيث يكفر منكره، ويخرج من الإسلام بجحده، إدا بلغه البيان، وقامت عليه الحجة.

    وقد استشكل كثير من الناس الوعيد المخيف في مثل قوله، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: « في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»، وقوله رواية عن ربه: {حرمت عليه الجنة}، فجائت محاولات متعددة:


    (1) القول بأن هذه شريعة سابقة منسوخة. هذا إن صلح في حديث جندب، فلا يغني شيئاً في حديث أبي هريرة وفيه: « في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» وهو لهذه الأمة، ولا ذكر فيه لشريعة سابقة مطلقاً.

    (2) تضعيف الجملة: « في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»، وقد حاول الإمام الترمذي ذلك، ولكن هذا مسلك أعرج، وطريق هلكة، لأنه رد للروايات الصحية بغير برهان، وإنما لمجرد الظن أو الهوى.

    (3) أن ذلك في حق الكافر المستحل. هذا تخصيص قامت عليه البراهين العامة في عصاة أهل الإسلام، وحديث جابر بن عبد الله الذي ينص على مغفرة جريمة الانتحار بفضل ثواب الهجرة إلى رسول الله: هذا مسلك جيد!

    (4) أن ذلك من ألفاظ الوعيد الشديدة. وأن الخلود والأبد في لغة العرب تعنى الدوام الطويل، وليست هي بالمعنى الصارم عند الفلاسفة والمتكلمين وعلماء الرياضيات، بل قد يكون إلى غاية بعيدة، كما هو في مثل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في بعض أحكام الحج: «إلى أبد الأبد»، ومعلوم أن الحج فرض ما دامت الدنيا، دار التكليف، وبعد فنائها ينتهي التكليف، فما ثم حج ولا عمرة أصلاً. فقوله: «أبد الأبد»، يعني ضرورة: إلى غاية انتهاء الواقع الذي تعلق به الحكم. وهذا قول جيد أيضاً، إلا أنه يفتح أبواب إشكاليات من أهمها قضية «فناء النار»، الذي قال به بعض العلماء ومنهم الأئمة: ابن القيم، وابن تيمية. هذا مبحث ممتع، ولكنه عويص للغاية، نتركه لوقت آخر، بإذن الله، إن كان في العمر فسحة.



    v فصل: فضل التضحية بالنفس والجود بها في سبيل الله



    v جاء في «سنن الترمذي»: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن المعتمر قال سمعت ربعي بن خراش يحدث عن زيد بن ظبيان يرفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل فأعطاهم سرا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم]، وقال الألباني: ضعيف.


    ــ وهو في «المجتبى من السنن»، و«السنن الكبرى»: [أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد قال حدثنا شعبة عن منصور قال سمعت ربيعا عن زيد بن ظبيان رفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ..به]، قال الشيخ الألباني: ضعيف

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن منصور قال سمعت ربعي بن حراش يحدث عن زيد بن ظبيان رفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه]


    ــ هو وفي «صحيح ابن حبان» باختصار: [أخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا عمر بن شبة بن عبيدة حدثنا غندر حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يحبهم الله رجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينهم وبينه فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح لهم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح).

    قلت: أصاب الشيخ شعيب الأرناؤوط، أو قارب الصواب، فالحديث أقرب إلى الصحة، ولا ينزل عن مرتبة الحسن بحال من الأحوال، أما تضعيف الألباني فلا محل له، ولعله اعتمد تصنيف الحافظ لزيد بن ظبيان أنه «مقبول» فقط، فقلده من غير روية، ولم ينظر إلى كونه من كبار التابعين، ولا إلى توثيق الأئمة ابن خزيمة وابن حبان له، وهو أهمل نظافة المتن وشواهده كعادته في عدم التدقيق في المتون.



    v وفي «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ثنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة ثنا عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم: الذي إذا تكشف فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل»]، قال الحاكم : هذا حديث صحيح وقد احتجا بجميع رواته ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، قلت: هو صحيح على شرطهما.

    v وهو في «المعجم الكبير» بلفظ: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن بن مسعود قال: (رجلان يضحك الله إليهما رجل تحته فرس من أمثل خيل أصحابه فلقيهم العدو فانهزموا وثبت الآخر إن قتل قتل شهيدا فذلك يضحك الله إليه، ورجل قام من الليل لا يعلم به أحد فأسبغ الوضوء وصلى على محمد، صلى الله عليه وسلم، وحمد الله واستفتح القراءة فيضحك الله إليه يقول انظروا إلى عبدي لا يراه أحد غيري)]

    ــ وهو في «السنن الكبرى»: [أخبرني علي بن محمد قال حدثنا خلف يعني بن تميم قال حدثنا أبو الأحوص قال أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ...بمثله]



    v وفي «صحيح مسلم» حديث مهم في الجود بالنفس: [حدثني أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي حدثنا معاذ يعني بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة أن أبا المهلب حدثه عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهي حبلى من الزنى فقالت يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى]،


    ــ وقال الإمام مسلم: [وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم حدثنا أبان العطار حدثنا يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد مثله]،


    ــ وهو في «سنن الترمذي»: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير .. به]، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «المجتبى من السنن»: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عفان ثنا أبان يعنى العطار ثنا يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]

    ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من طريق أخرى: [حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير بنحوه]


    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من طريق ثالثة: [حدثنا يحيى بن سعيد ثنا هشام عن أبي قلابة عن أبي المهلب ان عمران بن حصين حدثه... به]، وقد سقط هنا يحيى بن أبي كثير، وهذا في الأرجح من أخطاء النساخ.

    ــ وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من طريق رابعة: [حدثنا أبو عامر ثنا هشام عن يحيى .. به]


    ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]، وقال أبو حاتم، رضي الله تعالى عنه: (وهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة إذ الجواد يعثر فقال عن أبي قلابة عن عمه أبي المهاجر وإنما هو أبو المهلب اسمه عمرو بن معاوية بن زيد الجرمي من ثقات التابعين وسادات أهل البصرة)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط (إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح).

    ــ وهو في «صحيح ابن حبان» من طريق أخرى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد قالا حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى ... بنحوه]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الصحيح)

    ــ وهو في «سنن الدارمي»: [حدثنا وهب بن جرير ثنا هشام عن يحيى .. بمثله]


    ــ وهو في «المجتبى من السنن»، وفي «السنن الكبرى»: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير .. بنحوه]، وقال الألباني: صحيح

    ــ وهو في «سنن الدارقطني»: [نا عبد الله نا يحيى نا عبد العزيز بن عبد الصمد نا هشام بإسناده نحوه].


    ــ وفي «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن صالح بن هانئ ثنا أبو علي القباني ثنا عبيد الله بن سعيد ثنا معاذ بن هشام حدثني أبي فذكره ...]، بإسناده ومعناه إلا أنه قال لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل رواه مسلم في الصحيح عن أبي غسان عن معاذ


    ــ وهو في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير .. بمثله]

    ــ وهو في «المعجم الكبير» من طريق ثانية: [حدثنا أبو مسلم الكشي ثنا حجاج بن نصير ومسلم بن إبراهيم قالا ثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير .. به]


    ــ وهو في «المعجم الكبير» من طريق ثالثة: [حدثنا محمد بن معاذ الحلبي ثنا عبد الله بن رجاء ثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة حدثني أبو المهلب أن عمران بن حصين حدثه .. به]


    ــ وفي «المعجم الكبير» من طريق رابعة: [حدثنا موسى بن هارون وزكريا بن يحيى الساجي وعبدان بن أحمد قالوا أنا هدبة بن خالد ثنا أبان بن يزيد حدثني يحيى بن أبي كثير أن أبا قلابة حدثه عن أبي المهلب عن عمران بن حصين به]

    ــ وهو في «الآحاد والمثاني» من نفس طريق «المعجم الكبير» الآنفة الذكر: [حدثنا هدبة بن خالد نا أبان بن يزيد ثنا يحيى بن أبي كثير أن أبا قلابة حدثه عن أبي المهلب عن عمران بن حصين، رضي الله تعالى عنه، به].



    v وقصة ماعز بن مالك الأسلمي، رضي الله عنه، مشهورة معلومة، جاءت في روايات كثيرة، بعضها مطوَّل، وبعضها مختصر، وفيها أنه جاء فاعترف بالزنا، وهو محصن، وكرر الاعتراف، فأمر به النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرجم، ثم قام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مساء ذلك اليوم فتوعد كل من يخلف الغزاة في أهلهم بشر، كما فعل ماعز، بأشد التنكيل، فاختلف الناس في أمر ماعز، هل قبلت توبته أم أنه لم يغفر له، حتى بين النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الأمر، كما سيأتي فوراً. ومن أتم هذه الروايات وأجودها إسناداً:


    v ما جاء في «صحيح مسلم»: [وحدثنا محمد بن العلاء الهمداني حدثنا يحيى بن يعلى وهو بن الحارث المحاربي عن غيلان وهو بن جامع المحاربي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أطهرك فقال من الزنى فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبه جنون فأخبر أنه ليس بمجنون فقال أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أزنيت فقال نعم فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال اقتلني بالحجارة قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال استغفروا لماعز بن مالك قال فقالوا غفر الله لماعز بن مالك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم قال ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنى فقال آنت قالت نعم فقال لها حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها]

    ــ والقصة بنحوها في «سنن الدارقطني»: [نا حمزة بن القاسم نا عباس الدوري ونا محمد بن نوح الجنديسابوري ومحمد بن محمد بن مالك الأسكافي قالا نا جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ قالا نا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي نا أبي عن غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قاله بنحوه]، ثم قال الإمام الدارقطني: (هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي كريب عن يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان)

    ــ وهي بنحوها في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عباس بن عبد الله الترقفي ثنا يحيى بن يعلى حدثني أبي ثنا غيلان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قاله]، وقال البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن يحيى بن يعلى بن الحارث).

    ــ وهي بنحوها في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا جعفر بن محمد الصائغ ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي ثنا أبي عن غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قاله]، وقال البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن يحيى بن يعلى)


    v وهي باختصار في بعضها، مع زيادات في قصة الغامدية، أيضاً في «صحيح مسلم»: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وتقاربا في لفظ الحديث حدثنا أبي حدثنا بشير بن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال أتعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم قال فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني وإنه ردها فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى قال إما لا فاذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت]


    ــ وجاء في «سنن أبي داود» قصة الغامدية فقط بنحو ما جاء في «صحيح مسلم»، قال أبو داود: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن بشير بن المهاجر ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة يعني من غامد أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني قد فجرت فقال ارجعي فرجعت فلما كان الغد أتته فقالت لعلك أن تردني كما رددت ماعز بن مالك فوالله إني لحبلى فقال لها ارجعي فرجعت فلما كان الغد أتته فقال لها ارجعي حتى تلدي فرجعت فلما ولدت أتته بالصبي فقالت هذا قد ولدته فقال لها ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يأكله فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين وأمر به فحفر لها وأمر بها فرجمت وكان خالد فيمن يرجمها فرجمها بحجر فوقعت قطرة من دمها على وجنته فسبها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مهلا يا خالد: فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تأبها صاحب مكس لغفر له»، وأمر بها فصلى عليها، ودفنت]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهي بنحوها في «سنن الدارمي»: [أخبرنا أبو نعيم ثنا بشير بن المهاجر حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من بني غامد فساق القصة]


    ــ وفي «السنن الكبرى» قصة ماعز فقط: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث قال ثنا أبي قال ثنا غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاءه فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاءه فقال يا رسول الله طهرني قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاءه فقال يا رسول الله طهرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مما أطهرك قال من الزنا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أبك جنون فأخبر أنه ليس بمجنون وسأله أشربت خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم أثيب أنت قال نعم فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك ماعز على عمله لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول أتوبة أفضل من توبة ماعز بن مالك أن جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده وقال اقتلني بالحجارة فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال استغفروا لماعز بن مالك فقالوا يغفر الله لماعز بن مالك فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لقد تاب توبة لو قسمت بين مائة لوسعتها]، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: (هذا صالح الإسناد).


    ــ وقد جاء الاستغفار لماعز مجرداً عن القصة في «مسند ابن الجعد»: [حدثنا يحيى نا قيس عن علقمة بن مرثد عن بن بريدة عن أبيه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «استغفروا لماعز بن مالك»]

    ــ وهو في «الطبقات الكبرى» أثناء ترجمة (ماعز بن مالك الأسلمي) : [ قال أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا بن الربيع عن علقمة بن مرثد عن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «استغفروا لماعز بن مالك»]



    v وجاء في «المنتقى من السنن المسندة» قصة أخرى مثيرة: [حدثنا محمد بن يحيى قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة قال ثنا أسباط يعني بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر، رضي الله تعالى عنه، أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد عن كره، (قال بن يحيى: مكابدة على نفسها)، فاستعانت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها قوم دون عدد فاستعانت بهم، فأدركوا الذي استعانت به، وسبقهم الآخر فذهب، فجاؤوا به يقودونه إليها فقال: (إنما أنا الذي أعنتك، وقد ذهب الآخر!)، فأتوا به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: (إنما كنت أعينها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني!)، فقالت: (كذب: هو الذي وقع علي)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أذهبوا به فارجموه!»، قال: فقام رجل من الناس فقال: (لا ترجموه، وارجموني: أنا الذي فعلت بها الفعل!)، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها، والذي أعانها، والمرأة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أما أنت: فقد غفر الله لك!»، وقال للذي أعانها قولا حسنا، قال عمر، رضي الله تعالى عنه: (ارجم الذي اعترف بالزنى)، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا: إنه قد تاب إلى الله»، (فقال بن عمير زاد فيها لو تابها أهل المدينة أو أهل يثرب لقبل منهم)، فأرسلهم؛ قال بن يحيى يريد به عبيد بن عمير]، وقال الحافظ الذهبي عن «المنتقى من السنن المسندة»: (لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد).

    ــ وهو بعينه سنداً ومتناً ،مع خلاف طفيف في الألفاظ، في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة هو القناد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه فساقه]

    ــ وهو بنحوه في «المعجم الكبير»: [حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه به]

    ــ وفي «المعجم الكبير» متابعة قيمة: [حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن يوسف الفريابي أنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه بنحوه].

    قلت: الحديث بمجموع الطريقين، لا سيما طريق إسرائيل، صحيح على شرط مسلم، لأن سماع إسرائيل من سماك قديم قبل أن يتغير حفظه فصلر يقبل التلقين، والحديث ليس من روايته عن عكرمة، التي وقع فيها بعض الاضطراب، كما يظهر من ترجمته، وأقوال الأئمة فيه التي تأتي قريباً، إن شاء الله تعالى.

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن محمد بن النجار المقري بالكوفة قالا أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائلة عن أبيه وائل بن حجر فساقه بنحوه]، ثم قال الإمام البيهقي: (ورواه إسرائيل عن سماك وقال فيه فأتوا به النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما أمر به قام صاحبها الذي وقع عليها، ...، فذكر الحديث]، ثم استشكل البيهقي العفو عن الجاني فقال: ( فعلى هذه الرواية يحتمل أنه إنما أمر بتعزيره ويحتمل أنهم شهدوا عليه بالزنا وأخطأوا في ذلك حتى قام صاحبها فاعترف بالزنا وقد وجد مثل اعترافه من ماعز والجهنية والغامدية ولم يسقط حدودهم وأحاديثهم أكثر وأشهر والله أعلم).


    قلت: رحم الله البيهقي وغيره من الفقهاء، لا سيما أبا محمد علي بن حزم الذي استنكر هذا وحاول تضعيف الحديث ليفلت منه، فليس الموضوع هو سقوط الحد بالاعتراف أو التوبة، ولا هو من بابه في صدر ولا ورد. بل الموضوع هنا هو موضوع جريمة «اغتصاب»، أي غصب امرأة على نفسها، والزنا بها كرها عن نفسها باستخدام القوة والعنف، وهي جريمة تقع تحت عنوان «المحاربة». ومعلوم أن عقوبة «المحاربة» تسقط بالتوبة قبل القدرة، بنص الآية الكريمة. والمجرم ها هنا تاب توبة صادقة، وسلَّم نفسه بنفسه لإنقاذ المتهم الآخر الذي تمَّت إدانته، وكانت العقوبة على وشك أن تنزل به، وهو لم يكن مشكوكاً قيه، ولا حتى متهما، بل كان مجهول العين غير معروف، ولم يكن محل نظر أو بحث أو اتهام أن له أي علاقة بالجريمة على الإطلاق، فاعترافه وتسليمه لنفسه توبة صحيحة قبل القدرة عليه، بل هي توبة صادقة لو تابها أهل المدينة لكفتهم، كما نص أبو القاسم محمد بن عبد الله، خاتم النبيين، رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فلم تعد في الحديث سنداً، ولا متناً، ولا حكماً أي معارضة أو إشكال، والحمد لله رب العالمين.




    v ترجمة «سماك بن حرب»:

    هو: سماك بن حرب بن أوس بن خالد بن ثعلبة الذهلي البكري، أبو المغيرة، معدود في الكوفيين، عن إبراهيم بن يزيد النخعي وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وسعيد بن جبير وغيرهم وعنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وأبو عوانة الوضاح وغيرهم. قال يحيى بن معين: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صدوق ثقة)، وقال علي بن المديني: (له نحو مائتي حديث)، وقال النسائي: (ليس به بأس وفي حديثه شيء)، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: (سمعت يحيى بن معين سئل عن سماك بن حرب ما الذي عابه قال اسند أحاديث لم يسندها غيره قال يحيى وسماك ثقة)، وهذا يعني أن العيب فيه ليس بمعتبر عند يحيى، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال:( صدوق ثقة، قلت له قال أحمد بن حنبل سماك اصلح حديثا من عبد الملك بن عمير فقال هو كما قال!)، وقال بن عدي: (ولسماك حديث كثير مستقيم ،إن شاء اللهو وهو من كبار تابعي أهل الكوفة، وأحاديثه حسان وهو صدوق لا بأس به)، وقال الذهبي: (ساء حفظه)، يعني بآخرة، وقال محمد بن عبد الله بن عمار: (يقولون أنه كان يغلط ويختلفون في حديثه)، وقال صالح بن محمد البغدادي: (يضعف)، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: (في حديثه لين)، ولكن ابن خراش متعنت جدا.


    وقد قال يعقوب بن شيبة السدوسي ملخصاً تلخيصاً جيداً: (روايته عن عكرمة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، ومن سمع منه قديما مثل سفيان وشعبة فحديثه عنه صحيح مستقيم)، وقال بن المبارك: (وقول يعقوب فيه إنما نراه فيمن سمع منه بأخرة)،


    والظاهر أن اضطرابه في عكرمة إنما هو في التفسير فقط، فقد كان شعبة يضعفه وكان يقول في التفسير عكرمة ولو شئت ان أقول له بن عباس لقاله، قال يحيى فكان شعبة لا يروي تفسيره الا عن عكرمة يعني لا يذكر فيه عن بن عباس. فالأحوط هو التوقف في روايته عن عكرمة، وتمحيصها، لا سيما إذا كانت بآخرة أو كانت في التفسير، وما عدا ذلك فهو ثقة، صحيح الحديث، وهذا هو الذي فعله الأئمة فقد روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وأخرج له البخاري متابعة، وتوفي سنة 123.


    v وجاء في «سنن البيهقي»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى الناس يوم بدر قال عوف ابن عفراء بن الحارث، رضي الله عنه: يا رسول الله ما يضحك الرب تبارك و تعالى من عبده ، قال : «أن يراه قد غمس يده في القتال يقاتل حاسرا»، فنزع عوف درعه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل).


    ــ وهو بنحوه في «مصنف ابن أبي شيبة»: [[حدثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن محمد بن قتادة قال قال معاذ بن عفراء: (يا رسول الله ! ما يضحك الرب من عبده ؟)، قال : «غمسه يده في العدو حاسراً». قال: (وألقى درعاً كانت عليه فقاتل حتى قتل)]، إلا أنه قال معاذ بن عفراء، بدلاً من عوف بن عفراء، وهو سبق قلم أو زلة ذهن من بعض الرواة، لأنه في «المغازي» لابن إسحاق بنحو من حديث البيهقي مع ذكر عوف بن الحارث، وهو عوف بن عفراء، وعفراء أمه، اشتهر هو وأخوه معاذ بالنسبة إليها. هذا مرسل في غاية الجودة.

    ــ ولكن الإمام أبا محمد علي بن حزم قال في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [بل قد صح عنه عليه السلام :(أن رجلا من أصحابه سأله: (ما يضحك الله من عبده؟)، قال: «غمسه يده في العدو حاسراً!»، فنزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل رضي الله عنه]، قلت: هكذا أتى به أبو محمد، من غير إسناد ولا مصدر مع النص على صحته، ولم يتيسر لنا الحصول عليه موصولاً في أي مما عندنا من المصادر. والمعروف أن أبا محمد متساهل في التضعيف ورد الأحاديث لأتفه الأسباب، مع غاية التشدد في التصحيح. وهو مع ذلك ثقة ثبت حجة، في الغاية من الحفظ والضبط والإتقان، مع الاطلاع على الكثير من الأجزاء والمسانيد المفقودة، أو التي ما زالت مخطوطة، لذلك لا نشك في صحة هذا الحديث، وجواز الاحتجاج به، من غير اطلاع على إسناده الموصول، الذي لم يقع لنا بعد، وبالله التوفيق.



    v وفي «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد قال حدثنا أبي قال حدثنا حيوة بن شريح قال سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول حدثني أسلم أبو عمران مولى لكندة قال: (كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم وخرج إليهم مثله أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح به الناس وقالوا: (سبحان الله تلقي بيدك إلى التهلكة؟!)، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: (أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض سرا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصريه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا فانزل الله على نبيه، صلى الله عليه وسلم، يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، فكانت التهلكة الإقامة في أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو!). قال: وما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح).

    ــ وهو عند الترمذي بنفس اللفظ: [حدثنا عبد بن حميد حدثنا الضحاك بن مخلد عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران التجيبي ... إلخ]، وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وقال الألباني: صحيح.

    ــ وهو في «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ بن وهب أخبرني حيوة بن شريح به مختصراً]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم).

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من طريق الحاكم آنفة الذكر مقرونة بمتابعة أخرى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا أبو عبد الرحمن المقري عن حيوة بن شريح أنبأ يزيد بن أبي حبيب حدثني أسلم أبو عمران قال كنا بالقسطنطينية .. إلخ].

    ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ثنا بن وهب عن حيوة بن شريح وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران فساقه بنحوه]، وقال الألباني: صحيح.

    ــ و هو في «المستدرك على الصحيحين» من طريق ثانية، وفيه زيادات: [حدثنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا محمد بن أحمد بن أنس القرشي حدثنا عبد الله بن يزيد المقري أنبأ حيوة بن شريح أنبأ يزيد بن أبي حبيب أخبرني أسلم أبو عمران مولى بني تجيب قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد الأنصاري فخرج صف عظيم من الروم، فصففنا لهم صفا عظيما من المسلمين فحمل رجل من المسلمين على صف من الروم حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا مقبلا فصاح فيه الناس فقالوا ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب ... إلخ كسابقه]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم).

    ــ وهو في «السنن الكبرى»: [أنا محمد بن حاتم أنا حبان أنا عبد الله عن حيوة أخبرني يزيد بن أبي حبيب نا أسلم أبو عمران ... به بطوله]

    ــ وهو في «مسند أبي داود الطيالسي»: [حدثنا عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم بن عمر أن التجيبي مولى تجيب قال كنا بالقسطنطينية، .. إلخ بطوله]


    ــ وهو في «السنن الكبرى» للإمام النسائي مقتصراً على كلام أبي أيوب: [أنا عبيد الله بن سعيد عن حديث أبي عاصم عن حيوة بن شريح قال حدثني يزيد بن أبي حبيب قال حدثني أسلم أبو عمران قال قال أبو أيوب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: ... إلخ].

    ــ كما أنه في «المعجم الكبير»: [حدثنا هارون بن ملول المصري ثنا عبد الله بن يزيد المقري ثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب حدثني أسلم أبو عمران عن أبي أيوب قال: .. إلي آخر كلام أبي أيوب].

    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وساق إلى آخر الآية قوله التهلكة والهلاك واحد هو تفسير أبي عبيدة وزاد والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمها واللام ساكنة فيهما وكل هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي وقيل التهلكة ما أمكن التحرز منه والهلاك بخلافه وقيل التهلكة نفس الشيء المهلك وقيل ما تضر عاقبته والمشهور الأول ثم ذكر المصنف حديث حذيفة في هذه الآية قال نزلت في النفقة أي في ترك النفقة في سبيل الله عز وجل وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرا في حديث أبي أيوب الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أسلم بن عمران قال كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا فصاح الناس سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرا إن أموالنا قد ضاعت فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها وصح عن بن عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية، ...،].

    ــ وقال الإمام أبو محمد علي بن حزم في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) : [ولم ينكر أبو أيوب الأنصاري ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل]. قلت: لعل أبا محمد يعني القصة المشهورة عند أسوار القسطنطينية. أما حديث أبي أيوب فقد سبق تخريجه، ولم يقع لي حديث أبي موسى.




    v وفي «المستدرك على الصحيحين» حديث آخر حول نفس الآية الكريمة: [أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السبيعي حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأ إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، رضي الله تعالى عنه، قال له رجل: (يا أبا عمارة: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟!)، قال: ( لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله لي)]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم).

    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من طرق أخرى: [وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد قالا ثنا أبو العباس ثنا إبراهيم ثنا سعيد بن عامر عن شعبة عن أبي إسحاق قال قال رجل للبراء، رضي الله تعالى عنه: (أحمل على الكتيبة بالسيف في ألف من التهلكة ذاك؟!)، قال: (لا، إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ثم يلقي بيديه ثم يقول لا يغفر لي)].

    ــ وقال الإمام أبو محمد علي بن حزم في «المحلى» (ج: 7 ص: 294): [حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي نا خالد بن الحارث الهجيمي نا شعبة عن أبي إسحق السبيعي قال سمعت رجلا سأل البراء بن عازب أرأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال البراء: (لا، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقى بيده، ويقول: لا توبة لي)].


    v ويصدقه حديث النعمان بن بشير في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أحمد بن الفضل العسقلاني ثنا آدم ثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، قال: يقول: (إذا أذنب أحدكم فلا يلقين بيده إلى التهلكة ولا يقولن لا توبة لي ولكن ليستغفر الله وليتب إليه فإن الله غفور رحيم)].




    v وقال الإمام ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكره المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج: 28 ص: 540).


    وحديث مسلم المشار إليه هو التالي:

    v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر ...»، فساق الحديث، وفي متنه بعض غرابة، إلى أن ذكر محاولات الملك لقتل الغلام، حتى قال راوياً لكلام الغلام مخاطباً للملك: « فقال للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به)، قال: (وما هو؟!)، قال: (تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني!)، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس: (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام!!)، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيه فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق!».


    ــ وهو في «صحيح ابن حبان» مطابقاً لحديث مسلم: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب به مطابقاً لحديث مسلم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم)، وهو كذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن صهيب به بطوله كاملاً بمثل حديث مسلم]، وهو كذلك في «السنن الكبرى» كما هو عند أحمد من طريق عفان: [أنا أحمد بن سليمان نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة نا ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب بمثل حديث أحمد]، وهو في «المعجم الكبير» من طريق أخرى متابعة لطريقي مسلم وأحمد: [حدثنا محمد بن محمد التمار البصري ثنا علي بن عثمان اللاحقي ثنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب به بمثله]، وهو في «الآحاد والمثاني» عن هدبة بن خالد مباشرة: [حدثنا هدبة بن خالد نا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب بمثل حديث مسلم]

    وهذا من أوضح ما يكون: الغلام يأمر الملك بقتله ويعطية تفاصيل الإجراءات اللازمة، والصبي يدعو أمه إلى الصبر، وإلقاء نفسها في النار لأنها على الحق!




    v وفي «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأ يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس هو بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي أنه كان جالسا عند عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكروا رجلا شرى نفسه يوم نهاوند فقال ذاك والله يا أمير المؤمنين خالي، زعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا)]، وقال البيهقي: ( كذا في رواية يعلى).


    ــ وفي «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» قال الإمام الدارقطني: [وسئل عن حديث مدرك بن عوف عن عمر وقيل له رجل قتل في سبيل الله أنه ألقى بيده إلى التهلكة فقال عمر كذب من قال ذلك ولكنه ممن اشترى الآخرة بالدنيا فقال يرويه إسماعيل بن أبي خالد واختلف عنه فرواه أبو أسامة ويزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن مدرك بن عوف عن عمر وقال هشيم عن إسماعيل عن قيس عن شبيل بن عوف وقال وكيع عن إسماعيل عن قيس عن عمر وقول أبي أسامة ويزيد بن هارون أصح]، قلت: والطريق الصحيحة هي التي أوردناها آنفاً.


    ــ وفي «العلل ومعرفة الرجال» يقول الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: [حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا إسماعيل عن قيس قال ذكروا عند عمر رجلا شرى بنفسه فقال مدرك بن عوف الأحمسي يا أمير المؤمنين خالي يزعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة فقال كذب أولئك بل هو ممن اشترى الآخرة بالدنيا]


    ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» بلفظ آخر، وبخلاف طفيف في الأسماء: [أخبرنا أبو الحسين بن الفضل أنبأ عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا بن عثمان أنبأ عبد الله أنبأ إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن حصين بن عوف قال: (لما أخبر عمر بقتل النعمان بن مقرن وقيل أصيب فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم، قال: (ولكن الله يعرفهم)، قال: (ورجل شرى نفسه)، فقال رجل من أحمس يقال له مالك بن عوف: (ذاك خالي يا أمير المؤمنين: زعم ناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة!)، فقال عمر: (كذب أولئك: بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا)، قال قيس: (والمقتول عوف بن أبي حميد وهو أبو شبل، قال يعقوب: مالك أشبه].حصين بن عوف على الأرجح وهم، وإنما هو مدرك بن عوف، كما نص عليه الدارقطني.


    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ذكر لأسانيد أخرى: [وروى بن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال إني لعند عمر فقلت إن لي خالاً رمى بنفسه في الحرب فقتل فقال ناس ألقى بيده إلى التهلكة فقال عمر كذبوا لكنه اشترى الآخرة بالدنيا وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه بن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق قال قلت للبراء أرأيت قول الله عز وجل ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف قال لا ولكنه الرجل يذنب فيلقى بيده فيقول لا توبة لي وعن النعمان بن بشير نحوه والأول أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها وأما قصرها عليه ففيه نظر لأن العبرة بعموم اللفظ].

    ــ وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» خلال ترجمة عوف بن أبي حية البجلي، وهو «الفدائي» آنف الذكر: [قال بن منده: (أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، روى عنه ولده شبيل)، قلت: وقد تقدم شبيل في هذا القسم واستشهد عوف في قتال الفرس بنهاوند واخرج بن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي قال بينما انا عند عمر إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن فسأله عمر عن الناس فذكر من اصيب من المسلمين وقال قتل فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم فقال عمر لكن الله يعرفهم قالوا ورجل اشترى نفسه يعنون عوف بن أبي حية الأحمسي أبا شبيل قال مدرك بن عوف يا أمير المؤمنين والله خالي يزعم الناس انه ألقى بيده الى التهلكة فقال عمر كذب أولئك ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا قال وكان اصيب وهو صائم فاحتمل وبه رمق فأبي ان يشرب حتى مات]




    v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى اهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين]

    ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرىء المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ومتى كان مجرد تهور فممنوع ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين والله أعلم].


    v وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» قصة تضحية بطل آخر من أبطال الصحابة، هو هشام بن عامر بن أمية الأنصاري: [أخرج بن المبارك في الزهد من طريق جعفر بن زيد قال خرجنا في غزوة الى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم، فذكر قصة فيها: (فحمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا قال فقال العدو رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا؟!)، يعني: فانهزموا! قال: فقيل لأبي هريرة: (ان هشام بن عامر ألقى بيده الى التهلكة؟!)، فقال أبو هريرة: ( لا، ولكنه التمس هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله})]



    v وفي «تهذيب التهذيب» خلال ترجمة أبي مسلم الخولاني اليماني الزاهد الشامي: [قال بن عبد البر في الاستيعاب أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبي،، صلى الله عليه وسلم، وهو معدود في كبار التابعين وكان ناسكا عابدا له كرامات وروى بن سعد في الطبقات عن شرحبيل بن مسلم أن الأسود بن قيس ذا الحمار تنبأ في اليمن فبعث إلى أبي مسلم فلما جاء قال أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال فردد ذلك مرارا فأمر بنار عظيمة فأججت ثم ألقى فيها فلم تضره فأمره بالرحيل فأتى المدينة وقد مات النبي، صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم].

    v وفي «تهذيب الكمال» خلال ترجمة عكرمة بن أبي جهل: [وروي أنه مر برجل يوم اليرموك فقاتل قتالا شديدا حتى قتل فوجدوا فيه بضعة وسبعين ما بين ضربة وطعنة ورمية وقال يومئذ قاتلت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في كل موطن وأفر منكم اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربع مائة من وجوه المسلمين وكان أميرا على بعض الكراديس]، وهو كذلك في «تهذيب التهذيب».




    v وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» خلال ترجمة عكرمة بن أبي جهل: [روى سيف في الفتوح بسند له أن عكرمة نادى من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث وضرار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين وكان أميرا على بعض الكراديس وذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر فقتلوا كلهم إلا ضرارا]، ولكن سيف بن عمر التميمي كذاب، متهم بالزندقة، وهو صاحب أساطير عبد الله بن سبأ!



    v وجاء في «كتاب الجهاد والسير: باب الحث على الجهاد وفضل الشهادة والرباط والحرس»: [وقد أخرج الحاكم من حديث أنس (أن رجلا قال يا رسول الله أرأيت إن انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال : نعم. فانغمس الرجل في صف المشركين، فقاتل حتى قتل)، وفي الصحيحين عن جابر قال: ( قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات كن بيده، ثم قاتل حتى قتل)، وروى ابن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: ( لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحرث: يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: "أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا، فنزع درعه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل]

    ــ أما الحديث المشار إليه آنفاً كما هو في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرني أحمد بن محمد العنزي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأ ثابت عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن رجلا أسود أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله أني رجل أسود منتن الريح قبيح الوجه لا مال لي فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا قال في الجنة فقاتل حتى قتل فأتاه النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال قد بيض الله وجهك وطيب ريحك وأكثر مالك وقال لهذا أو لغيره لقد رأيت زوجته من الحور العين نازعته جبة له من صوف تدخل بينه وبين جبته]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط مسلم)، وليس فيه ذكر الإنغماس، فإما أن يكون ذلك وهماً من بعض الفقهاء الذين استشهدوا بالحديث، وهو الأرجح، أو يكون في نسخة قديمة مفقودة، لأن الحافظ لم يجده في «المستدرك على الصحيحين» في زمنه ذاك كما صرح هو بذلك:

    ــ في «تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير»: [حديث أن رجلا قال يا رسول الله أرأيت لو انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت إلى الجنة قال نعم فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل الحاكم من حديث ثابت عن أنس أن رجلا أسود أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، الحديث نحوه، ولم يذكر الانغماس. وفي الصحيحين عن جابر قال قال رجل أين أنا يا رسول الله إن قتلت قال في الجنة فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل. وروى بن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة قال لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحارث يا رسول الله ما يضحك الرب تعالى من عبده قال أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا فنزع عوف ذرعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل]

    v والحديث المشار إليه آنفاً في «تلخيص الحبير» هو كما جاء في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرني أحمد بن محمد العنزي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأ ثابت عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن رجلا أسود أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله: أني رجل أسود، منتن الريح، قبيح الوجه، لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا؟!)، قال: (في الجنة!)، فقاتل حتى قتل، فأتاه النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد بيض الله وجهك، وطيب ريحك، وأكثر مالك!»، وقال لهذا، أو لغيره: «لقد رأيت زوجته من الحور العين نازعته جبة له من صوف تدخل بينه وبين جبته»]، وقال الحاكم: هذا (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط مسلم)، وهو كما قالا.



    v فصل: «فدائية» البراء بن مالك

    كان البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك، رضي الله عنهما، آية من آيات الله في الشجاعة والإقدام، والمخاطرة بالنفس، وله ترجمة لطيفة مختصرة جاءت فيه أخبار اطيفة:


    v كما هي في «الإصابة في تمييز الصحابة» خلا ترجمة (البراء بن مالك بن النضر الأنصاري، أخو أنس): [قال بقي بن مخلد في مسنده حدثنا خليفة حدثنا أبو بكر عن أبي إسحاق قال زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حديقة فيها عدو الله مسيلمة فقال البراء بن مالك: (يا معشر المسلمين ألقوني إليهم!)، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على حديقة حتى فتحها للمسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة!


    حدثنا خليفة حدثنا الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال: (رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بهم وضربه فحمل إلى رحله يداوي وأقام عليه خالد شهرا)


    وفي تاريخ السراج من طريق يونس عن الحسن وعن بن سيرين عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة قم يابراء قال فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يأهل المدينة لامدينة لكم اليوم وإنما هو الله وحده والجنة ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة فلقي البراء محكم اليمامة فضربه البراء وصرعه فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع


    وروى البغوي من طريق أيوب عن بن سيرين عن أنس عن البراء قال لقيت يوم مسيلمة رجلا يقال له حمار اليمامة رجلا جسيما بيده السيف أبيض فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه فأخذت سيفه واغمدت سيفي فما ضربت به ضربة حتى انقطع


    وفي الطبراني من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدو يعني بالحريق وكانوا يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم ففعلوا ذلك بأنس فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة فما برح حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يده فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وانجى الله أنس بن مالك بذلك


    وروى الترمذي من طريق ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «رب اشعت اغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك»، فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس فقال المسلمون: (يابراء أقسم على ربك!)، فقال: (أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، والحقتني بنبيك!)، فحمل وحمل الناس معه فقتله مرزبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سلبه فانهزم الفرس، وقتل البراء،


    وفي المستدرك من طريق سلامة عن عقيل عن الزهري عن أنس نحوه]، انتهى نص «الإصابة في تمييز الصحابة».


    v وجاء بعض هذا أيضاً في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن الجهم ثنا حجاج بن محمد الأعور أخبرني السري بن يحيى عن محمد بن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين فجلس البراء بن مالك رضي الله تعالى عنه، على ترس فقال ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم فرفعوه برماحهم فألقوه من وراء الحائط فأدركوه قد قتل منهم عشرة]

    ــ وهو في «مكارم الأخلاق»: [حدثني محمد بن حسان بن فيروز نا حجاج بن محمد نا السري بن يحيى عن بن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين فجلس البراء بن مالك على ترس وقال ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم فرفعوه برماحهم من وراء الحائط فأدركوه وقد قتل منهم عشرة]


    v وجاء في «المعجم الكبير»: [حدثنا محمد بن نصر الصائغ ثنا محمد بن إسحاق المسيبي ثنا موسى بن جعفر بن أبي كثير أخو إسماعيل بن جعفر عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بينما أنس بن مالك وأخوه البراء بن مالك عند حصن من حصون العدو والعدو يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم فعلق بعض تلك الكلاليب بأنس بن مالك فرفعوه حتى أقلوه منا الأرض فأتى أخوه البراء بن مالك فقيل أدرك أخاك وهو يقاتل بالناس فأقبل يسعى حتى نزا في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة وهي تدار فما برح يجرهم ويداه تدخنان حتى قطع الحبل ثم نظر الى يديه فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وأنجى الله عز وجل أنس بن مالك بذاك]


    v وجاء في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرني عبد الله بن محمد بن زياد العدل ثنا محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عزيز الأيلي إملاء علي قال حدثني سلامة بن روح عن عقيل بن خالد عن بن شهاب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه، منهم البراء بن مالك»، فإن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا يا براء إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «إنك لو أقسمت على الله لأبرك»، فاقسم على ربك!، فقال: (أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم!)، ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له: (يا براء: أقسم على ربك!)، فقال: (أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك، صلى الله عليه وسلم!)، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح).

    v وهذه المنقبة العظيمة عي أيضاً في «سنن الترمذي»: [حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت وعلي بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «وكم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك»]، وقال أبو عيسى هذا حديث صحيح حسن من هذا الوجه، وقال الألباني: (صحيح)


    وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يتخوف من شجاعته المفرطة:

    v كما جاء هذا في «الطبقات الكبرى»: [البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار شهد أحدا والخندق والمشاهد بعد ذلك مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان شجاعا، في الحرب له نكاية.


    أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا محمد بن عمرو عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من الهلك يقدم بهم]


    v وجاء في «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا أبو عبد الله الأصبهاني ثنا الحسن بن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا محمد بن عمر قال البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وأمه أم سليم بنت ملحان وهو أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه شهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان شجاعا، له في الحرب مكانة، ذكر عن بن سيرين أنه قال كتب عمر بن الخطاب: (أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم)]






    أ.د/ محمد بن عبدالله المســعري

    لندن

    الأثنين: 06 ربيع ثاني 1423هـ

    الموافق: 17 يونيو-حزيران 2002 م

    [ انتهى ]
     

مشاركة هذه الصفحة