صفحات من التاريخ اليمني... جارالله عمر يتكلم... لصادق ناشر

الكاتب : Time   المشاهدات : 6,325   الردود : 63    ‏2004-06-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-06-26
  1. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]جارالله عمر يتكلم

    "قصة حياة.. من شهقة الميلاد إلى رصاصة الموت"

    [​IMG]
    صادق ناشر
    نقلا عن موقع الشهيد جار الله عمر
    [/color]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=FF0000]تقديم
    بقلم: عبدالباري طاهر
    [/color]

    [color=0000CC]قرأت باستمتاع وشغف المقابلة التي اجراها الزميل العزيز الاستاذ صادق ناشر مع الفقيد الكبير الشهيد جارالله عمر، وأعجبني أن المقابلة غطت الجوانب السياسية في حياة الفقيد ، والمنعطفات الأكثر خطورة ودرامية في الحياة السياسية اليمنية منذ فجر السادس والعشرين من سبتمبر ، والمظاهرات قبلها المناوئة للإمامة والاستبداد .

    كان ناشر ذكيا في طرح الأسئلة واستطاع جارلله بخبرته ومهارته وصدق منطقة أن يجيب على الكثير من الاسئلة التي طرحتها تجربة الثورة اليمنية سبتمبر واكتوبر بصورة عامة ، وتجربة الفقيد العظيم في حركة القوميين العرب ، والحزب الديمقراطي الثوري عام 68 وصولا لحزب الوحدة الشعبية ، فالحزب الاشتراكي ، فقيام الوحدة ثم الحرب والإنفصال .

    وقدم جارالله في اجاباته المتعجلة والمبتسرة احيانا إيماءات ناقدة وعميقة لمسار الاتجاه القومي الذي كان جزءا منه ، وتبوأ موقعا قياديا فيه ، وقد انصف رفاقه : عبدالقادر سعيد وعبدالحافظ قايد ، وهم من التيار الذي رفض الكفاح المسلح بعد مؤتمر الأعبوس عام 1972، وهو المؤتمر الذي عزز موقع القيادة الجديدة التي كان جارالله واحدا من أهم اقطابها .

    ما يميز الشهيد جارالله عمر أنه كان دائما السياسي المتجدد والصادق أيضا ، فهو ينتقد تجربته السياسية ولا ينظر إليها كشيء ثابت ومقدس ، وهذا سر نجاح جارالله وصعود نجمه في الحياة السياسية اليمنية ( سريعة القذف بأقطابها من حلبة الصراع ) ، فمنذ مطلع السبعينات اصبح لجارالله في موقع القيادة في الحزب الديمقراطي الثوري ثاني أهم الأحزاب اليمنية بعد حركة القوميين العرب ( التنظيم السياسي التي حسمت الصراع في الجنوب ) .

    ورغم الاختلاف مع جارالله فقد كان يرحمه الله حريصا على بقاء الألفة والود والأخاء مع جميع من يختلف معه .

    معروف أن بعض أحزاب الوحدة الشعبية : الطليعة الشعبية ، الاتحاد الشعبي الديمقراطي ، العمل ، كانت تتعاطف مع النضال السلمي الديمقراطي ، وترفض شعار الكفاح المسلح الذي كان تيار واسع في صفوف الحزب الديمقراطي الثوري يرفضه أيضا ، وبالأخص في مدن الشمال .

    وبعد تأسيس الوحدة الشعبية والاندماج بين الوحدة الشعبية والتنظيم السياسي الموحد عام 1978 فقد ظل الخلاف حول الكفاح المسلح قائما وحادا ، والمرعب أن المواجهة المسلحة بين الشمال والجنوب منذ الاستقلال وانكسار حصار السبعين يوما ظلت الثغرة التي يلج منها الطامحون إلى السلطة في الشمال والجنوب ، ومن يستقرئ حرب 72 و 79 ودوامات الصراع في الشمال والجنوب والوسطى يدرك دلالات وأبعاد هذا الصراع الذي كانت تغذيه صراعات دامية ومدمرة في كل شطر على حدة ، فهذه المواجهة هي من طوحت بقحطان الشعبي وسالم ربيع علي ومحمد علي هيثم ، وعبدالفتاح اسماعيل وعلي ناصر محمد .

    وفي الشمال القاضي عبالرحمن الارياني والحمدي والغشمي، فهذه الحرب الكريهة حقا والتي تجلت بصورة أكثر بشاعة وكراهة في حرب 94 .

    وجارالله عمر الشهيد والشاهد قد أدرك عمق هذه الدلالة الراعبة ونقدها ، مدركا بعمق أن وباءها لم يعالج ، وأن جراحها لم تضمد ، وحقا فقد قتل جارالله عمر وهو يناضل بالرأي والكلمة المثمرة والحانية للخلاص من تركتها وآثارها الناجعة .

    إن الإخلاص والوفاء لدم الشهيد وكل شهداء الوطن يقتضي إعادة قراءة خارطة الجرح اليمني النازف والقضاء على أسباب الفتن الداخلية والاحتراب والاغتيال الذي تفرزه البيئة القبلية المدججة بالأمية والسلاح والجملة الدينية الزائفة.

    إن تحالف السلاح والفتوى والأمية القبلية هي من قتل جارالله عمر في اليمن واغتال الصومال ودمر الجزائر وافغانستان ، ولا يزال يتربص بيمن الحكمة والإيمان ، وان كان لا إيمان مع القتلة ، ولا حكمة للاغتيال .

    لقد قدم الزميل صادق ناشر تحية طيبة صادقة وأمينة للرؤية السياسية لأحد أهم السياسيين اليمنيين في فاتحة القرن الواحد والعشرين.

    وكلنا يعرف أن الفقيد الكبير قتل مظلوما وهو يدعو أبناء شعبه وأمته إلى نبذ العنف والبراءة من ثقافته الملغومة ، ومن التحالف الشرير بين العسكرة والقبيلة والفتاوى الجهنمية والتكفير والتخوين .
    [/color]
    عبدالباري طاهر
    22 يناير 2003

    --------------------------------------------------------------------------------


    [color=FF0000] توطئة المؤلف
    " الجار" .. الذي أحببت
    [/color]

    [color=0000CC]حين صافحني لأول مرة نتعارف فيها لم أكن أعلم أن 12 عاماً ستربطني بجارالله عمر وجدانياً، لدرجة أنني صرت مدمناً على الإتصال بالذي أحببت طوال هذه الفترة .

    كانت أولى المصافحات في مكتب صحيفة " الثوري " بشارع الزبيري، حيث كان موقع صحيفة " الأمل " عندما قدم أول طاقم صحافي لتحرير صحيفة " الثوري " إلى صنعاء في شهر أكتوبر من عام 1990، كنا عدداً محدوداً من الصحفيين الذين قررت " الثوري " التي رأس تحريرها في تلك الفترة الأستاذ العزيز عبدالباري طاهر، إرسالهم إلى صنعاء ضمن ترتيب البيت الوحدوي اليمني .

    وفي مقر الصحيفة المتواضع في ثالث يوم من وصولنا إليه فوجئنا بجارالله عمر يدلف إلى المكتب وهو يصافح الجميع فرداً فرداً ويتعرف على أسماء كان يسمع بها ويتابع نشاطاتها عبر الإعلام، ومنها بالطبع صحيفة " الثوري "، أما نحن فالكثير منا كان يرى جارالله عمر لأول مرة وإن كان إسمه ملئ السمع والبصر .

    وكعادة جارالله عمر فإنه لا يترك لك مجالاً للتردد من إعلان ودك له، فكان السلام ثم الكلام هو الرابط الوحيد الذي شدني والزملاء الآخرين إلى جارالله عمر، نحيل الجسم، شديد التواضع لدرجة الخجل، كثير الإهتمام بأوضاع الناس صغيرهم وكبيرهم .

    وكانت تلك أولى محطات التعارف، ومن ثم توالت الزيارات التي كان يقوم بها الراحل إلى مبنى الصحيفة أو تلك التي كنا نقوم بها إلى منزله، وفي كل مرة كان جارالله عمر يفتح جزءاً من دفتره وكتابه الذي لم نكن نعرفه من قبل ويتعامل مع طاقم الصحيفة بروح مختلفة لم نجدها في أي قيادي آخر في الحزب الإشتراكي اليمني، لا أدري لماذا، هل لأن جارالله عمر كان قريباً من نبض الشارع، أم لأنه كان واسع الإطلاع بقضايا وهموم الناس أم لأنه كان ينظر إلى أبعد من اللحظة ؟

    غير أن شيئاً واحداً عرفناه عن جارالله عمر، أنه كان إنساناً، وفي لكلمته، صادق في مشاعره، عفوي في تواضعه، لم نشعر أن الذي كنا نحدثه هو قيادي هام في العملية السياسية في البلاد، والرجل من بين الأقوياء داخل الحزب الإشتراكي، لقد كنا نشعر أنه جزء منا .

    هكذا كان الراحل جارالله عمر، عرفته بعد الوحدة بأشهر، لكن علاقتنا لم تتوطد إلا بعد الحرب الأهلية الأخيرة العام 1994، وأثناء الحرب كنا معاً، وكنا نلتقي في منزل الأستاذ العزيز أبوبكر باذيب في مدينة عدن، لم أنس في أول يوم التقينا فيه عندما كان الجميع يتلهفون لمعرفة رأي جارالله عمر في سير المعارك، وكان رأيه سديداً واستنتاجاته صحيحة، وقليل من الناس الذين كانوا يعتقدون أنه يبالغ فيما كان يطرحه .

    أشهد أن جارالله عمر كان يكره الحرب، وكان أكثر الحريصين على تجنيب البلاد الويلات والدمار، وعندما كان يعطي رأياً في سير المعارك الدائرة رحاها كان يستشعر الخطر، وعندما سقطت الضالع في أيدي خصوم الحزب الإشتراكي أدرك جارالله عمر برأيه العسكري والسياسي المتمرس أن المعركة انتهت وأن الأمر لم يعد سوى تحصيل حاصل .

    لم أشهد لحظة مغادرة جارالله عمر مدينة عدن إلى المكلا، لكنني علمت أن رحيل الرجل جاء بعد أن شعر أن كل الأوراق قد اختلطت ببعضها البعض وأنه لم يكن بيد أحد إيقاف دمار الحرب الوحشية التي أتت على كل شيء، وأهمها الدمار الهائل الذي أحدثته في الأرض والنفوس، غير أن أول اتصال لي به كان بعد ثلاثة أشهر تقريباً من انتهاء الحرب، عندما كان في القاهرة، يومها كنت قد بدأت العمل مع صحيفة " الخليج " الإماراتية كمراسل لها في اليمن .

    حصلت على رقم هاتفه في القاهرة واتصلت به لأعرف منه أخباره، فكان أول سؤال لي هو : " هل لا تزال تلبس الساعة في يدك اليمنى ؟ "، قلت له يومها إنني قد عدت إلى اليسار، ولم تعد يميني تهمني ؛ فضحك، وبدأ يسأل عن حالي وحال أهلي والزوجة والأولاد على الرغم من أنه لم يكن يعرفهم .

    وتوالت الإتصالات الهاتفية بيننا، كنت أحدثه أحياناً في الشهر مرة وأحياناً مرتين إلى أن عاد إلى صنعاء بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب، وكان من بين أهم القياديين الذين عادوا إلى اليمن، مخاطراً بحياته وبرأسه، بخاصة وأن البلاد لم تكن بعد قد تعافت من آثار الحرب الأهلية اللعينة .

    ذهبت لأزوره في منزله الذي كان يستأجره في الحي السياسي، وهناك تحدثنا عن كثير من التفاصيل التي غابت عنه بعد مغادرته عدن وغابت عنا بعد رحيل قادة الحزب الإشتراكي إلى الخارج، وكان شديد الألم لما حصل لمدينة عدن من دمار وخراب في النفوس قبل الأبنية .

    كان يومها لا يزال يعيش أجواء الفوضى التي عاشتها البلاد، فمنزله غير مرتب في صنعاء ومنزله الذي في عدن كان قد نهب ونهبت كل ممتلكاته، بما فيها مكتبته، تماماً كما نهبت مكتبته الشخصية في منزله في صنعاء في أولى أيام الحرب .

    لا أدري لماذا انتابني إحساس بأن هذا الجسم النحيل قادر على اقتراف معجزات، فجارالله عمر قبل التحدي، وبدأ مع رفاق دربه في الحزب أمثال المناضل والمجاهد الكبير علي صالح عباد ( مقبل ) بإعادة بناء الحزب الذي كان قد بدأ البعض يقرأ عليه " سورة الفاتحة "، ولم يمل الرجل من الحوارات والنقاشات مع كل الناس الذين كانوا يأتون إليه من كل مكان ليعرفون رأيه في المستقبل .

    وخرج الحزب من تحت الرماد سليماً معافى بعد أن بذل جارالله عمر ورفاق دربه جهوداً لا تنكر في إعادة تثبيت الحزب على أقدامه من جديد، وكان جارالله مرة أخرى على موعد مع الزمن عندما عقد الحزب دورة تأريخية لتحديد موقفه من انتخابات العام 1997، يومها خسر جارالله عمر وتياره التصويت لصالح الدخول في الانتخابات وكسب التيار المؤيد لمقاطعة الانتخابات .

    ولن أنسى تلك اللحظة التي وقف فيها جارالله عمر أمام المؤتمرين ليعلن أنه خسر معركة التصويت لصالح الدخول في الانتخابات التشريعية لكنه أكد أن الحزب كسب الديمقراطية داخله.

    ولم يمر سوى عامين حتى عاد تيار جارالله عمر يفعل فعله داخل الحزب، وفي خضم حسابات الربح والخسارة التي جناها الحزب من مقاطعة الانتخابات أيقن الجميع أن الرجل كان على حق، وفي دورة خصصها الحزب لدراسة وإقرار مشاركته في الانتخابات الرئاسية ومن ثم الانتخابات المحلية حصد تيار جارالله عمر على غالبية الأصوات، وأقر الحزب قضية المشاركة في الانتخابات والعودة إلى قواعده من جديد ليخوض الصراع من نقطة الصفر .

    هكذا كان جارالله عمر، محاوراً بارعاً وسياسياً حكيماً ورجلاً لا تمل من جلساته وأحاديثه، وعندما كان بعض الزملاء يفكر في استقصاء رأي الحزب الإشتراكي اليمني في أية قضية في الساحة كان إسم جارالله عمر يقفز إلى الأذهان مباشرة .

    وانعكس هذا الأمر على الصحف ووسائل الإعلام الخارجية، إذ ما أن تطرح على وسيلة إعلامية ما فكرة حوار مع زعيم سياسي يمني سرعان ما يكون الرد " فليكن مع جارالله عمر " .

    لا أدعي اليوم بعد فقدي واحداً من أحب السياسيين إلي أنني كنت قريباً منه كآخرين، لكنني في كل اللقاءات التي أجريتها معه طوال الفترات الماضية كنت أشعر أنني أعرف هذا الرجل منذ زمن بعيد .

    كان يتصل أحياناً إلى منزلي ليعرف رأيي في قضية ما، وعندما كنت أشعر أنه يحتاجني ولا يستطيع طرح ما يريده على الهاتف كنت أذهب إليه لأتبادل معه الأفكار في بعض القضايا التي كانت تتصل في غالب الأحيان في السياسة الإعلامية الخارجية للحزب الإشتراكي، وكان يستمع أكثر مما يتكلم، ويناقش الأفكار والتفاصيل بجزئياتها، وعندما كان يفكر في اتخاذ خطوة ما كان يستشير أكثر من طرف ليبلور فيما بعد رأياً يعمل به .

    وأذكر أنني عرضت عليه في الأشهر الأخيرة أكثر من مرة فكرة الحوار السياسي فكان يتهرب كما كان يتهرب من كثير من الزملاء، وكان يقول لي : " شوفوا آخرين من أعضاء المكتب السياسي لأنني لا أريدهم أن يتحسسوا ويقولوا إنني أكثر من الكلام " .

    وأشهد أن " هؤلاء الآخرين " كانوا يحبون جارالله عمر ربما أكثر مني، ولم يكونوا يشعرون بهذه " الحساسية الزائدة عن حدها " لدى جارالله عمر، فقد كان الكثير منهم عندما تتصل بهم لتعرض عليهم فكرة الحوار يردون عليك على الفور : " شوف جارالله أولاً " .

    لكن جارالله عمر عندما سمح لنفسه أن يتجاوز رفاقه ويتجاوز " الحساسية المفرطة التي كان يشعر بها تجاههم " كان في المقابلة التي تنشر في هذا الكتاب، وهي مقابلة لم تكن سياسية مباشرة بقدر ما كانت أشبه بسيرة ذاتية كان الراحل يريد تطويرها وإصدارها في كتاب .

    وجاءت موافقة الراحل بعد أن لاحظ آثار المقابلات التي بدأت بها " الخليج " الإماراتية في إطار وخارج اليمن، وكان شديد الإعجاب بالمقابلة التي أجريتها مع الأستاذ العزيز الراحل يحيى المتوكل، وقلت له يومها إن المقابلة التي أنوي إجراءها معه ستكون من نمط مقابلة المتوكل، ووافق وكانت لنا أكثر من أربع جلسات في منزله العامر في حي الوحدة بصنعاء في حوار امتد لأكثر من سبع ساعات متفرقة .

    لن أنسى اللحظات الجميلة التي ضمتني بالراحل في أحد دواوين منزله، وعندما بدأ يتحدث منذ الطفولة، فقد كنت أشعر أن الرجل يعيش طفولة معذبة ويتذكر أشياء وتفاصيل الكثير منا تغيب عنه .

    جارالله عمر .. ذلك الزاهد في الحياة كان سريع البديهة، متوقد الذهن طوال الجلسات التي تمت معه في منزله، وفي المقابلة وهي آخر حوار يسجل له كان ذلك الهادئ الذي تخرج الكلمات من فمه موزونة غير مترددة، لدرجة أنني لم أتعب كثيراً في عملية إفراغ أشرطة التسجيل إلى الورق، كما فعلت مع آخرين .

    في حياة جارالله عمر الكثير من المحطات، وللأسف فإن القارئ لن يجد تفاصيل كثيرة عن هذه المحطات، لأن الرجل كان يحاول قدر الإمكان عدم التحدث عن حياته الشخصية، بل كان حريصاً على إظهار أدوار الآخرين الذين واكبوا معه بعض الأحداث .

    من القرية إلى ذمار، ومن ذمار إلى صنعاء والهروب إلى عدن، ثم العودة إلى صنعاء .. أحداث كوت جارالله عمر بالنار والعذاب، كان فتى صغيراً يحب القراءة كثيراً وكان يتمثل أباه في كل تصرف يسلكه، وكان هناك وفاء لأمه التي نفذت وصية أبيه قبل مماته ولم تتزوج ونذرت نفسها لتربية جارالله عمر وأخته الوحيدة .

    وفي ذمار درس في المدرسة الشمسية وحفظ الكثير من الكتب وأجاد ترتيل القرآن الكريم، وفي حياته أراد أن يجرب التحديات، فذهب إلى صنعاء للحصول على مزيد من العلم، وهناك بدأ وعيه السياسي يتفتح، وفي صنعاء شارك في المسيرات والتظاهرات ضد الإمامة، واعتقل وفر إلى عدن قبل أن يعود ليلتحق في كلية الشرطة وينخرط في صفوف حركة القوميين العرب، ثم كان له شرف المشاركة في حصار صنعاء قبل أن يسجن ويهرب إلى عدن ويستقر فيها .

    وتعد مرحلة بقائه في مدينة عدن من أخصب المراحل التي عاشها جارالله عمر وفيها نضجت تجربته السياسية والفكرية وتحول جارالله عمر إلى شخص آخر، يحاور كل الناس دون كلل أو ملل، ومن هنا برزت موهبة جارالله عمر في الحوارات مع خصومه قبل أصدقائه، وكان الجميع يقدر هذه الميزة في الرجل .

    اصطف جارالله عمر إلى جانب صف انتصر في حرب 1986 في عدن، لكن الخاسرين كانوا جميعاً أصدقائه، وهو لم يقطع حبل الود معهم، بل كان يخالف في كثير من الأحيان قرارات المكتب السياسي للحزب الذي كان يمنع الإتصال مع أي من الخصوم .

    في الحوار مع جارالله عمر بدا الرجل قاسماً مشتركاً لتجربتين سياسيتين في شمال البلاد وجنوبها قبل قيام دولة الوحدة العام 1990، فقد عاش كوارث الشمال وحروب الجنوب، وخرج من هذه المعارك منتصراً ورأسه فوق جسمه .

    لا بد للجيل الحالي أن يتعلم من تجربة جارالله عمر كسياسي ومفكر ومثقف وصاحب موقف، لأن الطريق الذي اختطه لم يكن سهلاً، كما لم يكن معبداً بالورود، وقبل أن يتعلم الجيل الحالي من تجربة جارالله عمر على الحزب الإشتراكي قيادة وقواعداً وأنصاراً أن يتعلموا من هذه الشخصية التي أعطت للحزب وللبلاد الكثير .

    كان جارالله عمر وإن كان مع الطرف المنتصر ـ إن حصل وهذا قليل ـ إلا أنه كان دائماً ينتصر للضعيف، وكان دائماً مع هذا الطرف الذي يشعر أنه لم يعد يمتلك من القوة للإستمرار والمقاومة، كان هذا هو حاله مع خصومه الذين خسروا معارك الحزب الإشتراكي في الجنوب قبل قيام دولة الوحدة، وهكذا كان موقفه مع الحزب الإشتراكي عندما خسر معاركه السياسية والعسكرية مع خصومه السياسيين .

    وقبل إغتياله كان يدعو خصومه السابقين في التجمع اليمني للإصلاح إلى التآزر، وهو في هذه الحالة كان يصطف إلى جانب الإصلاح ( الضعيف ) بعد خروجه من السلطة قبل أعوام .

    لقد عرفت جارالله عمر السياسي المحنك عندما دعا إلى خروج الحزب الإشتراكي من السلطة إلى المعارضة عقب نتائج انتخابات العام 1993، وكان يومها محقاً في الطرح الذي لم يستوعبه بعض من رفاقه، الذين انقادوا وقادوا الحزب والبلاد والعباد إلى حرب أهلكت اليمنيين بشراً وإمكانات .

    وعندما تحمل منصب وزير الثقافة والسياحة كنت أشعر أنه الوزير الوحيد الذي لم يكن يشعرك أنه وزيراً، على الرغم من أنه لم يبق سوى أشهر قليلة في هذا المنصب، لكن جارالله السياسي طغى على جارالله الوزير، ولم يكن يشار إليه إلا أنه جارالله عمر القيادي في الحزب الإشتراكي، بخاصة في أثناء الحوار الذي تم خوضه قبل أشهر من الحرب، والذي لم يتمكن مع بقية رفاقه من إيقاف عجلة الحرب التي كانت تتسارع بشكل مخيف .

    اليوم وبعد رحيل جارالله عمر لا يجب أن نستمر في البكاء طويلاً، فالذي تركه الفقيد الراحل يجعلنا أكثر عزماً لمواصلة الرسالة التي آمن بها طوال حياته، وهي مواصلة الحوار بين الناس للوصول إلى اليوم الذي يحلم به اليمنيون والمتمثل في دولة قانون ونظام، دولة تكون قادرة على ترجمة حلمه وحلم ملايين اليمنيين الذين دفعوا دماً من أجل تحقيق هذا اليوم .

    لا بد من دراسة تراث الراحل وخبرته في الحوار وتجربته في الحياة، وفي المقابلة التي ننشرها هنا في الكتاب، كما جرت إنما نوثق فصولاً مهمة من حياة هذا الرجل، وسيلاحظ القارئ أن عدداً من المحطات تجاوزتها المقابلة لإعتقادنا أن الزمن سيسعفنا لمراجعة هذه الفصول من جديد في سنوات أخرى، كما أن الراحل كان يخشى التطرق إلى قضايا يعتقد أن أوانها لم يحن بعد .

    حين أقدم المقابلة في أول كتاب أنشره أزعم أنني استطعت أن اقدم شيئاً للرجل بعد مماته، فقد كان رحمه الله فخوراً بما أنجزته في حياتي الصحفية، وكان كثيراً ما يردد مثل هذا الكلام في غيابي، ولم أكن في الحقيقة سوى تلميذ صغير في مدرسة جارالله عمر التي أعترف أنني تعلمت منها الكثير، من أهمها التمسك بالمبادئ والمعتقدات التي آمن بها .

    وهذا هو الرجل قد رحل ولم يبق في قلبي وقلوب الملايين من الناس سوى الحسرة على هذا الفراق الذي باغت الجميع، ولم يكن يتوقعه أحد .

    عندما سار مئات الآلاف في جنازة الشهيد الحي جارالله عمر وخرج الآلاف منهم من صنعاء القديمة كان ذلك تعبيراً عن الوفاء للرجل، وأعتقد لو أن جارالله عمر شاهد هذه الآلاف التي سارت خلف نعشه وهذه الدموع التي ذرفت في كل بيت لشعر بالراحة في قبره .

    لك الخلود يا أبا قيس، لك المجد والراحة الأبدية في قبرك بجوار ربك الذي اختارك إلى جواره شهيداً حياً .
    [/color]
    صادق ناشر
    20 يناير 2003

    --------------------------------------------------------------------------------
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-06-26
  3. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]جارالله عمر يتكلم

    "قصة حياة.. من شهقة الميلاد إلى رصاصة الموت"

    [​IMG]
    صادق ناشر
    نقلا عن موقع الشهيد جار الله عمر
    [/color]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=FF0000]تقديم
    بقلم: عبدالباري طاهر
    [/color]

    [color=0000CC]قرأت باستمتاع وشغف المقابلة التي اجراها الزميل العزيز الاستاذ صادق ناشر مع الفقيد الكبير الشهيد جارالله عمر، وأعجبني أن المقابلة غطت الجوانب السياسية في حياة الفقيد ، والمنعطفات الأكثر خطورة ودرامية في الحياة السياسية اليمنية منذ فجر السادس والعشرين من سبتمبر ، والمظاهرات قبلها المناوئة للإمامة والاستبداد .

    كان ناشر ذكيا في طرح الأسئلة واستطاع جارلله بخبرته ومهارته وصدق منطقة أن يجيب على الكثير من الاسئلة التي طرحتها تجربة الثورة اليمنية سبتمبر واكتوبر بصورة عامة ، وتجربة الفقيد العظيم في حركة القوميين العرب ، والحزب الديمقراطي الثوري عام 68 وصولا لحزب الوحدة الشعبية ، فالحزب الاشتراكي ، فقيام الوحدة ثم الحرب والإنفصال .

    وقدم جارالله في اجاباته المتعجلة والمبتسرة احيانا إيماءات ناقدة وعميقة لمسار الاتجاه القومي الذي كان جزءا منه ، وتبوأ موقعا قياديا فيه ، وقد انصف رفاقه : عبدالقادر سعيد وعبدالحافظ قايد ، وهم من التيار الذي رفض الكفاح المسلح بعد مؤتمر الأعبوس عام 1972، وهو المؤتمر الذي عزز موقع القيادة الجديدة التي كان جارالله واحدا من أهم اقطابها .

    ما يميز الشهيد جارالله عمر أنه كان دائما السياسي المتجدد والصادق أيضا ، فهو ينتقد تجربته السياسية ولا ينظر إليها كشيء ثابت ومقدس ، وهذا سر نجاح جارالله وصعود نجمه في الحياة السياسية اليمنية ( سريعة القذف بأقطابها من حلبة الصراع ) ، فمنذ مطلع السبعينات اصبح لجارالله في موقع القيادة في الحزب الديمقراطي الثوري ثاني أهم الأحزاب اليمنية بعد حركة القوميين العرب ( التنظيم السياسي التي حسمت الصراع في الجنوب ) .

    ورغم الاختلاف مع جارالله فقد كان يرحمه الله حريصا على بقاء الألفة والود والأخاء مع جميع من يختلف معه .

    معروف أن بعض أحزاب الوحدة الشعبية : الطليعة الشعبية ، الاتحاد الشعبي الديمقراطي ، العمل ، كانت تتعاطف مع النضال السلمي الديمقراطي ، وترفض شعار الكفاح المسلح الذي كان تيار واسع في صفوف الحزب الديمقراطي الثوري يرفضه أيضا ، وبالأخص في مدن الشمال .

    وبعد تأسيس الوحدة الشعبية والاندماج بين الوحدة الشعبية والتنظيم السياسي الموحد عام 1978 فقد ظل الخلاف حول الكفاح المسلح قائما وحادا ، والمرعب أن المواجهة المسلحة بين الشمال والجنوب منذ الاستقلال وانكسار حصار السبعين يوما ظلت الثغرة التي يلج منها الطامحون إلى السلطة في الشمال والجنوب ، ومن يستقرئ حرب 72 و 79 ودوامات الصراع في الشمال والجنوب والوسطى يدرك دلالات وأبعاد هذا الصراع الذي كانت تغذيه صراعات دامية ومدمرة في كل شطر على حدة ، فهذه المواجهة هي من طوحت بقحطان الشعبي وسالم ربيع علي ومحمد علي هيثم ، وعبدالفتاح اسماعيل وعلي ناصر محمد .

    وفي الشمال القاضي عبالرحمن الارياني والحمدي والغشمي، فهذه الحرب الكريهة حقا والتي تجلت بصورة أكثر بشاعة وكراهة في حرب 94 .

    وجارالله عمر الشهيد والشاهد قد أدرك عمق هذه الدلالة الراعبة ونقدها ، مدركا بعمق أن وباءها لم يعالج ، وأن جراحها لم تضمد ، وحقا فقد قتل جارالله عمر وهو يناضل بالرأي والكلمة المثمرة والحانية للخلاص من تركتها وآثارها الناجعة .

    إن الإخلاص والوفاء لدم الشهيد وكل شهداء الوطن يقتضي إعادة قراءة خارطة الجرح اليمني النازف والقضاء على أسباب الفتن الداخلية والاحتراب والاغتيال الذي تفرزه البيئة القبلية المدججة بالأمية والسلاح والجملة الدينية الزائفة.

    إن تحالف السلاح والفتوى والأمية القبلية هي من قتل جارالله عمر في اليمن واغتال الصومال ودمر الجزائر وافغانستان ، ولا يزال يتربص بيمن الحكمة والإيمان ، وان كان لا إيمان مع القتلة ، ولا حكمة للاغتيال .

    لقد قدم الزميل صادق ناشر تحية طيبة صادقة وأمينة للرؤية السياسية لأحد أهم السياسيين اليمنيين في فاتحة القرن الواحد والعشرين.

    وكلنا يعرف أن الفقيد الكبير قتل مظلوما وهو يدعو أبناء شعبه وأمته إلى نبذ العنف والبراءة من ثقافته الملغومة ، ومن التحالف الشرير بين العسكرة والقبيلة والفتاوى الجهنمية والتكفير والتخوين .
    [/color]
    عبدالباري طاهر
    22 يناير 2003

    --------------------------------------------------------------------------------


    [color=FF0000] توطئة المؤلف
    " الجار" .. الذي أحببت
    [/color]

    [color=0000CC]حين صافحني لأول مرة نتعارف فيها لم أكن أعلم أن 12 عاماً ستربطني بجارالله عمر وجدانياً، لدرجة أنني صرت مدمناً على الإتصال بالذي أحببت طوال هذه الفترة .

    كانت أولى المصافحات في مكتب صحيفة " الثوري " بشارع الزبيري، حيث كان موقع صحيفة " الأمل " عندما قدم أول طاقم صحافي لتحرير صحيفة " الثوري " إلى صنعاء في شهر أكتوبر من عام 1990، كنا عدداً محدوداً من الصحفيين الذين قررت " الثوري " التي رأس تحريرها في تلك الفترة الأستاذ العزيز عبدالباري طاهر، إرسالهم إلى صنعاء ضمن ترتيب البيت الوحدوي اليمني .

    وفي مقر الصحيفة المتواضع في ثالث يوم من وصولنا إليه فوجئنا بجارالله عمر يدلف إلى المكتب وهو يصافح الجميع فرداً فرداً ويتعرف على أسماء كان يسمع بها ويتابع نشاطاتها عبر الإعلام، ومنها بالطبع صحيفة " الثوري "، أما نحن فالكثير منا كان يرى جارالله عمر لأول مرة وإن كان إسمه ملئ السمع والبصر .

    وكعادة جارالله عمر فإنه لا يترك لك مجالاً للتردد من إعلان ودك له، فكان السلام ثم الكلام هو الرابط الوحيد الذي شدني والزملاء الآخرين إلى جارالله عمر، نحيل الجسم، شديد التواضع لدرجة الخجل، كثير الإهتمام بأوضاع الناس صغيرهم وكبيرهم .

    وكانت تلك أولى محطات التعارف، ومن ثم توالت الزيارات التي كان يقوم بها الراحل إلى مبنى الصحيفة أو تلك التي كنا نقوم بها إلى منزله، وفي كل مرة كان جارالله عمر يفتح جزءاً من دفتره وكتابه الذي لم نكن نعرفه من قبل ويتعامل مع طاقم الصحيفة بروح مختلفة لم نجدها في أي قيادي آخر في الحزب الإشتراكي اليمني، لا أدري لماذا، هل لأن جارالله عمر كان قريباً من نبض الشارع، أم لأنه كان واسع الإطلاع بقضايا وهموم الناس أم لأنه كان ينظر إلى أبعد من اللحظة ؟

    غير أن شيئاً واحداً عرفناه عن جارالله عمر، أنه كان إنساناً، وفي لكلمته، صادق في مشاعره، عفوي في تواضعه، لم نشعر أن الذي كنا نحدثه هو قيادي هام في العملية السياسية في البلاد، والرجل من بين الأقوياء داخل الحزب الإشتراكي، لقد كنا نشعر أنه جزء منا .

    هكذا كان الراحل جارالله عمر، عرفته بعد الوحدة بأشهر، لكن علاقتنا لم تتوطد إلا بعد الحرب الأهلية الأخيرة العام 1994، وأثناء الحرب كنا معاً، وكنا نلتقي في منزل الأستاذ العزيز أبوبكر باذيب في مدينة عدن، لم أنس في أول يوم التقينا فيه عندما كان الجميع يتلهفون لمعرفة رأي جارالله عمر في سير المعارك، وكان رأيه سديداً واستنتاجاته صحيحة، وقليل من الناس الذين كانوا يعتقدون أنه يبالغ فيما كان يطرحه .

    أشهد أن جارالله عمر كان يكره الحرب، وكان أكثر الحريصين على تجنيب البلاد الويلات والدمار، وعندما كان يعطي رأياً في سير المعارك الدائرة رحاها كان يستشعر الخطر، وعندما سقطت الضالع في أيدي خصوم الحزب الإشتراكي أدرك جارالله عمر برأيه العسكري والسياسي المتمرس أن المعركة انتهت وأن الأمر لم يعد سوى تحصيل حاصل .

    لم أشهد لحظة مغادرة جارالله عمر مدينة عدن إلى المكلا، لكنني علمت أن رحيل الرجل جاء بعد أن شعر أن كل الأوراق قد اختلطت ببعضها البعض وأنه لم يكن بيد أحد إيقاف دمار الحرب الوحشية التي أتت على كل شيء، وأهمها الدمار الهائل الذي أحدثته في الأرض والنفوس، غير أن أول اتصال لي به كان بعد ثلاثة أشهر تقريباً من انتهاء الحرب، عندما كان في القاهرة، يومها كنت قد بدأت العمل مع صحيفة " الخليج " الإماراتية كمراسل لها في اليمن .

    حصلت على رقم هاتفه في القاهرة واتصلت به لأعرف منه أخباره، فكان أول سؤال لي هو : " هل لا تزال تلبس الساعة في يدك اليمنى ؟ "، قلت له يومها إنني قد عدت إلى اليسار، ولم تعد يميني تهمني ؛ فضحك، وبدأ يسأل عن حالي وحال أهلي والزوجة والأولاد على الرغم من أنه لم يكن يعرفهم .

    وتوالت الإتصالات الهاتفية بيننا، كنت أحدثه أحياناً في الشهر مرة وأحياناً مرتين إلى أن عاد إلى صنعاء بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب، وكان من بين أهم القياديين الذين عادوا إلى اليمن، مخاطراً بحياته وبرأسه، بخاصة وأن البلاد لم تكن بعد قد تعافت من آثار الحرب الأهلية اللعينة .

    ذهبت لأزوره في منزله الذي كان يستأجره في الحي السياسي، وهناك تحدثنا عن كثير من التفاصيل التي غابت عنه بعد مغادرته عدن وغابت عنا بعد رحيل قادة الحزب الإشتراكي إلى الخارج، وكان شديد الألم لما حصل لمدينة عدن من دمار وخراب في النفوس قبل الأبنية .

    كان يومها لا يزال يعيش أجواء الفوضى التي عاشتها البلاد، فمنزله غير مرتب في صنعاء ومنزله الذي في عدن كان قد نهب ونهبت كل ممتلكاته، بما فيها مكتبته، تماماً كما نهبت مكتبته الشخصية في منزله في صنعاء في أولى أيام الحرب .

    لا أدري لماذا انتابني إحساس بأن هذا الجسم النحيل قادر على اقتراف معجزات، فجارالله عمر قبل التحدي، وبدأ مع رفاق دربه في الحزب أمثال المناضل والمجاهد الكبير علي صالح عباد ( مقبل ) بإعادة بناء الحزب الذي كان قد بدأ البعض يقرأ عليه " سورة الفاتحة "، ولم يمل الرجل من الحوارات والنقاشات مع كل الناس الذين كانوا يأتون إليه من كل مكان ليعرفون رأيه في المستقبل .

    وخرج الحزب من تحت الرماد سليماً معافى بعد أن بذل جارالله عمر ورفاق دربه جهوداً لا تنكر في إعادة تثبيت الحزب على أقدامه من جديد، وكان جارالله مرة أخرى على موعد مع الزمن عندما عقد الحزب دورة تأريخية لتحديد موقفه من انتخابات العام 1997، يومها خسر جارالله عمر وتياره التصويت لصالح الدخول في الانتخابات وكسب التيار المؤيد لمقاطعة الانتخابات .

    ولن أنسى تلك اللحظة التي وقف فيها جارالله عمر أمام المؤتمرين ليعلن أنه خسر معركة التصويت لصالح الدخول في الانتخابات التشريعية لكنه أكد أن الحزب كسب الديمقراطية داخله.

    ولم يمر سوى عامين حتى عاد تيار جارالله عمر يفعل فعله داخل الحزب، وفي خضم حسابات الربح والخسارة التي جناها الحزب من مقاطعة الانتخابات أيقن الجميع أن الرجل كان على حق، وفي دورة خصصها الحزب لدراسة وإقرار مشاركته في الانتخابات الرئاسية ومن ثم الانتخابات المحلية حصد تيار جارالله عمر على غالبية الأصوات، وأقر الحزب قضية المشاركة في الانتخابات والعودة إلى قواعده من جديد ليخوض الصراع من نقطة الصفر .

    هكذا كان جارالله عمر، محاوراً بارعاً وسياسياً حكيماً ورجلاً لا تمل من جلساته وأحاديثه، وعندما كان بعض الزملاء يفكر في استقصاء رأي الحزب الإشتراكي اليمني في أية قضية في الساحة كان إسم جارالله عمر يقفز إلى الأذهان مباشرة .

    وانعكس هذا الأمر على الصحف ووسائل الإعلام الخارجية، إذ ما أن تطرح على وسيلة إعلامية ما فكرة حوار مع زعيم سياسي يمني سرعان ما يكون الرد " فليكن مع جارالله عمر " .

    لا أدعي اليوم بعد فقدي واحداً من أحب السياسيين إلي أنني كنت قريباً منه كآخرين، لكنني في كل اللقاءات التي أجريتها معه طوال الفترات الماضية كنت أشعر أنني أعرف هذا الرجل منذ زمن بعيد .

    كان يتصل أحياناً إلى منزلي ليعرف رأيي في قضية ما، وعندما كنت أشعر أنه يحتاجني ولا يستطيع طرح ما يريده على الهاتف كنت أذهب إليه لأتبادل معه الأفكار في بعض القضايا التي كانت تتصل في غالب الأحيان في السياسة الإعلامية الخارجية للحزب الإشتراكي، وكان يستمع أكثر مما يتكلم، ويناقش الأفكار والتفاصيل بجزئياتها، وعندما كان يفكر في اتخاذ خطوة ما كان يستشير أكثر من طرف ليبلور فيما بعد رأياً يعمل به .

    وأذكر أنني عرضت عليه في الأشهر الأخيرة أكثر من مرة فكرة الحوار السياسي فكان يتهرب كما كان يتهرب من كثير من الزملاء، وكان يقول لي : " شوفوا آخرين من أعضاء المكتب السياسي لأنني لا أريدهم أن يتحسسوا ويقولوا إنني أكثر من الكلام " .

    وأشهد أن " هؤلاء الآخرين " كانوا يحبون جارالله عمر ربما أكثر مني، ولم يكونوا يشعرون بهذه " الحساسية الزائدة عن حدها " لدى جارالله عمر، فقد كان الكثير منهم عندما تتصل بهم لتعرض عليهم فكرة الحوار يردون عليك على الفور : " شوف جارالله أولاً " .

    لكن جارالله عمر عندما سمح لنفسه أن يتجاوز رفاقه ويتجاوز " الحساسية المفرطة التي كان يشعر بها تجاههم " كان في المقابلة التي تنشر في هذا الكتاب، وهي مقابلة لم تكن سياسية مباشرة بقدر ما كانت أشبه بسيرة ذاتية كان الراحل يريد تطويرها وإصدارها في كتاب .

    وجاءت موافقة الراحل بعد أن لاحظ آثار المقابلات التي بدأت بها " الخليج " الإماراتية في إطار وخارج اليمن، وكان شديد الإعجاب بالمقابلة التي أجريتها مع الأستاذ العزيز الراحل يحيى المتوكل، وقلت له يومها إن المقابلة التي أنوي إجراءها معه ستكون من نمط مقابلة المتوكل، ووافق وكانت لنا أكثر من أربع جلسات في منزله العامر في حي الوحدة بصنعاء في حوار امتد لأكثر من سبع ساعات متفرقة .

    لن أنسى اللحظات الجميلة التي ضمتني بالراحل في أحد دواوين منزله، وعندما بدأ يتحدث منذ الطفولة، فقد كنت أشعر أن الرجل يعيش طفولة معذبة ويتذكر أشياء وتفاصيل الكثير منا تغيب عنه .

    جارالله عمر .. ذلك الزاهد في الحياة كان سريع البديهة، متوقد الذهن طوال الجلسات التي تمت معه في منزله، وفي المقابلة وهي آخر حوار يسجل له كان ذلك الهادئ الذي تخرج الكلمات من فمه موزونة غير مترددة، لدرجة أنني لم أتعب كثيراً في عملية إفراغ أشرطة التسجيل إلى الورق، كما فعلت مع آخرين .

    في حياة جارالله عمر الكثير من المحطات، وللأسف فإن القارئ لن يجد تفاصيل كثيرة عن هذه المحطات، لأن الرجل كان يحاول قدر الإمكان عدم التحدث عن حياته الشخصية، بل كان حريصاً على إظهار أدوار الآخرين الذين واكبوا معه بعض الأحداث .

    من القرية إلى ذمار، ومن ذمار إلى صنعاء والهروب إلى عدن، ثم العودة إلى صنعاء .. أحداث كوت جارالله عمر بالنار والعذاب، كان فتى صغيراً يحب القراءة كثيراً وكان يتمثل أباه في كل تصرف يسلكه، وكان هناك وفاء لأمه التي نفذت وصية أبيه قبل مماته ولم تتزوج ونذرت نفسها لتربية جارالله عمر وأخته الوحيدة .

    وفي ذمار درس في المدرسة الشمسية وحفظ الكثير من الكتب وأجاد ترتيل القرآن الكريم، وفي حياته أراد أن يجرب التحديات، فذهب إلى صنعاء للحصول على مزيد من العلم، وهناك بدأ وعيه السياسي يتفتح، وفي صنعاء شارك في المسيرات والتظاهرات ضد الإمامة، واعتقل وفر إلى عدن قبل أن يعود ليلتحق في كلية الشرطة وينخرط في صفوف حركة القوميين العرب، ثم كان له شرف المشاركة في حصار صنعاء قبل أن يسجن ويهرب إلى عدن ويستقر فيها .

    وتعد مرحلة بقائه في مدينة عدن من أخصب المراحل التي عاشها جارالله عمر وفيها نضجت تجربته السياسية والفكرية وتحول جارالله عمر إلى شخص آخر، يحاور كل الناس دون كلل أو ملل، ومن هنا برزت موهبة جارالله عمر في الحوارات مع خصومه قبل أصدقائه، وكان الجميع يقدر هذه الميزة في الرجل .

    اصطف جارالله عمر إلى جانب صف انتصر في حرب 1986 في عدن، لكن الخاسرين كانوا جميعاً أصدقائه، وهو لم يقطع حبل الود معهم، بل كان يخالف في كثير من الأحيان قرارات المكتب السياسي للحزب الذي كان يمنع الإتصال مع أي من الخصوم .

    في الحوار مع جارالله عمر بدا الرجل قاسماً مشتركاً لتجربتين سياسيتين في شمال البلاد وجنوبها قبل قيام دولة الوحدة العام 1990، فقد عاش كوارث الشمال وحروب الجنوب، وخرج من هذه المعارك منتصراً ورأسه فوق جسمه .

    لا بد للجيل الحالي أن يتعلم من تجربة جارالله عمر كسياسي ومفكر ومثقف وصاحب موقف، لأن الطريق الذي اختطه لم يكن سهلاً، كما لم يكن معبداً بالورود، وقبل أن يتعلم الجيل الحالي من تجربة جارالله عمر على الحزب الإشتراكي قيادة وقواعداً وأنصاراً أن يتعلموا من هذه الشخصية التي أعطت للحزب وللبلاد الكثير .

    كان جارالله عمر وإن كان مع الطرف المنتصر ـ إن حصل وهذا قليل ـ إلا أنه كان دائماً ينتصر للضعيف، وكان دائماً مع هذا الطرف الذي يشعر أنه لم يعد يمتلك من القوة للإستمرار والمقاومة، كان هذا هو حاله مع خصومه الذين خسروا معارك الحزب الإشتراكي في الجنوب قبل قيام دولة الوحدة، وهكذا كان موقفه مع الحزب الإشتراكي عندما خسر معاركه السياسية والعسكرية مع خصومه السياسيين .

    وقبل إغتياله كان يدعو خصومه السابقين في التجمع اليمني للإصلاح إلى التآزر، وهو في هذه الحالة كان يصطف إلى جانب الإصلاح ( الضعيف ) بعد خروجه من السلطة قبل أعوام .

    لقد عرفت جارالله عمر السياسي المحنك عندما دعا إلى خروج الحزب الإشتراكي من السلطة إلى المعارضة عقب نتائج انتخابات العام 1993، وكان يومها محقاً في الطرح الذي لم يستوعبه بعض من رفاقه، الذين انقادوا وقادوا الحزب والبلاد والعباد إلى حرب أهلكت اليمنيين بشراً وإمكانات .

    وعندما تحمل منصب وزير الثقافة والسياحة كنت أشعر أنه الوزير الوحيد الذي لم يكن يشعرك أنه وزيراً، على الرغم من أنه لم يبق سوى أشهر قليلة في هذا المنصب، لكن جارالله السياسي طغى على جارالله الوزير، ولم يكن يشار إليه إلا أنه جارالله عمر القيادي في الحزب الإشتراكي، بخاصة في أثناء الحوار الذي تم خوضه قبل أشهر من الحرب، والذي لم يتمكن مع بقية رفاقه من إيقاف عجلة الحرب التي كانت تتسارع بشكل مخيف .

    اليوم وبعد رحيل جارالله عمر لا يجب أن نستمر في البكاء طويلاً، فالذي تركه الفقيد الراحل يجعلنا أكثر عزماً لمواصلة الرسالة التي آمن بها طوال حياته، وهي مواصلة الحوار بين الناس للوصول إلى اليوم الذي يحلم به اليمنيون والمتمثل في دولة قانون ونظام، دولة تكون قادرة على ترجمة حلمه وحلم ملايين اليمنيين الذين دفعوا دماً من أجل تحقيق هذا اليوم .

    لا بد من دراسة تراث الراحل وخبرته في الحوار وتجربته في الحياة، وفي المقابلة التي ننشرها هنا في الكتاب، كما جرت إنما نوثق فصولاً مهمة من حياة هذا الرجل، وسيلاحظ القارئ أن عدداً من المحطات تجاوزتها المقابلة لإعتقادنا أن الزمن سيسعفنا لمراجعة هذه الفصول من جديد في سنوات أخرى، كما أن الراحل كان يخشى التطرق إلى قضايا يعتقد أن أوانها لم يحن بعد .

    حين أقدم المقابلة في أول كتاب أنشره أزعم أنني استطعت أن اقدم شيئاً للرجل بعد مماته، فقد كان رحمه الله فخوراً بما أنجزته في حياتي الصحفية، وكان كثيراً ما يردد مثل هذا الكلام في غيابي، ولم أكن في الحقيقة سوى تلميذ صغير في مدرسة جارالله عمر التي أعترف أنني تعلمت منها الكثير، من أهمها التمسك بالمبادئ والمعتقدات التي آمن بها .

    وهذا هو الرجل قد رحل ولم يبق في قلبي وقلوب الملايين من الناس سوى الحسرة على هذا الفراق الذي باغت الجميع، ولم يكن يتوقعه أحد .

    عندما سار مئات الآلاف في جنازة الشهيد الحي جارالله عمر وخرج الآلاف منهم من صنعاء القديمة كان ذلك تعبيراً عن الوفاء للرجل، وأعتقد لو أن جارالله عمر شاهد هذه الآلاف التي سارت خلف نعشه وهذه الدموع التي ذرفت في كل بيت لشعر بالراحة في قبره .

    لك الخلود يا أبا قيس، لك المجد والراحة الأبدية في قبرك بجوار ربك الذي اختارك إلى جواره شهيداً حياً .
    [/color]
    صادق ناشر
    20 يناير 2003

    --------------------------------------------------------------------------------
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-06-26
  5. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الاول
    الطفولة.. النشأة الأولى
    [/color]

    [color=0000FF]إنتقاله إلى ذمار للدراسة

    جارالله في صنعاء

    مظاهرة صنعاء

    نجاة جارالله من معتقلات الإمام

    * كيف علمتم بقيام الثورة ؟

    * هل كانت مقاومة أنصار الإمام قوية ؟

    وعدنا إلى صنعاء[/color]


    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]* كيف جاء جارالله عمر إلى الدنيا ؟
    ـ أنا من مواليد 1942 ، وقد عثرت هذا التاريخ في مصحف تركه والدي رحمه الله في المنزل ، وكتب بالسنة الهجرية ، ومن خلال وصيته تلك فقد ولدت قبل وفاته بـ 6 اشهر ، حيث أصيب بمرض مفاجئ .

    كان والدي معلماً في كتاب القرية التي ولدت فيها ، وهي تسمى " كهال " تابعة لناحية النادرة بمحافظة إب ، بالإضافة إلى القرية المجاورة ، وقد كان لديه وجاهة اجتماعية هامة ، حيث كان يقدم الرعاية إلى أناس آخرين في المنطقة ، بخاصة ممن تحل بهم النكبات أو ممن يريدون أن يتزوجوا وغيرها ، حتى أنه عندما توفي خلف وراءه ديوناً كثيرة ، على الرغم من رهنه جزءاً من الأراضي الزراعية التي كانت بحوزته ، وكانت هذه الديون أعباءً على كاهل والدتي التي تكفلت برعايتي .

    قبل أن يتوفى والدي يرحمه الله ، استدعى والدتي واسمها سعيدة بنت صالح سعد الفقيه ، وقال لها إنه يشعر أن الموت يدنو منه بسرعة ، وطلب منها رعايتي ، فقد كنت الابن الوحيد إلى جانب أختي الكبيرة والوحيدة ، وقال لها إنه يرجوها أن لا تتزوج برجل آخر بعد موته ، وقد وفت أمي بذلك ، على الرغم من أن عمرها لم يكن يتجاوز حينها الـ27 عاماً ، وكابدت المشقات في سبيل تنشئتنا بطريقة صحيحة أختي وأنا ، حيث اتجهت إلى إحتراف التطريز والخياطة وتربية البقر والدجاج وبيعها لكي نسدد ديون والدي التي تركها لنا بعد وفاته .

    في غضون السنوات السبع الأولى من حياتي ألحقتني والدتي في كتاب القرية ، وفي نحو عامين أو ثلاثة أكملت القرآن وتعلمت الخط وكافة المستلزمات البسيطة التي كان يقتضيها مكتب الكتاب المتواضع .

    وقد كانت والدتي تزرع في ذاكرتي ووجداني حقيقة مهمة وتكررها لي كل يوم ، وهي أن والدي كان متعلماً ، وكان يعلم الناس القراءة والكتابة ، وتحثني على قراءة الأوراق التي خلفها لنا في المنزل ، وتقول لي : أنظر لقد كان خطه جميلاً ، وأريدك أن تكون مثله .

    وكانت تقدمه لي باعتباره رجلاً شجاعاً وتقياً وصادقاً يحترمه الجميع ، وحينما كنت ارتكب خطأ ما كانت تنبهني بأن هذا الأمر لا يناسب اسم والدك وكان هذا يكفي لردعي عن القيام ببعض الأخطاء والتصرفات المشروعة بحكم سن الطفولة .

    حاولت أن أشارك خالي وعمي في مهنة الزراعة إلى جانب رعي الأبقار والأغنام ، لكنني لم أنجح في ذلك ، ربما لبنيتي الصغيرة وجهدي القليل ، وربما لأنني لم أكن مقبلاً على ذلك بكل جوارحي .

    حينئذ تعلقت بهاجس الانتقال إلى مكان آخر للدراسة وكان طموحي أن أصبح قاضياً أو حاكماً ، مثل هؤلاء الذين يتعلمون في صنعاء أو ذمار ، لكن والدتي كانت تعارض ذلك ، لأنها لا تريد أن تفارقني ، لكن عندما بلغ عمري نحو الرابعة عشرة انتقلت إلى قرية الأجلوب ، وهي قرية كبيرة ، لنا أصدقاء فيها ، وكان مستوى التعليم فيها أعلى نسبياً مما كان عليها الوضع في كتاب قريتي الصغيرة ، وقد قضينا فيها عاماً كاملاً ، حيث تعلمت خلال هذا العام تجويد القرآن وإتقانه ، بالإضافة إلى الخط والحساب وغيره .

    بعد ذلك عدت إلى القرية ، ولاحظت أن شباباً من عائلة بيت الطيب في القرية المجاورة لنا كانوا قد ذهبوا إلى مدينة ذمار للتعلم وعادوا إلى المنطقة وهم يرتدون الملابس البيضاء النظيفة والناس يلتفون من حولهم ، حيث لفتوا انتباه الناس بأنهم أصبحوا متعلمين ، وكان من بينهم الأخ عبدالسلام عبدالواسع الطيب ، وهو ضابط متقاعد حالياً ، فذهبت إليه ، وقلت له إنني أريد أن أذهب معك إلى مدينة ذمار للدراسة ، وقد رحب الطيب بالفكرة وأخذني معه إلى مدينة ذمار ، وعمري كان حينها 16 عاماً تقريباً ، وهناك سكنت في منزله ، حيث كان هناك عدداً كبيراً من الراغبين في الدراسة في المدرسة الشمسية .

    * ماذا كان موقف والدتك ؟

    ـ والدتي بالطبع لم توافق على ذهابي إلى ذمار إلا على مضض ، غير أنني أقنعتها بأنه إذا لم تسمح لي بالذهاب بصورة علنية وشرعية ، فإنني سأعمل ذلك بدون موافقتها ، فاضطرت للموافقة ، وجهزتني بما يلزم من الدقيق والسمن والحطب وتولى خالي وأحد أقاربنا نقلي مع بهيمة تتحمل مئونتي إلى مدينة ذمار .

    المشكلة الكبرى التي واجهتني هي أنني دخلت المدرسة الشمسية في ذمار وأنا كبير في السن ، حيث كنت قد تجاوزت الـ16 ، وكانت المناهج في المدرسة كثيفة في الفقه وعلوم اللغة والمنطق ، وكل هذه المتون كان لها ملخصات لابد من حفظها .

    وقد وجدت نفسي متأخراً عن طلاب كانوا يصغرونني سناً ، ولكنهم كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً في مضمار هذه المتون أو الملخصات وانتقلوا إلى قراءة الشروح ، ولهذا كان علي المذاكرة نهاراً وليلاً للإلتحاق بهم .

    في العام الثاني أقنعت ابن عمي واسمه ناجي عمر على مغادرة القرية واللحاق بالمدرسة الشمسية في ذمار ، وكان والده حينها يرفض ذلك ، لكننا تآمرنا عليه وقمنا بترتيب فراره معي دون علم والده ووضعناه أمام الأمر الواقع ، وهكذا أصبحنا الاثنين في مدينة ذمار .

    وقد كنا نخرج إلى الجامع قبل صلاة الفجر ولا نغادره إلا بنصف ساعة للفطور ، ثم نعود لتناول الغداء بعد أن نكون قضينا وقتاً طوال النهار ولهذا كانت لدينا ساعات قليلة للنوم .

    باختصار تمكنا خلال عامين من حفظ الكثير من المتون ، بما فيها ألفية ابن مالك ومتن الأزهار ، وشرعنا في قراءة الشروح ، وكنا ندرس على يد أكثر من عالم وأكثر من فقيه ، من بينهم إسماعيل السوسوة ، زيد الأكوع ، حمود الدولة وأحمد سلامة .

    وقد استمررنا في الدراسة في المدرسة الشمسية حتى العام 1960 ، ولم تكن هناك إجازة مدرسية ، وقد كنا نقضي نحو أسبوعين في زيارة الأهل ثم نعود إلى الدراسة .

    * وكيف جاء انتقالكم إلى صنعاء ؟

    ـ بداية التفكير بالطلوع إلى صنعاء جاء بسبب الدراسة المتعبة في ذمار إضافة إلى أننا لم نكن نستلم أي راتب ونعتمد على ما يأتينا من القرية ، وكنا نطبخ لأنفسنا ، وهذه العملية كانت تأخذ من وقتنا الكثير ، على عكس صنعاء ، فقد كانت مدرسة العلوم مدرسة رسمية والإمام ينفق عليها من بيت المال ، وكانت هناك وجبات منتظمة ، بالإضافة إلى مرتب صغير لشراء بعض المستلزمات ، كما أن الكتاب المدرسي كان متوفراً وبدون عناء .

    ذهبنا إلى صنعاء نراجع وزارة المعارف ، وكان الوزير حينها القاضي عبدالله الحجري رحمه الله ، ولم ننجح في مسعانا في المرحلة الأولى لكننا حصلنا على وعد بأن تكون لنا الأولوية في حالة وجود مقاعد شاغرة ، وعدنا إلى ذمار وبعد أشهر كانت لنا عودة مجدداً إلى صنعاء ، وحينها حصلنا على موافقة بالإلتحاق بالمدرسة العلمية ، وقد شرعنا في الدراسة بمدرسة دار العلوم ، ولم تكن المناهج مختلفة عن ما هو موجود في ذمار ، إلا أن الدراسة في ذمار كانت كثيفة وطوعية وتعتمد على الجهد الشخصي ، أما في دار العلوم فقد كانت الدراسة منظمة ورسمية ولها أوقات محددة ، كما كان هناك اهتمام بالآداب والشعر والتاريخ والسياسة .

    وأتذكر أن المرحوم عبدالله البردوني كان أستاذنا في مجال الأدب ، حيث كان يقوم بتدريسنا مادة الأدب في مدرسة دار العلوم .

    مظاهرة صنعاء

    * كيف عشتم في صنعاء بعد انتقالكم إليها ؟
    ـ بعد عدة أشهر من دخول مدرسة دار العلوم شاركنا في مظاهرة الطلبة التي قامت قبل الثورة ، وعندما تم اعتقال زملائنا من الطلاب تمكنا أنا وإبن عمي ناجي من الهروب إلى عدن .

    * بسبب ماذا كانت المظاهرة ؟

    ـ المظاهرة في الواقع بدأت كاحتجاج على تصرفات الإدارة في المدرسة الثانوية بصنعاء ، وكان يومها يديرها الأستاذ علي الفضيل ، حيث تقدم الطلاب حينها ببعض المطالب ، منها تحسين الغذاء وغيرها من القضايا ، لكن هذه المطالب كانت مجرد ذريعة أو مظهر خارجي للغليان الذي ساد قطاع الطلاب ، وكان هناك استعداداً نفسياً للاحتجاج على النظام السياسي بأكمله.

    لذلك ما أن خرج الطلاب إلى الشارع للاحتجاج حتى التحق بهم طلاب مدرسة العلوم والمدرسة المتوسطة وبقية المدارس ، وانتقلت المظاهرة بعد ذلك إلى مدينة تعز ، حيث قامت مظاهرة بمدرسة الأحمدية والتي استمرت طوال اليوم تقريباً ، وكانت المظاهرات ترفع شعارات تطالب بسقوط الملكية ورفعت صور جمال عبدالناصر .

    صنعاء ذهب المتظاهرون إلى مبنى الإذاعة ، وهناك حصل اشتباك بباب الإذاعة وأصيب الأخ يحي العماد وآخر لم أعد أتذكره ، ثم عادت المظاهرة في محاولة لاقتحام وزارة المعارف وجرى تهشيم سيارة الوزير ، وبعد ذلك ذهب الطلاب إلى الكلية الحربية ، وحاولوا توجيه نداء إلى ضباط الجيش ليفتحوا لهم الكلية للدخول ، لكن الضباط الذين كانوا يستعدون للقيام بالثورة أغلقوا الأبواب في وجوهنا ؛ فعدنا إلى ميدان التحرير ثم إلى باب الروم ، وهناك خرج الحرس الملكي وأحاط أفراده بالطلبة المتظاهرين ، وتم إعادتنا إلى داخل المدينة بعد أن تم اعتقال بعض زملائنا واقتيادهم إلى السجون .

    وأتذكر أن من بين زعماء الطلاب يحي العماد وأحمد العماد ( حالياً عضو في الحزب الحاكم) وراجح المالكي وأحمد العبيدي وحسن العزي ، بالإضافة إلى مجموعة من الطلاب الأكثر ثقافة والأكثر اهتماماً في السياسة ، وهؤلاء بلا شك كانت لهم صلات سياسية واسعة ، ولم يكن في ذهنهم موضوع مطالب تحسين الغذاء وغيرها من المطالب ، وقد حولوا المظاهرة إلى تظاهرة سياسية واضحة .

    * كيف تصرفتم حينها ، هل بقيتم في صنعاء أم غادرتموها ؟

    ـ لقد نجحنا في الفرار بعد اعتقال الكثير من زملائنا وسجنهم في العديد من سجون وشحه ، حجة وفي عدد من المناطق .

    وذات يوم دخلنا إلى المدرسة ووجدنا الأخ علي صلاح ، أحد القادة البارزين وقد ألقى القبض عليه ويدقون القيد على رجليه ، فتأكدنا حينها أن الاعتقالات اتسعت ، فانسحبت أنا وابن عمي ناجي وهربنا سيراً على الأقدام ، حيث صعدنا على متن سيارة لكنها تعطلت في الطريق وقعدنا يومين في الطريق ، ثم واصلنا السير على الأقدام إلى رداع ثم إلى البيضاء ومكيراس ، حيث أمضينا ليلة في إحدى القرى خارج مكيراس في طريقنا إلى عدن .

    * متى وصلتم عدن ؟

    ـ وصلنا عدن بعد رحلة شاقة استمرت نحو أسبوع ، وقد كان وصولنا إليها قبل اشهر قليلة من اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962 ، لكننا عدنا إلى كهال وتسقطنا الأخبار من هناك ، وعلمنا أن الاعتقالات كانت قد توقفت وحينها عدنا إلى المدرسة ، مكثنا أشهر قليلة حتى مات الإمام أحمد ، وقد أتى إلينا زميل اسمه عبدالكريم السماوي الذي أخبرني أن هناك ثورة ستقوم عند تشييع جنازة الإمام أحمد في صنعاء ثم عاد وأخبرني أن الموعد تأجل إلى ما بعد .

    وفي الحقيقة لم أكن مهتماً كثيراً بالموضوع ، وإن كنا نحفظ أشعار محمد محمود الزبيري والبردوني ، وكنا مهتمين بالشأن السياسي ، ولدينا فهم لما تعانيه اليمن من تخلف وغيره ، ولكننا لم نكن منخرطين بصورة عملية في صفوف أية عملية منظمة في ذلك الوقت .

    * كيف علمتم بقيام الثورة ؟

    ـ فوجئنا بعد منتصف الليل بالدبابات وهي تتحرك على مقربة من باب مدرستنا ، وبعدها بدأنا نسمع قذائف الدبابات تدك قصر دار البشائر وصحونا جميعاً من نومنا وذهبنا نراقب سير المعركة عن قرب ، لأن دار البشائر والمدرسة كانا متقاربين .

    كان هناك استبشاراً لدى بعض الطلبة الذين كانوا على صلة ببعض الثوار والراغبين في التغيير ، وكان هناك هلعاً بين صفوف الطلاب الذين كانوا قريبين من الحكم .

    * وأنتم ، ماذا كان موقفكم ؟

    ـ لم نكن مهتمين للثورة بالمطلق ، كما لم نكن ضدها ، ولكن كان لدينا رغبة في أن تكون أوضاع اليمن أفضل ، وعندما سمعنا بيان الثورة في الإذاعة صباح اليوم التالي شدنا وتفاعلنا معه.

    عند حوالي الساعة التاسعة تقريباً أتى بعض الضباط إلى المدرسة ، كان من ضمنهم حسين خيران ، وكانت هناك دبابات أمام باب المدرسة ، وقد قال لنا خيران إن الثورة قامت وأن ذلك استجابة لنداء الشعب ، وأنكم الطلاب الذين قمتم بالمظاهرة وعليكم تأييدها .

    في الصباح كنا نراقب إحراق الدبابة التي قتل فيها الثوار عندما سكب عليها بترولاً وأحرقت ، وقتل الضباط الذين كانوا فيها ، وقد كنا نشاهد الاشتباك بين الحرس الملكي والثوار ، ولاحظنا أنه بعد حريق الدبابة أن الحرس الملكي حاول القيام بهجوم مضاد ، ويهتف أفراده بحياة الإمام .

    في هذه الأثناء أصيب زميل لنا يدعى مفضل برصاصة في رجلة ، وللأسف ظل دمه ينزف ولم نستطع حينها وقف النزيف وفارق الحياة .

    * هل كانت مقاومة أنصار الإمام قوية ؟

    ـ لا ، كانت هناك مقاومة بسيطة من قصر البشائر ، لكن المقاومة استمرت من دار الشكر حتى الظهر تقريباً ، كما كانت هناك مقاومة من قصر غمدان ، لكن إجمالاً توقف إطلاق النار بعد الظهر ، وقد خرج الطلاب وكثير من مؤيدي الثورة إلى الشارع لإظهار تأييدهم للثورة ، وقد كان للإذاعة يومها دوراً كبيراً في شد الناس ورفع معنوياتهم وحثهم على الالتفاف حول الثورة ، وكان خريجو المدرسة العلمية وطلابها في مقدمة الذين تقاطروا إلى الإذاعة لإلقاء كلماتهم وقصائدهم الشعرية المنددة بالنظام الإمامي والمرحبة بقيام الثورة .

    وقد ألقى الشاعر محمد الشرفي قصيدة طويلة في هذا الموضوع ، ثم جاء الدور على الأستاذ عبدالله البردوني ، الذي ألقى قصيدة جميلة كان مطلعها :

    أفقنا على فجر يوم صبي فيا ضحوات المنى إطربي



    * كيف تقبل الناس هذا التغيير في حياتهم الذي مثلته الثورة ؟
    ـ كان هناك شعور عبارة عن مزيج من الرهبة والخشية والأمل ؛ فقد أدت الثورة إلى اضطراب اجتماعي كبير ، حيث تدفق المتطوعون من المناطق المختلفة ، وخصوصاً من تعز وعدن لتشكيل الحرس الوطني .

    وكان الكثير من المواطنين بقيادة بعض المتنورين في أكثر من مدينة قد أخذ يعتقل المسؤولين السابقين ويستولي على الإدارات الحكومية ، وكانت أعمال العنف قد انتشرت في أكثر من مكان ، وطلب إلينا نحن طلاب المدرسة العلمية التوزع على مناطق البلاد المختلفة لكي نرشد الناس إلى معاني الثورة وأهمية قيامها وشرح أحوال اليمن وغيرها .

    وقد ذهبنا إلى الأرياف ولدينا يقين بأن الثورة قد انتصرت ، خصوصاً وأن قيادة الثورة كانت تؤكد كل يوم أن البدر ( الإمام الجديد ) قد قتل تحت الأنقاض وأن كل شيء قد حسم ، لكن بعض الإذاعات العربية بدأت منذ الأسبوع الثاني تؤكد أن البدر لا يزال حياً ، خصوصاً إذاعة المملكة العربية السعودية والأردن وإيران وبعض الإذاعات الغربية ، وأبرزها هيئة الإذاعة البريطانية ، وقد أخذت هذه الأخبار تحدث ارتباكاً بين الناس وتعيد فرز المجتمع من جديد .

    كان الجو في المناطق التي ذهبنا إليها ، مثلما حدث معي في مديرية دمت بمحافظة إب ليس معادياً للثورة ، لكنه لم يكن متحمساً لها بالمطلق ، لقد كان الإرباك والمفاجأة هو السائد حينها ، وبدأ الناس يتساءلون عن ما حدث وما الذي يمكن أن يحدث .

    وعدنا إلى صنعاء كانت الحرب مع الملكيين قد بدأت تقريباً ، وبدأ التمرد على الثورة في منطقة مأرب في الشرق ، ثم انتشرت إلى خولان والمناطق المجاورة لها ، وكانت طلائع القوات المصرية قد وصلت إلى الحديدة ثم إلى صنعاء .

    وفي غضون ذلك أغلقت المدرسة العلمية ورحل عنها الطلاب جميعاً ، وقدم عدد كبير من الأساتذة المصريين وفتحوا مدرسة إعدادية لطلاب المدرسة العلمية على أساس تعليم العلوم الحديثة ، مثل الرياضيات والعلوم ، بالإضافة إلى اللغة العربية وفي غضون عام حصلنا على شهادة الإعدادية بعد أن تم امتحاننا من قبل المدرسين المصريين ، وأظهرنا تفوقاً في ذلك .
    [/color]
    --------------------------------------------------------------------------------
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-06-26
  7. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الاول
    الطفولة.. النشأة الأولى
    [/color]

    [color=0000FF]إنتقاله إلى ذمار للدراسة

    جارالله في صنعاء

    مظاهرة صنعاء

    نجاة جارالله من معتقلات الإمام

    * كيف علمتم بقيام الثورة ؟

    * هل كانت مقاومة أنصار الإمام قوية ؟

    وعدنا إلى صنعاء[/color]


    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]* كيف جاء جارالله عمر إلى الدنيا ؟
    ـ أنا من مواليد 1942 ، وقد عثرت هذا التاريخ في مصحف تركه والدي رحمه الله في المنزل ، وكتب بالسنة الهجرية ، ومن خلال وصيته تلك فقد ولدت قبل وفاته بـ 6 اشهر ، حيث أصيب بمرض مفاجئ .

    كان والدي معلماً في كتاب القرية التي ولدت فيها ، وهي تسمى " كهال " تابعة لناحية النادرة بمحافظة إب ، بالإضافة إلى القرية المجاورة ، وقد كان لديه وجاهة اجتماعية هامة ، حيث كان يقدم الرعاية إلى أناس آخرين في المنطقة ، بخاصة ممن تحل بهم النكبات أو ممن يريدون أن يتزوجوا وغيرها ، حتى أنه عندما توفي خلف وراءه ديوناً كثيرة ، على الرغم من رهنه جزءاً من الأراضي الزراعية التي كانت بحوزته ، وكانت هذه الديون أعباءً على كاهل والدتي التي تكفلت برعايتي .

    قبل أن يتوفى والدي يرحمه الله ، استدعى والدتي واسمها سعيدة بنت صالح سعد الفقيه ، وقال لها إنه يشعر أن الموت يدنو منه بسرعة ، وطلب منها رعايتي ، فقد كنت الابن الوحيد إلى جانب أختي الكبيرة والوحيدة ، وقال لها إنه يرجوها أن لا تتزوج برجل آخر بعد موته ، وقد وفت أمي بذلك ، على الرغم من أن عمرها لم يكن يتجاوز حينها الـ27 عاماً ، وكابدت المشقات في سبيل تنشئتنا بطريقة صحيحة أختي وأنا ، حيث اتجهت إلى إحتراف التطريز والخياطة وتربية البقر والدجاج وبيعها لكي نسدد ديون والدي التي تركها لنا بعد وفاته .

    في غضون السنوات السبع الأولى من حياتي ألحقتني والدتي في كتاب القرية ، وفي نحو عامين أو ثلاثة أكملت القرآن وتعلمت الخط وكافة المستلزمات البسيطة التي كان يقتضيها مكتب الكتاب المتواضع .

    وقد كانت والدتي تزرع في ذاكرتي ووجداني حقيقة مهمة وتكررها لي كل يوم ، وهي أن والدي كان متعلماً ، وكان يعلم الناس القراءة والكتابة ، وتحثني على قراءة الأوراق التي خلفها لنا في المنزل ، وتقول لي : أنظر لقد كان خطه جميلاً ، وأريدك أن تكون مثله .

    وكانت تقدمه لي باعتباره رجلاً شجاعاً وتقياً وصادقاً يحترمه الجميع ، وحينما كنت ارتكب خطأ ما كانت تنبهني بأن هذا الأمر لا يناسب اسم والدك وكان هذا يكفي لردعي عن القيام ببعض الأخطاء والتصرفات المشروعة بحكم سن الطفولة .

    حاولت أن أشارك خالي وعمي في مهنة الزراعة إلى جانب رعي الأبقار والأغنام ، لكنني لم أنجح في ذلك ، ربما لبنيتي الصغيرة وجهدي القليل ، وربما لأنني لم أكن مقبلاً على ذلك بكل جوارحي .

    حينئذ تعلقت بهاجس الانتقال إلى مكان آخر للدراسة وكان طموحي أن أصبح قاضياً أو حاكماً ، مثل هؤلاء الذين يتعلمون في صنعاء أو ذمار ، لكن والدتي كانت تعارض ذلك ، لأنها لا تريد أن تفارقني ، لكن عندما بلغ عمري نحو الرابعة عشرة انتقلت إلى قرية الأجلوب ، وهي قرية كبيرة ، لنا أصدقاء فيها ، وكان مستوى التعليم فيها أعلى نسبياً مما كان عليها الوضع في كتاب قريتي الصغيرة ، وقد قضينا فيها عاماً كاملاً ، حيث تعلمت خلال هذا العام تجويد القرآن وإتقانه ، بالإضافة إلى الخط والحساب وغيره .

    بعد ذلك عدت إلى القرية ، ولاحظت أن شباباً من عائلة بيت الطيب في القرية المجاورة لنا كانوا قد ذهبوا إلى مدينة ذمار للتعلم وعادوا إلى المنطقة وهم يرتدون الملابس البيضاء النظيفة والناس يلتفون من حولهم ، حيث لفتوا انتباه الناس بأنهم أصبحوا متعلمين ، وكان من بينهم الأخ عبدالسلام عبدالواسع الطيب ، وهو ضابط متقاعد حالياً ، فذهبت إليه ، وقلت له إنني أريد أن أذهب معك إلى مدينة ذمار للدراسة ، وقد رحب الطيب بالفكرة وأخذني معه إلى مدينة ذمار ، وعمري كان حينها 16 عاماً تقريباً ، وهناك سكنت في منزله ، حيث كان هناك عدداً كبيراً من الراغبين في الدراسة في المدرسة الشمسية .

    * ماذا كان موقف والدتك ؟

    ـ والدتي بالطبع لم توافق على ذهابي إلى ذمار إلا على مضض ، غير أنني أقنعتها بأنه إذا لم تسمح لي بالذهاب بصورة علنية وشرعية ، فإنني سأعمل ذلك بدون موافقتها ، فاضطرت للموافقة ، وجهزتني بما يلزم من الدقيق والسمن والحطب وتولى خالي وأحد أقاربنا نقلي مع بهيمة تتحمل مئونتي إلى مدينة ذمار .

    المشكلة الكبرى التي واجهتني هي أنني دخلت المدرسة الشمسية في ذمار وأنا كبير في السن ، حيث كنت قد تجاوزت الـ16 ، وكانت المناهج في المدرسة كثيفة في الفقه وعلوم اللغة والمنطق ، وكل هذه المتون كان لها ملخصات لابد من حفظها .

    وقد وجدت نفسي متأخراً عن طلاب كانوا يصغرونني سناً ، ولكنهم كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً في مضمار هذه المتون أو الملخصات وانتقلوا إلى قراءة الشروح ، ولهذا كان علي المذاكرة نهاراً وليلاً للإلتحاق بهم .

    في العام الثاني أقنعت ابن عمي واسمه ناجي عمر على مغادرة القرية واللحاق بالمدرسة الشمسية في ذمار ، وكان والده حينها يرفض ذلك ، لكننا تآمرنا عليه وقمنا بترتيب فراره معي دون علم والده ووضعناه أمام الأمر الواقع ، وهكذا أصبحنا الاثنين في مدينة ذمار .

    وقد كنا نخرج إلى الجامع قبل صلاة الفجر ولا نغادره إلا بنصف ساعة للفطور ، ثم نعود لتناول الغداء بعد أن نكون قضينا وقتاً طوال النهار ولهذا كانت لدينا ساعات قليلة للنوم .

    باختصار تمكنا خلال عامين من حفظ الكثير من المتون ، بما فيها ألفية ابن مالك ومتن الأزهار ، وشرعنا في قراءة الشروح ، وكنا ندرس على يد أكثر من عالم وأكثر من فقيه ، من بينهم إسماعيل السوسوة ، زيد الأكوع ، حمود الدولة وأحمد سلامة .

    وقد استمررنا في الدراسة في المدرسة الشمسية حتى العام 1960 ، ولم تكن هناك إجازة مدرسية ، وقد كنا نقضي نحو أسبوعين في زيارة الأهل ثم نعود إلى الدراسة .

    * وكيف جاء انتقالكم إلى صنعاء ؟

    ـ بداية التفكير بالطلوع إلى صنعاء جاء بسبب الدراسة المتعبة في ذمار إضافة إلى أننا لم نكن نستلم أي راتب ونعتمد على ما يأتينا من القرية ، وكنا نطبخ لأنفسنا ، وهذه العملية كانت تأخذ من وقتنا الكثير ، على عكس صنعاء ، فقد كانت مدرسة العلوم مدرسة رسمية والإمام ينفق عليها من بيت المال ، وكانت هناك وجبات منتظمة ، بالإضافة إلى مرتب صغير لشراء بعض المستلزمات ، كما أن الكتاب المدرسي كان متوفراً وبدون عناء .

    ذهبنا إلى صنعاء نراجع وزارة المعارف ، وكان الوزير حينها القاضي عبدالله الحجري رحمه الله ، ولم ننجح في مسعانا في المرحلة الأولى لكننا حصلنا على وعد بأن تكون لنا الأولوية في حالة وجود مقاعد شاغرة ، وعدنا إلى ذمار وبعد أشهر كانت لنا عودة مجدداً إلى صنعاء ، وحينها حصلنا على موافقة بالإلتحاق بالمدرسة العلمية ، وقد شرعنا في الدراسة بمدرسة دار العلوم ، ولم تكن المناهج مختلفة عن ما هو موجود في ذمار ، إلا أن الدراسة في ذمار كانت كثيفة وطوعية وتعتمد على الجهد الشخصي ، أما في دار العلوم فقد كانت الدراسة منظمة ورسمية ولها أوقات محددة ، كما كان هناك اهتمام بالآداب والشعر والتاريخ والسياسة .

    وأتذكر أن المرحوم عبدالله البردوني كان أستاذنا في مجال الأدب ، حيث كان يقوم بتدريسنا مادة الأدب في مدرسة دار العلوم .

    مظاهرة صنعاء

    * كيف عشتم في صنعاء بعد انتقالكم إليها ؟
    ـ بعد عدة أشهر من دخول مدرسة دار العلوم شاركنا في مظاهرة الطلبة التي قامت قبل الثورة ، وعندما تم اعتقال زملائنا من الطلاب تمكنا أنا وإبن عمي ناجي من الهروب إلى عدن .

    * بسبب ماذا كانت المظاهرة ؟

    ـ المظاهرة في الواقع بدأت كاحتجاج على تصرفات الإدارة في المدرسة الثانوية بصنعاء ، وكان يومها يديرها الأستاذ علي الفضيل ، حيث تقدم الطلاب حينها ببعض المطالب ، منها تحسين الغذاء وغيرها من القضايا ، لكن هذه المطالب كانت مجرد ذريعة أو مظهر خارجي للغليان الذي ساد قطاع الطلاب ، وكان هناك استعداداً نفسياً للاحتجاج على النظام السياسي بأكمله.

    لذلك ما أن خرج الطلاب إلى الشارع للاحتجاج حتى التحق بهم طلاب مدرسة العلوم والمدرسة المتوسطة وبقية المدارس ، وانتقلت المظاهرة بعد ذلك إلى مدينة تعز ، حيث قامت مظاهرة بمدرسة الأحمدية والتي استمرت طوال اليوم تقريباً ، وكانت المظاهرات ترفع شعارات تطالب بسقوط الملكية ورفعت صور جمال عبدالناصر .

    صنعاء ذهب المتظاهرون إلى مبنى الإذاعة ، وهناك حصل اشتباك بباب الإذاعة وأصيب الأخ يحي العماد وآخر لم أعد أتذكره ، ثم عادت المظاهرة في محاولة لاقتحام وزارة المعارف وجرى تهشيم سيارة الوزير ، وبعد ذلك ذهب الطلاب إلى الكلية الحربية ، وحاولوا توجيه نداء إلى ضباط الجيش ليفتحوا لهم الكلية للدخول ، لكن الضباط الذين كانوا يستعدون للقيام بالثورة أغلقوا الأبواب في وجوهنا ؛ فعدنا إلى ميدان التحرير ثم إلى باب الروم ، وهناك خرج الحرس الملكي وأحاط أفراده بالطلبة المتظاهرين ، وتم إعادتنا إلى داخل المدينة بعد أن تم اعتقال بعض زملائنا واقتيادهم إلى السجون .

    وأتذكر أن من بين زعماء الطلاب يحي العماد وأحمد العماد ( حالياً عضو في الحزب الحاكم) وراجح المالكي وأحمد العبيدي وحسن العزي ، بالإضافة إلى مجموعة من الطلاب الأكثر ثقافة والأكثر اهتماماً في السياسة ، وهؤلاء بلا شك كانت لهم صلات سياسية واسعة ، ولم يكن في ذهنهم موضوع مطالب تحسين الغذاء وغيرها من المطالب ، وقد حولوا المظاهرة إلى تظاهرة سياسية واضحة .

    * كيف تصرفتم حينها ، هل بقيتم في صنعاء أم غادرتموها ؟

    ـ لقد نجحنا في الفرار بعد اعتقال الكثير من زملائنا وسجنهم في العديد من سجون وشحه ، حجة وفي عدد من المناطق .

    وذات يوم دخلنا إلى المدرسة ووجدنا الأخ علي صلاح ، أحد القادة البارزين وقد ألقى القبض عليه ويدقون القيد على رجليه ، فتأكدنا حينها أن الاعتقالات اتسعت ، فانسحبت أنا وابن عمي ناجي وهربنا سيراً على الأقدام ، حيث صعدنا على متن سيارة لكنها تعطلت في الطريق وقعدنا يومين في الطريق ، ثم واصلنا السير على الأقدام إلى رداع ثم إلى البيضاء ومكيراس ، حيث أمضينا ليلة في إحدى القرى خارج مكيراس في طريقنا إلى عدن .

    * متى وصلتم عدن ؟

    ـ وصلنا عدن بعد رحلة شاقة استمرت نحو أسبوع ، وقد كان وصولنا إليها قبل اشهر قليلة من اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962 ، لكننا عدنا إلى كهال وتسقطنا الأخبار من هناك ، وعلمنا أن الاعتقالات كانت قد توقفت وحينها عدنا إلى المدرسة ، مكثنا أشهر قليلة حتى مات الإمام أحمد ، وقد أتى إلينا زميل اسمه عبدالكريم السماوي الذي أخبرني أن هناك ثورة ستقوم عند تشييع جنازة الإمام أحمد في صنعاء ثم عاد وأخبرني أن الموعد تأجل إلى ما بعد .

    وفي الحقيقة لم أكن مهتماً كثيراً بالموضوع ، وإن كنا نحفظ أشعار محمد محمود الزبيري والبردوني ، وكنا مهتمين بالشأن السياسي ، ولدينا فهم لما تعانيه اليمن من تخلف وغيره ، ولكننا لم نكن منخرطين بصورة عملية في صفوف أية عملية منظمة في ذلك الوقت .

    * كيف علمتم بقيام الثورة ؟

    ـ فوجئنا بعد منتصف الليل بالدبابات وهي تتحرك على مقربة من باب مدرستنا ، وبعدها بدأنا نسمع قذائف الدبابات تدك قصر دار البشائر وصحونا جميعاً من نومنا وذهبنا نراقب سير المعركة عن قرب ، لأن دار البشائر والمدرسة كانا متقاربين .

    كان هناك استبشاراً لدى بعض الطلبة الذين كانوا على صلة ببعض الثوار والراغبين في التغيير ، وكان هناك هلعاً بين صفوف الطلاب الذين كانوا قريبين من الحكم .

    * وأنتم ، ماذا كان موقفكم ؟

    ـ لم نكن مهتمين للثورة بالمطلق ، كما لم نكن ضدها ، ولكن كان لدينا رغبة في أن تكون أوضاع اليمن أفضل ، وعندما سمعنا بيان الثورة في الإذاعة صباح اليوم التالي شدنا وتفاعلنا معه.

    عند حوالي الساعة التاسعة تقريباً أتى بعض الضباط إلى المدرسة ، كان من ضمنهم حسين خيران ، وكانت هناك دبابات أمام باب المدرسة ، وقد قال لنا خيران إن الثورة قامت وأن ذلك استجابة لنداء الشعب ، وأنكم الطلاب الذين قمتم بالمظاهرة وعليكم تأييدها .

    في الصباح كنا نراقب إحراق الدبابة التي قتل فيها الثوار عندما سكب عليها بترولاً وأحرقت ، وقتل الضباط الذين كانوا فيها ، وقد كنا نشاهد الاشتباك بين الحرس الملكي والثوار ، ولاحظنا أنه بعد حريق الدبابة أن الحرس الملكي حاول القيام بهجوم مضاد ، ويهتف أفراده بحياة الإمام .

    في هذه الأثناء أصيب زميل لنا يدعى مفضل برصاصة في رجلة ، وللأسف ظل دمه ينزف ولم نستطع حينها وقف النزيف وفارق الحياة .

    * هل كانت مقاومة أنصار الإمام قوية ؟

    ـ لا ، كانت هناك مقاومة بسيطة من قصر البشائر ، لكن المقاومة استمرت من دار الشكر حتى الظهر تقريباً ، كما كانت هناك مقاومة من قصر غمدان ، لكن إجمالاً توقف إطلاق النار بعد الظهر ، وقد خرج الطلاب وكثير من مؤيدي الثورة إلى الشارع لإظهار تأييدهم للثورة ، وقد كان للإذاعة يومها دوراً كبيراً في شد الناس ورفع معنوياتهم وحثهم على الالتفاف حول الثورة ، وكان خريجو المدرسة العلمية وطلابها في مقدمة الذين تقاطروا إلى الإذاعة لإلقاء كلماتهم وقصائدهم الشعرية المنددة بالنظام الإمامي والمرحبة بقيام الثورة .

    وقد ألقى الشاعر محمد الشرفي قصيدة طويلة في هذا الموضوع ، ثم جاء الدور على الأستاذ عبدالله البردوني ، الذي ألقى قصيدة جميلة كان مطلعها :

    أفقنا على فجر يوم صبي فيا ضحوات المنى إطربي



    * كيف تقبل الناس هذا التغيير في حياتهم الذي مثلته الثورة ؟
    ـ كان هناك شعور عبارة عن مزيج من الرهبة والخشية والأمل ؛ فقد أدت الثورة إلى اضطراب اجتماعي كبير ، حيث تدفق المتطوعون من المناطق المختلفة ، وخصوصاً من تعز وعدن لتشكيل الحرس الوطني .

    وكان الكثير من المواطنين بقيادة بعض المتنورين في أكثر من مدينة قد أخذ يعتقل المسؤولين السابقين ويستولي على الإدارات الحكومية ، وكانت أعمال العنف قد انتشرت في أكثر من مكان ، وطلب إلينا نحن طلاب المدرسة العلمية التوزع على مناطق البلاد المختلفة لكي نرشد الناس إلى معاني الثورة وأهمية قيامها وشرح أحوال اليمن وغيرها .

    وقد ذهبنا إلى الأرياف ولدينا يقين بأن الثورة قد انتصرت ، خصوصاً وأن قيادة الثورة كانت تؤكد كل يوم أن البدر ( الإمام الجديد ) قد قتل تحت الأنقاض وأن كل شيء قد حسم ، لكن بعض الإذاعات العربية بدأت منذ الأسبوع الثاني تؤكد أن البدر لا يزال حياً ، خصوصاً إذاعة المملكة العربية السعودية والأردن وإيران وبعض الإذاعات الغربية ، وأبرزها هيئة الإذاعة البريطانية ، وقد أخذت هذه الأخبار تحدث ارتباكاً بين الناس وتعيد فرز المجتمع من جديد .

    كان الجو في المناطق التي ذهبنا إليها ، مثلما حدث معي في مديرية دمت بمحافظة إب ليس معادياً للثورة ، لكنه لم يكن متحمساً لها بالمطلق ، لقد كان الإرباك والمفاجأة هو السائد حينها ، وبدأ الناس يتساءلون عن ما حدث وما الذي يمكن أن يحدث .

    وعدنا إلى صنعاء كانت الحرب مع الملكيين قد بدأت تقريباً ، وبدأ التمرد على الثورة في منطقة مأرب في الشرق ، ثم انتشرت إلى خولان والمناطق المجاورة لها ، وكانت طلائع القوات المصرية قد وصلت إلى الحديدة ثم إلى صنعاء .

    وفي غضون ذلك أغلقت المدرسة العلمية ورحل عنها الطلاب جميعاً ، وقدم عدد كبير من الأساتذة المصريين وفتحوا مدرسة إعدادية لطلاب المدرسة العلمية على أساس تعليم العلوم الحديثة ، مثل الرياضيات والعلوم ، بالإضافة إلى اللغة العربية وفي غضون عام حصلنا على شهادة الإعدادية بعد أن تم امتحاننا من قبل المدرسين المصريين ، وأظهرنا تفوقاً في ذلك .
    [/color]
    --------------------------------------------------------------------------------
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-06-26
  9. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الثاني
    الزحف السياسي
    [/color]

    [color=0000FF]زيارة جمال عبدالناصر لليمن

    جارالله في عهد السلال

    اغتيال عبد الفتاح

    الإنقلاب ضد السلال

    * كيف اتخذتم قرار الإنقلاب ؟[/color]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]في حركة القوميين العرب

    * خلال هذا الفترة بدأ النشاط السياسي يزحف تدريجياً على المجتمع ، أين كان جارالله عمر من ذلك ؟

    ـ بعد الثورة مباشرة بدأ نشاط حركة القوميين العرب والبعث ينتشر بين الشباب والجيل الجديد ، حيث أخذ بعض زملائنا في المدرسة من المتقدمين الذين لهم صلة بحركة القوميين العرب والبعث يتسابق لكسبنا ، وكان أول من اتصل بنا هو الدكتور محمد عبدالملك العلفي ، بالإضافة إلى الأستاذ أحمد العماد ، كما كان هناك من يوزع كتب الأخوان المسلمين بالذات كتابات محمد قطب وسيد قطب .

    وشخصياً اتصل بي الأخ محمد محرم ، وهو عميد حالياً في الجيش ، وأخبرني أن هناك تنظيماً باسم حركة القوميين العرب ، وأنه منتشر في كل الساحة اليمنية ، وأفكاره قومية عربية وحدوية ، ولأن الناصرية كان لها صدى كبيراً وكان لصوت العرب تأثيراً كبيراً علينا فضلنا الانتماء إلى حركة القوميين العرب ، وكان أول شخص أقابله من المدنيين هو الأخ مالك الإرياني ، حيث سلمني له الأخ محمد محرم ، والذي بدوره سلمني إلى الأستاذ عبدالحافظ قائد رحمه الله .

    كان ذلك في نفس عام الثورة 1962 ، وقد انتظمت في حلقة حزبية مع عدد من الأخوة مثل الدكتور محمد عبدالجبار سلام ومحمد الفضلي وأحمد عبدالله الآنسي ، حيث كونا حلقة حزبية ، وهذا الشيء كان بالنسبة لنا شيئاً جديداً ومهماً ، فقد كان يشعرنا بالتميز ، لأننا شيء مختلف عن الناس العاديين ، وكانت حركة القوميين العرب تتبنى الدعوة إلى الوحدة القومية وعملية الدفاع عن الثورة في اليمن .

    وقد استمر هذا الوضع فترة من الوقت ، وبدأنا بكسب زملاء جدد في المدرسة الإعدادية ومن زملائنا في المدرسة الثانوية ، ومن بين الناس الذين اتصلنا بهم عبدالرزاق الرقيحي ، الله يرحمه ، والمحامي أحمد الوادعي واحمد الشبيبي .

    وأثناء ذلك كنا قد حاولنا إقامة اتحاد للطلبة ، وهو أول اتحاد للطلبة في صنعاء ، حيث شارك في ذلك العديد من الأخوة من ضمنهم الأخ محمد الطيب ، أحمد الوادعي ، علي صلاح ، أحمد الشبيبي ، صالح الدوشان وحمود الأشول وعدد كبير أيضاً .

    وقد استغللنا فرصة تواجدنا في الاتحاد وعملنا على توسيع نشاطنا في أوساط الطلاب لكسب أعضاء جدد إلى حركة القوميين العرب ، وبعدها بفترة فتحت كليات عسكرية وشرطوية ، وكان البعث والبعض من مسؤولي حركة القوميين العرب يتسابقون على استقطاب الطلاب وإلحاقهم بالكليات العسكرية .

    وبالنسبة لنا أصدرت إلينا حركة القوميين العرب الأوامر للالتحاق بإحدى الكليتين إما الكلية العسكرية أو كلية الشرطة ، فاخترت أنا وأحمد الآنسي ومحمد الفضلي كلية الشرطة ، وانخرطنا في الكلية عام 1965 ؛ فيما أنخرط آخرون مثل الزميل محمد محرم في الكلية العسكرية .

    خلال عام ونصف درسنا على أيدي الخبراء المصريين منهجاً شرطوياً ، مثل العلوم القانونية ، القانون الدستوري ، القانون المدني وقانون الإجراءات ، بالإضافة إلى بعض المواد الشرطوية ، وخلال الترم الأول تم اختيارنا وكنت متفوقاً فيه ، ولذلك تم ترقيتي إلى رتبة طالب صف ضابط وتوليت قيادة إحدى السرايا ، إلى جانب حمود زيد عيسى ، الذي كان الأول في دفعتنا وعبدالله صبرة وعيدروس السقاف وآخرين .

    * هل شهدت هذه الفترة أحداثاً هامة ؟

    ـ من الأحداث الهامة التي حصلت أثناء دراستنا في كلية الشرطة كانت زيارة الرئيس جمال عبدالناصر لمدينة صنعاء عام 1965 ، وقد خرج طلاب الكليات لاستقباله ، وقد اصطففنا في ميدان التحرير لاستقباله ، حيث ألقى يومها خطابه الشهير ، ثم ألقى الأستاذ محمد محمود الزبيري كلمته ، وأتى بعد ذلك الأستاذ عبدالله البردوني الذي ألقى قصيدة شعرية حماسية ، كان من ضمن أبياتها لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم تقول :

    من جمال ومن أسمى جمالا معجزات من الهدى تتوالى

    وشموخاً يسمو على كل فكر وكل قمة يتعالى

    يا لصوص العروش عيبوا جمال واخجلوا إنكم قصرتم وطال

    لقد حفظنا هذه الأبيات وشدت معنوياتنا كثيراً ، وفي غضون دراستنا كانت صنعاء تشهد بعض التفجيرات وأعمال العنف المتفرقة ، كما كان الحصار يشتد من حولها بين حين وآخر، وكان القتال مشتعلاً بين القوات المصرية والجيش اليمني من جانب والقوات الملكية المؤيدة للإمام من جانب آخر ، وكنا نكلف بين حين وآخر بحراسة شوارع العاصمة ليلاً .

    * هل حدثت خلال هذه السنوات بعض الأعمال الانتقامية بعد اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962 ؟

    ـ حصلت أعمال عنف وعمليات قتل كثيرة طالت بعض أنصار الإمام ، وبسبب الأوضاع التي تحملها أية ثورة ، قتل الكثير من الوزراء والمسؤولين في عهد الإمام منذ الأيام الأول للثورة ، وبعضهم كان لا يستحق الإعدام ، ولكن الثورة دائماً ، تكون أشبه بسيل تجرف ما أمامها .

    واليوم ينظر الإنسان إلى تلك الإعدامات بشيء من الأسف ، بل وينظر بأسف إلى كل الآثار التي ترتبت على أعمال العنف التي صاحبت الثورة ، لكن منهج العنف كان سائداً في اليمن من قبل الثورة ومن بعدها ، سواء من قبل الإمامة أو من قبل الثوار .

    * كيف وجدتم المجتمع اليمني بعد إعلان الثورة والقضاء على الإمامة .. هل كان هناك أنصار للإمامة ؟

    ـ كان الشباب المتعلم والمنخرط في الأحزاب السياسية يقف إلى جانب الثورة ، ولكن كان هناك قسماً كبيراً من أبناء صنعاء وفي خارجها يؤيد الإمام ولا يرحب بالثورة ، وفي الحقيقة كان هناك إنقساماً حقيقياً في المجتمع ، وإن كان يختلف من منطقة إلى أخرى ، حيث كان التأييد للثورة كبيراً في مناطق تعز وعدن والمناطق الوسطى والمناطق الشرقية ، لكن المناطق المحيطة بصنعاء كان التأييد للثورة يقتصر على بعض أبناء المشايخ ، الذين كانوا قد دخلوا في صدام مع الإمام ، حيث ساهم بعضهم في الثورة ، بالإضافة إلى بعض الضباط الذين انخرطوا في الجيش .

    أما سائر المواطنين في المناطق الشمالية ، وحتى بعض المواطنين في المناطق الوسطى لم يكونوا يؤيدون الثورة بصورة تلقائية ، لكن الأمور كانت تتغير بين يوم وآخر .

    * ما شهادتكم عن عهد الرئيس عبد الله السلال ؟

    ـ المشير عبدالله السلال كان رجلاً عسكرياً وطبيب القلب وتلقائياً ، كما كان مخلصاً للثورة ، واضطلع بأعباء كبيرة أثناء الحرب الأهلية وقيادة المعارك ، وكان يتمتع برباطة جأش ، لأن المعارك كانت مستعرة في كل مكان تقريباً ، ولا أظن أحداً كان يستطيع القيام بالدور الذي قام به السلال ، لأن الحروب والمعارك ضد الملكيين كانت هي القضية الأساسية ، إذ لم يكن هناك في الحقيقة أية اهتمامات أخرى لا في مضمار التنمية ولا في أية مجالات أخرى .

    وبطبيعة الحال ؛ فقد بدأت تظهر بعد عام أو عام ونصف من قيام ثورة 26 سبتمبر إنقسامات داخل الصف الجمهوري ، وكان العديد من شيوخ القبائل والسياسيين يعارض سياسة المشير السلال ، غير أننا في حركة القوميين العرب كنا مناصرين للسلال وللوجود المصري في اليمن ، وقد شاركنا تحت قيادة الحركة في العديد من المظاهرات المؤيدة للرئيس السلال والمصريين .

    كان العديد من السياسيين وبالذات الذين لهم صلة بالبعث يعارضون السلال ، بالإضافة إلى بعض الأحرار القدامى ، مثل الشهيد محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان وعبدالرحمن الإرياني ، وقد كان خلاف الرئيس جمال عبدالناصر مع البعث في سوريا والعراق تلقي بظلالها على الأوضاع في اليمن ، كما أنه كانت هناك أخطاء يرتكبها بعض الضباط المصريين في أدائهم اليومي من خلال التدخل في تفاصيل الحياة اليومية ، وهذه كانت تؤثر سلباً على وحدة الصف الجمهوري .

    لكنني أريد هنا أن أسجل شهادة للتاريخ ، وأقول إن الوجود المصري في اليمن قد ساهم إلى جانب مشاركتهم في الحرب في خلق نواة الإدارة لأول مرة في اليمن ، كما ساهم في انتشار التعليم الإعدادي والثانوي بمناهجه الحديثة ، وكان هذا عملاً تحديثياً وحضارياً ، كانت اليمن بحاجة إليه ، لأن التخلف كان شاملاً ومتمكناً من كل حياة اليمن .

    * من المآخذ التي كانت تؤخذ على الرئيس السلال حينها أنه اعتمد على المصريين إلى درجة أن البعض كان يقول إن القرار السياسي اليمني كان يتخذ في القاهرة وليس في صنعاء؟

    ـ هذا صحيح ؛ فالمشير عبدالله السلال اعتمد كثيراً على المصريين ، لكنني اعتقد أنه كان سياسياً واقعياً ؛ فقد كان يدرك أنه لولا التأييد المصري للثورة ؛ فإنها كانت سوف تسقط في عامها الأول أو الذي يليه .

    وبدون الوجود المصري ما كان للثورة اليمنية أن تستمر ، ولذلك كان البديل للوجود المصري هو تسوية مبكرة مع المملكة العربية السعودية ومع القبائل المحيطة بصنعاء وهذا ما حدث بعد ذلك وجميعنا يعرف نتائجه .

    * هل كان السلال إذن يعتقد أن القبائل المحيطة بصنعاء كانت السبب في وقوع عدد من الانتكاسات للثورة .. هل كان السلال يستعدي القبائل بدرجة رئيسية ؟

    ـ أنا أعتقد أن هذا الأمر كان يعبر عن حالة واقعية ، وإذا عدت إلى تاريخ اليمن ، منذ ألف عام ؛ فستجد أن القبائل كانت تصعد إماماً وتسقط آخر طبقاً للمصالح .

    وقد لعبت القبائل دوراً كبيراً في عدم الاستقرار ، وحالت دون أن تنتقل السلطة سلمياً في أي وقت من الأوقات ، وكانت الغنيمة هي الأساس في كل ما حصل ، وما حدث بعد الثورة لم يكن استثناءً لهذه القاعدة ، إلا من حيث وقوف بعض القبائل إلى جانب الثورة ، فمثلاً قبيلة حاشد وقفت إلى جانب الثورة ، لأن الإمام كان قد قتل مشائخها وأعدم حسين بن ناصر الأحمر وأخيه حميد ، أما بقية القبائل ؛ فقد كانت ذات مواقف متنقلة بحسب المصلحة وبحسب تأثير المشائخ ، وبحسب الظروف القائمة .

    بمعنى آخر لم تكن القبائل تحارب عن عقيدة أو عن اقتناع لا مع الإمام ولا مع معارضيه طوال التاريخ .

    اغتيال عبد الفتاح

    * ما قصة عبدالفتاح إسماعيل في صنعاء ، قيل إنكم قمتم بإنقاذه من محاولة اغتيال كانت تستهدف حياته ؟

    ـ كان عبد الفتاح إسماعيل قد اعتقلته المخابرات المصرية ، كما اعتقلت إلى جانبه أنور خالد ، الذي كان يومها رئيس مؤتمر الخريجين وأحد زعماء الجبهة القومية ، وتم إيصالهما إلى صنعاء وأودعا الأمن المركزي كمعتقلين ، وكان حينها المرحوم علي الواسعي قائداً لقوات الأمن المركزي ؛ فيما كان حسين الدفعي وزيراً للداخلية .

    وكانت حياة عبدالفتاح إسماعيل وأنور خالد معرضة للخطر ، على الرغم من أن حكومة السلال وفيها عبدالغني علي ، الله يرحمه ومجموعة من أعضاء الاتحاد الشعبي كانت تتعاطف مع عبدالفتاح إسماعيل ، غير أن القوات المصرية كانت ضده ، وكان أنصار جبهة التحرير حينذاك يتواجدون في صنعاء .

    في تلك الفترة تم تكليفنا من حركة القوميين العرب بحراسة عبدالفتاح إسماعيل وأنور خالد ، وقد كنا نقوم بحراستهما ونحن بملابسنا العسكرية ، وكنا قد نسقنا مع الأخ علي الواسعي ليمكننا من الجلوس والخروج معهما عندما يرغبان في الذهاب إلى أي مكان ، وعلى ما أذكر ؛ فإن من بين الذين تولوا هذه المهمة الأخ محمد عبدالسلام منصور وناصر السعيد .

    وذات يوم تعرض عبدالفتاح إسماعيل لوعكة صحية ، وتم نقله إلى المستشفى ، ولاحظنا أن إحدى السيارات كانت تطاردنا في الطريق وتراقب حركاتنا ، وعلى ما أتذكر فقد نزلنا يومها في أحد الفنادق القريبة من شارع جمال عبدالناصر ، وبعد لحظات جاءت مجموعة مسلحة ، وبدأوا يسألون عن عبدالفتاح إسماعيل ، وكان واضحاً أنهم يستهدفون اغتياله مع أنور خالد ؛ فانتصبنا ونحن بملابسنا العسكرية وقلنا لهم إننا مرافقون رسميون مع هؤلاء ، وأشرنا إلى عبدالفتاح إسماعيل بالهروب من الباب الآخر للفندق ، ثم عدنا إلى الأمن المركزي .

    * هل كانت لكم صلة مباشرة بعبدالفتاح إسماعيل قبل ذلك ؟

    ـ لا ، نحن تعرفنا عليه في السجن ، لكن حركة القوميين العرب وقيادتها في صنعاء من بينهم عبدالحافظ قائد ، سلطان أحمد عمر ، أحمد قاسم دماج ، علي سيف مقبل ، عبدالقادر سعيد هادي ، عبدالرحمن محمد سعيد ومالك الإرياني كانوا على صلة بالموضوع وبمشكلة عبدالفتاح إسماعيل .

    وكان كثير من المثقفين اليمنيين يزورون عبدالفتاح إسماعيل في سجنه بصنعاء ، ويدافعون عنه ، وقد أدى هذا كله في النهاية إلى إطلاق سراحه ورفيقه أنور خالد ، وقد أثنت حركة القوميين العرب على دورنا في هذه المهمة ، واعتبرته دوراً ممتازاً ، لأننا أفشلنا خطة مؤكدة لاغتيال عبدا لفتاح إسماعيل ، الذي كان يومها واحداً من أهم رموز الثورة في الجنوب ، لكن هذه المهمة كانت قد كشفت نشاطنا السياسي بشكل أكبر .

    * لكن ماهي خلفية إعتقال عبدالفتاح إسماعيل وفي صنعاء بالذات ؟

    ـ في الحقيقة هو لم يعتقل في صنعاء ، بل في منطقة قريبة من ماوية بمحافظة تعز ، وقد أتت به المخابرات المصرية إلى صنعاء باعتبارها العاصمة بهدف التحقيق معه في قضية المرحوم علي حسين القاضي ، وكانت القوات المصرية تدرك أن هناك خلافاً بين الجبهة القومية وجبهة التحرير ، كما كانت المخابرات المصرية قد وجدت مسدساً يحمل رقماً مسجل باسم شخص في الجبهة القومية .

    وكان قد ألقي بعد ذلك على المرحوم فيصل عبداللطيف الشعبي الذي كان المؤسس الأول لحركة القوميين العرب والقائد البارز في الجبهة القومية ، حيث قبض عليه في أطراف محافظة لحج ، ثم أرسل إلى القاهرة ، وكانت سياسة اعتقال قادة الجبهة القومية ومضايقتهم سياسة متبعة في تلك الأيام من قبل القوات المصرية .

    وقد حاولت حركة القوميين العرب حل هذا الموضوع بالتفاوض مع عبدالناصر ، لكن النجاح كان محدوداً ، إذ لم يكن هناك إمكانية للجمع بين الطرفين .

    * بالنسبة إلى عبدالفتاح إسماعيل ، إلى أين عاد بعد الإفراج عنه في صنعاء ؟

    ـ أعتقد أنه سافر بعدها إلى الخارج وتحديداً إلى المجر ، ثم عاد بعد ذلك وعند نشوب الحرب الأهلية في عدن قبل الاستقلال كان متواجداً في مدينة الإسكندرية بمصر ، وقد عين بعد ذلك عضواً في الوفد الذي قاد مفاوضات الاستقلال مع الوفد الإنجليزي في جنيف .

    الإنقلاب ضد السلال

    * كيف جاء إنقلاب 5 نوفمبر 1967 الذي أطاح بالرئيس السلال وجاء بالقاضي عبدالرحمن الإرياني رئيساً جديداً ؟

    ـ كانت هناك معارضة دائمة لعدد من الشخصيات اليمنية ضد السلال تضم بعثيين ويساريين وشيوخ قبائل ، وعلى رأس هؤلاء القاضي الإرياني والزبيري والنعمان ، وبعد ذلك جاءت تطورات كثيرة ، كان من ضمنها اتفاقية السلام مع السعودية ومؤتمر حرض ، وكانت هناك محاولات لحل المشكلة اليمنية ، لكنها لم تنجح ؛ فاضطربت العلاقة بين مصر واليمن من جديد ، وكانت مصر يومها قد اقتنعت بسحب المشير السلال إلى القاهرة ، فذهب الأخير إلى هناك وتولى محمد الرعيني وبعده العمري القيادة هنا في صنعاء ، لكن المصريين أعادوا السلال إلى اليمن عام 1966 ، وكانت الحكومة بطبيعة الحال مكونة من معارضي السلال وبرئاسة العمري .

    ومن الطريف أن أعضاء الحكومة ذهبوا إلى مصر مع مجموعة من ضباط الجيش في محاولة لطرح المشكلة على الرئيس جمال عبدالناصر فصدرت الأوامر باعتقالهم جميعاً في القاهرة ، بمن فيهم النعمان ، باستثناء القاضي عبدالرحمن الإرياني الذي أنزل في منزل خاص ، فيما قبع الجميع في زنازن السجون ، وكان هذا خطأ سياسياً فادحاً يخلو من الذكاء السياسي ومن الفطنة ولا معنى له .

    طبعاً في حكومة السلال التي تشكلت بعد ذلك حصلت مقاومة ، وبعد هذه المقاومة جرت محاكمات وإعدامات ، ومن ضمن الذين أعدموا المرحوم محمد الرعيني وهادي عيسى ، وآخرين ، وكان هذا جزءاً من الصراع الذي كان دائراً داخل الصف الجمهوري نفسه .

    بعد هزيمة حزيران 1967 رحلت القوات المصرية من اليمن ، وكانت سبقت إنقلاب 5 نوفمبر 1967 في صنعاء مظاهرات في شهر أكتوبر ضد السلال .

    وفي مؤتمر القمة الذي عقد في الخرطوم عقب هزيمة 1967 اتفق الطرفان المصري والسعودي على انسحاب القوات المصرية من اليمن ، على أن توقف السعودية دعمها للملكيين ، وبعد ذلك تم إطلاق سراح المعتقلين في القاهرة وعادوا إلى اليمن .

    وبعد عودة الجميع إلى صنعاء قام الرئيس السلال بزيارة إلى العراق والاتحاد السوفيتي ، واصطحب معه نائبه اللواء عبدالله جزيلان ، وعندما ودع السلال مودعيه في مطار صنعاء قال لهم كلمات توحي بأنه ذاهب إلى العراق وأن الأمر متروك لهم ، وأن الجمهورية في أعناقهم .

    وكان العائدون من القاهرة قد أخذوا يعدون للانقلاب ضد السلال ، لأنه لم يعد هناك إمكانية للمصالحة بين الخصوم ، وهذا ما ينعكس في الواقع حتى اليوم .

    * هل كانت المصالحة ممكنة في ذلك الوقت بوجود ذلك التوتر بين السلال وخصومه ؟

    ـ كان بإمكان الأطراف كلها تشكيل ائتلاف لأنها كانت في مواجهة خطر خارجي ، وأن يتم تصالح وتفاهم واعتذار متبادل والعمل من أجل إنقاذ البلاد ، لكن للأسف كان موضوع الصراع على السلطة له الأولوية ، حيث بدأ التحضير والإعداد للانقلاب يجري بصورة علنية منذ منتصف شهر أكتوبر 1967.

    * أين وكيف كان دوركم في الأحداث التي أدت إلى الانقلاب على الرئيس عبدالله السلال في الخامس من نوفمبر 1967 ؟

    ـ قبل إنقلاب 5 نوفمبر 1967 كنا قد تخرجنا من كلية الشرطة ، ثم تم تعييننا كمدرسين في كلية الشرطة ، وكلفتنا حركة القوميين العرب بالنشاط في صفوف ضباط الشرطة والطلاب الملتحقين في الكلية ، وقد استطعنا كسب عشرات الضباط في الشرطة .

    وكان هناك عدد من الضباط المصريين يدرسون في الكلية ، ولاحظوا علينا هذا النشاط وبدأوا يتوجسون منه ويشكون بانضمامنا إلى حركة حزبية ما ، وكان الاتجاه المعمم في أوساط الوجود المصري في اليمن عسكريين ومدنيين على السواء هو مناهضة الحزبية ، وعندما أيقنت الاستخبارات المصرية واليمنية أننا منخرطون في حركة القوميين العرب ، رغم أن عملنا كان سرياً ، تم طردنا من كلية الشرطة .

    وصادف في تلك الفترة أن الخلاف بين حركة القوميين العرب ومصر أخذ يظهر بالتدريج بسبب الأوضاع السائدة في جنوب اليمن ، والاختلاف القائم بين جبهة التحرير والجبهة القومية ؛ فبينما كانت حركة القوميين العرب تؤيد الجبهة القومية ، كان بعض الأجهزة المصرية يتبنى جبهة التحرير ويعمل من أجل دمج الجبهة القومية بمنظمة التحرير لتكوين ما عرف بعد ذلك بـ " جبهة التحرير " .

    وكانت الكوادر الأساسية في الجبهة القومية وفرع الحركة في صنعاء تعارض مثل هذا الدمج وتعتقد أن الجبهة القومية هي صاحبة السبق في الكفاح المسلح ، وينبغي لها أن تستمر ، ومن هنا بدأت الشكوك تحيط بنا ؛ فتم إبعادنا من سلك الشرطة إلى التموين المدني ، ولكننا لم نعمل في التموين ، لأنه كان مغلقاً ، ولم يكن هناك موظفين ولا مكاتب للعمل ، وكان يديره حينها الأستاذ علي السنيدار رحمه الله لوحده .

    وبعد فترة من الوقت ووساطات عديدة عدنا إلى كلية الشرطة وساهمنا في حرب بني حشيش ، حيث كنا من الضباط الذين خرجوا إلى هناك وأقمنا معسكراً لفترة ، ثم عدنا من جديد إلى صنعاء وفصلنا من الشرطة من جديد .

    * لكن ما هي تلك النشاطات السياسية التي كنتم تقومون بها التي دفعت بالسلطات إلى فصلكم من الشرطة ؟

    ـ كانت هناك نشاطات كثيرة كلفتنا بها حركة القوميين العرب ، كما أننا كنا نبادر أحياناً بنشاطات أخرى ، وقد ساهم كل ذلك في إلقاء الأضواء على تحزبنا أو على الأقل وضع علامات استفهام حول ذلك ، حيث كان يفترض أننا كضباط في الشرطة عدم القيام بأية أعمال ذات طابع سياسي .

    لقد كنا ، خلافاً لذلك ، نشارك في المظاهرات المختلفة ، وفي كثير من الأحيان كنا نخرج بملابس مدنية للمشاركة في هذه المظاهرات ، وكانت هذه المظاهرات تناصر بالطبع النظام الجمهوري والرئيس السلال في مواجهة خصومه ومعارضيه ، كما كنا نتبنى قضية الجبهة القومية في كل المحافل ، وكنا نبدو كمجموعة متجانسة من خلال خطابنا السياسي وعلاقتنا الاجتماعية بالناس .

    وقد أكدت هذه النشاطات المنظمة أن مجموعة حركة القوميين العرب كانت تضم أناساً غير عاديين ، ولهذا تم التصدي لهذه النشاطات .
    * أين كانت حركة القوميين العرب التي تنتمون إليها من هذه التطورات العاصفة ؟
    ـ حركة القوميين العرب كانت ضد الانقلاب على السلال فقد كان الشباب المؤيد لمصر والناصريين ، وبالذات في محافظة تعز معارضين للانقلاب ، واتحاد الشعب الديمقراطي كان يعارض هذا الانقلاب، لكن البعث وبقية القوى السياسية وبعض الضباط والمشائخ، كانوا مؤيدين للانقلاب على السلال.

    وأذكر أننا في حركة القوميين العرب ناقشنا هذا الموضوع عند إبلاغنا بموعد الانقلاب بيوم واحد وبأنه صار أمراً محتماً لا مفر منه ، وقد عرفنا ذلك من خلال مجموعة من الضباط كانت تنتمي إلى الحركة ، حيث أصدروا لهم الأوامر بالاستعداد ؛ فاتخذنا قراراً بمقاومة الانقلاب ، وهذا الشيء يقال لأول مرة .

    * كيف اتخذ هذا القرار ؟

    ـ عقد اجتماع في منزل المرحوم علي قشعة في صنعاء ، وهو من أبناء صنعاء ، وكان عضواً قيادياً في حركة القوميين العرب واتخذ هذا القرار بحضور عدد من قادة الحركة ، أتذكر منهم عبدالله الأشطل ، مالك الإرياني ، أما عبدالحافظ قائد فقد كان يومها في الحديدة وسلطان أحمد عمر في عدن وعبدالقادر سعيد في تعز ، وقد اشترطنا في هذا الاجتماع لكي نقاوم الانقلاب أن يكون هناك استعداداً من قبل أنصار السلال للوقوف إلى جانبنا ، وهكذا قررنا الاتصال ببعض الشخصيات من المشائخ والضباط المناهضين للحركة الإنقلابية والمؤيدين للسلال .

    وكان من بين هؤلاء المرحوم مطيع دماج والمرحوم أحمد عبدربه العواضي والشيخ أمين أبو رأس عن طريق الأخ أحمد قاسم دماج ، كما قمنا بالاتصال بقائد الحرس الجمهوري العقيد القواس ، وأعطينا تعليمات لبعض الضباط المنتمين للحركة بمحاولة الوصول إلى بعض الوحدات العسكرية قبل أن يصل الإنقلابيون إليها .

    وكان القواس أبدى استعداده للعمل ، لكن الحرس الجمهوري كان قد تعرض للتفكك بعد ما اتصل مشائخ القبائل كل بأصحابه ، ولعب الشيخ أحمد علي المطري ، الله يرحمه ، دوراً كبيراً في الاتصال ببعض منتسبي الحرس من أبناء بني مطر ، كما جرى الاتصال أيضاً بالقواس ، وقال له إن المقاومة ستكون غير ناجحة .

    * من هي القوى التي نفذت الإنقلاب ضد السلال ؟

    ـ لقد كانت القوى التي نفذت الانقلاب ضد السلال مزيجاً من الثوار الجمهوريين والقوى التقليدية ومن الحزبيين أيضاً ، ولكنها غير متماسكة ، فما كان يجمعها في الإنقلاب هو الرغبة في عملية التخلص من السلال .

    كان الذين ينتمون إلى ثورة سبتمبر ومن ينضوي تحت لواء حزب البعث يرون في الإنقلاب نوعاً من أنواع التصحيح للثورة ، وسيخلق تماسكاً في الصف الجمهوري وستنفتح آفاقاً أكبر للتطور ، أما القوى التقليدية فكانت تريد أن تعود بالثورة إلى الوراء وأن تنتزع السلطة من أيدي القوى الحديثة والسيطرة على النظام ، بل والتخلص من الصف الجمهوري والحزبي في اقرب فرصة ، وهو ما حدث فعلاً بعد الإنقلاب .

    * لماذا تراجعتم في اللحظات الأخيرة عن مقاومة الإنقلاب ومساندة الرئيس السلال ؟

    ـ قبل الإنقلاب بساعات قليلة اجتمعنا في الساعة الحادية عشرة من مساء 4 نوفمبر ، واستعرضنا الوضع من جديد ومدى قدرة قواتنا التصدي للإنقلاب ومدى قدرة المشائخ المؤيدين للسلال إيصال بعض القبائل إلى صنعاء في الوقت المناسب ، فوجدنا الإمكانيات ضعيفة ، وأن الوقت كان قد تأخر ، خصوصاً بعد ما ذهب ناصر السعيد وعبدالكافي عمر إلى قوات المدرعات ووجدا الضباط المناوئين للسلال قد سبقوهم إلى نفس المكان .

    ولهذا اتخذنا قراراً عند الساعة الحادية عشرة والنصف بالامتناع عن مقاومة الإنقلاب ، والاكتفاء بمقاومته سياسياً ، كما قررنا أن يختفي بعض القادة البارزين حتى لا يتعرضوا للاعتقال.

    * وماذا بشأن المظاهرات التي سبقت الإنقلاب ؟

    ـ قمنا بتنظيم مظاهرة يوم الثالث من أكتوبر بهدف الدفاع عن الثورة وتأييد للرئيس السلال ، ولكن هذه المظاهرة كانت في الواقع قد ساهمت في إضعاف نظام السلال ومهدت لإنقلاب 5 نوفمبر 1967 ، سواءً أردنا ذلك أم لم نرد ، خصوصاً وأن المظاهرة أدت إلى تغيير الحكومة وإلى اعتقال بعض من أنصار السلال وبعض الضباط ، من ضمنهم عبدالقادر الخطري ومحاكمته بعد ذلك بتهمة إطلاق النار على المتظاهرين يوم 3 أكتوبر ، باعتباره كان يقود الأمن المركزي .

    ولكنني وشهادة للتأريخ ، أريد القول إن العقيد الخطري لم يطلق النار على المتظاهرين إطلاقاً ، وأنه قد حكم عليه ظلماً ، لأن الخطري كان محسوباً على المصريين ، وكان قد دخل في صراعات مع بقية الجماعات ، ولذلك اعتقل وحوكم بتهمة التصدي للمتظاهرين وإطلاق النار عليهم.

    * هل قامت حركة القوميين العرب باتصالات مع الرئيس السلال وإبلاغه وقوفها إلى جانبه ؟

    ـ لا ، لم تقم الحركة بذلك ، لأن السلال كان في زيارة إلى بغداد ، وكان الاتصال به غير ممكن ، وقد كان آخر لقاء للحركة بالرئيس السلال في 3 أكتوبر ، ويومها قابلنا السلال وتحدثنا معه حول الأوضاع ، وفي نفس اليوم أقال الحكومة وعين حكومة جديدة .

    ونحن وإن ساهمنا في مظاهرة أكتوبر بنوايا حسنة ، لكن موضوعياً أدت هذه المظاهرة إلى التسريع بوقوع الإنقلاب ضد السلال .

    * ما رأيكم بالتهم الموجهة إلى الرئيس السلال بأنه قام بمعاونة المصريين بتصفية الكثير من العناصر الثورية ؟

    ـ أنا لا أتصور أن الرئيس السلال يتحمل مسؤولية في هذا المجال ، لقد كانت الحرب تؤدي تلقائياً إلى ممارسة العنف هنا وهناك ؛ فالصراع بين الملكيين والجمهوريين حصد عشرات الألوف من الضحايا ، كما أن الصراع داخل النظام الجمهوري قد أدى إلى سقوط ضحايا أيضاً ، وقد ألحقت هذه الصراعات باليمن ضرراً بالغاً وأوقفت عملية التنمية وسخرنا كل جهودنا

    لصراع السياسي العنيف ، ولو لم نفعل ذلك لكانت حياتنا اليوم افضل.
    [/color]
    --------------------------------------------------------------------------------
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-06-26
  11. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الثاني
    الزحف السياسي
    [/color]

    [color=0000FF]زيارة جمال عبدالناصر لليمن

    جارالله في عهد السلال

    اغتيال عبد الفتاح

    الإنقلاب ضد السلال

    * كيف اتخذتم قرار الإنقلاب ؟[/color]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]في حركة القوميين العرب

    * خلال هذا الفترة بدأ النشاط السياسي يزحف تدريجياً على المجتمع ، أين كان جارالله عمر من ذلك ؟

    ـ بعد الثورة مباشرة بدأ نشاط حركة القوميين العرب والبعث ينتشر بين الشباب والجيل الجديد ، حيث أخذ بعض زملائنا في المدرسة من المتقدمين الذين لهم صلة بحركة القوميين العرب والبعث يتسابق لكسبنا ، وكان أول من اتصل بنا هو الدكتور محمد عبدالملك العلفي ، بالإضافة إلى الأستاذ أحمد العماد ، كما كان هناك من يوزع كتب الأخوان المسلمين بالذات كتابات محمد قطب وسيد قطب .

    وشخصياً اتصل بي الأخ محمد محرم ، وهو عميد حالياً في الجيش ، وأخبرني أن هناك تنظيماً باسم حركة القوميين العرب ، وأنه منتشر في كل الساحة اليمنية ، وأفكاره قومية عربية وحدوية ، ولأن الناصرية كان لها صدى كبيراً وكان لصوت العرب تأثيراً كبيراً علينا فضلنا الانتماء إلى حركة القوميين العرب ، وكان أول شخص أقابله من المدنيين هو الأخ مالك الإرياني ، حيث سلمني له الأخ محمد محرم ، والذي بدوره سلمني إلى الأستاذ عبدالحافظ قائد رحمه الله .

    كان ذلك في نفس عام الثورة 1962 ، وقد انتظمت في حلقة حزبية مع عدد من الأخوة مثل الدكتور محمد عبدالجبار سلام ومحمد الفضلي وأحمد عبدالله الآنسي ، حيث كونا حلقة حزبية ، وهذا الشيء كان بالنسبة لنا شيئاً جديداً ومهماً ، فقد كان يشعرنا بالتميز ، لأننا شيء مختلف عن الناس العاديين ، وكانت حركة القوميين العرب تتبنى الدعوة إلى الوحدة القومية وعملية الدفاع عن الثورة في اليمن .

    وقد استمر هذا الوضع فترة من الوقت ، وبدأنا بكسب زملاء جدد في المدرسة الإعدادية ومن زملائنا في المدرسة الثانوية ، ومن بين الناس الذين اتصلنا بهم عبدالرزاق الرقيحي ، الله يرحمه ، والمحامي أحمد الوادعي واحمد الشبيبي .

    وأثناء ذلك كنا قد حاولنا إقامة اتحاد للطلبة ، وهو أول اتحاد للطلبة في صنعاء ، حيث شارك في ذلك العديد من الأخوة من ضمنهم الأخ محمد الطيب ، أحمد الوادعي ، علي صلاح ، أحمد الشبيبي ، صالح الدوشان وحمود الأشول وعدد كبير أيضاً .

    وقد استغللنا فرصة تواجدنا في الاتحاد وعملنا على توسيع نشاطنا في أوساط الطلاب لكسب أعضاء جدد إلى حركة القوميين العرب ، وبعدها بفترة فتحت كليات عسكرية وشرطوية ، وكان البعث والبعض من مسؤولي حركة القوميين العرب يتسابقون على استقطاب الطلاب وإلحاقهم بالكليات العسكرية .

    وبالنسبة لنا أصدرت إلينا حركة القوميين العرب الأوامر للالتحاق بإحدى الكليتين إما الكلية العسكرية أو كلية الشرطة ، فاخترت أنا وأحمد الآنسي ومحمد الفضلي كلية الشرطة ، وانخرطنا في الكلية عام 1965 ؛ فيما أنخرط آخرون مثل الزميل محمد محرم في الكلية العسكرية .

    خلال عام ونصف درسنا على أيدي الخبراء المصريين منهجاً شرطوياً ، مثل العلوم القانونية ، القانون الدستوري ، القانون المدني وقانون الإجراءات ، بالإضافة إلى بعض المواد الشرطوية ، وخلال الترم الأول تم اختيارنا وكنت متفوقاً فيه ، ولذلك تم ترقيتي إلى رتبة طالب صف ضابط وتوليت قيادة إحدى السرايا ، إلى جانب حمود زيد عيسى ، الذي كان الأول في دفعتنا وعبدالله صبرة وعيدروس السقاف وآخرين .

    * هل شهدت هذه الفترة أحداثاً هامة ؟

    ـ من الأحداث الهامة التي حصلت أثناء دراستنا في كلية الشرطة كانت زيارة الرئيس جمال عبدالناصر لمدينة صنعاء عام 1965 ، وقد خرج طلاب الكليات لاستقباله ، وقد اصطففنا في ميدان التحرير لاستقباله ، حيث ألقى يومها خطابه الشهير ، ثم ألقى الأستاذ محمد محمود الزبيري كلمته ، وأتى بعد ذلك الأستاذ عبدالله البردوني الذي ألقى قصيدة شعرية حماسية ، كان من ضمن أبياتها لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم تقول :

    من جمال ومن أسمى جمالا معجزات من الهدى تتوالى

    وشموخاً يسمو على كل فكر وكل قمة يتعالى

    يا لصوص العروش عيبوا جمال واخجلوا إنكم قصرتم وطال

    لقد حفظنا هذه الأبيات وشدت معنوياتنا كثيراً ، وفي غضون دراستنا كانت صنعاء تشهد بعض التفجيرات وأعمال العنف المتفرقة ، كما كان الحصار يشتد من حولها بين حين وآخر، وكان القتال مشتعلاً بين القوات المصرية والجيش اليمني من جانب والقوات الملكية المؤيدة للإمام من جانب آخر ، وكنا نكلف بين حين وآخر بحراسة شوارع العاصمة ليلاً .

    * هل حدثت خلال هذه السنوات بعض الأعمال الانتقامية بعد اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962 ؟

    ـ حصلت أعمال عنف وعمليات قتل كثيرة طالت بعض أنصار الإمام ، وبسبب الأوضاع التي تحملها أية ثورة ، قتل الكثير من الوزراء والمسؤولين في عهد الإمام منذ الأيام الأول للثورة ، وبعضهم كان لا يستحق الإعدام ، ولكن الثورة دائماً ، تكون أشبه بسيل تجرف ما أمامها .

    واليوم ينظر الإنسان إلى تلك الإعدامات بشيء من الأسف ، بل وينظر بأسف إلى كل الآثار التي ترتبت على أعمال العنف التي صاحبت الثورة ، لكن منهج العنف كان سائداً في اليمن من قبل الثورة ومن بعدها ، سواء من قبل الإمامة أو من قبل الثوار .

    * كيف وجدتم المجتمع اليمني بعد إعلان الثورة والقضاء على الإمامة .. هل كان هناك أنصار للإمامة ؟

    ـ كان الشباب المتعلم والمنخرط في الأحزاب السياسية يقف إلى جانب الثورة ، ولكن كان هناك قسماً كبيراً من أبناء صنعاء وفي خارجها يؤيد الإمام ولا يرحب بالثورة ، وفي الحقيقة كان هناك إنقساماً حقيقياً في المجتمع ، وإن كان يختلف من منطقة إلى أخرى ، حيث كان التأييد للثورة كبيراً في مناطق تعز وعدن والمناطق الوسطى والمناطق الشرقية ، لكن المناطق المحيطة بصنعاء كان التأييد للثورة يقتصر على بعض أبناء المشايخ ، الذين كانوا قد دخلوا في صدام مع الإمام ، حيث ساهم بعضهم في الثورة ، بالإضافة إلى بعض الضباط الذين انخرطوا في الجيش .

    أما سائر المواطنين في المناطق الشمالية ، وحتى بعض المواطنين في المناطق الوسطى لم يكونوا يؤيدون الثورة بصورة تلقائية ، لكن الأمور كانت تتغير بين يوم وآخر .

    * ما شهادتكم عن عهد الرئيس عبد الله السلال ؟

    ـ المشير عبدالله السلال كان رجلاً عسكرياً وطبيب القلب وتلقائياً ، كما كان مخلصاً للثورة ، واضطلع بأعباء كبيرة أثناء الحرب الأهلية وقيادة المعارك ، وكان يتمتع برباطة جأش ، لأن المعارك كانت مستعرة في كل مكان تقريباً ، ولا أظن أحداً كان يستطيع القيام بالدور الذي قام به السلال ، لأن الحروب والمعارك ضد الملكيين كانت هي القضية الأساسية ، إذ لم يكن هناك في الحقيقة أية اهتمامات أخرى لا في مضمار التنمية ولا في أية مجالات أخرى .

    وبطبيعة الحال ؛ فقد بدأت تظهر بعد عام أو عام ونصف من قيام ثورة 26 سبتمبر إنقسامات داخل الصف الجمهوري ، وكان العديد من شيوخ القبائل والسياسيين يعارض سياسة المشير السلال ، غير أننا في حركة القوميين العرب كنا مناصرين للسلال وللوجود المصري في اليمن ، وقد شاركنا تحت قيادة الحركة في العديد من المظاهرات المؤيدة للرئيس السلال والمصريين .

    كان العديد من السياسيين وبالذات الذين لهم صلة بالبعث يعارضون السلال ، بالإضافة إلى بعض الأحرار القدامى ، مثل الشهيد محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان وعبدالرحمن الإرياني ، وقد كان خلاف الرئيس جمال عبدالناصر مع البعث في سوريا والعراق تلقي بظلالها على الأوضاع في اليمن ، كما أنه كانت هناك أخطاء يرتكبها بعض الضباط المصريين في أدائهم اليومي من خلال التدخل في تفاصيل الحياة اليومية ، وهذه كانت تؤثر سلباً على وحدة الصف الجمهوري .

    لكنني أريد هنا أن أسجل شهادة للتاريخ ، وأقول إن الوجود المصري في اليمن قد ساهم إلى جانب مشاركتهم في الحرب في خلق نواة الإدارة لأول مرة في اليمن ، كما ساهم في انتشار التعليم الإعدادي والثانوي بمناهجه الحديثة ، وكان هذا عملاً تحديثياً وحضارياً ، كانت اليمن بحاجة إليه ، لأن التخلف كان شاملاً ومتمكناً من كل حياة اليمن .

    * من المآخذ التي كانت تؤخذ على الرئيس السلال حينها أنه اعتمد على المصريين إلى درجة أن البعض كان يقول إن القرار السياسي اليمني كان يتخذ في القاهرة وليس في صنعاء؟

    ـ هذا صحيح ؛ فالمشير عبدالله السلال اعتمد كثيراً على المصريين ، لكنني اعتقد أنه كان سياسياً واقعياً ؛ فقد كان يدرك أنه لولا التأييد المصري للثورة ؛ فإنها كانت سوف تسقط في عامها الأول أو الذي يليه .

    وبدون الوجود المصري ما كان للثورة اليمنية أن تستمر ، ولذلك كان البديل للوجود المصري هو تسوية مبكرة مع المملكة العربية السعودية ومع القبائل المحيطة بصنعاء وهذا ما حدث بعد ذلك وجميعنا يعرف نتائجه .

    * هل كان السلال إذن يعتقد أن القبائل المحيطة بصنعاء كانت السبب في وقوع عدد من الانتكاسات للثورة .. هل كان السلال يستعدي القبائل بدرجة رئيسية ؟

    ـ أنا أعتقد أن هذا الأمر كان يعبر عن حالة واقعية ، وإذا عدت إلى تاريخ اليمن ، منذ ألف عام ؛ فستجد أن القبائل كانت تصعد إماماً وتسقط آخر طبقاً للمصالح .

    وقد لعبت القبائل دوراً كبيراً في عدم الاستقرار ، وحالت دون أن تنتقل السلطة سلمياً في أي وقت من الأوقات ، وكانت الغنيمة هي الأساس في كل ما حصل ، وما حدث بعد الثورة لم يكن استثناءً لهذه القاعدة ، إلا من حيث وقوف بعض القبائل إلى جانب الثورة ، فمثلاً قبيلة حاشد وقفت إلى جانب الثورة ، لأن الإمام كان قد قتل مشائخها وأعدم حسين بن ناصر الأحمر وأخيه حميد ، أما بقية القبائل ؛ فقد كانت ذات مواقف متنقلة بحسب المصلحة وبحسب تأثير المشائخ ، وبحسب الظروف القائمة .

    بمعنى آخر لم تكن القبائل تحارب عن عقيدة أو عن اقتناع لا مع الإمام ولا مع معارضيه طوال التاريخ .

    اغتيال عبد الفتاح

    * ما قصة عبدالفتاح إسماعيل في صنعاء ، قيل إنكم قمتم بإنقاذه من محاولة اغتيال كانت تستهدف حياته ؟

    ـ كان عبد الفتاح إسماعيل قد اعتقلته المخابرات المصرية ، كما اعتقلت إلى جانبه أنور خالد ، الذي كان يومها رئيس مؤتمر الخريجين وأحد زعماء الجبهة القومية ، وتم إيصالهما إلى صنعاء وأودعا الأمن المركزي كمعتقلين ، وكان حينها المرحوم علي الواسعي قائداً لقوات الأمن المركزي ؛ فيما كان حسين الدفعي وزيراً للداخلية .

    وكانت حياة عبدالفتاح إسماعيل وأنور خالد معرضة للخطر ، على الرغم من أن حكومة السلال وفيها عبدالغني علي ، الله يرحمه ومجموعة من أعضاء الاتحاد الشعبي كانت تتعاطف مع عبدالفتاح إسماعيل ، غير أن القوات المصرية كانت ضده ، وكان أنصار جبهة التحرير حينذاك يتواجدون في صنعاء .

    في تلك الفترة تم تكليفنا من حركة القوميين العرب بحراسة عبدالفتاح إسماعيل وأنور خالد ، وقد كنا نقوم بحراستهما ونحن بملابسنا العسكرية ، وكنا قد نسقنا مع الأخ علي الواسعي ليمكننا من الجلوس والخروج معهما عندما يرغبان في الذهاب إلى أي مكان ، وعلى ما أذكر ؛ فإن من بين الذين تولوا هذه المهمة الأخ محمد عبدالسلام منصور وناصر السعيد .

    وذات يوم تعرض عبدالفتاح إسماعيل لوعكة صحية ، وتم نقله إلى المستشفى ، ولاحظنا أن إحدى السيارات كانت تطاردنا في الطريق وتراقب حركاتنا ، وعلى ما أتذكر فقد نزلنا يومها في أحد الفنادق القريبة من شارع جمال عبدالناصر ، وبعد لحظات جاءت مجموعة مسلحة ، وبدأوا يسألون عن عبدالفتاح إسماعيل ، وكان واضحاً أنهم يستهدفون اغتياله مع أنور خالد ؛ فانتصبنا ونحن بملابسنا العسكرية وقلنا لهم إننا مرافقون رسميون مع هؤلاء ، وأشرنا إلى عبدالفتاح إسماعيل بالهروب من الباب الآخر للفندق ، ثم عدنا إلى الأمن المركزي .

    * هل كانت لكم صلة مباشرة بعبدالفتاح إسماعيل قبل ذلك ؟

    ـ لا ، نحن تعرفنا عليه في السجن ، لكن حركة القوميين العرب وقيادتها في صنعاء من بينهم عبدالحافظ قائد ، سلطان أحمد عمر ، أحمد قاسم دماج ، علي سيف مقبل ، عبدالقادر سعيد هادي ، عبدالرحمن محمد سعيد ومالك الإرياني كانوا على صلة بالموضوع وبمشكلة عبدالفتاح إسماعيل .

    وكان كثير من المثقفين اليمنيين يزورون عبدالفتاح إسماعيل في سجنه بصنعاء ، ويدافعون عنه ، وقد أدى هذا كله في النهاية إلى إطلاق سراحه ورفيقه أنور خالد ، وقد أثنت حركة القوميين العرب على دورنا في هذه المهمة ، واعتبرته دوراً ممتازاً ، لأننا أفشلنا خطة مؤكدة لاغتيال عبدا لفتاح إسماعيل ، الذي كان يومها واحداً من أهم رموز الثورة في الجنوب ، لكن هذه المهمة كانت قد كشفت نشاطنا السياسي بشكل أكبر .

    * لكن ماهي خلفية إعتقال عبدالفتاح إسماعيل وفي صنعاء بالذات ؟

    ـ في الحقيقة هو لم يعتقل في صنعاء ، بل في منطقة قريبة من ماوية بمحافظة تعز ، وقد أتت به المخابرات المصرية إلى صنعاء باعتبارها العاصمة بهدف التحقيق معه في قضية المرحوم علي حسين القاضي ، وكانت القوات المصرية تدرك أن هناك خلافاً بين الجبهة القومية وجبهة التحرير ، كما كانت المخابرات المصرية قد وجدت مسدساً يحمل رقماً مسجل باسم شخص في الجبهة القومية .

    وكان قد ألقي بعد ذلك على المرحوم فيصل عبداللطيف الشعبي الذي كان المؤسس الأول لحركة القوميين العرب والقائد البارز في الجبهة القومية ، حيث قبض عليه في أطراف محافظة لحج ، ثم أرسل إلى القاهرة ، وكانت سياسة اعتقال قادة الجبهة القومية ومضايقتهم سياسة متبعة في تلك الأيام من قبل القوات المصرية .

    وقد حاولت حركة القوميين العرب حل هذا الموضوع بالتفاوض مع عبدالناصر ، لكن النجاح كان محدوداً ، إذ لم يكن هناك إمكانية للجمع بين الطرفين .

    * بالنسبة إلى عبدالفتاح إسماعيل ، إلى أين عاد بعد الإفراج عنه في صنعاء ؟

    ـ أعتقد أنه سافر بعدها إلى الخارج وتحديداً إلى المجر ، ثم عاد بعد ذلك وعند نشوب الحرب الأهلية في عدن قبل الاستقلال كان متواجداً في مدينة الإسكندرية بمصر ، وقد عين بعد ذلك عضواً في الوفد الذي قاد مفاوضات الاستقلال مع الوفد الإنجليزي في جنيف .

    الإنقلاب ضد السلال

    * كيف جاء إنقلاب 5 نوفمبر 1967 الذي أطاح بالرئيس السلال وجاء بالقاضي عبدالرحمن الإرياني رئيساً جديداً ؟

    ـ كانت هناك معارضة دائمة لعدد من الشخصيات اليمنية ضد السلال تضم بعثيين ويساريين وشيوخ قبائل ، وعلى رأس هؤلاء القاضي الإرياني والزبيري والنعمان ، وبعد ذلك جاءت تطورات كثيرة ، كان من ضمنها اتفاقية السلام مع السعودية ومؤتمر حرض ، وكانت هناك محاولات لحل المشكلة اليمنية ، لكنها لم تنجح ؛ فاضطربت العلاقة بين مصر واليمن من جديد ، وكانت مصر يومها قد اقتنعت بسحب المشير السلال إلى القاهرة ، فذهب الأخير إلى هناك وتولى محمد الرعيني وبعده العمري القيادة هنا في صنعاء ، لكن المصريين أعادوا السلال إلى اليمن عام 1966 ، وكانت الحكومة بطبيعة الحال مكونة من معارضي السلال وبرئاسة العمري .

    ومن الطريف أن أعضاء الحكومة ذهبوا إلى مصر مع مجموعة من ضباط الجيش في محاولة لطرح المشكلة على الرئيس جمال عبدالناصر فصدرت الأوامر باعتقالهم جميعاً في القاهرة ، بمن فيهم النعمان ، باستثناء القاضي عبدالرحمن الإرياني الذي أنزل في منزل خاص ، فيما قبع الجميع في زنازن السجون ، وكان هذا خطأ سياسياً فادحاً يخلو من الذكاء السياسي ومن الفطنة ولا معنى له .

    طبعاً في حكومة السلال التي تشكلت بعد ذلك حصلت مقاومة ، وبعد هذه المقاومة جرت محاكمات وإعدامات ، ومن ضمن الذين أعدموا المرحوم محمد الرعيني وهادي عيسى ، وآخرين ، وكان هذا جزءاً من الصراع الذي كان دائراً داخل الصف الجمهوري نفسه .

    بعد هزيمة حزيران 1967 رحلت القوات المصرية من اليمن ، وكانت سبقت إنقلاب 5 نوفمبر 1967 في صنعاء مظاهرات في شهر أكتوبر ضد السلال .

    وفي مؤتمر القمة الذي عقد في الخرطوم عقب هزيمة 1967 اتفق الطرفان المصري والسعودي على انسحاب القوات المصرية من اليمن ، على أن توقف السعودية دعمها للملكيين ، وبعد ذلك تم إطلاق سراح المعتقلين في القاهرة وعادوا إلى اليمن .

    وبعد عودة الجميع إلى صنعاء قام الرئيس السلال بزيارة إلى العراق والاتحاد السوفيتي ، واصطحب معه نائبه اللواء عبدالله جزيلان ، وعندما ودع السلال مودعيه في مطار صنعاء قال لهم كلمات توحي بأنه ذاهب إلى العراق وأن الأمر متروك لهم ، وأن الجمهورية في أعناقهم .

    وكان العائدون من القاهرة قد أخذوا يعدون للانقلاب ضد السلال ، لأنه لم يعد هناك إمكانية للمصالحة بين الخصوم ، وهذا ما ينعكس في الواقع حتى اليوم .

    * هل كانت المصالحة ممكنة في ذلك الوقت بوجود ذلك التوتر بين السلال وخصومه ؟

    ـ كان بإمكان الأطراف كلها تشكيل ائتلاف لأنها كانت في مواجهة خطر خارجي ، وأن يتم تصالح وتفاهم واعتذار متبادل والعمل من أجل إنقاذ البلاد ، لكن للأسف كان موضوع الصراع على السلطة له الأولوية ، حيث بدأ التحضير والإعداد للانقلاب يجري بصورة علنية منذ منتصف شهر أكتوبر 1967.

    * أين وكيف كان دوركم في الأحداث التي أدت إلى الانقلاب على الرئيس عبدالله السلال في الخامس من نوفمبر 1967 ؟

    ـ قبل إنقلاب 5 نوفمبر 1967 كنا قد تخرجنا من كلية الشرطة ، ثم تم تعييننا كمدرسين في كلية الشرطة ، وكلفتنا حركة القوميين العرب بالنشاط في صفوف ضباط الشرطة والطلاب الملتحقين في الكلية ، وقد استطعنا كسب عشرات الضباط في الشرطة .

    وكان هناك عدد من الضباط المصريين يدرسون في الكلية ، ولاحظوا علينا هذا النشاط وبدأوا يتوجسون منه ويشكون بانضمامنا إلى حركة حزبية ما ، وكان الاتجاه المعمم في أوساط الوجود المصري في اليمن عسكريين ومدنيين على السواء هو مناهضة الحزبية ، وعندما أيقنت الاستخبارات المصرية واليمنية أننا منخرطون في حركة القوميين العرب ، رغم أن عملنا كان سرياً ، تم طردنا من كلية الشرطة .

    وصادف في تلك الفترة أن الخلاف بين حركة القوميين العرب ومصر أخذ يظهر بالتدريج بسبب الأوضاع السائدة في جنوب اليمن ، والاختلاف القائم بين جبهة التحرير والجبهة القومية ؛ فبينما كانت حركة القوميين العرب تؤيد الجبهة القومية ، كان بعض الأجهزة المصرية يتبنى جبهة التحرير ويعمل من أجل دمج الجبهة القومية بمنظمة التحرير لتكوين ما عرف بعد ذلك بـ " جبهة التحرير " .

    وكانت الكوادر الأساسية في الجبهة القومية وفرع الحركة في صنعاء تعارض مثل هذا الدمج وتعتقد أن الجبهة القومية هي صاحبة السبق في الكفاح المسلح ، وينبغي لها أن تستمر ، ومن هنا بدأت الشكوك تحيط بنا ؛ فتم إبعادنا من سلك الشرطة إلى التموين المدني ، ولكننا لم نعمل في التموين ، لأنه كان مغلقاً ، ولم يكن هناك موظفين ولا مكاتب للعمل ، وكان يديره حينها الأستاذ علي السنيدار رحمه الله لوحده .

    وبعد فترة من الوقت ووساطات عديدة عدنا إلى كلية الشرطة وساهمنا في حرب بني حشيش ، حيث كنا من الضباط الذين خرجوا إلى هناك وأقمنا معسكراً لفترة ، ثم عدنا من جديد إلى صنعاء وفصلنا من الشرطة من جديد .

    * لكن ما هي تلك النشاطات السياسية التي كنتم تقومون بها التي دفعت بالسلطات إلى فصلكم من الشرطة ؟

    ـ كانت هناك نشاطات كثيرة كلفتنا بها حركة القوميين العرب ، كما أننا كنا نبادر أحياناً بنشاطات أخرى ، وقد ساهم كل ذلك في إلقاء الأضواء على تحزبنا أو على الأقل وضع علامات استفهام حول ذلك ، حيث كان يفترض أننا كضباط في الشرطة عدم القيام بأية أعمال ذات طابع سياسي .

    لقد كنا ، خلافاً لذلك ، نشارك في المظاهرات المختلفة ، وفي كثير من الأحيان كنا نخرج بملابس مدنية للمشاركة في هذه المظاهرات ، وكانت هذه المظاهرات تناصر بالطبع النظام الجمهوري والرئيس السلال في مواجهة خصومه ومعارضيه ، كما كنا نتبنى قضية الجبهة القومية في كل المحافل ، وكنا نبدو كمجموعة متجانسة من خلال خطابنا السياسي وعلاقتنا الاجتماعية بالناس .

    وقد أكدت هذه النشاطات المنظمة أن مجموعة حركة القوميين العرب كانت تضم أناساً غير عاديين ، ولهذا تم التصدي لهذه النشاطات .
    * أين كانت حركة القوميين العرب التي تنتمون إليها من هذه التطورات العاصفة ؟
    ـ حركة القوميين العرب كانت ضد الانقلاب على السلال فقد كان الشباب المؤيد لمصر والناصريين ، وبالذات في محافظة تعز معارضين للانقلاب ، واتحاد الشعب الديمقراطي كان يعارض هذا الانقلاب، لكن البعث وبقية القوى السياسية وبعض الضباط والمشائخ، كانوا مؤيدين للانقلاب على السلال.

    وأذكر أننا في حركة القوميين العرب ناقشنا هذا الموضوع عند إبلاغنا بموعد الانقلاب بيوم واحد وبأنه صار أمراً محتماً لا مفر منه ، وقد عرفنا ذلك من خلال مجموعة من الضباط كانت تنتمي إلى الحركة ، حيث أصدروا لهم الأوامر بالاستعداد ؛ فاتخذنا قراراً بمقاومة الانقلاب ، وهذا الشيء يقال لأول مرة .

    * كيف اتخذ هذا القرار ؟

    ـ عقد اجتماع في منزل المرحوم علي قشعة في صنعاء ، وهو من أبناء صنعاء ، وكان عضواً قيادياً في حركة القوميين العرب واتخذ هذا القرار بحضور عدد من قادة الحركة ، أتذكر منهم عبدالله الأشطل ، مالك الإرياني ، أما عبدالحافظ قائد فقد كان يومها في الحديدة وسلطان أحمد عمر في عدن وعبدالقادر سعيد في تعز ، وقد اشترطنا في هذا الاجتماع لكي نقاوم الانقلاب أن يكون هناك استعداداً من قبل أنصار السلال للوقوف إلى جانبنا ، وهكذا قررنا الاتصال ببعض الشخصيات من المشائخ والضباط المناهضين للحركة الإنقلابية والمؤيدين للسلال .

    وكان من بين هؤلاء المرحوم مطيع دماج والمرحوم أحمد عبدربه العواضي والشيخ أمين أبو رأس عن طريق الأخ أحمد قاسم دماج ، كما قمنا بالاتصال بقائد الحرس الجمهوري العقيد القواس ، وأعطينا تعليمات لبعض الضباط المنتمين للحركة بمحاولة الوصول إلى بعض الوحدات العسكرية قبل أن يصل الإنقلابيون إليها .

    وكان القواس أبدى استعداده للعمل ، لكن الحرس الجمهوري كان قد تعرض للتفكك بعد ما اتصل مشائخ القبائل كل بأصحابه ، ولعب الشيخ أحمد علي المطري ، الله يرحمه ، دوراً كبيراً في الاتصال ببعض منتسبي الحرس من أبناء بني مطر ، كما جرى الاتصال أيضاً بالقواس ، وقال له إن المقاومة ستكون غير ناجحة .

    * من هي القوى التي نفذت الإنقلاب ضد السلال ؟

    ـ لقد كانت القوى التي نفذت الانقلاب ضد السلال مزيجاً من الثوار الجمهوريين والقوى التقليدية ومن الحزبيين أيضاً ، ولكنها غير متماسكة ، فما كان يجمعها في الإنقلاب هو الرغبة في عملية التخلص من السلال .

    كان الذين ينتمون إلى ثورة سبتمبر ومن ينضوي تحت لواء حزب البعث يرون في الإنقلاب نوعاً من أنواع التصحيح للثورة ، وسيخلق تماسكاً في الصف الجمهوري وستنفتح آفاقاً أكبر للتطور ، أما القوى التقليدية فكانت تريد أن تعود بالثورة إلى الوراء وأن تنتزع السلطة من أيدي القوى الحديثة والسيطرة على النظام ، بل والتخلص من الصف الجمهوري والحزبي في اقرب فرصة ، وهو ما حدث فعلاً بعد الإنقلاب .

    * لماذا تراجعتم في اللحظات الأخيرة عن مقاومة الإنقلاب ومساندة الرئيس السلال ؟

    ـ قبل الإنقلاب بساعات قليلة اجتمعنا في الساعة الحادية عشرة من مساء 4 نوفمبر ، واستعرضنا الوضع من جديد ومدى قدرة قواتنا التصدي للإنقلاب ومدى قدرة المشائخ المؤيدين للسلال إيصال بعض القبائل إلى صنعاء في الوقت المناسب ، فوجدنا الإمكانيات ضعيفة ، وأن الوقت كان قد تأخر ، خصوصاً بعد ما ذهب ناصر السعيد وعبدالكافي عمر إلى قوات المدرعات ووجدا الضباط المناوئين للسلال قد سبقوهم إلى نفس المكان .

    ولهذا اتخذنا قراراً عند الساعة الحادية عشرة والنصف بالامتناع عن مقاومة الإنقلاب ، والاكتفاء بمقاومته سياسياً ، كما قررنا أن يختفي بعض القادة البارزين حتى لا يتعرضوا للاعتقال.

    * وماذا بشأن المظاهرات التي سبقت الإنقلاب ؟

    ـ قمنا بتنظيم مظاهرة يوم الثالث من أكتوبر بهدف الدفاع عن الثورة وتأييد للرئيس السلال ، ولكن هذه المظاهرة كانت في الواقع قد ساهمت في إضعاف نظام السلال ومهدت لإنقلاب 5 نوفمبر 1967 ، سواءً أردنا ذلك أم لم نرد ، خصوصاً وأن المظاهرة أدت إلى تغيير الحكومة وإلى اعتقال بعض من أنصار السلال وبعض الضباط ، من ضمنهم عبدالقادر الخطري ومحاكمته بعد ذلك بتهمة إطلاق النار على المتظاهرين يوم 3 أكتوبر ، باعتباره كان يقود الأمن المركزي .

    ولكنني وشهادة للتأريخ ، أريد القول إن العقيد الخطري لم يطلق النار على المتظاهرين إطلاقاً ، وأنه قد حكم عليه ظلماً ، لأن الخطري كان محسوباً على المصريين ، وكان قد دخل في صراعات مع بقية الجماعات ، ولذلك اعتقل وحوكم بتهمة التصدي للمتظاهرين وإطلاق النار عليهم.

    * هل قامت حركة القوميين العرب باتصالات مع الرئيس السلال وإبلاغه وقوفها إلى جانبه ؟

    ـ لا ، لم تقم الحركة بذلك ، لأن السلال كان في زيارة إلى بغداد ، وكان الاتصال به غير ممكن ، وقد كان آخر لقاء للحركة بالرئيس السلال في 3 أكتوبر ، ويومها قابلنا السلال وتحدثنا معه حول الأوضاع ، وفي نفس اليوم أقال الحكومة وعين حكومة جديدة .

    ونحن وإن ساهمنا في مظاهرة أكتوبر بنوايا حسنة ، لكن موضوعياً أدت هذه المظاهرة إلى التسريع بوقوع الإنقلاب ضد السلال .

    * ما رأيكم بالتهم الموجهة إلى الرئيس السلال بأنه قام بمعاونة المصريين بتصفية الكثير من العناصر الثورية ؟

    ـ أنا لا أتصور أن الرئيس السلال يتحمل مسؤولية في هذا المجال ، لقد كانت الحرب تؤدي تلقائياً إلى ممارسة العنف هنا وهناك ؛ فالصراع بين الملكيين والجمهوريين حصد عشرات الألوف من الضحايا ، كما أن الصراع داخل النظام الجمهوري قد أدى إلى سقوط ضحايا أيضاً ، وقد ألحقت هذه الصراعات باليمن ضرراً بالغاً وأوقفت عملية التنمية وسخرنا كل جهودنا

    لصراع السياسي العنيف ، ولو لم نفعل ذلك لكانت حياتنا اليوم افضل.
    [/color]
    --------------------------------------------------------------------------------
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-06-26
  13. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الثالث
    مأساة الجمهورية
    [/color]
    [color=0000FF]
    دعم الجنوب لفك حصار صنعاء

    مأساة جمهورية

    الخاسر في أحداث دموية[/color]


    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]حصار صنعاء
    * جاء إنقلاب نوفمبر 1967 وبدأت أول محنة له من خلال حصار صنعاء المعروفة بحصار السبعين .. كيف بدت لكم الأوضاع حينها ؟

    ـ استمرت الأوضاع بعد الإنقلاب في توتر وقلق دائمين ، ويومها كان الأستاذ محسن العيني رئيساً للحكومة ، وكان الملكيون من جانبهم يعدون العدة للاستيلاء على صنعاء .

    وفي بداية ديسمبر من نفس العام كنت في الحديدة ، وحاولت العودة إلى صنعاء ، فقيل لنا إن طريق الحديدة – تعز قد قطعت ، وطلب منا الذهاب إلى جانب القوة هناك لفك الطريق ، وقد استقبلنا هناك قائد القوة عبدالعزيز البرطي ومجموعة من الضباط المتواجدين هناك ، وفي غضون أسبوع تم فتح الطريق واستعادة الأمن في المنطقة بعدها بأيام بثت إذاعة صنعاء خبر استقالة الأستاذ محسن العيني وتكليف الفريق حسن العمري بتشكيل الحكومة وقيادة القوات المسلحة ، وعلمنا بعدها أن طريق صنعاء – الحديدة قد قطعت ؛ فعدنا إلى الحديدة ومن هناك ركبنا طائرة انتينوف كان يقودها الطيار الكميم وبرفقتي الشهيد عبدالسلام الدميني ، وكان المطار يومها آمنا لهبوط الطائرات .

    وكان طلاب كلية الشرطة والعديد من الضباط موجودين في مطار الرحبة مكلفين بالدفاع عن المطار ، وحدث أن حصل خلاف بين الطلاب ، الذين كان معظمهم ينتمي إلى حركة القوميين العرب ثم إلى الحزب الديمقراطي الثوري بعد ذلك ، وكان يومها العميد يحيى الرازقي ومحمد خميس يقودان طلاب الكلية في المطار ؛ فتمرد عليهم الطلاب ، ثم استدعينا إلى وزارة الداخلية من قبل العميد عبدالله بركات مع مجموعة من الزملاء ، وطلب منا العودة إلى عملنا ، على الرغم من أننا كنا مفصولين من الشرطة على أن نذهب إلى المطار ضمن القيادة الجديدة ، التي تشكلت لقيادة طلبة كلية الشرطة .

    وتكونت القيادة من العميد حسين صالح الخولاني، علي الحيمي ، علي الواسعي ، عبدالله يحيى الشامي ، عبدالله محمد العلفي ، محمد البروي ، عبدالرحمن البروي ، محمد الآنسي وجارالله عمر وعدد آخر لم أعد أتذكره .

    وعند انتقالنا إلى المطار كان الحصار على المدينة قد استكمل بعد انسحاب قوات المظلات من منطقة متنة والمناطق المجاورة لها لغرض تكوين دفاعات حول العاصمة ، وبعد الحصار وجدت صنعاء نفسها معزولة عن كل مناطق اليمن ، وأدى هذا الحصار إلى خلق جبهة وطنية عريضة انخرطت فيها سائر القوى الوطنية في المعركة .

    صحيح أن وحدات الجيش والمقاومة الشعبية كان لها الدور الأساس ، لكن بقية فئات المجتمع لعبت دوراً كبيراً في المعركة بما في ذلك سكان العاصمة صنعاء ، كما وحد الحصار صفوف القوى والأحزاب المختلفة بما فيها حزب البعث والحزب الديمقراطي فيما بعد ، والماركسيين أيضاً بقيادة عبدالله صالح عبده ، حيث كونوا المقاومة الشعبية لحماية العاصمة وللإشراف على توزيع المؤن على السكان ، ومن أبرز قادة المقاومة الشعبية يحيى الشامي ، سيف أحمد حيدر ، مالك الإرياني ، عمر الجاوي ، علي مهدي الشنواح وغيرهم .

    وقد تناسي الجميع في تلك المحنة خلافات الماضي كله وتوجهوا جميعاً لخوض المعركة ، وقد كان حماس الناس لفك حصار صنعاء كبيراً عند الجميع ، وفي الحقيقة لم يكن أمام المحاصرين سوى القتال حتى آخر لحظة .

    ظلت صنعاء تقصف لمدة شهر تقريباً ، وبعدها أعتاد الناس على القصف وكيفوا حياتهم عليها ، وكانت معارك تقام في كل جبهة حول صنعاء ، فيما كان الشيخ سنان أبو لحوم يعمل على توفير الدعم للعاصمة صنعاء عن طريق الطائرات قبل أن ينسف المطار ويتم تدميره ، ولعب الأخ محمد الإرياني والشيخ أحمد عبدربه العواضي دوراً كبيراً في حشد المقاتلين من المناطق المختلفة والهجوم لفك حصار صنعاء العاصمة ، وكان الدور القيادي كبيراً لحسن العمري وعبد الرقيب عبد الوهاب .

    * وماذا بشأن الدعم من الجنوب ؟

    ـ الدعم القادم من الجنوب كان أحد العوامل التي أدت إلى النجاح في فك الحصار عن صنعاء ، فبعد استلام الجبهة القومية للحكم في الجنوب عملت على إرسال المساعدات من الذخائر والمواد الغذائية للمقاومة الشعبية ، وكان المرحوم سعيد عبدالوارث الإبي على رأس الذين كانوا يأتون لتسليم هذا الدعم مع مناضلين آخر .

    * والدعم الخارجي ؟

    ـ كان هناك دعماً خارجياً أيضاً ؛ فقد وقفت روسيا إلى جانب النظام الجمهوري وإرسالها طائرات إلى الحديدة ومشاركة هذه الطائرات في المعارك وخصوصاً المعارك الليلية ، وأتذكر أن أحد الطيارين الروس سقط في منطقة جحانة بمنطقة خولان ، كما أتذكر أنه في إحدى الليالي استطاع الملكيون إختراق صفوف النظام الجمهوري وأن يصلوا إلى باب شعوب ويتجاوزون قرية الدجاج ، لكن الطيران الروسي قام من الحديدة في الليل وقصف القوات الملكية في المناطق التي احتلوها ، وبالذات قواعدها الخلفية في جبل الطويل ، ما أرغمهم على التراجع .

    وفي مجال الدعم الخارجي كان هناك أيضاً دعماً سورياً بإرسالها عشرة من أفضل طياريها ، وقدمت الجزائر دعماً بمليون دولار ، فيما أرسلت مصر كميات من الذخائر والمواد التموينية عن طريق الحديدة .

    كل هذه العوامل أسهمت في فك الحصار عن صنعاء ، وبطبيعة الحال ؛ فإن هذا الحصار أدى إلى خسائر كبيرة بين صفوف الجميع ، وإذا كنا اليوم نشعر بالاعتزاز والفخر لمشاركتنا في هذه المعركة وانتصارنا فيها ، فإننا نشعر أيضاً بالأسف لسقوط الضحايا من الطرفين ، وأستطيع القول إن الإنسان كان يتمنى أن لا تحدث المعركة ، ولكن التاريخ ليس فيه " لو " .

    " مأساة جمهورية "

    * بعد حصار صنعاء دخلت اليمن في مشكلة جديدة ؛ فقد شهدت البلاد أحداثاً دموية في أغسطس 1968 ودخلتم السجن لمدة 3 سنوات ، لماذا حدث الذي حدث ؟

    ـ أحداث أغسطس 1968 هي " مأساة جمهورية " ، وهي تدل على أن العنف عندما يسود المجتمع يتحول إلى قانون يستخدمه طرف ضد طرف آخر ، ثم يستخدمه الطرف ضد بعضه .

    كان هناك قتالاً وصراعاً ما بين الجمهوريين والملكيين ، ثم كان هناك قتالاً وصراعاً داخل الصف الجمهوري وصراعاً آخر داخل الصف الملكي ، وأحداث أغسطس 1968 يرأيي ذات دلالة على عدم النضج السياسي وسيادة العاطفة والرغبة الثورية المتأججة في تحقيق الانتصار بالقوة ، كما أنها صراع على السلطة أيضاً .

    كانت معركة حصار صنعاء قد أدت إلى بروز قوى جديدة تمثلت في المقاومة الشعبية وفي القادة العسكريين الشباب الذين تولوا قيادة الوحدات العسكرية من أمثال عبدالرقيب عبدالوهاب ، عبدالرقيب الحربي ، علي مثنى جبران ، محمد صالح فرحان وحمود ناجي سعيد وقد أدى ذلك تلقائياً إلى ما يمكن اعتباره ازدواجية في السلطة بين القوى الجديدة ( المقاومة الشعبية ) وبين أجهزة السلطة الأخرى المختلفة .

    هذه الازدواجية كانت مدعمة بخلفية فكرية وسياسية ؛ فقد كان البعث يقف في جانب وحركة القوميين العرب واليسار عموماً يقف في جانب آخر ، وتداخلت في هذا الموضوع عوامل مختلفة منها جغرافية ومذهبية ، لقد كنا نحن الضباط الصغار متحمسين ، سريعي العاطفة ، أقل صبراً وأكثر طموحاً .

    وكان الصف الباقي من الضباط الكبار لا يطيق نزق هذا الجيل الجديد ويتوجسون خيفة من إندفاعاتهم ، ودخلت قضية القوى والاتجاهات السياسية لتخلق استقطاباً في هذا الأمر ، ودخلت قضية التعامل مع الملكيين مادة جديدة في الصراع ؛ فقد كان السياسيون الذين في الحكم يعملون من أجل التفاهم والمصالحة مع بقايا الصف الملكي المهزوم ويمدون صلاتهم مع بعض المشائخ أمثال قاسم منصر ، وكانت هناك مكاتبات مع بعض هؤلاء المشائخ للعودة مع استبعاد أسرة آل بيت حميدالدين ، بالإضافة إلى اتصالات مع السعودية بغرض الوصول إلى حل سلمي للمشكلة ، خصوصاً بعد ما حسمت معركة صنعاء .

    وكان الطرف الجمهوري المتشدد الذي تمثله حركة القوميين العرب واليسار عموماً وصغار الضباط في الجيش والشرطة يرفضون هذه الاتصالات ويعتبرها عملاً معادياً للنظام .

    نشب هذا الصراع بعد أن تأكد أن الطرف الملكي قد هزم ؛ فصار الصراع على السلطة يتحكم بسلوك القوى السياسية المختلفة ، واشتد هذا الصراع بعد ما شعرت القوى التقليدية أن القوى السياسية الجديدة صارت تهدد بقائها في السلطة ، وجاءت قضية الدبابات السوفيتية لليمن لتثير أزمة بعد خلافات إلى أين ستذهب ، فقد كان عبدالرقيب عبدالوهاب يريدها أن تصل إلى الأركان في صنعاء ، وكان الفريق حسن العمري يريد الدبابات تبقى تحت سيطرته .

    وتدخلت المقاومة الشعبية في الموضوع ، لكن مقر المقاومة في الحديدة ضرب من قبل سلاح المدرعات ، ثم تلى ذلك قرار حل المقاومة الشعبية ، وبعدها أصدر الفريق العمري قراراً بإعفاء علي مثنى جبران قائد سلاح المدفعية وأحد أبطال معركة فك الحصار عن صنعاء من منصبه ، وهنا بدأت الأمور تأخذ منحى آخر .

    كانت القوى الجديدة تريد الدفاع عن مواقعها على اعتبار أنها لعبت دوراً رئيساً في فك الحصار ، وأن من حقها المشاركة في القرار السياسي وأن تستشار في كل الأمور ، وكانت القوى الأخرى ترى أن هؤلاء شباب متطرفون ، وأن دورهم بعد الآن سيكون ضاراً ولابد من تصفيتهم.

    واعترف اليوم أننا كنا نحن الشباب حينها نفتقر إلى القدر الكافي من التجربة والحنكة والصبر ، فقد كان الكثير من الصف الآخر الذين اختلفنا معهم حلفاء لنا ، كما لعب الصراع الذي كان قائماً بين حركة القوميين العرب وحزب البعث دوراً كبيراً في هذه العملية .

    وكما هو معروف فقد نشبت معركة كبيرة داخل صنعاء يومي 23 و24 أغسطس 1968 ، حيث تمكنت القوى التقليدية من هزيمة القوى الجديدة ، وحسمت قضية ازدواجية السلطة لصالحها ، وتم اعتقال أعضاء حركة القوميين العرب واليسار ، بالإضافة إلى ممثلي الفئات الرأسمالية ، مثل أحمد شمسان وسلام علي ثابت وآخرين ، فيما أرسل عدد آخر من الضباط إلى الجزائر ، وكان هذا الحسم بذرة لصراعات لاحقة .

    وقد قضيت 3 سنوات في السجن ، ولوحق بعد ذلك أعضاء الحزب الديمقراطي الثوري ، الذي كنا شكلناه في العام 1968 وهرب عدد كبير من هؤلاء إلى المناطق الريفية وعدن .

    * برأيكم من كان الخاسر في هذه الأحداث الدموية ؟

    ـ في اعتقادي أن الخاسر الأكبر كان اليمن والنظام الجمهوري ، لأن النظام الجمهوري أثبت أن الجمهوريين هؤلاء لا يستحقونه ، وأنهم ليسوا على قدر من الرؤية والبعد الاستراتيجي ، فقد كان من الأفضل أن ينظرون إلى ما يعملون بعد كل هذه الحرب من تضميد الجراح .

    ويمكن القول إن التفكير بالتصالح والسماح للملكيين بالعودة كانت فكرة صحيحة ، لأن هؤلاء مواطنون يمنيون ، وكان يجب حل القضية سلمياً ، لأن الحل العسكري لا يمكن أن يحل أي شيء .
    [/color]--------------------------------------------------------------------------------
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-06-26
  15. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الثالث
    مأساة الجمهورية
    [/color]
    [color=0000FF]
    دعم الجنوب لفك حصار صنعاء

    مأساة جمهورية

    الخاسر في أحداث دموية[/color]


    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]حصار صنعاء
    * جاء إنقلاب نوفمبر 1967 وبدأت أول محنة له من خلال حصار صنعاء المعروفة بحصار السبعين .. كيف بدت لكم الأوضاع حينها ؟

    ـ استمرت الأوضاع بعد الإنقلاب في توتر وقلق دائمين ، ويومها كان الأستاذ محسن العيني رئيساً للحكومة ، وكان الملكيون من جانبهم يعدون العدة للاستيلاء على صنعاء .

    وفي بداية ديسمبر من نفس العام كنت في الحديدة ، وحاولت العودة إلى صنعاء ، فقيل لنا إن طريق الحديدة – تعز قد قطعت ، وطلب منا الذهاب إلى جانب القوة هناك لفك الطريق ، وقد استقبلنا هناك قائد القوة عبدالعزيز البرطي ومجموعة من الضباط المتواجدين هناك ، وفي غضون أسبوع تم فتح الطريق واستعادة الأمن في المنطقة بعدها بأيام بثت إذاعة صنعاء خبر استقالة الأستاذ محسن العيني وتكليف الفريق حسن العمري بتشكيل الحكومة وقيادة القوات المسلحة ، وعلمنا بعدها أن طريق صنعاء – الحديدة قد قطعت ؛ فعدنا إلى الحديدة ومن هناك ركبنا طائرة انتينوف كان يقودها الطيار الكميم وبرفقتي الشهيد عبدالسلام الدميني ، وكان المطار يومها آمنا لهبوط الطائرات .

    وكان طلاب كلية الشرطة والعديد من الضباط موجودين في مطار الرحبة مكلفين بالدفاع عن المطار ، وحدث أن حصل خلاف بين الطلاب ، الذين كان معظمهم ينتمي إلى حركة القوميين العرب ثم إلى الحزب الديمقراطي الثوري بعد ذلك ، وكان يومها العميد يحيى الرازقي ومحمد خميس يقودان طلاب الكلية في المطار ؛ فتمرد عليهم الطلاب ، ثم استدعينا إلى وزارة الداخلية من قبل العميد عبدالله بركات مع مجموعة من الزملاء ، وطلب منا العودة إلى عملنا ، على الرغم من أننا كنا مفصولين من الشرطة على أن نذهب إلى المطار ضمن القيادة الجديدة ، التي تشكلت لقيادة طلبة كلية الشرطة .

    وتكونت القيادة من العميد حسين صالح الخولاني، علي الحيمي ، علي الواسعي ، عبدالله يحيى الشامي ، عبدالله محمد العلفي ، محمد البروي ، عبدالرحمن البروي ، محمد الآنسي وجارالله عمر وعدد آخر لم أعد أتذكره .

    وعند انتقالنا إلى المطار كان الحصار على المدينة قد استكمل بعد انسحاب قوات المظلات من منطقة متنة والمناطق المجاورة لها لغرض تكوين دفاعات حول العاصمة ، وبعد الحصار وجدت صنعاء نفسها معزولة عن كل مناطق اليمن ، وأدى هذا الحصار إلى خلق جبهة وطنية عريضة انخرطت فيها سائر القوى الوطنية في المعركة .

    صحيح أن وحدات الجيش والمقاومة الشعبية كان لها الدور الأساس ، لكن بقية فئات المجتمع لعبت دوراً كبيراً في المعركة بما في ذلك سكان العاصمة صنعاء ، كما وحد الحصار صفوف القوى والأحزاب المختلفة بما فيها حزب البعث والحزب الديمقراطي فيما بعد ، والماركسيين أيضاً بقيادة عبدالله صالح عبده ، حيث كونوا المقاومة الشعبية لحماية العاصمة وللإشراف على توزيع المؤن على السكان ، ومن أبرز قادة المقاومة الشعبية يحيى الشامي ، سيف أحمد حيدر ، مالك الإرياني ، عمر الجاوي ، علي مهدي الشنواح وغيرهم .

    وقد تناسي الجميع في تلك المحنة خلافات الماضي كله وتوجهوا جميعاً لخوض المعركة ، وقد كان حماس الناس لفك حصار صنعاء كبيراً عند الجميع ، وفي الحقيقة لم يكن أمام المحاصرين سوى القتال حتى آخر لحظة .

    ظلت صنعاء تقصف لمدة شهر تقريباً ، وبعدها أعتاد الناس على القصف وكيفوا حياتهم عليها ، وكانت معارك تقام في كل جبهة حول صنعاء ، فيما كان الشيخ سنان أبو لحوم يعمل على توفير الدعم للعاصمة صنعاء عن طريق الطائرات قبل أن ينسف المطار ويتم تدميره ، ولعب الأخ محمد الإرياني والشيخ أحمد عبدربه العواضي دوراً كبيراً في حشد المقاتلين من المناطق المختلفة والهجوم لفك حصار صنعاء العاصمة ، وكان الدور القيادي كبيراً لحسن العمري وعبد الرقيب عبد الوهاب .

    * وماذا بشأن الدعم من الجنوب ؟

    ـ الدعم القادم من الجنوب كان أحد العوامل التي أدت إلى النجاح في فك الحصار عن صنعاء ، فبعد استلام الجبهة القومية للحكم في الجنوب عملت على إرسال المساعدات من الذخائر والمواد الغذائية للمقاومة الشعبية ، وكان المرحوم سعيد عبدالوارث الإبي على رأس الذين كانوا يأتون لتسليم هذا الدعم مع مناضلين آخر .

    * والدعم الخارجي ؟

    ـ كان هناك دعماً خارجياً أيضاً ؛ فقد وقفت روسيا إلى جانب النظام الجمهوري وإرسالها طائرات إلى الحديدة ومشاركة هذه الطائرات في المعارك وخصوصاً المعارك الليلية ، وأتذكر أن أحد الطيارين الروس سقط في منطقة جحانة بمنطقة خولان ، كما أتذكر أنه في إحدى الليالي استطاع الملكيون إختراق صفوف النظام الجمهوري وأن يصلوا إلى باب شعوب ويتجاوزون قرية الدجاج ، لكن الطيران الروسي قام من الحديدة في الليل وقصف القوات الملكية في المناطق التي احتلوها ، وبالذات قواعدها الخلفية في جبل الطويل ، ما أرغمهم على التراجع .

    وفي مجال الدعم الخارجي كان هناك أيضاً دعماً سورياً بإرسالها عشرة من أفضل طياريها ، وقدمت الجزائر دعماً بمليون دولار ، فيما أرسلت مصر كميات من الذخائر والمواد التموينية عن طريق الحديدة .

    كل هذه العوامل أسهمت في فك الحصار عن صنعاء ، وبطبيعة الحال ؛ فإن هذا الحصار أدى إلى خسائر كبيرة بين صفوف الجميع ، وإذا كنا اليوم نشعر بالاعتزاز والفخر لمشاركتنا في هذه المعركة وانتصارنا فيها ، فإننا نشعر أيضاً بالأسف لسقوط الضحايا من الطرفين ، وأستطيع القول إن الإنسان كان يتمنى أن لا تحدث المعركة ، ولكن التاريخ ليس فيه " لو " .

    " مأساة جمهورية "

    * بعد حصار صنعاء دخلت اليمن في مشكلة جديدة ؛ فقد شهدت البلاد أحداثاً دموية في أغسطس 1968 ودخلتم السجن لمدة 3 سنوات ، لماذا حدث الذي حدث ؟

    ـ أحداث أغسطس 1968 هي " مأساة جمهورية " ، وهي تدل على أن العنف عندما يسود المجتمع يتحول إلى قانون يستخدمه طرف ضد طرف آخر ، ثم يستخدمه الطرف ضد بعضه .

    كان هناك قتالاً وصراعاً ما بين الجمهوريين والملكيين ، ثم كان هناك قتالاً وصراعاً داخل الصف الجمهوري وصراعاً آخر داخل الصف الملكي ، وأحداث أغسطس 1968 يرأيي ذات دلالة على عدم النضج السياسي وسيادة العاطفة والرغبة الثورية المتأججة في تحقيق الانتصار بالقوة ، كما أنها صراع على السلطة أيضاً .

    كانت معركة حصار صنعاء قد أدت إلى بروز قوى جديدة تمثلت في المقاومة الشعبية وفي القادة العسكريين الشباب الذين تولوا قيادة الوحدات العسكرية من أمثال عبدالرقيب عبدالوهاب ، عبدالرقيب الحربي ، علي مثنى جبران ، محمد صالح فرحان وحمود ناجي سعيد وقد أدى ذلك تلقائياً إلى ما يمكن اعتباره ازدواجية في السلطة بين القوى الجديدة ( المقاومة الشعبية ) وبين أجهزة السلطة الأخرى المختلفة .

    هذه الازدواجية كانت مدعمة بخلفية فكرية وسياسية ؛ فقد كان البعث يقف في جانب وحركة القوميين العرب واليسار عموماً يقف في جانب آخر ، وتداخلت في هذا الموضوع عوامل مختلفة منها جغرافية ومذهبية ، لقد كنا نحن الضباط الصغار متحمسين ، سريعي العاطفة ، أقل صبراً وأكثر طموحاً .

    وكان الصف الباقي من الضباط الكبار لا يطيق نزق هذا الجيل الجديد ويتوجسون خيفة من إندفاعاتهم ، ودخلت قضية القوى والاتجاهات السياسية لتخلق استقطاباً في هذا الأمر ، ودخلت قضية التعامل مع الملكيين مادة جديدة في الصراع ؛ فقد كان السياسيون الذين في الحكم يعملون من أجل التفاهم والمصالحة مع بقايا الصف الملكي المهزوم ويمدون صلاتهم مع بعض المشائخ أمثال قاسم منصر ، وكانت هناك مكاتبات مع بعض هؤلاء المشائخ للعودة مع استبعاد أسرة آل بيت حميدالدين ، بالإضافة إلى اتصالات مع السعودية بغرض الوصول إلى حل سلمي للمشكلة ، خصوصاً بعد ما حسمت معركة صنعاء .

    وكان الطرف الجمهوري المتشدد الذي تمثله حركة القوميين العرب واليسار عموماً وصغار الضباط في الجيش والشرطة يرفضون هذه الاتصالات ويعتبرها عملاً معادياً للنظام .

    نشب هذا الصراع بعد أن تأكد أن الطرف الملكي قد هزم ؛ فصار الصراع على السلطة يتحكم بسلوك القوى السياسية المختلفة ، واشتد هذا الصراع بعد ما شعرت القوى التقليدية أن القوى السياسية الجديدة صارت تهدد بقائها في السلطة ، وجاءت قضية الدبابات السوفيتية لليمن لتثير أزمة بعد خلافات إلى أين ستذهب ، فقد كان عبدالرقيب عبدالوهاب يريدها أن تصل إلى الأركان في صنعاء ، وكان الفريق حسن العمري يريد الدبابات تبقى تحت سيطرته .

    وتدخلت المقاومة الشعبية في الموضوع ، لكن مقر المقاومة في الحديدة ضرب من قبل سلاح المدرعات ، ثم تلى ذلك قرار حل المقاومة الشعبية ، وبعدها أصدر الفريق العمري قراراً بإعفاء علي مثنى جبران قائد سلاح المدفعية وأحد أبطال معركة فك الحصار عن صنعاء من منصبه ، وهنا بدأت الأمور تأخذ منحى آخر .

    كانت القوى الجديدة تريد الدفاع عن مواقعها على اعتبار أنها لعبت دوراً رئيساً في فك الحصار ، وأن من حقها المشاركة في القرار السياسي وأن تستشار في كل الأمور ، وكانت القوى الأخرى ترى أن هؤلاء شباب متطرفون ، وأن دورهم بعد الآن سيكون ضاراً ولابد من تصفيتهم.

    واعترف اليوم أننا كنا نحن الشباب حينها نفتقر إلى القدر الكافي من التجربة والحنكة والصبر ، فقد كان الكثير من الصف الآخر الذين اختلفنا معهم حلفاء لنا ، كما لعب الصراع الذي كان قائماً بين حركة القوميين العرب وحزب البعث دوراً كبيراً في هذه العملية .

    وكما هو معروف فقد نشبت معركة كبيرة داخل صنعاء يومي 23 و24 أغسطس 1968 ، حيث تمكنت القوى التقليدية من هزيمة القوى الجديدة ، وحسمت قضية ازدواجية السلطة لصالحها ، وتم اعتقال أعضاء حركة القوميين العرب واليسار ، بالإضافة إلى ممثلي الفئات الرأسمالية ، مثل أحمد شمسان وسلام علي ثابت وآخرين ، فيما أرسل عدد آخر من الضباط إلى الجزائر ، وكان هذا الحسم بذرة لصراعات لاحقة .

    وقد قضيت 3 سنوات في السجن ، ولوحق بعد ذلك أعضاء الحزب الديمقراطي الثوري ، الذي كنا شكلناه في العام 1968 وهرب عدد كبير من هؤلاء إلى المناطق الريفية وعدن .

    * برأيكم من كان الخاسر في هذه الأحداث الدموية ؟

    ـ في اعتقادي أن الخاسر الأكبر كان اليمن والنظام الجمهوري ، لأن النظام الجمهوري أثبت أن الجمهوريين هؤلاء لا يستحقونه ، وأنهم ليسوا على قدر من الرؤية والبعد الاستراتيجي ، فقد كان من الأفضل أن ينظرون إلى ما يعملون بعد كل هذه الحرب من تضميد الجراح .

    ويمكن القول إن التفكير بالتصالح والسماح للملكيين بالعودة كانت فكرة صحيحة ، لأن هؤلاء مواطنون يمنيون ، وكان يجب حل القضية سلمياً ، لأن الحل العسكري لا يمكن أن يحل أي شيء .
    [/color]--------------------------------------------------------------------------------
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-06-26
  17. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الرابع
    مرحلة ما بعد السجن
    [/color]

    [color=0000FF]على أبواب صنعاء

    تصفية سالمين

    إقالة عبد الفتاح

    عهد علي ناصر[/color]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]* بعد خروجه من السجن في صنعاء .. إلى أين اتجه جارالله عمر ؟
    ـ خرجت من السجن في صنعاء مع عدد كبير من ضباط الجيش والشرطة ، وكان عمري حينها قد بلغ الـ27 عاماً ، وبدأت أفكر بالزواج ، حيث كانت والدتي تضغط علي في هذا الاتجاه ، وكنت وأنا في السجن قد صدمت بمأساة وفاة أختي مع أبنائها في غضون أسبوع واحد ، ومع ذلك تغلبت على أحزاني وقررت الزواج ، وكان ذلك العام 1972 .

    بعدها كنت اعتزم العودة إلى صنعاء ، وكنت قد فصلت بعد خروجي من السجن من الشرطة بصورة نهائية وتحولنا إلى السلك المدني وتوقفت مرتباتنا ، وكان الغرض من عودتي إلى صنعاء البحث عن عمل .

    في صنعاء أمر المرحوم عبدالله الحجري باعتقالي ، وكان حينها قد نشب قتال في المناطق الوسطى بين المقاومة الشعبية وبعض المشائخ والموظفين الحكوميين والاعتقالات كانت مستمرة ، فقررت مغادرة صنعاء إلى القرية ، وهناك اصطدمت بنزول حملة عسكرية كبيرة كان يقودها حينها قائد الجيش محمد الإرياني وإبراهيم الحمدي ( الرئيس الحمدي ) ، بهدف تصفية المقاومة الشعبية ، التي قامت كرد فعل على أحداث أغسطس 68.

    واستمرت المعارك في المناطق الوسطى وعرفت أنهم يبحثون عني في القرية ، وبعد اتصالات بصنعاء عرفت أنه لا إمكانية للعودة إلى هناك فقررت الاختفاء ، وظللت مختفياً في جبلة بمحافظة إب لعدة أشهر ، وبعدها استدعيت من قبل بعض الأخوة في عدن ، منهم المرحوم سلطان أحمد عمر ، ونزلت فعلاً ، وبقيت في عدن لفترة ، ثم عدت إلى إب ثم من جديد إلى عدن ، حيث استقريت فيها ، وكانت قوات صنعاء قد سيطرت مع أواخر العام 1972 و1973 على المناطق الوسطى .

    كان الصراع بين الشمال والجنوب حينها على أشده ، وكانت حرب العام 1972 بين الشمال والجنوب قد تركت آثاراً كبيرة بين الطرفين ، وأخذ المعارضون للنظام القائم في عدن ، وهو النظام اليساري الجديد بقيادة سالم ربيع علي وعبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد يهاجمون عسكرياً ، وتحولت الشمال إلى قاعدة للقوات المناوئة لنظام في عدن ، ونشبت معارك عديدة في مناطق مختلفة ، كما كان هناك في المقابل صراعاً مستعراً في المناطق الوسطى بين المقاومة الشعبية وقوات الجيش والمشائخ وانتشر ذلك الصراع إلى شرعب ، العدين وغيرها .

    يومها كان الحزب الديمقراطي الثوري منقسماً على نفسه ، وبدأ بالبحث عن سؤال : ما العمل ؟ ، خاصة وأنه كان هناك ضغطاً شديداً من النظام في عدن على الحزب لتأييد المقاومة المسلحة ، بعد أن كانت منظمة المقاومين الثوريين قد شكلت وبدأت بتنفيذ عمليات عسكرية في العديد من المناطق .

    كان المرحوم عبدالقادر سعيد هادي وعبدالحافظ قائد ويحيى عبدالرحمن الإرياني وأحمد زيد والكثير من أعضاء اللجنة المركزية يرون أن الأفضل هو الاستمرار في العمل الحزبي وخوض المعارك السياسية السلمية ، وكان طرف آخر بزعامة المرحوم سلطان أحمد عمر يرى بضرورة تأييد النضال المسلح القائم حينها في المناطق الوسطى ، خصوصاً وأن منظمة المقاومين الثوريين كانت قد بدأت تستقطب أعداداً من أنصار وأعضاء الحزب ، فيما عمليات الاعتقالات والتعذيب في السجون مستمرة وتلاحق أعضاء الحزب الديمقراطي الثوري وحتى مناصريه .

    * وأين كان جارالله عمر من هذا الانقسام ؟

    ـ وسط هذا الانقسام وقفت إلى جانب سلطان أحمد عمر مؤيداً للنضال المسلح ، وقد عقد الحزب مؤتمراً استثنائياً في عدن ، وشكلنا قيادة جديدة ، كان فيها سلطان أحمد عمر أميناً عاماً مساعداً ، وأعضاء في المكتب السياسي مثل عبد الوارث عبد الكريم وأحمد الحربي ، واستبعد المؤتمر اثنان من أبرز أعضائه من عضوية اللجنة المركزية ، وهما عبدالقادر سعيد هادي وعبدالحافظ قائد ، والثاني انتخب عضواً مرشحاً في اللجنة المركزية ، وكان ذات يوم شخصاً أولاً أو ثانياً في حركة القوميين العرب ، وكان هذا الاستبعاد على أساس أنهما يمثلان الجناح اليميني الذي كان يرفض الانخراط في المعركة المسلحة ، ولكنني أقول للتأريخ إن عبدالقادر سعيد ، كان الرجل الأكثر نضجاً والأكثر تطوراً منا جميعاً .

    * على ماذا كانت ترتكز فلسفة الحزب في قضية النضال المسلح ؟
    ـ كان هناك تأثيراً للأفكار الجيفارية والماوية التي تقول بإمكانية محاصرة المدن من الأرياف والاستيلاء على السلطة عن طريق الكفاح المسلح ، وقد كانت الحملات العسكرية ترسل من صنعاء إلى المناطق المختلفة ؛ فتدمر المنازل وتعتقل المواطنين من الرجال والنساء ، وتعدم كل من تشتبه في ممارسة الكفاح المسلح أو تأييده ، ولم تكن هناك إمكانية بعد ذلك لأي موقف وسط .

    * هل تندمون على شيء فعلتموه خلال تلك الفترة ؟

    ـ إذا نظرت إلى الأمر اليوم من الزاوية السياسية ؛ فقد كان الدفاع عن النظام في الجنوب مبرراً في ظل الهجوم الذي كان قائماً عليه من معارضيه لمحاولة إسقاطه ، ولكن من وجهة نظر موازين القوى وإمكانية الاستيلاء على السلطة عن طريق الكفاح المسلح لم يكن الخط السياسي الذي اتبع صائباً .

    أما من الناحية الأخلاقية ؛ فليس هناك شيء يمكن الندم عليه ، لماذا ؟ ، لأن الطرف الذي كان حاكماً في صنعاء كان ممسكاً بالسلطة بالقوة ، وصفى معارضيه في أحداث أغسطس بوحشية وارتكب مجازر ونصبت المشانق في صنعاء وغيرها .

    إذن من وجهة نظر العمل السياسي لم يكن هناك إمكانية لنجاح ذلك التكتيك لأن موازين القوى الداخلية كانت مختلفة ، ولم يكن النظام في عدن قادراً على تقديم الدعم الكامل للمقاومة ، كما أن حلفاءنا في الخارج كانوا يعارضون تلك السياسية ولاسيما الاتحاد السوفييتي ، الذي كان يضغط على الجنوب للقبول بسياسة التعايش بين النظامين القائمين في اليمن وعدم تدخل أي منهما في شؤون الطرف الآخر على أساس أن هناك دولتين ومعسكرين واتجاهين .

    * وماذا كان موقف القيادة في عدن من قضية النضال المسلح في الشمال ؟

    ـ في عدن كان هناك خطين أيضاً ، الأول بزعامة المرحوم الرئيس سالم ربيع علي ويقف إلى جانبه علي عنتر ، صالح مصلح قاسم وعلي شائع هادي يؤيد خيار النضال المسلح ، وكان هذا الخط يرى وجود إمكانية لإسقاط النظام في الشمال وتحقيق الوحدة اليمنية بالقوة .

    وكان هناك خط آخر في الحزب بقيادة عبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد وعدد من القيادات السياسية والمدنية يرى أن ذلك مغامرة وأحلام ثورية لا يوجد أساس واقعي لتطبيقها على الأرض ، وكان يستحسن الرأي القادم من قبل كثير من أنصار النظام ، وخاصة الأحزاب الشيوعية العالمية والاشتراكية في العالم العربي التي ترفض الكفاح المسلح وتراه توجهاً صينياً متطرفاً ، وقد استمر هذان الرأيان حتى جاءت حرب العام 1979 .

    على أبواب صنعاء

    * كان النظام في عدن وحلفائه في الشمال على أبواب صنعاء في حرب 1979 ، ألم تكن هناك رغبة فعلية لإسقاط صنعاء في تلك الفترة ؟

    ـ عملية الاقتراب من أبواب صنعاء تمت بعد استشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي وانقسام الحكم في صنعاء العام 1977 ، وكانت أعمال العنف قد توقفت تقريباً أثناء عهد الحمدي ، حيث بدأ يتحدث في خطاباته عن تجار الحروب وعن أهمية إيقاف العنف في اليمن ، كما بدأ بإجراء اتصالات مع النظام في الجنوب وببعض أفراد المقاومة والحزب الديمقراطي الصوري ، وثم إرسال الأخ عبد الحميد حنيبر إلى صنعاء لمقابلة الحمدي بصورة سرية ، وأخذت السياسات تتقارب ، فيما كان هناك وسط عديدين للبحث عن حلول للمشاكل التي كانت دائرة في تلك المناطق ، ودعا الكثير من الذين خاضوا الكفاح المسلح إلى مناطقهم ، وبدأ السلام يعم مناطق الصراع في المناطق الوسطى .

    لكن الحمدي ، على الرغم من تحسين العلاقة مع الجنوب في أيامه الأخيرة لم يستطيع أن يحول ذلك إلى سياسة علنية بسرعة ، حيث كانت هناك تداخلات في الأوضاع القائمة في صنعاء خصوصاً وأن السعودية وبعض دول الخليج كان لا يزال لها تأثيراً كبيراً على مجرى الصراع .

    وكان الحمدي يخشى من بعض القوى الموجودة في الجيش والأمن ، خصوصاً وأن محمد خميس كان لا يزال مهيمناً على الأمن ، إلى درجة كان ( الرئيس ) الحمدي يستقبل المقاومين بطريقة سرية .

    * هل حدث وأن التقيتم بالرئيس الحمدي ؟

    ـ أنا لم ألتق به ، لكن كثيرين ، من قادة المقاومة التقوا به ، وكان ذلك بموافقة القيادة ككل .

    * كيف جاء الانقلاب على الحمدي ؟ وماذا كان موقفكم يومها ؟

    ـ الانقلاب على الحمدي حدث فجأة وبطريقة غير متوقعة ، وقد أدى هذا الأمر إلى تغير المزاج الشعبي في الشمال ، حيث انتشرت ردود الأفعال على قتله في كل المناطق ، وهرب العديد من أنصاره إلى عدن ، ثم جاءت محاولة انقلاب الناصريين في أكتوبر 1978 ضد الرئيس الجديد علي عبدالله صالح ، وبعد فشل الانقلاب هرب الناصريون من قادة الانقلاب إلى عدن ، وجرت عمليات اعتقال واسعة ، واضطربت الأوضاع من جديد ، وتفاقمت لتصل إلى حرب فبراير 1979 التي شارك فيها الجيش في الجنوب وأفراد المقاومة المسلحة في المناطق الوسطى ومن شمال الشمال ، وهذا هو الجديد في الموضوع .

    وطبعاً انتصر الجيش في الجنوب ، لكن جامعة الدول العربية تدخلت بشكل قوي إلى جانب صنعاء ، وهددت سوريا والعراق بإرسال قوات إذا لم يتوقف القتال ، تلاها اتخاذ إجراءات ضد النظام في عدن ، وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس أحمد حسين الغشمي .

    في هذه الأثناء عاد الخلاف السياسي القديم داخل الحزب الاشتراكي للنشوب من جديد ، بين الطرف الذي يطالب بإيقاف العمل المسلح ووقف الدعم عنه كلياً وبين الطرف الذي يطالب بمواصلة الدعم للنضال المسلح على اعتبار أنه سينتصر في نهاية الأمر ، وكان عبدالفتاح إسماعيل قد أقيل من منصبه كرئيس للدولة وأمين عام للحزب لسبب موقفه من حرب 1979 وإصراره على إيقافها .

    * لكن عقدت قمة بين الرئيسين عبدالفتاح إسماعيل وعلي عبدالله صالح في الكويت في نفس عام الحرب ، ماذا كان هدف القمة وهل كنتم ضمن الوفد الجنوبي ؟

    ـ نعم ، كنت مع يحيى الشامي وسلطان أحمد عمر ، كما أتذكر إلى جانب عبدالفتاح إسماعيل وعدد آخر من المسؤولين في الجنوب ، وقد بحثت القمة مسألة نتائج الحرب ووقف العمل المسلح في الشمال وعدم تقديم أي دعم له واتفق على إقامة دولة الوحدة بعد عام من ذلك ، ولكن الاتفاق لم ينفذ وواصل الرئيس علي ناصر هذه المساعي من خلال عقد قمة بينه والرئيس علي عبدالله صالح في تعز بعد إقالة عبدالفتاح إسماعيل ووقعت اتفاقية بهذه الخصوص .

    * وماذا كان موقفكم من هذه التطورات ؟

    ـ لقد كان لدينا رغبة حقيقية للوصول إلى السلام ، ولكن الذي حدث أن صنعاء لم تلتزم بأي اتفاق ، وقد استمرت أجهزة المخابرات في تصفية قيادات الجبهة الوطنية وقياداتها ، حتى أن عدد الذي قتل بعد السلام وصدور العفو العام كان أكثر من الذي قتل من قبل ذلك .

    ومن الشواهد على ذلك اغتيال الشهيد عبدالسلام الدميني وأخويه في الوقت الذي كنا نتفاوض فيه مع الرئيس علي عبدالله صالح ، وقد قتلوا خنقاً وتم رميهم من رأس نقيل يسلح ، وقالوا إن الحادث كان مرورياً وليس جنائياً ، لكن الأطباء الصينيين أكدوا عدم صحة الرواية الرسمية ، وذلك عندما نقل الأخوة الثلاثة إلى أحد المستشفيات في مدينة ذمار .

    * هل خضتم حوارات مع الرئيس صالح ؟

    ـ نعم ، كانت هناك مفاوضات مع الرئيس ومع آخرين بمن فيهم الأخ محمد الرباعي ، الذي كان يومها ممثلاً للدولة ، كما كانت هناك مفاوضات مع آخرين شارك فيها الأخ إسماعيل الوزير ( وزير العدل السابق ) ، وكانت لقاءاتنا بالرئيس لأكثر من مرة .

    * على ماذا تفاوضتم ؟

    ـ كان الغرض من هذه المفاوضات هو التوصل إلى اتفاق حقيقي وجدي ، فقد كنا كما قلت سابقاً جادين في إيقاف العمل المسلح ، وكان هذا قرار الحزب الاشتراكي كله .

    وعندما جاءت قضية اغتيال الدميني ، كنا يحيى الشامي وأنا موجودين في صنعاء ووصلتنا رسالة من منظمة الحزب بصنعاء تقول إننا مستهدفان ، وسوف نغتال في مقر إقامتنا بفندق دار الحمد ، وأن هناك أشخاصاً جاهزون لقتلنا ، وربما يقتل هؤلاء الأشخاص بعد اغتيالنا ، وسوف يبررون ذلك بأنه نوع من الثأر للعمل المسلح في المناطق الوسطى ، في الوقت الذي لم نشارك في العمل المسلح بشكل مباشر ، لأننا سياسيون وبضاعتنا هي الكلام .

    بعد أن بلغنا هذا الخبر احترنا في كيفية التصرف ؛ فنحن لا نستطيع الاختفاء أو الانسحاب من صنعاء ، وكنا مكلفين بالوصول إلى اتفاق سياسي مع النظام في صنعاء ، ولم يكن مقبولاً أن نغادر دون التوصل إلى اتفاق .

    في هذه الأثناء جاء المرحوم عبدالله الخامري إلى صنعاء حاملاً رسالة إلى الرئيس علي عبدالله صالح ، وقابل يومها بعض المسؤولين في صنعاء ، وأخبرناه بأننا توصلنا إلى اتفاق كامل لإيقاف الحملات العسكرية والعمل المسلح معاً والسماح للناس بالعودة إلى ممارسة حياتهم العادية ، لكننا أخبرناه أننا لا نتوقع تنفيذ الاتفاق ، لأن جميع الذين عادوا إلى صنعاء تم اغتيالهم ، من بينهم عبد السلام الدميني ، كما قلنا له إنه يوجد لدينا معلومات عن وجود خطة لاغتيالنا في دار الحمد ، ولكن الخامري لم يصدق ذلك ، وطلب برهاناً على كلامنا ؛ فأخبرناه أن الموضوع حقيقي وأن أكبر برهان هو وجود قرار بعدم سفرنا ومغادرتنا صنعاء ؛ فقال حينها : لنختبر الموضوع .

    ذهبنا إلى محمد الرباعي واتفقنا معه على أن ننهي المحادثات ، وكان الرباعي قد بدأ يشعر بالقلق بعدما عرف بحادثة الدميني ، لأنه كان يفاوض باسم السلطة ، وقد اتفقنا على ذلك وعلى أن يعلم المسؤولين في صنعاء من أنه لا مانع من سفرنا وعودتنا إلى عدن ، وحدث ذلك فعلاً .

    وقررنا أن يسافر الأخ يحيى الشامي مع عبد الله الخامري أولاً ، حتى لا يؤدي سفرنا الاثنين إلى منعنا ، وفعلاً تحرك الشامي مع الخامري إلى المطار وصعدا معاً إلى الطائرة ، وقبل أن تقلع الطائرة أتى رجل الأمن وأخذوا الشامي من الطائرة ، وأعادوه ، وقالوا له أنت يريدك الرئيس ، وأعيد الشامي فعلاً إلى فندق دار الحمد ، وكنا نتوقع أن تتم تصفيتنا فعلاً في أية لحظة ، حتى أننا كنا نمزح فيما بيننا ، وكنت أقول للشامي : كيف تريد أن تموت ؟ هل واقف أو جالس ؟

    * ألم تتحرك القيادة في عدن في هذه الحالة ؟

    ـ بلى ، لأنه بعد وصول الخامري إلى عدن أخبر القيادة بالوضع ، وقال إن النظام في الجنوب يشعر بمسؤولية ، لأنه كان وسيطاً مسؤولاً بموجب اتفاق تعز .

    على أثر ذلك عقد المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اجتماعاً لهذا الغرض واتفق على إرسال طائرة إلى صنعاء لإعادتنا إلى عدن ، واتصل علي ناصر محمد وعلي عنتر بالرئيس علي عبدالله صالح ، وتحدثوا ذلك اليوم في تفاصيل كثيرة لا أريد التحدث حولها ، وهي متروكة للتاريخ .

    بعد ذلك تم استدعاؤنا إلى منزل الرئيس في الليل ، وتحدثنا مع الأخ علي ناصر عبر الهاتف ، وجرى الحديث عن الدميني مع الرئيس ، وقال الرئيس إنه حادث مروري ، فطلبنا منه التحقيق في الموضوع ووعد ، لكن ذلك لم يتم ، وقد لاحظنا أن الرئيس كان محرجاً تجاه القضية وأنه ربما تكون الواقعة قد تمت دون علمه ووضع أمام الأمر الواقع .

    وقد رفض الرئيس علي عبدالله صالح فكرة إرسال الأخوة في عدن طائرة لأخذنا وإعادتنا إلى عدن ، وقال إنه سيسمح لنا بالسفر ، وسافر الشامي فعلاً في اليوم الثاني ، أما أنا فقد سافرت عن طريق يريم برفقة وزير العدل إسماعيل الوزير وعبدالله البشيري ، حيث قضينا ليلة فيها ، ثم بعد ذلك تم مرافقتي بسيارة إلى الرضمة ومنها إلى دمت ومنها إلى عدن .

    وقد عرفت فيما بعد أنه جرت محاولات لاغتيالي في يريم أثناء مرورنا إلى دمت ، ولكن لم يؤذن للمنفذين في ذلك من صنعاء .

    * في لقاءاتكم مع الرئيس علي عبد الله صالح ، كيف وجدتم الرجل ؟

    ـ هذا السؤال صعب ، إذ لا تستطيع أن تقيم شخص تقييماً دقيقاً ومسؤولاً وأميناً وهو ما يزال يحكم ولديه كل القوة ويستطيع أن يلحق بك الضرر ، ولهذا ؛ فإما أن تكذب وتخادع ، وإما أن تقول كلاماً ستعاقب عليه ، ولذلك أعفني من الرد على هذا السؤال .

    تصفية سالمين

    * هناك الكثير من الكلام يقال عن دور أبناء الشمال في الصراعات الدامية التي شهدها النظام في الجنوب ، ما مدى صحة هذا الكلام ، وهل كان أبناء الشمال فعلاً سبباً في اندلاع الكثير من المواجهات الدامية في الجنوب ؟

    ـ نحن لم نكن طرفاً في أي صراع في الجنوب على الإطلاق ، ولكن على العكس من ذلك ؛ فقد كان الصراع داخل الحزب الاشتراكي في عدن يقسمنا على الأخوة المتصارعين فيه .

    عندما كنا في عدن في السبعينات حدث الصراع بين الرئيس سالم ربيع علي وخصومه ، لكننا لم نكن طرفاً فيه ، لأن الحزب حينها لم يكن تواجد في إطار الشمال والجنوب ؛ فقد كنا نعمل تحت اسم الجبهة الوطنية في الشمال كفصيل سياسي معارض ، وكانت الجبهة مكونة من حزب الطليعة الذي تحول من البعث ، الحزب الديمقراطي الثوري الذي تحول من حركة القوميين العرب ، منظمة المقاومين الثوريين ، حزب العمل ، كما دخل في بعض الفترات الناصريون والسبتمبريون في هذه الجبهة .

    كانت علاقتنا مع الأخوة في الجنوب هي علاقة تحالف وتفهم ، وعند اندلاع الخلاف بين الرئيس سالمين والآخرين لم نكن مرحبين به على الإطلاق ، كما لم نكن طرفاً فيه .

    كان البعض منا يتعاطف مع عبدالفتاح إسماعيل والبعض الآخر يتعاطف مع سالم ربيع ، وكنت شخصياً معجباً بصفات في كل منهما ، فقد كنت أرى في سالمين رجل دولة ولديه شيء من الكاريزما ، وعلاقتي به كانت أقدم من علاقتي بعبدالفاتح إسماعيل ، لأن سالمين أتى إلى صنعاء قبل أحداث أغسطس 68 وعشنا مع بعض ، وعندما نزلت إلى عدن كان أول من استقبلني فيها ، وكان سالمين رجلاً نشيطاً ويحسن علاقته بالآخرين ، وكنت معجباً بديناميكية الرجل وسرعة بديهته ، وقدرته على مجابهة الأحداث ، وكان باختصار رجلاً صاحب قرار .

    كنت من جهة ثانية أرى في عبدالفتاح إسماعيل مناضلاً ومفكراً وأديباً ، أما علي ناصر محمد ؛ فقد كانت لديه صفات جيدة ، وكان يدير الحكومة وقادراً على توظيف الطاقات والإمكانيات ويحسن الإدارة ويقوم بأعمال الحكومة على أكمل وجه بما فيها وزارة الدفاع .

    ويمكن القول إن الثلاثة كانوا مكملين لبعض ، وكنا نود أن يقودوا العملية السياسية في البلاد إلى نهايتها .

    * كيف تعاملتم مع الصراع بين سالمين وخصومه العام 1978 ؟

    ـ لقد فوجئنا بالصراع ، وعندما تم إقصاء سالمين وحدث القتال لم نعد قادرين على أن نؤثر في الأمر ؛ فبعد انتصار الطرف الذي كان ضد سالمين كان الوضع ممكن السيطرة عليه .

    أحداث سالمين كانت مرتبطة بما حدث في صنعاء بمقتل الرئيس الحمدي ثم مقتل الرئيس الغشمي ، والذي قتل من قبل الفدائي مهدي ، المعروف بـ " تفاريش " ، وتعني بالروسية " الرفيق " ، وذلك بتعليمات من سالمين الذي أعطى أمراً بذلك لصالح مصلح بناءً على طلب من صالح مصلح .

    وكان المرحومان سالم ربيع وصالح مصلح قد وعدا بأن لا يتركا حادثة مقتل الحمدي تمر دون أن يأخذا بالثأر ، لأنهما شعرا بالإهانة ، خصوصاً وأنه تم اغتيال الرئيس الحمدي عشية زيارته إلى عدن ، وهذا الانتقام حدث فعلاً من خلال قتل الرئيس الغشمي .

    خصوم سالمين اعتبروا أن هذا الحادث أضر كثيراً بالدولة في الجنوب ، لأنه تم من دون علم المكتب السياسي والحزب ، لهذا كان لا بد أن يتحمل الرئيس مسؤولية هذا القرار وتبعاته .

    صحيح أن موضوع قتل الغشمي كان محل ترحيب من الجميع على الرغم من عدم إشعارهم بذلك إلا أن خصوم سالمين اتخذوا ذلك كذريعة لتصفية الحساب معه ، فقد كان هناك خلافات داخلية ، وحسم الموضوع من دون أن نكون طرفاً فيه لا من قريب ولا من بعيد .

    وعلى أي حال ، فإن الجميع ندم على ذلك ، كل الأطراف بدون استثناء لأن مقتل سالمين كان في الحقيقة خسارة ، وأقول لك صراحة إن سالمين لو لم يقتل وأرسل إلى أثيوبيا ، كما تم الإتفاق عليه ومكث هناك كان لقيادة الحزب أن تعيده بعد مرور عدة أشهر .

    * لكن ماذا حدث بالضبط في ذلك اليوم ؟

    ـ أنا على يقين من أن سالم ربيع علي وخصومه لم يكونوا راغبين في الدخول في قتال مسلح ، لكن ما حدث أن أحد أفراد الحرس الخاص بالرئيس اعتبر أنه إذا سافر ؛ فسوف يتخلى عنهم ؛ فأطلق النار على مقر اجتماع المكتب السياسي في منزل علي ناصر وهناك أندلع القتال ، وبدأت المعارك واتخذ قرار بعدها بإعدام سالمين وبقية القصة معروفة .

    بعد ذهاب سالمين أتضح أنه ترك فراغاً كبيراً لم يملؤه أحد ، وكان فعلاً يعد ركناً ثالثاً إلى جانب عبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد ، وفي رأيي فإن أحداث سالمين 1978 كانت بداية الإنكسار لما حدث لاحقاً ، لأن هذا الخلاف أثر كثيراً ووضع الجذور للصراعات التي تلاحقت فيما بعد .

    إقالة عبد الفتاح

    * وما هي حكاية إقصاء عبدالفتاح إسماعيل من السلطة في إبريل 1980 خاصة وأنه لم يستمر في منصبه أكثر من عام ؟

    ـ بقي عبد الفتاح إسماعيل بعد رحيل سالمين في وضعه السابق كأمين عام للحزب ، فيما تولى الأخ علي ناصر رئاسة الدولة ، وكان هذا وضع مناسب وطبيعي ؛ فتوزيع السلطة بهذا الشكل وفصل رئاسة الدولة عن أمانة الحزب كان إجراءً ملائماً ، ويتفق مع متطلبات الأوضاع القائمة ، لكن التطورات التي تلت ذلك ، وهي محاولة التشبه بالأوضاع القائمة في الاتحاد السوفيتي ، عندما كان ليونيد برجينيف يجمع بين منصبي رئاسة الدولة وأمانة الحزب نشأت مقترحات بأن يجمع عبدالفتاح إسماعيل بين منصبين : رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب .

    وفي اعتقادي أن هذا كان إجراءً غير ملائم ، لأن إقصاء علي ناصر من رئاسة الدولة قد خلق بعض الحساسيات من ناحية ، ومن ناحية ثانية راكم المسؤولية على عبدالفتاح إسماعيل ، بينما كانت مواصفاته وإمكانياته أن يقتصر دوره على رئاسة الحزب ، ويكون بمثابة " المرشد العام " ، إذا صح التعبير ، الأمر الذي خلق جواً من الانتقادات لأداء عبدالفتاح في منصب رئاسة الدولة ، على الرغم من أن مجلس الوزراء كان يقوم بالعبء الرئيس في الأمور التنفيذية .

    وهكذا بعد أن أصبح عبدالفتاح إسماعيل رئيساً للدولة وأميناً عاماً للحزب حدثت بعض التطورات ، التي فاقمت من الخلافات ، من ضمنها الآثار التي ترتب على حرب 79 مع الشمال والكيفية في التعامل مع النظام في صنعاء ، فقد لعب عبدالفتاح إسماعيل دوراً رئيسياً في إيقاف الحرب ، كما أن السوفييت والجامعة العربية ضغطوا من أجل إيقاف الحرب ، ونشأ على إثر ذلك موقف نقدي تجاه عبدالفتاح إسماعيل عند إيقاف القادة ، الذين كانوا متحمسين لمواصلة واستمرار الحرب ، واعتبروا عبدالفتاح مسؤولاً عن التراجع الذي حصل ، خصوصاً بعد اتفاق الكويت .

    * و من كان يقود التيار المعارض لعبد الفتاح إسماعيل ؟ .

    ـ كانت هذه الملاحظات موجودة عند الأخ صالح مصلح قاسم تحديداً ، ومحمد صالح مطيع وعلي سالم البيض وعند الأخ علي عنتر وعلي شائع هادي ويعارضون عبدالفتاح لأسباب مختلفة.

    وكانت في ذلك الوقت قد تسربت أنباء عن تغييرات محتملة في قيادة الحزب ، وأن عبدالفتاح ينوي إحداث هذه التغييرات لصالحه ، ثم بدأت تظهر بعض الملاحظات حول أداء عبدالفتاح في الرئاسة ، وقيل يومها إنه يكثر من الجلوس مع الأدباء والكتاب والمثقفين .

    إلى جانب ذلك كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية متأزمة ، حيث أن الدولة في الجنوب كانت محاصرة في الواقع من جميع الدول ، سواءً الخليج أو الشمال .

    من هنا بدأت الخلافات تظهر داخل المكتب السياسي ، وتطور الأمر إلى درجة أن كثيراً من أعضاء المكتب السياسي من الذين كانوا في الجبهة القومية ثم في قيادة الحزب الاشتراكي عبروا عن رأيهم ، وقالوا إنه لابد لعبدالفتاح إسماعيل أن يستقيل من رئاسة الدولة ، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى المطالبة باستقالته من رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب .

    * هل كان من بين هؤلاء الرئيس علي ناصر محمد ؟

    ـ موقف الأخ علي ناصر محمد في هذه الأزمة كان بارزاً ، ولكن كان من الواضح أن الأزمة بدأت بوجود مشكلة بين وزارتي الدفاع التي كان علي عنتر يومها وزيراً لها ، وبين وزارة أمن الدولة ، التي كان محمد سعيد عبدالله ( محسن ) وزيراً لها ، وهنا تطور الموقف إلى خلاف مع عبدالفتاح إسماعيل ، وظهر في المكتب السياسي انقسام حقيقي تجاه الموقف من عبدالفتاح ؛ فبينما كان البعض مثل علي عنتر ، علي شائع هادي ، صالح مصلح ومحمد صالح مطيع ، مع أن الأخير كان من أنصار عبدالفتاح ، وآخرين كثيرين يؤيد استقالة عبدالفتاح ، كان هناك قسم آخر من بعض الأخوة المثقفين ، الذين أتوا من مختلف الفصائل السياسية ، مثل أبوبكر باذيب ، أنيس حسن يحيى وعبدالغني عبد القادر يعارض هذه الاستقالة .

    وكنا الممثلين للشمال في المكتب السياسي محتارين ؛ فمن ناحية لدينا ملاحظات على الأداء العام كله ، ولدينا شيء من النقد على ما حصل بعد حرب 1979 ، كانت علاقتنا بعبدالفتاح إسماعيل والطرف الآخر جيدة ، ولكن بعد جدل وحوار اقتنعنا إنه تجنباً لأي تطور للأزمة ، فإن استقالة عبدالفتاح يمكن أن تؤدي إلى تجنب هذه الأزمة .

    وأتذكر أن السفير السوفيتي في عدن كان حينها معارضاً لاستقالة عبدالفتاح ، لكن الأخوة في المكتب السياسي أصروا على ذلك ، وبعد مناقشات جانبية وصل المكتب السياسي ، بأغلبية كبيرة إلى قرار يطلب فيه من عبدالفتاح إعلان استقالته ، وعلى أن تكون هناك تسوية من نوع ما ، وهذه التسوية تقوم على تخلي عبدالفتاح من رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب ، وأن يتسلم هذين المنصبين علي ناصر محمد مقابل تكريم عبدالفتاح واستحداث منصب رئاسة الحزب كنوع من الإخراج الذكي للأزمة .

    * استوقفكم قليلاً في هذه النقطة ، وأسألكم : كيف أقر المكتب السياسي مثل هذا القرار الهام في حياة رئيس الدولة والحزب في غياب المعني بالأمر ، وهو عبدالفتاح إسماعيل ؟

    ـ الحالة يومها كانت ذات طبيعة استثنائية ، لقد كان الشيء الصحيح هو أن يجتمع المكتب السياسي بحضور عبدالفتاح ، ولكن في جو الأزمة المتفاقمة إرتأى الكثير من أنه لا لزوم لحضوره ، حتى لا يحدث تنابزاً أو نوعاً من الإساءة .

    * ومن رأس الاجتماع إذن ؟

    ـ أعتقد أن الذي رأسه الأخ علي ناصر محمد ، وقد كانت خلفيات وجذور الأحداث الماضية وآثارها مؤثرة وحاضرة في هذا الأزمة ، لأنه ترتب عليها آثار مأساوية وسلبية ، فقد كان بعض القادة لا يزال معتقلاً ، بمن فيهم علي صالح عباد ( مقبل ) ، ومحمد سعيد عبدالله ( محسن ) كان قد أبعد إلى الخارج ، ولذلك كان هناك نوعاً من التسوية ، وإن لم تكن مؤسسية أو ديمقراطية .

    * من نقل إلى عبدالفتاح إسماعيل خبر قرار المكتب السياسي بضرورة استقالته ، علمنا أنكم كنتم واحداً ضمن وفد ذهب لتسليمه القرار ؟

    ـ نعم ، كنت واحداً من بين الذين ذهبوا إلى منزل عبدالفتاح إسماعيل بمعاشيق ، وكان قراراً من المكتب السياسي قد اتخذ لانتداب وفد مكون من أنيس حسن يحيى ، جارالله عمر وعبدالعزيز عبدالولي لإبلاغ عبدالفتاح بالأمر ، وقد كان اختيار هذه الأسماء على اعتبار أن علاقة هؤلاء بالطرفيين جيدة ، بل أنهم كانوا متعاطفين مع عبدالفتاح إسماعيل .

    * بمن فيهم جارالله عمر ؟

    ـ نعم ، بمن فيهم جارالله عمر ، فقد كنت متعاطفاً معه ، ولكن كان هناك حرصاً على تجنب وقوع أزمة .

    * كيف وجدتم الرجل عند ذهابكم إليه لتسليمه قرار الاستقالة ؟

    ـ لقد فوجئ بالقرار ولم يكن يتوقعه ، وسألنا عن الأسباب ؛ فقلنا له إن ذلك يأتي تجنباً للأزمة ، وبعد هنيهة من التفكير قال إنه إذا كانت هذه إرادة الحزب ورغبة أعضاء المكتب السياسي ، بما في ذلك أنتم ، فأنا على استعداد لفعل ذلك ، وتناول القلم وكتب تلك الاستقالة المشهورة ، وقبل أن يكمل جاء فضل محسن متحفزاً ، وكان موجوداً في نفس المكان ، وفي لحظة سريعة انتزع ورقة الاستقالة من يد عبدالفتاح إسماعيل ، وقال له : لن تستقيل ولن تكتب الاستقالة ، لأن الحزب لا يوافق على ذلك .

    ولم يكن فضل محسن يومها عضواً في المكتب السياسي للحزب ، لكنه كان قيادياً في الجبهة القومية وفي الوقت نفسه مقرب من عبدالفتاح .

    وقد اتجه عبدالفتاح إلى فضل محسن لإقناعه وواصل كتابة الاستقالة ، ولم أعد أتذكر هل الاستقالة كتبت في نفس الورقة التي انتزعها فضل محسن ، أم أن عبدالفتاح كتبها على ورقة أخرى .

    بعد ذلك سلمنا الاستقالة إلى المكتب السياسي ، ثم طرحت على اللجنة المركزية ، حيث لقيت معارضة كبيرة للقرار ، لكن القرار في النهاية حصل الأغلبية ، وكان بعض أعضاء اللجنة المركزية قد طالب بحضور عبدالفتاح اجتماع اللجنة المركزية ، لكنه لم يحضر .

    * ألم تجر اتصالات بعبدالفتاح إسماعيل من قادة الجيش مثلاً للوقوف معه ، لا تنس أن الرجل كان رئيس دولة وأميناً عاماً للحزب منذ 1969 ؟

    ـ حصلت اتصالات كثيرة من بعض ضباط الجيش الذين أبلغوا عبدالفتاح أنهم يرفضون استقالته وأنهم على استعداد للوقوف إلى جانبه ، ولكن عبدالفتاح إسماعيل كان رجلاً عاقلاً ، مثقفاً ينظر إلى البعيد ؛ فأقنع الجميع أنه طالما النظام والحزب هما الباقيان ، فهذا هو الأهم ، وأنه لا يمكن أن يدخل البلاد في أزمة أخرى ، ولم يتخذ أي إجراء مخالف على الإطلاق .

    كان لدى عبدالفتاح عدد قليل من الحرس في حدود 10 أشخاص ؛ فأمرهم بالتزام الهدوء وعدم فعل أو قول أي شيء ، وأشهد اليوم أن عبدالفتاح إسماعيل كان رجلاً بعيد الأفق وهو الزعيم اليمني الوحيد الذي أخذ هذا الموقف وجنب البلاد والحزب الأسوأ .

    حدثت هذه التطورات في أيام ، ثم منح عبدالفتاح وسام ثورة 14 أكتوبر من قبل الرئيس الجديد علي ناصر محمد ، وبعدها غادر إلى موسكو وأقام فيها لمدة خمسة أعوام .

    * كيف قستم رأي الشارع من هذه التطورات ؟

    ـ الحقيقة لم يكن هناك قياساً لرأي الشارع بشكل دقيق ؛ فمن الواضح أنه كان هناك انقساماً في الحزب وفي الشارع أيضاً ؛ فهناك من كان يؤيد عبدالفتاح إسماعيل وهناك من يعارضه لأسباب مختلفة.

    * ماذا كان موقف الكوبيين من الأحداث ، بخاصة وأن علاقة عبدالفتاح إسماعيل بالكوبيين وبالرئيس كاسترو كانت قوية ومتميزة ؟

    ـ لا أتذكر موقفاً محدداً ، لكنني ، كما أعلم ، فأن كثيراً من الأحزاب الشيوعية والاشتراكية لم تحبذ هذه الخطوة ، ولكن بعد تولي علي ناصر محمد رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب استطاع خلال فترة معينة أن يستعيد العلاقة مع كل الناس ومع كل الأحزاب ، وسارت الأمور بشكل جيد إلى أن حلت الأزمة اللاحقة ، وهي أزمة يناير 1986 .

    عهد علي ناصر

    * هل راكمت الفترة التي فصلت بين خطوة إقصاء عبدالفتاح إسماعيل في أبريل 1980 وأحداث يناير 1986 الخلافات بين الحلفاء الذين تخلصوا من رفيقهم القديم ؟

    ـ لاشك أن التحالفات تغيرت في الداخل والخارج أيضاً ، ففي الداخل حدثت إرباكات وزادت من الشكوك بين المتحالفين والخصوم ، وبطبيعة الحال ؛ فإن أحداث سالمين واستقالة عبدالفتاح إسماعيل شكلت الأساس للأزمات والإشكالات اللاحقة .

    وكان الاقتصاد الصعب ومتطلبات العصر والصراع الإقليمي كلها عوامل تشكل عملية ضغط على الحزب وتحد من تحقيق الأحلام التي كانت مطروحة من قبل في تحقيق العدل والسلام والاستقرار .

    * هذه الفترة بالذات شهدت تصفية الكثير من القياديين البارزين مثل محمد صالح مطيع ، عبدالعزيز عبد الولي ، حسين قماطه وغيرهم ، فهل كان ذلك في إطار مسلسل تصفية الحسابات بين حلفاء الأمس ؟

    ـ لاشك أن الطريقة التي جرت بها الأحداث السابقة خلقت بؤراً جديدة للصراع ، ولابد أن ننظر إلى هذه القضايا ليس كوقائع فردية ، بل من حيث النهج العام ، والمنهج العام الذي كان سائداً حينها أن المكتب السياسي هو الذي يقر كل شيء ثم اللجنة المركزية .

    بمعنى آخر أن الحياة السياسية في تلك الفترة كانت محتكرة في هذه المؤسسات ، على الرغم من أنها كانت تناقش تلك القرارات وتصوت عليها ، وعادة كانت تتم التغييرات أو " الانقلابات " ، إذا جاز التعبير من خلال المكتب السياسي واللجنة المركزية .

    كان من البديهي أن يؤدي هذا إلى سلسلة من المشاكل ، لأن الحياة الحزبية الداخلية كانت قائمة على المركزية الديمقراطية ، ولم تكن هناك طريقة سلمية لتداول السلطة في الحزب أو في المجتمع .

    من المعروف أنه في كل بلدان العالم الثالث التي تحكم بواسطة الحزب الواحد وبعيداً عن رقابة الشعب وعن المؤسسات كانت تتعرض لمثل هذه الأحداث التي تكون مدفوعة إما بالنزعات الذاتية على السلطة أو بأحلام وطموحات أيديولوجية .

    * ما هي شهادتكم عن حادثة التخلص من محمد صالح مطيع ؟

    كانت هناك معلومات عن اتصالات يجريها مع الخارج وغيرها من الأمور ، لكنني أستطيع القول إن إعدام مطيع كان خسارة للحزب الاشتراكي ولليمن ، وكانت مسألة إعدامه نتيجة منطقية للطريقة التي كانت تدار فيها الخلافات ، واعتقد أن الكثير من الشبهات والمعلومات والتقارير التي كانت تطرح عن مطيع كانت تدس على الحزب من خارجه ، وكانت تؤدي إلى مثل هذه النكبات.

    * شهدت الفترة التي حكم فيها الرئيس علي ناصر محمد في بداية الثمانينيات انفتاحاً يمنياً جنوبياً على الدول العربية ، وبرزت انتقادات على أداء الرئيس في توجهه هذا ، فهل اعتبر الانفتاح الذي انتهجه علي ناصر جزءاً من أزمة يناير 1986 ؟

    ـ لاشك أن السياسة التي اتبعها الأخ علي ناصر محمد في تلك الفترة كانت سياسة عملية ، وكانت في رأيي مفيدة للنظام في الجنوب ، لكنه كان هناك نقداً لها ، سواءً من الزاوية الأيديولوجية أو من زاوية الصراع على السلطة .

    في عهد علي ناصر ، تم على سبيل المثال تحسين العلاقة مع عمان ، وتم الشروع في المفاوضات حول قضية الحدود ، وكانت هذه من الخطوات الجريئة التي ساعدت النظام ، وخففت الحصار من حوله ، لكن الحزب لم يكن بكامله مستعداً لتفهم هذه الخطوات وتقبلها بشكل تلقائي ، فقد كانت التعبئة الأيديولوجية ما تزال قوية ، وكنا مأخوذين بالشعارات الثورية وبأهمية الصمود في وجه كل هذه التحديات ، ثم أن الاعتقاد بإمكانية تحقيق الاشتراكية والتقدم في وجود المعسكر الاشتراكي كان ما يزال قوياً .

    لقد جرى أيضاً في عهد علي ناصر تحسين العلاقة مع مصر وكثير من دول الخليج العربي ، وهذه الخطوات كانت تقر داخل المكتب السياسي للحزب ، وكان الكثيرون يتفق معه عليها ، لكن في أوساط الحزب وعدد من القياديين كانت مثل هذه الخطوات محل رفض .

    وفي تقديري ، فإن الأحداث السابقة كانت قد أدت إلى أزمة ثقة داخل الحزب ، وتضافرت مجموعة من العوامل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى تمهيد الطريق إلى كارثة 13 يناير 1986 وهي كارثة بكل المقاييس .
    [/color]
    --------------------------------------------------------------------------------
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-06-26
  19. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الفصل الرابع
    مرحلة ما بعد السجن
    [/color]

    [color=0000FF]على أبواب صنعاء

    تصفية سالمين

    إقالة عبد الفتاح

    عهد علي ناصر[/color]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [color=0000CC]* بعد خروجه من السجن في صنعاء .. إلى أين اتجه جارالله عمر ؟
    ـ خرجت من السجن في صنعاء مع عدد كبير من ضباط الجيش والشرطة ، وكان عمري حينها قد بلغ الـ27 عاماً ، وبدأت أفكر بالزواج ، حيث كانت والدتي تضغط علي في هذا الاتجاه ، وكنت وأنا في السجن قد صدمت بمأساة وفاة أختي مع أبنائها في غضون أسبوع واحد ، ومع ذلك تغلبت على أحزاني وقررت الزواج ، وكان ذلك العام 1972 .

    بعدها كنت اعتزم العودة إلى صنعاء ، وكنت قد فصلت بعد خروجي من السجن من الشرطة بصورة نهائية وتحولنا إلى السلك المدني وتوقفت مرتباتنا ، وكان الغرض من عودتي إلى صنعاء البحث عن عمل .

    في صنعاء أمر المرحوم عبدالله الحجري باعتقالي ، وكان حينها قد نشب قتال في المناطق الوسطى بين المقاومة الشعبية وبعض المشائخ والموظفين الحكوميين والاعتقالات كانت مستمرة ، فقررت مغادرة صنعاء إلى القرية ، وهناك اصطدمت بنزول حملة عسكرية كبيرة كان يقودها حينها قائد الجيش محمد الإرياني وإبراهيم الحمدي ( الرئيس الحمدي ) ، بهدف تصفية المقاومة الشعبية ، التي قامت كرد فعل على أحداث أغسطس 68.

    واستمرت المعارك في المناطق الوسطى وعرفت أنهم يبحثون عني في القرية ، وبعد اتصالات بصنعاء عرفت أنه لا إمكانية للعودة إلى هناك فقررت الاختفاء ، وظللت مختفياً في جبلة بمحافظة إب لعدة أشهر ، وبعدها استدعيت من قبل بعض الأخوة في عدن ، منهم المرحوم سلطان أحمد عمر ، ونزلت فعلاً ، وبقيت في عدن لفترة ، ثم عدت إلى إب ثم من جديد إلى عدن ، حيث استقريت فيها ، وكانت قوات صنعاء قد سيطرت مع أواخر العام 1972 و1973 على المناطق الوسطى .

    كان الصراع بين الشمال والجنوب حينها على أشده ، وكانت حرب العام 1972 بين الشمال والجنوب قد تركت آثاراً كبيرة بين الطرفين ، وأخذ المعارضون للنظام القائم في عدن ، وهو النظام اليساري الجديد بقيادة سالم ربيع علي وعبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد يهاجمون عسكرياً ، وتحولت الشمال إلى قاعدة للقوات المناوئة لنظام في عدن ، ونشبت معارك عديدة في مناطق مختلفة ، كما كان هناك في المقابل صراعاً مستعراً في المناطق الوسطى بين المقاومة الشعبية وقوات الجيش والمشائخ وانتشر ذلك الصراع إلى شرعب ، العدين وغيرها .

    يومها كان الحزب الديمقراطي الثوري منقسماً على نفسه ، وبدأ بالبحث عن سؤال : ما العمل ؟ ، خاصة وأنه كان هناك ضغطاً شديداً من النظام في عدن على الحزب لتأييد المقاومة المسلحة ، بعد أن كانت منظمة المقاومين الثوريين قد شكلت وبدأت بتنفيذ عمليات عسكرية في العديد من المناطق .

    كان المرحوم عبدالقادر سعيد هادي وعبدالحافظ قائد ويحيى عبدالرحمن الإرياني وأحمد زيد والكثير من أعضاء اللجنة المركزية يرون أن الأفضل هو الاستمرار في العمل الحزبي وخوض المعارك السياسية السلمية ، وكان طرف آخر بزعامة المرحوم سلطان أحمد عمر يرى بضرورة تأييد النضال المسلح القائم حينها في المناطق الوسطى ، خصوصاً وأن منظمة المقاومين الثوريين كانت قد بدأت تستقطب أعداداً من أنصار وأعضاء الحزب ، فيما عمليات الاعتقالات والتعذيب في السجون مستمرة وتلاحق أعضاء الحزب الديمقراطي الثوري وحتى مناصريه .

    * وأين كان جارالله عمر من هذا الانقسام ؟

    ـ وسط هذا الانقسام وقفت إلى جانب سلطان أحمد عمر مؤيداً للنضال المسلح ، وقد عقد الحزب مؤتمراً استثنائياً في عدن ، وشكلنا قيادة جديدة ، كان فيها سلطان أحمد عمر أميناً عاماً مساعداً ، وأعضاء في المكتب السياسي مثل عبد الوارث عبد الكريم وأحمد الحربي ، واستبعد المؤتمر اثنان من أبرز أعضائه من عضوية اللجنة المركزية ، وهما عبدالقادر سعيد هادي وعبدالحافظ قائد ، والثاني انتخب عضواً مرشحاً في اللجنة المركزية ، وكان ذات يوم شخصاً أولاً أو ثانياً في حركة القوميين العرب ، وكان هذا الاستبعاد على أساس أنهما يمثلان الجناح اليميني الذي كان يرفض الانخراط في المعركة المسلحة ، ولكنني أقول للتأريخ إن عبدالقادر سعيد ، كان الرجل الأكثر نضجاً والأكثر تطوراً منا جميعاً .

    * على ماذا كانت ترتكز فلسفة الحزب في قضية النضال المسلح ؟
    ـ كان هناك تأثيراً للأفكار الجيفارية والماوية التي تقول بإمكانية محاصرة المدن من الأرياف والاستيلاء على السلطة عن طريق الكفاح المسلح ، وقد كانت الحملات العسكرية ترسل من صنعاء إلى المناطق المختلفة ؛ فتدمر المنازل وتعتقل المواطنين من الرجال والنساء ، وتعدم كل من تشتبه في ممارسة الكفاح المسلح أو تأييده ، ولم تكن هناك إمكانية بعد ذلك لأي موقف وسط .

    * هل تندمون على شيء فعلتموه خلال تلك الفترة ؟

    ـ إذا نظرت إلى الأمر اليوم من الزاوية السياسية ؛ فقد كان الدفاع عن النظام في الجنوب مبرراً في ظل الهجوم الذي كان قائماً عليه من معارضيه لمحاولة إسقاطه ، ولكن من وجهة نظر موازين القوى وإمكانية الاستيلاء على السلطة عن طريق الكفاح المسلح لم يكن الخط السياسي الذي اتبع صائباً .

    أما من الناحية الأخلاقية ؛ فليس هناك شيء يمكن الندم عليه ، لماذا ؟ ، لأن الطرف الذي كان حاكماً في صنعاء كان ممسكاً بالسلطة بالقوة ، وصفى معارضيه في أحداث أغسطس بوحشية وارتكب مجازر ونصبت المشانق في صنعاء وغيرها .

    إذن من وجهة نظر العمل السياسي لم يكن هناك إمكانية لنجاح ذلك التكتيك لأن موازين القوى الداخلية كانت مختلفة ، ولم يكن النظام في عدن قادراً على تقديم الدعم الكامل للمقاومة ، كما أن حلفاءنا في الخارج كانوا يعارضون تلك السياسية ولاسيما الاتحاد السوفييتي ، الذي كان يضغط على الجنوب للقبول بسياسة التعايش بين النظامين القائمين في اليمن وعدم تدخل أي منهما في شؤون الطرف الآخر على أساس أن هناك دولتين ومعسكرين واتجاهين .

    * وماذا كان موقف القيادة في عدن من قضية النضال المسلح في الشمال ؟

    ـ في عدن كان هناك خطين أيضاً ، الأول بزعامة المرحوم الرئيس سالم ربيع علي ويقف إلى جانبه علي عنتر ، صالح مصلح قاسم وعلي شائع هادي يؤيد خيار النضال المسلح ، وكان هذا الخط يرى وجود إمكانية لإسقاط النظام في الشمال وتحقيق الوحدة اليمنية بالقوة .

    وكان هناك خط آخر في الحزب بقيادة عبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد وعدد من القيادات السياسية والمدنية يرى أن ذلك مغامرة وأحلام ثورية لا يوجد أساس واقعي لتطبيقها على الأرض ، وكان يستحسن الرأي القادم من قبل كثير من أنصار النظام ، وخاصة الأحزاب الشيوعية العالمية والاشتراكية في العالم العربي التي ترفض الكفاح المسلح وتراه توجهاً صينياً متطرفاً ، وقد استمر هذان الرأيان حتى جاءت حرب العام 1979 .

    على أبواب صنعاء

    * كان النظام في عدن وحلفائه في الشمال على أبواب صنعاء في حرب 1979 ، ألم تكن هناك رغبة فعلية لإسقاط صنعاء في تلك الفترة ؟

    ـ عملية الاقتراب من أبواب صنعاء تمت بعد استشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي وانقسام الحكم في صنعاء العام 1977 ، وكانت أعمال العنف قد توقفت تقريباً أثناء عهد الحمدي ، حيث بدأ يتحدث في خطاباته عن تجار الحروب وعن أهمية إيقاف العنف في اليمن ، كما بدأ بإجراء اتصالات مع النظام في الجنوب وببعض أفراد المقاومة والحزب الديمقراطي الصوري ، وثم إرسال الأخ عبد الحميد حنيبر إلى صنعاء لمقابلة الحمدي بصورة سرية ، وأخذت السياسات تتقارب ، فيما كان هناك وسط عديدين للبحث عن حلول للمشاكل التي كانت دائرة في تلك المناطق ، ودعا الكثير من الذين خاضوا الكفاح المسلح إلى مناطقهم ، وبدأ السلام يعم مناطق الصراع في المناطق الوسطى .

    لكن الحمدي ، على الرغم من تحسين العلاقة مع الجنوب في أيامه الأخيرة لم يستطيع أن يحول ذلك إلى سياسة علنية بسرعة ، حيث كانت هناك تداخلات في الأوضاع القائمة في صنعاء خصوصاً وأن السعودية وبعض دول الخليج كان لا يزال لها تأثيراً كبيراً على مجرى الصراع .

    وكان الحمدي يخشى من بعض القوى الموجودة في الجيش والأمن ، خصوصاً وأن محمد خميس كان لا يزال مهيمناً على الأمن ، إلى درجة كان ( الرئيس ) الحمدي يستقبل المقاومين بطريقة سرية .

    * هل حدث وأن التقيتم بالرئيس الحمدي ؟

    ـ أنا لم ألتق به ، لكن كثيرين ، من قادة المقاومة التقوا به ، وكان ذلك بموافقة القيادة ككل .

    * كيف جاء الانقلاب على الحمدي ؟ وماذا كان موقفكم يومها ؟

    ـ الانقلاب على الحمدي حدث فجأة وبطريقة غير متوقعة ، وقد أدى هذا الأمر إلى تغير المزاج الشعبي في الشمال ، حيث انتشرت ردود الأفعال على قتله في كل المناطق ، وهرب العديد من أنصاره إلى عدن ، ثم جاءت محاولة انقلاب الناصريين في أكتوبر 1978 ضد الرئيس الجديد علي عبدالله صالح ، وبعد فشل الانقلاب هرب الناصريون من قادة الانقلاب إلى عدن ، وجرت عمليات اعتقال واسعة ، واضطربت الأوضاع من جديد ، وتفاقمت لتصل إلى حرب فبراير 1979 التي شارك فيها الجيش في الجنوب وأفراد المقاومة المسلحة في المناطق الوسطى ومن شمال الشمال ، وهذا هو الجديد في الموضوع .

    وطبعاً انتصر الجيش في الجنوب ، لكن جامعة الدول العربية تدخلت بشكل قوي إلى جانب صنعاء ، وهددت سوريا والعراق بإرسال قوات إذا لم يتوقف القتال ، تلاها اتخاذ إجراءات ضد النظام في عدن ، وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس أحمد حسين الغشمي .

    في هذه الأثناء عاد الخلاف السياسي القديم داخل الحزب الاشتراكي للنشوب من جديد ، بين الطرف الذي يطالب بإيقاف العمل المسلح ووقف الدعم عنه كلياً وبين الطرف الذي يطالب بمواصلة الدعم للنضال المسلح على اعتبار أنه سينتصر في نهاية الأمر ، وكان عبدالفتاح إسماعيل قد أقيل من منصبه كرئيس للدولة وأمين عام للحزب لسبب موقفه من حرب 1979 وإصراره على إيقافها .

    * لكن عقدت قمة بين الرئيسين عبدالفتاح إسماعيل وعلي عبدالله صالح في الكويت في نفس عام الحرب ، ماذا كان هدف القمة وهل كنتم ضمن الوفد الجنوبي ؟

    ـ نعم ، كنت مع يحيى الشامي وسلطان أحمد عمر ، كما أتذكر إلى جانب عبدالفتاح إسماعيل وعدد آخر من المسؤولين في الجنوب ، وقد بحثت القمة مسألة نتائج الحرب ووقف العمل المسلح في الشمال وعدم تقديم أي دعم له واتفق على إقامة دولة الوحدة بعد عام من ذلك ، ولكن الاتفاق لم ينفذ وواصل الرئيس علي ناصر هذه المساعي من خلال عقد قمة بينه والرئيس علي عبدالله صالح في تعز بعد إقالة عبدالفتاح إسماعيل ووقعت اتفاقية بهذه الخصوص .

    * وماذا كان موقفكم من هذه التطورات ؟

    ـ لقد كان لدينا رغبة حقيقية للوصول إلى السلام ، ولكن الذي حدث أن صنعاء لم تلتزم بأي اتفاق ، وقد استمرت أجهزة المخابرات في تصفية قيادات الجبهة الوطنية وقياداتها ، حتى أن عدد الذي قتل بعد السلام وصدور العفو العام كان أكثر من الذي قتل من قبل ذلك .

    ومن الشواهد على ذلك اغتيال الشهيد عبدالسلام الدميني وأخويه في الوقت الذي كنا نتفاوض فيه مع الرئيس علي عبدالله صالح ، وقد قتلوا خنقاً وتم رميهم من رأس نقيل يسلح ، وقالوا إن الحادث كان مرورياً وليس جنائياً ، لكن الأطباء الصينيين أكدوا عدم صحة الرواية الرسمية ، وذلك عندما نقل الأخوة الثلاثة إلى أحد المستشفيات في مدينة ذمار .

    * هل خضتم حوارات مع الرئيس صالح ؟

    ـ نعم ، كانت هناك مفاوضات مع الرئيس ومع آخرين بمن فيهم الأخ محمد الرباعي ، الذي كان يومها ممثلاً للدولة ، كما كانت هناك مفاوضات مع آخرين شارك فيها الأخ إسماعيل الوزير ( وزير العدل السابق ) ، وكانت لقاءاتنا بالرئيس لأكثر من مرة .

    * على ماذا تفاوضتم ؟

    ـ كان الغرض من هذه المفاوضات هو التوصل إلى اتفاق حقيقي وجدي ، فقد كنا كما قلت سابقاً جادين في إيقاف العمل المسلح ، وكان هذا قرار الحزب الاشتراكي كله .

    وعندما جاءت قضية اغتيال الدميني ، كنا يحيى الشامي وأنا موجودين في صنعاء ووصلتنا رسالة من منظمة الحزب بصنعاء تقول إننا مستهدفان ، وسوف نغتال في مقر إقامتنا بفندق دار الحمد ، وأن هناك أشخاصاً جاهزون لقتلنا ، وربما يقتل هؤلاء الأشخاص بعد اغتيالنا ، وسوف يبررون ذلك بأنه نوع من الثأر للعمل المسلح في المناطق الوسطى ، في الوقت الذي لم نشارك في العمل المسلح بشكل مباشر ، لأننا سياسيون وبضاعتنا هي الكلام .

    بعد أن بلغنا هذا الخبر احترنا في كيفية التصرف ؛ فنحن لا نستطيع الاختفاء أو الانسحاب من صنعاء ، وكنا مكلفين بالوصول إلى اتفاق سياسي مع النظام في صنعاء ، ولم يكن مقبولاً أن نغادر دون التوصل إلى اتفاق .

    في هذه الأثناء جاء المرحوم عبدالله الخامري إلى صنعاء حاملاً رسالة إلى الرئيس علي عبدالله صالح ، وقابل يومها بعض المسؤولين في صنعاء ، وأخبرناه بأننا توصلنا إلى اتفاق كامل لإيقاف الحملات العسكرية والعمل المسلح معاً والسماح للناس بالعودة إلى ممارسة حياتهم العادية ، لكننا أخبرناه أننا لا نتوقع تنفيذ الاتفاق ، لأن جميع الذين عادوا إلى صنعاء تم اغتيالهم ، من بينهم عبد السلام الدميني ، كما قلنا له إنه يوجد لدينا معلومات عن وجود خطة لاغتيالنا في دار الحمد ، ولكن الخامري لم يصدق ذلك ، وطلب برهاناً على كلامنا ؛ فأخبرناه أن الموضوع حقيقي وأن أكبر برهان هو وجود قرار بعدم سفرنا ومغادرتنا صنعاء ؛ فقال حينها : لنختبر الموضوع .

    ذهبنا إلى محمد الرباعي واتفقنا معه على أن ننهي المحادثات ، وكان الرباعي قد بدأ يشعر بالقلق بعدما عرف بحادثة الدميني ، لأنه كان يفاوض باسم السلطة ، وقد اتفقنا على ذلك وعلى أن يعلم المسؤولين في صنعاء من أنه لا مانع من سفرنا وعودتنا إلى عدن ، وحدث ذلك فعلاً .

    وقررنا أن يسافر الأخ يحيى الشامي مع عبد الله الخامري أولاً ، حتى لا يؤدي سفرنا الاثنين إلى منعنا ، وفعلاً تحرك الشامي مع الخامري إلى المطار وصعدا معاً إلى الطائرة ، وقبل أن تقلع الطائرة أتى رجل الأمن وأخذوا الشامي من الطائرة ، وأعادوه ، وقالوا له أنت يريدك الرئيس ، وأعيد الشامي فعلاً إلى فندق دار الحمد ، وكنا نتوقع أن تتم تصفيتنا فعلاً في أية لحظة ، حتى أننا كنا نمزح فيما بيننا ، وكنت أقول للشامي : كيف تريد أن تموت ؟ هل واقف أو جالس ؟

    * ألم تتحرك القيادة في عدن في هذه الحالة ؟

    ـ بلى ، لأنه بعد وصول الخامري إلى عدن أخبر القيادة بالوضع ، وقال إن النظام في الجنوب يشعر بمسؤولية ، لأنه كان وسيطاً مسؤولاً بموجب اتفاق تعز .

    على أثر ذلك عقد المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اجتماعاً لهذا الغرض واتفق على إرسال طائرة إلى صنعاء لإعادتنا إلى عدن ، واتصل علي ناصر محمد وعلي عنتر بالرئيس علي عبدالله صالح ، وتحدثوا ذلك اليوم في تفاصيل كثيرة لا أريد التحدث حولها ، وهي متروكة للتاريخ .

    بعد ذلك تم استدعاؤنا إلى منزل الرئيس في الليل ، وتحدثنا مع الأخ علي ناصر عبر الهاتف ، وجرى الحديث عن الدميني مع الرئيس ، وقال الرئيس إنه حادث مروري ، فطلبنا منه التحقيق في الموضوع ووعد ، لكن ذلك لم يتم ، وقد لاحظنا أن الرئيس كان محرجاً تجاه القضية وأنه ربما تكون الواقعة قد تمت دون علمه ووضع أمام الأمر الواقع .

    وقد رفض الرئيس علي عبدالله صالح فكرة إرسال الأخوة في عدن طائرة لأخذنا وإعادتنا إلى عدن ، وقال إنه سيسمح لنا بالسفر ، وسافر الشامي فعلاً في اليوم الثاني ، أما أنا فقد سافرت عن طريق يريم برفقة وزير العدل إسماعيل الوزير وعبدالله البشيري ، حيث قضينا ليلة فيها ، ثم بعد ذلك تم مرافقتي بسيارة إلى الرضمة ومنها إلى دمت ومنها إلى عدن .

    وقد عرفت فيما بعد أنه جرت محاولات لاغتيالي في يريم أثناء مرورنا إلى دمت ، ولكن لم يؤذن للمنفذين في ذلك من صنعاء .

    * في لقاءاتكم مع الرئيس علي عبد الله صالح ، كيف وجدتم الرجل ؟

    ـ هذا السؤال صعب ، إذ لا تستطيع أن تقيم شخص تقييماً دقيقاً ومسؤولاً وأميناً وهو ما يزال يحكم ولديه كل القوة ويستطيع أن يلحق بك الضرر ، ولهذا ؛ فإما أن تكذب وتخادع ، وإما أن تقول كلاماً ستعاقب عليه ، ولذلك أعفني من الرد على هذا السؤال .

    تصفية سالمين

    * هناك الكثير من الكلام يقال عن دور أبناء الشمال في الصراعات الدامية التي شهدها النظام في الجنوب ، ما مدى صحة هذا الكلام ، وهل كان أبناء الشمال فعلاً سبباً في اندلاع الكثير من المواجهات الدامية في الجنوب ؟

    ـ نحن لم نكن طرفاً في أي صراع في الجنوب على الإطلاق ، ولكن على العكس من ذلك ؛ فقد كان الصراع داخل الحزب الاشتراكي في عدن يقسمنا على الأخوة المتصارعين فيه .

    عندما كنا في عدن في السبعينات حدث الصراع بين الرئيس سالم ربيع علي وخصومه ، لكننا لم نكن طرفاً فيه ، لأن الحزب حينها لم يكن تواجد في إطار الشمال والجنوب ؛ فقد كنا نعمل تحت اسم الجبهة الوطنية في الشمال كفصيل سياسي معارض ، وكانت الجبهة مكونة من حزب الطليعة الذي تحول من البعث ، الحزب الديمقراطي الثوري الذي تحول من حركة القوميين العرب ، منظمة المقاومين الثوريين ، حزب العمل ، كما دخل في بعض الفترات الناصريون والسبتمبريون في هذه الجبهة .

    كانت علاقتنا مع الأخوة في الجنوب هي علاقة تحالف وتفهم ، وعند اندلاع الخلاف بين الرئيس سالمين والآخرين لم نكن مرحبين به على الإطلاق ، كما لم نكن طرفاً فيه .

    كان البعض منا يتعاطف مع عبدالفتاح إسماعيل والبعض الآخر يتعاطف مع سالم ربيع ، وكنت شخصياً معجباً بصفات في كل منهما ، فقد كنت أرى في سالمين رجل دولة ولديه شيء من الكاريزما ، وعلاقتي به كانت أقدم من علاقتي بعبدالفاتح إسماعيل ، لأن سالمين أتى إلى صنعاء قبل أحداث أغسطس 68 وعشنا مع بعض ، وعندما نزلت إلى عدن كان أول من استقبلني فيها ، وكان سالمين رجلاً نشيطاً ويحسن علاقته بالآخرين ، وكنت معجباً بديناميكية الرجل وسرعة بديهته ، وقدرته على مجابهة الأحداث ، وكان باختصار رجلاً صاحب قرار .

    كنت من جهة ثانية أرى في عبدالفتاح إسماعيل مناضلاً ومفكراً وأديباً ، أما علي ناصر محمد ؛ فقد كانت لديه صفات جيدة ، وكان يدير الحكومة وقادراً على توظيف الطاقات والإمكانيات ويحسن الإدارة ويقوم بأعمال الحكومة على أكمل وجه بما فيها وزارة الدفاع .

    ويمكن القول إن الثلاثة كانوا مكملين لبعض ، وكنا نود أن يقودوا العملية السياسية في البلاد إلى نهايتها .

    * كيف تعاملتم مع الصراع بين سالمين وخصومه العام 1978 ؟

    ـ لقد فوجئنا بالصراع ، وعندما تم إقصاء سالمين وحدث القتال لم نعد قادرين على أن نؤثر في الأمر ؛ فبعد انتصار الطرف الذي كان ضد سالمين كان الوضع ممكن السيطرة عليه .

    أحداث سالمين كانت مرتبطة بما حدث في صنعاء بمقتل الرئيس الحمدي ثم مقتل الرئيس الغشمي ، والذي قتل من قبل الفدائي مهدي ، المعروف بـ " تفاريش " ، وتعني بالروسية " الرفيق " ، وذلك بتعليمات من سالمين الذي أعطى أمراً بذلك لصالح مصلح بناءً على طلب من صالح مصلح .

    وكان المرحومان سالم ربيع وصالح مصلح قد وعدا بأن لا يتركا حادثة مقتل الحمدي تمر دون أن يأخذا بالثأر ، لأنهما شعرا بالإهانة ، خصوصاً وأنه تم اغتيال الرئيس الحمدي عشية زيارته إلى عدن ، وهذا الانتقام حدث فعلاً من خلال قتل الرئيس الغشمي .

    خصوم سالمين اعتبروا أن هذا الحادث أضر كثيراً بالدولة في الجنوب ، لأنه تم من دون علم المكتب السياسي والحزب ، لهذا كان لا بد أن يتحمل الرئيس مسؤولية هذا القرار وتبعاته .

    صحيح أن موضوع قتل الغشمي كان محل ترحيب من الجميع على الرغم من عدم إشعارهم بذلك إلا أن خصوم سالمين اتخذوا ذلك كذريعة لتصفية الحساب معه ، فقد كان هناك خلافات داخلية ، وحسم الموضوع من دون أن نكون طرفاً فيه لا من قريب ولا من بعيد .

    وعلى أي حال ، فإن الجميع ندم على ذلك ، كل الأطراف بدون استثناء لأن مقتل سالمين كان في الحقيقة خسارة ، وأقول لك صراحة إن سالمين لو لم يقتل وأرسل إلى أثيوبيا ، كما تم الإتفاق عليه ومكث هناك كان لقيادة الحزب أن تعيده بعد مرور عدة أشهر .

    * لكن ماذا حدث بالضبط في ذلك اليوم ؟

    ـ أنا على يقين من أن سالم ربيع علي وخصومه لم يكونوا راغبين في الدخول في قتال مسلح ، لكن ما حدث أن أحد أفراد الحرس الخاص بالرئيس اعتبر أنه إذا سافر ؛ فسوف يتخلى عنهم ؛ فأطلق النار على مقر اجتماع المكتب السياسي في منزل علي ناصر وهناك أندلع القتال ، وبدأت المعارك واتخذ قرار بعدها بإعدام سالمين وبقية القصة معروفة .

    بعد ذهاب سالمين أتضح أنه ترك فراغاً كبيراً لم يملؤه أحد ، وكان فعلاً يعد ركناً ثالثاً إلى جانب عبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد ، وفي رأيي فإن أحداث سالمين 1978 كانت بداية الإنكسار لما حدث لاحقاً ، لأن هذا الخلاف أثر كثيراً ووضع الجذور للصراعات التي تلاحقت فيما بعد .

    إقالة عبد الفتاح

    * وما هي حكاية إقصاء عبدالفتاح إسماعيل من السلطة في إبريل 1980 خاصة وأنه لم يستمر في منصبه أكثر من عام ؟

    ـ بقي عبد الفتاح إسماعيل بعد رحيل سالمين في وضعه السابق كأمين عام للحزب ، فيما تولى الأخ علي ناصر رئاسة الدولة ، وكان هذا وضع مناسب وطبيعي ؛ فتوزيع السلطة بهذا الشكل وفصل رئاسة الدولة عن أمانة الحزب كان إجراءً ملائماً ، ويتفق مع متطلبات الأوضاع القائمة ، لكن التطورات التي تلت ذلك ، وهي محاولة التشبه بالأوضاع القائمة في الاتحاد السوفيتي ، عندما كان ليونيد برجينيف يجمع بين منصبي رئاسة الدولة وأمانة الحزب نشأت مقترحات بأن يجمع عبدالفتاح إسماعيل بين منصبين : رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب .

    وفي اعتقادي أن هذا كان إجراءً غير ملائم ، لأن إقصاء علي ناصر من رئاسة الدولة قد خلق بعض الحساسيات من ناحية ، ومن ناحية ثانية راكم المسؤولية على عبدالفتاح إسماعيل ، بينما كانت مواصفاته وإمكانياته أن يقتصر دوره على رئاسة الحزب ، ويكون بمثابة " المرشد العام " ، إذا صح التعبير ، الأمر الذي خلق جواً من الانتقادات لأداء عبدالفتاح في منصب رئاسة الدولة ، على الرغم من أن مجلس الوزراء كان يقوم بالعبء الرئيس في الأمور التنفيذية .

    وهكذا بعد أن أصبح عبدالفتاح إسماعيل رئيساً للدولة وأميناً عاماً للحزب حدثت بعض التطورات ، التي فاقمت من الخلافات ، من ضمنها الآثار التي ترتب على حرب 79 مع الشمال والكيفية في التعامل مع النظام في صنعاء ، فقد لعب عبدالفتاح إسماعيل دوراً رئيسياً في إيقاف الحرب ، كما أن السوفييت والجامعة العربية ضغطوا من أجل إيقاف الحرب ، ونشأ على إثر ذلك موقف نقدي تجاه عبدالفتاح إسماعيل عند إيقاف القادة ، الذين كانوا متحمسين لمواصلة واستمرار الحرب ، واعتبروا عبدالفتاح مسؤولاً عن التراجع الذي حصل ، خصوصاً بعد اتفاق الكويت .

    * و من كان يقود التيار المعارض لعبد الفتاح إسماعيل ؟ .

    ـ كانت هذه الملاحظات موجودة عند الأخ صالح مصلح قاسم تحديداً ، ومحمد صالح مطيع وعلي سالم البيض وعند الأخ علي عنتر وعلي شائع هادي ويعارضون عبدالفتاح لأسباب مختلفة.

    وكانت في ذلك الوقت قد تسربت أنباء عن تغييرات محتملة في قيادة الحزب ، وأن عبدالفتاح ينوي إحداث هذه التغييرات لصالحه ، ثم بدأت تظهر بعض الملاحظات حول أداء عبدالفتاح في الرئاسة ، وقيل يومها إنه يكثر من الجلوس مع الأدباء والكتاب والمثقفين .

    إلى جانب ذلك كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية متأزمة ، حيث أن الدولة في الجنوب كانت محاصرة في الواقع من جميع الدول ، سواءً الخليج أو الشمال .

    من هنا بدأت الخلافات تظهر داخل المكتب السياسي ، وتطور الأمر إلى درجة أن كثيراً من أعضاء المكتب السياسي من الذين كانوا في الجبهة القومية ثم في قيادة الحزب الاشتراكي عبروا عن رأيهم ، وقالوا إنه لابد لعبدالفتاح إسماعيل أن يستقيل من رئاسة الدولة ، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى المطالبة باستقالته من رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب .

    * هل كان من بين هؤلاء الرئيس علي ناصر محمد ؟

    ـ موقف الأخ علي ناصر محمد في هذه الأزمة كان بارزاً ، ولكن كان من الواضح أن الأزمة بدأت بوجود مشكلة بين وزارتي الدفاع التي كان علي عنتر يومها وزيراً لها ، وبين وزارة أمن الدولة ، التي كان محمد سعيد عبدالله ( محسن ) وزيراً لها ، وهنا تطور الموقف إلى خلاف مع عبدالفتاح إسماعيل ، وظهر في المكتب السياسي انقسام حقيقي تجاه الموقف من عبدالفتاح ؛ فبينما كان البعض مثل علي عنتر ، علي شائع هادي ، صالح مصلح ومحمد صالح مطيع ، مع أن الأخير كان من أنصار عبدالفتاح ، وآخرين كثيرين يؤيد استقالة عبدالفتاح ، كان هناك قسم آخر من بعض الأخوة المثقفين ، الذين أتوا من مختلف الفصائل السياسية ، مثل أبوبكر باذيب ، أنيس حسن يحيى وعبدالغني عبد القادر يعارض هذه الاستقالة .

    وكنا الممثلين للشمال في المكتب السياسي محتارين ؛ فمن ناحية لدينا ملاحظات على الأداء العام كله ، ولدينا شيء من النقد على ما حصل بعد حرب 1979 ، كانت علاقتنا بعبدالفتاح إسماعيل والطرف الآخر جيدة ، ولكن بعد جدل وحوار اقتنعنا إنه تجنباً لأي تطور للأزمة ، فإن استقالة عبدالفتاح يمكن أن تؤدي إلى تجنب هذه الأزمة .

    وأتذكر أن السفير السوفيتي في عدن كان حينها معارضاً لاستقالة عبدالفتاح ، لكن الأخوة في المكتب السياسي أصروا على ذلك ، وبعد مناقشات جانبية وصل المكتب السياسي ، بأغلبية كبيرة إلى قرار يطلب فيه من عبدالفتاح إعلان استقالته ، وعلى أن تكون هناك تسوية من نوع ما ، وهذه التسوية تقوم على تخلي عبدالفتاح من رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب ، وأن يتسلم هذين المنصبين علي ناصر محمد مقابل تكريم عبدالفتاح واستحداث منصب رئاسة الحزب كنوع من الإخراج الذكي للأزمة .

    * استوقفكم قليلاً في هذه النقطة ، وأسألكم : كيف أقر المكتب السياسي مثل هذا القرار الهام في حياة رئيس الدولة والحزب في غياب المعني بالأمر ، وهو عبدالفتاح إسماعيل ؟

    ـ الحالة يومها كانت ذات طبيعة استثنائية ، لقد كان الشيء الصحيح هو أن يجتمع المكتب السياسي بحضور عبدالفتاح ، ولكن في جو الأزمة المتفاقمة إرتأى الكثير من أنه لا لزوم لحضوره ، حتى لا يحدث تنابزاً أو نوعاً من الإساءة .

    * ومن رأس الاجتماع إذن ؟

    ـ أعتقد أن الذي رأسه الأخ علي ناصر محمد ، وقد كانت خلفيات وجذور الأحداث الماضية وآثارها مؤثرة وحاضرة في هذا الأزمة ، لأنه ترتب عليها آثار مأساوية وسلبية ، فقد كان بعض القادة لا يزال معتقلاً ، بمن فيهم علي صالح عباد ( مقبل ) ، ومحمد سعيد عبدالله ( محسن ) كان قد أبعد إلى الخارج ، ولذلك كان هناك نوعاً من التسوية ، وإن لم تكن مؤسسية أو ديمقراطية .

    * من نقل إلى عبدالفتاح إسماعيل خبر قرار المكتب السياسي بضرورة استقالته ، علمنا أنكم كنتم واحداً ضمن وفد ذهب لتسليمه القرار ؟

    ـ نعم ، كنت واحداً من بين الذين ذهبوا إلى منزل عبدالفتاح إسماعيل بمعاشيق ، وكان قراراً من المكتب السياسي قد اتخذ لانتداب وفد مكون من أنيس حسن يحيى ، جارالله عمر وعبدالعزيز عبدالولي لإبلاغ عبدالفتاح بالأمر ، وقد كان اختيار هذه الأسماء على اعتبار أن علاقة هؤلاء بالطرفيين جيدة ، بل أنهم كانوا متعاطفين مع عبدالفتاح إسماعيل .

    * بمن فيهم جارالله عمر ؟

    ـ نعم ، بمن فيهم جارالله عمر ، فقد كنت متعاطفاً معه ، ولكن كان هناك حرصاً على تجنب وقوع أزمة .

    * كيف وجدتم الرجل عند ذهابكم إليه لتسليمه قرار الاستقالة ؟

    ـ لقد فوجئ بالقرار ولم يكن يتوقعه ، وسألنا عن الأسباب ؛ فقلنا له إن ذلك يأتي تجنباً للأزمة ، وبعد هنيهة من التفكير قال إنه إذا كانت هذه إرادة الحزب ورغبة أعضاء المكتب السياسي ، بما في ذلك أنتم ، فأنا على استعداد لفعل ذلك ، وتناول القلم وكتب تلك الاستقالة المشهورة ، وقبل أن يكمل جاء فضل محسن متحفزاً ، وكان موجوداً في نفس المكان ، وفي لحظة سريعة انتزع ورقة الاستقالة من يد عبدالفتاح إسماعيل ، وقال له : لن تستقيل ولن تكتب الاستقالة ، لأن الحزب لا يوافق على ذلك .

    ولم يكن فضل محسن يومها عضواً في المكتب السياسي للحزب ، لكنه كان قيادياً في الجبهة القومية وفي الوقت نفسه مقرب من عبدالفتاح .

    وقد اتجه عبدالفتاح إلى فضل محسن لإقناعه وواصل كتابة الاستقالة ، ولم أعد أتذكر هل الاستقالة كتبت في نفس الورقة التي انتزعها فضل محسن ، أم أن عبدالفتاح كتبها على ورقة أخرى .

    بعد ذلك سلمنا الاستقالة إلى المكتب السياسي ، ثم طرحت على اللجنة المركزية ، حيث لقيت معارضة كبيرة للقرار ، لكن القرار في النهاية حصل الأغلبية ، وكان بعض أعضاء اللجنة المركزية قد طالب بحضور عبدالفتاح اجتماع اللجنة المركزية ، لكنه لم يحضر .

    * ألم تجر اتصالات بعبدالفتاح إسماعيل من قادة الجيش مثلاً للوقوف معه ، لا تنس أن الرجل كان رئيس دولة وأميناً عاماً للحزب منذ 1969 ؟

    ـ حصلت اتصالات كثيرة من بعض ضباط الجيش الذين أبلغوا عبدالفتاح أنهم يرفضون استقالته وأنهم على استعداد للوقوف إلى جانبه ، ولكن عبدالفتاح إسماعيل كان رجلاً عاقلاً ، مثقفاً ينظر إلى البعيد ؛ فأقنع الجميع أنه طالما النظام والحزب هما الباقيان ، فهذا هو الأهم ، وأنه لا يمكن أن يدخل البلاد في أزمة أخرى ، ولم يتخذ أي إجراء مخالف على الإطلاق .

    كان لدى عبدالفتاح عدد قليل من الحرس في حدود 10 أشخاص ؛ فأمرهم بالتزام الهدوء وعدم فعل أو قول أي شيء ، وأشهد اليوم أن عبدالفتاح إسماعيل كان رجلاً بعيد الأفق وهو الزعيم اليمني الوحيد الذي أخذ هذا الموقف وجنب البلاد والحزب الأسوأ .

    حدثت هذه التطورات في أيام ، ثم منح عبدالفتاح وسام ثورة 14 أكتوبر من قبل الرئيس الجديد علي ناصر محمد ، وبعدها غادر إلى موسكو وأقام فيها لمدة خمسة أعوام .

    * كيف قستم رأي الشارع من هذه التطورات ؟

    ـ الحقيقة لم يكن هناك قياساً لرأي الشارع بشكل دقيق ؛ فمن الواضح أنه كان هناك انقساماً في الحزب وفي الشارع أيضاً ؛ فهناك من كان يؤيد عبدالفتاح إسماعيل وهناك من يعارضه لأسباب مختلفة.

    * ماذا كان موقف الكوبيين من الأحداث ، بخاصة وأن علاقة عبدالفتاح إسماعيل بالكوبيين وبالرئيس كاسترو كانت قوية ومتميزة ؟

    ـ لا أتذكر موقفاً محدداً ، لكنني ، كما أعلم ، فأن كثيراً من الأحزاب الشيوعية والاشتراكية لم تحبذ هذه الخطوة ، ولكن بعد تولي علي ناصر محمد رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب استطاع خلال فترة معينة أن يستعيد العلاقة مع كل الناس ومع كل الأحزاب ، وسارت الأمور بشكل جيد إلى أن حلت الأزمة اللاحقة ، وهي أزمة يناير 1986 .

    عهد علي ناصر

    * هل راكمت الفترة التي فصلت بين خطوة إقصاء عبدالفتاح إسماعيل في أبريل 1980 وأحداث يناير 1986 الخلافات بين الحلفاء الذين تخلصوا من رفيقهم القديم ؟

    ـ لاشك أن التحالفات تغيرت في الداخل والخارج أيضاً ، ففي الداخل حدثت إرباكات وزادت من الشكوك بين المتحالفين والخصوم ، وبطبيعة الحال ؛ فإن أحداث سالمين واستقالة عبدالفتاح إسماعيل شكلت الأساس للأزمات والإشكالات اللاحقة .

    وكان الاقتصاد الصعب ومتطلبات العصر والصراع الإقليمي كلها عوامل تشكل عملية ضغط على الحزب وتحد من تحقيق الأحلام التي كانت مطروحة من قبل في تحقيق العدل والسلام والاستقرار .

    * هذه الفترة بالذات شهدت تصفية الكثير من القياديين البارزين مثل محمد صالح مطيع ، عبدالعزيز عبد الولي ، حسين قماطه وغيرهم ، فهل كان ذلك في إطار مسلسل تصفية الحسابات بين حلفاء الأمس ؟

    ـ لاشك أن الطريقة التي جرت بها الأحداث السابقة خلقت بؤراً جديدة للصراع ، ولابد أن ننظر إلى هذه القضايا ليس كوقائع فردية ، بل من حيث النهج العام ، والمنهج العام الذي كان سائداً حينها أن المكتب السياسي هو الذي يقر كل شيء ثم اللجنة المركزية .

    بمعنى آخر أن الحياة السياسية في تلك الفترة كانت محتكرة في هذه المؤسسات ، على الرغم من أنها كانت تناقش تلك القرارات وتصوت عليها ، وعادة كانت تتم التغييرات أو " الانقلابات " ، إذا جاز التعبير من خلال المكتب السياسي واللجنة المركزية .

    كان من البديهي أن يؤدي هذا إلى سلسلة من المشاكل ، لأن الحياة الحزبية الداخلية كانت قائمة على المركزية الديمقراطية ، ولم تكن هناك طريقة سلمية لتداول السلطة في الحزب أو في المجتمع .

    من المعروف أنه في كل بلدان العالم الثالث التي تحكم بواسطة الحزب الواحد وبعيداً عن رقابة الشعب وعن المؤسسات كانت تتعرض لمثل هذه الأحداث التي تكون مدفوعة إما بالنزعات الذاتية على السلطة أو بأحلام وطموحات أيديولوجية .

    * ما هي شهادتكم عن حادثة التخلص من محمد صالح مطيع ؟

    كانت هناك معلومات عن اتصالات يجريها مع الخارج وغيرها من الأمور ، لكنني أستطيع القول إن إعدام مطيع كان خسارة للحزب الاشتراكي ولليمن ، وكانت مسألة إعدامه نتيجة منطقية للطريقة التي كانت تدار فيها الخلافات ، واعتقد أن الكثير من الشبهات والمعلومات والتقارير التي كانت تطرح عن مطيع كانت تدس على الحزب من خارجه ، وكانت تؤدي إلى مثل هذه النكبات.

    * شهدت الفترة التي حكم فيها الرئيس علي ناصر محمد في بداية الثمانينيات انفتاحاً يمنياً جنوبياً على الدول العربية ، وبرزت انتقادات على أداء الرئيس في توجهه هذا ، فهل اعتبر الانفتاح الذي انتهجه علي ناصر جزءاً من أزمة يناير 1986 ؟

    ـ لاشك أن السياسة التي اتبعها الأخ علي ناصر محمد في تلك الفترة كانت سياسة عملية ، وكانت في رأيي مفيدة للنظام في الجنوب ، لكنه كان هناك نقداً لها ، سواءً من الزاوية الأيديولوجية أو من زاوية الصراع على السلطة .

    في عهد علي ناصر ، تم على سبيل المثال تحسين العلاقة مع عمان ، وتم الشروع في المفاوضات حول قضية الحدود ، وكانت هذه من الخطوات الجريئة التي ساعدت النظام ، وخففت الحصار من حوله ، لكن الحزب لم يكن بكامله مستعداً لتفهم هذه الخطوات وتقبلها بشكل تلقائي ، فقد كانت التعبئة الأيديولوجية ما تزال قوية ، وكنا مأخوذين بالشعارات الثورية وبأهمية الصمود في وجه كل هذه التحديات ، ثم أن الاعتقاد بإمكانية تحقيق الاشتراكية والتقدم في وجود المعسكر الاشتراكي كان ما يزال قوياً .

    لقد جرى أيضاً في عهد علي ناصر تحسين العلاقة مع مصر وكثير من دول الخليج العربي ، وهذه الخطوات كانت تقر داخل المكتب السياسي للحزب ، وكان الكثيرون يتفق معه عليها ، لكن في أوساط الحزب وعدد من القياديين كانت مثل هذه الخطوات محل رفض .

    وفي تقديري ، فإن الأحداث السابقة كانت قد أدت إلى أزمة ثقة داخل الحزب ، وتضافرت مجموعة من العوامل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى تمهيد الطريق إلى كارثة 13 يناير 1986 وهي كارثة بكل المقاييس .
    [/color]
    --------------------------------------------------------------------------------
     

مشاركة هذه الصفحة